← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الناس، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد الله إن هاهنا إنسانا مبتلى من أمره كذا ومن أمره كذا فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول لي كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه أجرا غيرها، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني أن أجلدك مئة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب به، فأخذ شماريخا (١) مائة فضربها به ضربة واحدة (٢). وقال مجاهد: الأَسَل (٣). وقال ابن جبير: الضغث ما يقع من السنبل (٤).

стр. 1507

وقال قتادة: عودا فيه تسعة وتسعون عودا والأصل تمام المائة فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادها الشيطان بعض الأمر، فقال لها: قولي لزوجك يقول: كذا وكذا، فقالت، فحلف حينئذ ليضربنها، فضربها تلك الضربة، فكانت تَحِلَّة ليمينه وتخفيفا لامرأته (١). وقال عبيد بن عمير: حلف ليضربنها مئة سوط (٢). وقال مجاهد: هي لأيوب خاصة رخصة (٣). والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا (٤) قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٥) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به (٦).

стр. 1508

ومن سورة الغرف وهي الزمر . قوله : ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ (١). قال عطاء: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاهربوا (٢). وقال ابن جبير: مجانبة أهل المعاصي، ومن أُمر بمعصية فليهرب (٣). وقال مجاهد: إن أرضي (٤) (٥) فهاجروا واعتزلوا الأوثان (٦). وهذا ـ والله أعلم ـ إذا عجز عن إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وخاف على نفسه، وكانت المعاصي مظهرة معلنا بها، وجب على كل مؤمن الانتقال عن ذلك البلد.

стр. 1509

ومن سورة المؤمن . قوله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١). قال ابن عباس: الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا رأى من القوم لحظة نظر إليها، فإذا خاف أن يفطنوا له غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها (٢). وقال العلاء بن زياد (٣): هذه هي النظرة الأولى فما بال الآخرة (٤). وقال جرير بن عبد الله (٥): ? سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري? (٦). وقال عتبة (٧) قال لي أبو موسى الأشعري: ما لي أرى عينك نافرة؟ فقلت: إني التفت التفاتة فإذا بجارية منكشفة فلحظتها لحظة، فصككتها صكة، فصارت إلى ما ترى،

стр. 1510

فقال أبو موسى: استغفر ربك! فإنك قد ظلمت عينك، لك أول نظرة وعليك ما بعدها (١).

стр. 1511

ومن سورة حم السجدة . قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) قُرِئت هذه الآية عند أبي بكر، قال: هم الذين (٢) يشركون بالله بعد إيمانهم (٣). وقرأ عمر هذه الآية ـ على المنبر ـ وقال: ولم يروغوا روغان الثعلب (٤). وقال مجاهد وجماعة مثل ذلك (٥). وقال أبو العالية: أخلصوا له الدين والعمل (٦). وكان الحسن يقول: اللهم ارزقنا الاستقامة، ويتلو: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧) هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله (٨). وقال زيد بن أسلم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٩) وحدوا الله

стр. 1512

ثم استقاموا على طاعته، وندموا على تفريط إن كان، تأتيهم الملائكة عند الموت فتقول: لا تخف مما أنت قادم عليه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، ويذهب الله خوفه وحزنه وتبشره الملائكة بالجنة (١). وكذلك قال مجاهد: أنها عند الموت (٢)، وكذا هو، والله أعلم (٣). قال الله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٤). روي عن ابن عباس ﵁: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (٥) قال: هما الرجلان يتقاولان فيقول أحدهما لصاحبه: يا صاحب كذا وكذا، قال: يدفع السيئة يقول: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك (٦). وقال عطاء: يقول: السلام عليكم (٧). وقال (٨) قتادة ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٩) قال: الجنة (١٠).

стр. 1513

وقال الحسن: كان رجل في حلقتنا فسمع الآية فقال: أعدها، ثم قام إلى رجل بينه وبينه شيء فكلمه، قال الحسن: كذلك المؤمن إذا سمع شيئاً انتفع به (١). ومعنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (٢) قابل من أساء بالإحسان يجتمع لك الثوابان، ويندم المسيء. وأما الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ (٣) فهذه توجب على المسلم العاقل معاشرة الصديق والعدو بالجميل، فأما الصديق فتتمكن مروءته ويزيد إخلاصه، وأما العدو فلعله يندم فإن لم يندم أمسك وقل أذاه. (٤) وقد روي عن النبي ﷺ أن السجدة في هذه السورة بالآية الأولى (٥). وكان مسروق وأصحاب عبد الله (٦) وأبو عبد الرحمن السلمي (٧) وإبراهيم (٨) وأبو صالح يحي بن وثاب (٩) وطلحة (١٠) وزبيد (١١) يسجدون في الآية الأولى من حم السجدة (١٢).

стр. 1514

وقال نافع (١) ابن عمر: إنه كان يسجد بالأولى (٢).

стр. 1515

وكان الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومالك بن أنس، يرون السجود في هذه السورة عند قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) وكان ابن عباس ﵁ يسجد في الآيتين من حم السجدة وفي الآخرة ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٢)، وأبو وائل (٣) وبكر بن عبد الله المزني (٤) وقتادة يسجدون عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٥). قال الله : (٦) ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٧).

стр. 1516

قال مجاهد والضحاك: هذا وعيد (١)، بل هو مجاوز الوعيد. وقال أبو عبيدة: هذا وعيد وزجر وإن كان بلفظ الأمر (٢). قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٣). قال قتادة: لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقا، ولا يحق منه باطلاً (٤). وقال الحسن: حفظه الله عز وعلا من الشيطان، فلا يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً، وتلا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥).

стр. 1517

ومن سورة حم عسق . قوله عز وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (١) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع، قال: قال قتادة: الحلال والحرام (٢). وقال الحكم (٣): جاء نوح بشريعة تحرم الأمهات والأخوات والبنات (٤). وقال أبو العالية: الإخلاص لله وعبادته لا شريك له، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ لا تتعادوا عليه وكونوا عليه إخوانا ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ الإخلاص له. (٥) ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) نجتبيهم من الشرك إلى الإخلاص. وقال مجاهد: ما وصى به نوحا وصاك به وأنبياءه كلهم، دينا واحدا ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يخلص لنفسه من يشاء. (٧)

стр. 1518

قال الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١). قال إبراهيم (٢): كان يكره لهم أن يستذلوا، قالوا: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. (٣) وهذا عندي ـ والله أعلم ـ فيما كان لله ﵎، من أمر بحق أو نهي عن باطل ومنكر، فمن فعل ذلك لا ينبغي له أن يصبر على المذلة، بل يعز نفسه ففي ذلك إعزاز الدين، فأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة، فصبر واحتسب فذلك حسن، وفاعله لَحَقه من الله التوفيق، وما يلقى مثل ذلك إلا الذين صبروا ومُنّ عليهم بالحظ العظيم. قال الله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤). السيئة هاهنا قد تكون القتل، والجراح، والقذف، والسب، وتعد في المال، وغير ذلك من أفعال القبيحة، فمن فُعل به شيء من ذلك فالعفو فيه أفضل، وإن أحب القصاص فله أن يفعل مثل الذي أتي إليه وجني عليه، لا يتعداه بزيادة ولا يعدل بالعقوبة إلى غير فاعله، وقد تؤخذ من الجراح المال ومن تخريق الثوب قيمته وما أشبه ذلك، فليس المعاقب يسيء إذا لم يتعد حقه. وإنما سمي بالإساءة للمجاورة فقيل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فسمي المقتص باسم المبتدئ المسيء، كما قيل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٥)

стр. 1519

والأول ليس بمعاقِب إنما المعاقِب المجازي، ولكنه سمي باسم المقتص للمجاورة، والله أعلم. قال الله : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١). كل من فعل فعلا ليس له أن يفعله فهو ظالم، ولمن فُعِل به أن يقتص وهو انتصاره ولا سبيل عليه ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٢) فأما المظلوم فله السبيل إلى أخذ حقه وما وجب له في بَشَرِه أو مال، والله أعلم. قال الله عز وعلا: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٣). روى سعيد بن زيد (٤) عن عثمان الشحام (٥) قال: حدثني محمد بن واسع (٦) قال: قدمت من مكة فإذا على الحِلَقِ مَنْظَرَة (٧) فأخذوني، فانطلقوا بي إلى مروان (٨) وهو أمير على البصرة فرحب بي وقال: ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ أن تكون

стр. 1520

كما قال أخو بني عدي العلاء بن زياد (١) استعمل صديقا له على عمل، فكتب إليه أما بعد: إن استطعت ألا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية، فقال مروان: صدق ـ والله ـ ونصح، ثم قال: حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم (٢). قال بكر: وهذه الآية والذي قال فيها محمد بن واسع قول حسن، قصد به لأمر الآخرة (٣) لأنها مَقْصِده ومقصد أمثاله، ويدخل فيها من الفقه أمر الدنيا ـ أيضا ـ أن لكل مظلوم مقالا على الظالم، وسبيلا إلى مطالبته واستيفاء حقه، ألا ترى أنه قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٤).

стр. 1521

ومن سورة الزخرف . قوله : ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١). قال سليمان بن يسار: كان قوم في سفر وكان معهم رجل على ناقة رازم (٢)، فكانوا إذا ركبوا قالوا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، فقال هو: أما أنا فقد أصبحت لهذه مقرنا، فقمصت به (٣) فوقع فاندقت عنقه (٤). وقال أبو جعفر محمد بن علي وركب على جمل صعب، فقيل له: أما تخاف أن يصرعك! فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ? على كل سنام بعير شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا اسم الله كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله ? (٥) وركب علي رضوان الله عليه دابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوي على الدابة قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ حتى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٦) ثم قال: الحمد لله ثلاثا، والله أكبر ثلاثا، اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقلنا ما يضحكك؟ قال: رأيت رسول الله صنع كما صنعت، وقال كما

стр. 1522

قلت ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ? إن العبد إذا قال: اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره? (١) وروي عن الحسين بن علي رضوان الله عليه أنه علم رجلا مثل ذلك (٢). وكان علقمة (٣) إذا ركب يقول ذلك (٤). وقال مجاهد: يُفعل ذلك في الإبل والخيل والبغال والحمير إذا رُكبت (٥). وقال قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقول: في القوة (٦). قال الله عز وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧). ليس يشفع عيسى، ولا عزير، ولا الملائكة، إلا لمن وَحَّدَ الله وشهد بشهادة الإخلاص، وهو يعلم أن الله ﵎ حق، وكل من دونه عبد له، من عيسى وعزير وغيرهم، فأما من لم يشهد بهذه الشهادة موقنا من قلبه، عارفا بأن كل من ادعى من عيسى وعزير وغيرهما من دون الله باطل فلا يشفع له شافع، والله أعلم.

стр. 1523

لم يأت في الدخان والجاثية بتفسير. ومن سورة الأحقاف. قال الله ﵎: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (١) قال وهب بن كيسان (٢) وغيره: إن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لقيني عمر بن الخطاب وقد اشتريت لحما بدرهم، فقال: ما هذا! فقلت: لي نسوة وصبيان قَرَمَوا (٣) إلى هذا اللحم واشتهوه، وقال: إذا اشتهى أحدكم اللحم اشتراه (٤) وجاره وابن عمه طاو إلى جنبه، قال: فأعاد ذلك عليّ حتى ظننت ألا أنجو منه، ثم تلا هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (٥). وقال الحسن: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين ألا تصيب من طيب الطعام؟ فقال: إني سمعت الله ذكر قوما في كتابه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ فوالله لولا ذلك لشركتكم في طيب الطعام، قال: وكان عمر يخاصم بالقرآن (٦).

стр. 1524

وهذا من عمر وابن عمر (١) لما كانا عليه من الشديد على أنفسهما، وكلما زاد إيمان العبد اشتد خوفه، وكلما قويت معرفته بالله كان أشد خوفا، ولم يحرم الله ﵎ ما خلق من الطيبات إذا قدر عليها من الحلال، وإنما تركها من تركها خوفا من الفتنة بها، وأن تكون ذريعة إلى المحرمات إشفاقا، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم (٣)، وحدثني أبي (٤) قالا: حدثنا محمد بن يسار بُنْدار (٥) قال: حدثنا يحي بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان ابن سليم (٦)، عن أبي سلمة (٧)، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: ? الخط? (٨).

стр. 1525

وروى ابن عيينة، عن صفوان، عن عطاء، أن رسول الله ﷺ سئل عن الخط؟ فقال: ? علم علمه نبي فمن وافق علمه علم? قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة، فقال لي أبو سلمة: فحدثت به ابن عباس فقال: هي أثارة من علم (١). ورواه أبو أحمد الزبيري (٢) عن سفيان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ورواه إسماعيل (٣) عن نصر بن علي، عن أبي أحمد. وقال الحسن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ شيء يستخرجه (٤). وقال الكلبي (٥): شيئا تأثرونه عن غيركم (٦). وقد قرئ: ﴿أثَرة﴾ وقرئ ﴿أثارة من علم﴾ (٧) على معنى علم يأثرونه عن غيرهم، قال الراعي (٨):

стр. 1526

وذاتِ إثارة أكَلَتْ عليه ... نباتا في أكمته قَفارا (١) أي: بقية من شحم أكلت عليه، ومن قرأ ﴿أثرة﴾ فهو مصدر تَأْثِرَة وتَذْكِرة، واللغة تحتمل المعنيين جميعا، قال أبو عبيدة: إثارة بقية من علم (٢)، وهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علما، فهو مثل قطعة من العلم، وبقية من العلم يتقارب المعنى فيهما، والله أعلم. قال الله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣). أَعْلَمَ الله ﵎ بهذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر، وبقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤) فجميع الرضاع والحمل في الثلاثين، فدل بها على أقل الحمل، وذلك نادر في النساء؛ لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر، ومنهن من يلدن لسبع فيعيش ولدها، فكذلك في الست (٥) فأما من يولد لثمان فلا يعيش؛ لأن عيسى بن مريم صلى الله عليه ولد لثمانية أشهر، فكان ذلك من الآيات فيه، كما خُلق من غير ذكر.

стр. 1527

فلما كانت الولادة لستة أشهر نادرة قليلة في الناس؛ كذلك جُعِل أكثر الحمل أربع سنين، وهو نادر في الناس، وقد روي عن مالك أنه لا يرى لخمس بُعْداً (١). وروي عن الليث (٢) وابن عجلان (٣) سبع سنين (٤). وروي عن عثمان البَتِّي (٥) ثمان سنين (٦). وقال أبو حنيفة: سنتين (٧)، وذهب إلى حديث لم يقل به ولا عَرَف معناه، رواه مالك في موطئه: أن رجلا غاب عن امرأته سنتين، ثم قدم فوجدها حاملا فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فحبسها حتى ولدت، فأتت به وله ثنيتان يشبه أباه فبادر الأب إليه

стр. 1528

فقال: ولدي يا أمير المؤمنين، فألحقه به (١)، وكان عمر يرى أكثر الحمل أربع سنين، ولذلك ضربه أجلا للمفقود (٢). فالحديث يدل على أن الوطء كان قبل غيبة الزوج، وقد قيل: انتظر بها حتى وضعت ما في بطنها، وكانت الغيبة بين هاتين الحالتين سنتين، فقد علم أنه أكثر من سنتين، وأن عمر ألحقه بأكثر من سنتين، فلم يعرف أبو حنيفة ما في الخبر، فجعل الحمل سنتين مقدار الغيبة، دون ما عداها مما كان قبل الغيبة وبعد القدوم. ولا أعلم اختلافا بين السلف، أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين إلا قول أبي حنيفة، فإنه وقف على سنتين (٣)، وقد بلغني أن قائلا قال من المتأخرين: لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر (٤)، وهذا قول من لا يُلْتَفت إليه.

стр. 1529

ومن سورة محمد ﷺ -. قوله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١). كان ابن عمر والحسن وعطاء، يَكْرَهُون قتل أهل الشرك ـ إذا أسروا ـ صبرا، ويتلون ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢) وقال قتادة: نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (٣) ووافق القول الأول جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة (٤)، وقد فادى النبي ﷺ رجلين من أصحابه برجل من المشركين رواه أيوب (٥) عن أبي قلابة (٦) عن عمران بن حصين، وقد أدخل بعضهم بين عمران وأبي قلابة أبا المهلب (٧). والذي يبين هذه الآية وقول من قال: منسوخة، ومن قال: ناسخة، قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٨) وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٩) فدل القرآن بالآيات كلها: لا تأسروهم ولا تفادوهم، حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يفعل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان محظورا في وقت (١٠) ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورا، لا على أنه واجب أن يفعل (١١).

стр. 1530

وأما قتل الأسير وغير الأسير من أهل الحرب، فذلك كله جائز على قدر ما يرى الإمام في ذلك من المصلحة، وقد قتل النبي ﷺ أسارى بدر؛ عقبة بن أبي معيط (١) والنضر بن الحارث (٢) صبرا (٣)، وكتب أبو بكر ﵀ إلى خالد بن الوليد (٤) في بني حنيفة (٥) إذا ظهر عليهم ألا يستبقي من رجالهم أحدا، فورد الكتاب عليهم وقد صالحهم (٦). قال الله عز وعلا: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٧).

стр. 1531

قال سعيد بن جبير ومجاهد في هذه الآية: خروج عيسى بن مريم ﵇، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويَلْقَى الذئب الشاة فلا يعرض لها، ولا يكون عداوة بين اثنين (١). وقال الحسن ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: لا يشرك بالله ولا يعبد غيره (٢). مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام (٣).

стр. 1532

ومن سورة الفتح قال الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١). هذه الآيات نزلت في إسقاط الجهاد عن المذكورين في الآية دون سائر الأعمال، وأختها في القرآن: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فاستثنى منها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ونزلت هذه الآية بسبب ابن أم مكتوم (٣) قال زيد بن ثابت: فإني لأكتب حتى نزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فأمرني رسول الله ﷺ أن ألحقه (٤). قال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٥) قال يحي بن سعيد الأنصاري، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ? أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله? وأنزل الله في كتابه فذكر قوماً استكبروا فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦) وقال : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٧) وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية، يوم كاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة (٨). وقال عَباية (٩) عن علي ﵀: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر (١٠). وقال ابن عمر وجماعة من المفسرين: كلمة التقوى كلمة الإخلاص، شهادة أن لا إله إلا الله التي دعا إليها رسول الله ﷺ عمه (١١).

стр. 1533

قال الله ﵎: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) قال عكرمة (٢) عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هَمِّ السجود (٣). وقال أبو صالح (٤) عن ابن عباس: الصفرة في الوجوه (٥). وقال مجاهد: هو الخشوع (٦). وقال عطية (٧): يكون في وجوههم يوم القيامة أشد بياضا (٨). وقال عكرمة: أثر التراب (٩). وقال ابن جبير: ندى الطهور وتراب الأرض. (١٠) وقال قتادة: علامتهم الصلاة ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ وذكر مثلا آخر في الإنجيل إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالنبي ﷺ وأصحابه صلى الله عليه

стр. 1534

وعليهم (١). حدثنا جعفر بن الليث (٢) وغيره، قالوا: نا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان (٣) عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن (٤) وسليمان بن يسار، عن ابن عباس ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ علي، إلى قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ بأبي بكر، ﴿فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ بعمر، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ بعثمان، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ بعلي، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ إلى آخر السورة (٥). وقال مالك بن أنس: ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود (٦). وقال شِمْر بن عطية (٧): يبتهج وجوههم صفرة من سهر الليل (٨). وهذه الآية نزلت في النبي ﷺ وفي الأربعة الخلفاء رحمة الله عليهم (٩).

стр. 1535

ومن سورة الحجرات . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). قال الحسن: لا تذبحوا قبل أن يذبح (٢). وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى، يقضيه الله على لسانه ﷺ (٣). قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٤). قال أنس: لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت بن قيس (٥) في بيته وقال: أنا من أهل النار، فقال النبي ﷺ : لسعد بن معاذ (٦): ? يا أبا عمرو ما شأن ثابت بن قيس، أشتكى؟ قال: إني لجاره وما علمت، فأتاه سعد فقال له: إن رسول الله استبطأك، فقال ثابت: نزلت هذه الآية وقد علمتم أني كنت من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فأتى

стр. 1536

سعد رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ : بل هو من أهل الجنة? (١) فعاش حميدا ومات شهيدا يوم اليمامة (٢). وقال علي ﵁ نزلت هذه الآية فينا لما ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر (٣) وزيد بن حارثة نتنازع ابنة حمزة (٤) لما جاء بها زيد من مكة، فقضى بها رسول الله ﷺ لجعفر؛ لأن خالتها كانت عنده (٥). وقال طاوس بن شهاب (٦): لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر (٧) ﵁: أقسمت ألا أكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار، ففعل ذلك حتى لقي الله (٨). وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أخلص الله قلوبهم للتقوى. قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٩). أعراب بني تميم (١٠)، وقيل: أعراب بني العنبر بن عمرو بن تميم، جاءوا فجعلوا ينادون: يا محمد يا محمد، بجفاء وغلظة، فأنزلت الآية فيهم (١١). قال الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١٢). وجه النبي ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط (١٣) في صدقات بني المصطلق (١٤) فجاء إلى النبي فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم يا رسول الله، فأقبل القوم حتى قدموا المدينة ثم صفوا وراءه في الصف، فلما قضى الصلاة انصرف، قالوا: إنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ﷺ ، سمعنا برسولك يا رسول الله الذي بعثت ليصدق أموالنا فسررنا بذلك، فأردنا أن نتلقاه فنسير مع رسول رسول الله ﷺ ، فبلغنا أنه رجع فخشينا أن يكون رده غضب من الله ورسوله علينا، فلم يزالوا يعتذرون إلى رسول الله

стр. 1537

- ﷺ حتى جاءه المؤذن يدعو إلى صلاة العصر ونزلت الآية (١)، وقد كان قال للنبي ﷺ : إنهم قد ارتدوا وجمعوا لك ليحاربوك (٢)، وكذب في ذلك كله. وقد كان قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوما: ألستُ أبسط منك لسانا وأثبت منك جنانا، فأنزل الله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٣) قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (٤). روى إسماعيل بن أبي أويس (٥) قال: نا مالك، عن ابن محمد بن عمرو بن حزم (٦)، أن أباه أخبره عن عمرة بنت عبد الرحمن (٧)، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٨). قال سعيد بن جبير في هذه الآية: كان رجال من الأنصار يقتتلون بالنعال والعصي، فأمرهم الله أن يصطلحوا بينهم (٩). وقال زيد بن أسلم: إذا اقتتل الرجلان أو الطائفتان أو القبيلتان فقد أمر الله ﵎ الإمام بما في الآية من الإصلاح أو قتال الباغية (١٠). وقال الحسن نحو قول ابن جبير (١١). وقال أنس نزلت الآية بشيء ذكره كان من أذى عبد الله بن أبي بن سلول لرسول الله ﷺ (١٢) فرد عليه بعض الأنصار، فتعصب قوم عبد الله له واقتتلت الطائفتان (١٣). وهذه الآية في أي شيء نزلت توجب إن بغت طائفة على إمامها ـ وكانت ظالمة فيما حاولته منه ـ أن يعان عليها، وإن اقتتل قبيلان من العرب، أو طائفتان من

стр. 1538

الناس، أصلح الإمام ومن يقوم مقامه بينهم، فإن أبت إحداهما إلا البغي أعان الإمام المبغيَ عليها، والله أعلم (١). قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (٢). هذه الآية توجب ألا يستهزئ أحد بمن دونه في المنزلة في الدنيا، ولا يحقره وليتواضع لله ، فإنه يعرف ذنوبه ولا يعرف من غيره ما يعرف من نفسه، ولعل ذلك عند الله خير منه. قيل للحسن البصري: ما التواضع؟ قال: لا ترى أحدا من المسلمين لا بدعة فيه إلا رأيت أنه خير منك، لما تعرف من ذنوبك (٣). قال الله : ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤). قال ابن عباس ﵁: لا يطعن بعضكم على بعض (٥)، وقاله مجاهد أيضا وقتادة (٦).

стр. 1539

وقوله: ﴿لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) لا يقتل بعضكم بعضا، وقد قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) أي يطعن في فعلك، قال زياد الأعجم (٣): إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة ما كنت أخشى وإن كان الزمان به ... حيفا على الناس أن تغنى بها عنزة (٤) يريد: إذا غاب عنه وقع فيه وذكره. قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٥). كانت بنو سلمة قَلَّ رجل منهم إلا له اسمان وثلاثة، منها ما سمي به ومنها ما لقب به، فلما قدم النبي ﷺ المدينة كان يدعو الرجل بالاسم، فيقال له: أنه يغضب من هذا الاسم فنزلت الآية (٦). وقيل: كان يعير الرجل بعد إسلامه بأنه كان يهوديا أو نصرانيا، فنهوا عن ذلك (٧).

стр. 1540

والآية توجب كل ذلك، وألا يخاطب أحد بما يكره من اسم أو لقب أو سب، مثل أن يقال للرجل: يا منافق أو يا فاجر أو فاسق، وما أشبه ذلك مما يسوء المخاطب (١)، فإن ذلك كله وزر على قائله، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (٢). روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ? إياكم والظن فإنه أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا، وكونوا عباد الله إخوانا? (٣) وقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك وزاد (٤)? ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله? (٥)، وقال مجاهد نحو ذلك (٦). فالآية توجب على المسلمين ترك التجسس وما أشبهه، وألا يظن ظن السوء بأحد ما لم يجاهر بالمعاصي، فإن الله ﵎ يغير ولا يعير، ويدع سر العباد بينهم وبين ربهم، ويستر المؤمن على أخيه المؤمن، ويعظه ويخوفه بالله إذا رأى منه ما ينكره، تقربا إلى الله لا تعييرا له، فإن أظهر إنسان معاصي الله كُوشف بالإنكار عليه، وعُودي على ذلك حتى يتوب.

стр. 1541

فأما قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (١). فمعناه: ما كرهته أن يؤتى إليك فاكرهه من نفسك لهم، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن رضي لهم ما يرضاه لنفسه، والله أعلم بما أراد. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). الشعوب: القبائل البعيدة، والقبائل: القريبة، ومعنى القريبة والعبيدة، البعيدة المناسبة إلى مضر أو إلى تميم أو إلى قيس أو إلى ربيعة وما أشبه ذلك، والقريبة: قربى القرشي من القرشي، والهلالي من الهلالي، والفزاري من الفزاري، والعقيلي من العقيلي، والقشيري من القشيري، وما أشبه ذلك مما يقرب ويبعد (٣). وأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلهما أيضا، فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم ﵇ فإن الله خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب وأنهم كلهم يتشعبون من آدم ﵇، وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ : ? أنه خطب يوم الفتح فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: أيها الناس فإن الله ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة (٤) الجاهلية وتعاظمها، يا أيها الناس إنما

стр. 1542

الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله، وآخر شقي هين على الله، إن الله عز من قائل (١): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم? (٢). وروي أن بلالا أذن على ظهر البيت يوم الفتح، فقالت قريش: عز على فلان، وعز على فلان أن يؤذن هذا العبد على البيت، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) وقد سوى الله بهذه الآية بين الناس وجعل المتقي منهم المعظم، قال الحسن عن سَمُرَة (٤) عن النبي ﷺ : ? الحَسَبُ المال، والكرم التقوى? (٥) وقاله عمر بن الخطاب رحمة الله عليه يخطب به على الناس عن نفسه (٦)، وإنما أراد أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس، وأن التقوى يستغنى به في الآخرة عن أن تكون مرجوما (٧) ... قال النبي ﷺ في رَجَزٍ رُجِزَ على لسانه يوم الخندق (٨):

стр. 1543

الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (١) فالأنساب والمال والجمال يُتزين بها في الدنيا، والتقوى هو الحاصل النافع في دار (٢) الإقامة. وقد تكلم الشافعي في هذه الآية فقال: فيها خصوص وعموم، واستثنى الدواب من الناس، ولم يستثن عيسى ﵇ من الذكر والأنثى (٣)، فوضع في كتابه ما يحتج به النصارى علينا من أن عيسى من ذكر، وقد ذكرنا هذا في رد كتاب الرسالة (٤) بما فيه كفاية إن شاء الله. قال الله : ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٥) قَسَم رسول الله ﷺ قَسْما، فأعطى ناسا ومنع آخرين، قال سعد (٦): فقلت: ? يا رسول الله أعطيت فلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن، قال: لا تقل مؤمن، قل: مسلم? (٧)

стр. 1544

قال ابن شهاب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وقيل في الحديث: إنه قال ﵇: ? إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إليّ منه، وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه الله في النار? (١) وكان الزهري يرى أن الإسلام كلمة الإخلاص بظاهرها، والإيمان العمل (٢). قال قتادة: لم تعم هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) ولكنها لطوائف من الأعراف (٤). وقال مجاهد: أسلمنا: استسلمنا مخافة السبي والقتل (٥). والإسلام في اللغة على وجهين: إسلام يكون لله قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (٦) والآخر من طريق الاستسلام مخافة أن ينالهم قتل أو غيره من أمور الدنيا، يقولونه بألسنتهم تعوذا، وليس ذلك في قلوبهم، قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٧) فالمسلم قد يجمع الإيمان والإسلام، والمسلم الآخر الذي وقع له الاسم بالاستسلام خارج عن الإيمان، والله أعلم.

стр. 1545

ومن سورة ق قال الله عز وعلا: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (١). قال ابن مسعود ﵁: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر الله (٢). وقال عُبيد بن عُمير: هو الرجل لا يجلس مجلسا فيقوم منه حتى يستغفر الله، ويذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله (٣). وقال سعيد بن جبير: الأواب؛ المُسبح (٤). والآية تقتضي بقوله: ﴿أَوَّابٍ﴾ يؤوب إلى الله ، يرجع عن الخطايا والذنوب ويستغفر الله منها ويدوم على الندم، ويحفظها بقلبه كي لا يزول الاستغفار من لسانه، والخوف على نفسه، فيكون خائفا راجيا، والله أعلم بما أراد. قال الله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٥). قال جرير بن عبد الله (٦): (كنا عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة (٧) البدر فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تُضَامون في رؤيته (٨)، فإن استطعتم
следующие страницы →