← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فأما قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (١). فمعناه: ما كرهته أن يؤتى إليك فاكرهه من نفسك لهم، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن رضي لهم ما يرضاه لنفسه، والله أعلم بما أراد. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). الشعوب: القبائل البعيدة، والقبائل: القريبة، ومعنى القريبة والعبيدة، البعيدة المناسبة إلى مضر أو إلى تميم أو إلى قيس أو إلى ربيعة وما أشبه ذلك، والقريبة: قربى القرشي من القرشي، والهلالي من الهلالي، والفزاري من الفزاري، والعقيلي من العقيلي، والقشيري من القشيري، وما أشبه ذلك مما يقرب ويبعد (٣). وأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلهما أيضا، فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم ﵇ فإن الله خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب وأنهم كلهم يتشعبون من آدم ﵇، وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ : ? أنه خطب يوم الفتح فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: أيها الناس فإن الله ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة (٤) الجاهلية وتعاظمها، يا أيها الناس إنما

стр. 1542

الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله، وآخر شقي هين على الله، إن الله عز من قائل (١): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم? (٢). وروي أن بلالا أذن على ظهر البيت يوم الفتح، فقالت قريش: عز على فلان، وعز على فلان أن يؤذن هذا العبد على البيت، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) وقد سوى الله بهذه الآية بين الناس وجعل المتقي منهم المعظم، قال الحسن عن سَمُرَة (٤) عن النبي ﷺ : ? الحَسَبُ المال، والكرم التقوى? (٥) وقاله عمر بن الخطاب رحمة الله عليه يخطب به على الناس عن نفسه (٦)، وإنما أراد أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس، وأن التقوى يستغنى به في الآخرة عن أن تكون مرجوما (٧) ... قال النبي ﷺ في رَجَزٍ رُجِزَ على لسانه يوم الخندق (٨):

стр. 1543

الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (١) فالأنساب والمال والجمال يُتزين بها في الدنيا، والتقوى هو الحاصل النافع في دار (٢) الإقامة. وقد تكلم الشافعي في هذه الآية فقال: فيها خصوص وعموم، واستثنى الدواب من الناس، ولم يستثن عيسى ﵇ من الذكر والأنثى (٣)، فوضع في كتابه ما يحتج به النصارى علينا من أن عيسى من ذكر، وقد ذكرنا هذا في رد كتاب الرسالة (٤) بما فيه كفاية إن شاء الله. قال الله : ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٥) قَسَم رسول الله ﷺ قَسْما، فأعطى ناسا ومنع آخرين، قال سعد (٦): فقلت: ? يا رسول الله أعطيت فلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن، قال: لا تقل مؤمن، قل: مسلم? (٧)

стр. 1544

قال ابن شهاب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وقيل في الحديث: إنه قال ﵇: ? إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إليّ منه، وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه الله في النار? (١) وكان الزهري يرى أن الإسلام كلمة الإخلاص بظاهرها، والإيمان العمل (٢). قال قتادة: لم تعم هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) ولكنها لطوائف من الأعراف (٤). وقال مجاهد: أسلمنا: استسلمنا مخافة السبي والقتل (٥). والإسلام في اللغة على وجهين: إسلام يكون لله قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (٦) والآخر من طريق الاستسلام مخافة أن ينالهم قتل أو غيره من أمور الدنيا، يقولونه بألسنتهم تعوذا، وليس ذلك في قلوبهم، قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٧) فالمسلم قد يجمع الإيمان والإسلام، والمسلم الآخر الذي وقع له الاسم بالاستسلام خارج عن الإيمان، والله أعلم.

стр. 1545

ومن سورة ق قال الله عز وعلا: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (١). قال ابن مسعود ﵁: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر الله (٢). وقال عُبيد بن عُمير: هو الرجل لا يجلس مجلسا فيقوم منه حتى يستغفر الله، ويذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله (٣). وقال سعيد بن جبير: الأواب؛ المُسبح (٤). والآية تقتضي بقوله: ﴿أَوَّابٍ﴾ يؤوب إلى الله ، يرجع عن الخطايا والذنوب ويستغفر الله منها ويدوم على الندم، ويحفظها بقلبه كي لا يزول الاستغفار من لسانه، والخوف على نفسه، فيكون خائفا راجيا، والله أعلم بما أراد. قال الله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٥). قال جرير بن عبد الله (٦): (كنا عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة (٧) البدر فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تُضَامون في رؤيته (٨)، فإن استطعتم

стр. 1546

ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ففعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١) قال عمارة الثقفي (٢) سمعت رسول الله ﷺ يقول: ? لن يلج النار من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها? (٣) وقال ابن عباس: هي المكتوبة (٤)، يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال قتادة مثل ذلك (٥). قال الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٦). قال قتادة ومجاهد: فسبحه أي: صل فيه (٧).

стр. 1547

وقال الحارث (١) عن علي: ? نهاني رسول الله ﷺ عن أربع وسألته عن أربع، سألته عن إدبار النجوم وأدبار السجود، فقال: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم: الركعتان قبل الغداة، وسألته عن الحج الأكبر، فقال: هو يوم النحر، وسألته عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، التي فرط فيها سليمان ﵇? (٢). وقال أبو هريرة والحسن ومجاهد في إدبار النجوم وأدبار السجود؛ مثل ما روي عن علي رضوان الله عليه (٣). وكان ابن عباس يقول: التسبيح في إثر الصلوات (٤). وكان زيد بن أسلم يقول: النوافل خلف الصلوات (٥). وكل ذلك حسن إن شاء الله (٦).

стр. 1548

ومن سورة والذاريات . قوله عز وحل: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١). قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (٢). وقال مالك بن دينار (٣) سألت سالم بن عبد الله عن النوم قبل العتمة؟ فانتهرني، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون (٤). وقال موسى بن يسار في قوله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٥) قال: ما بين المغرب إلى العشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العشاء فنزلت فيهم الآية: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦) يغدون من قباء فيصلون في مسجد رسول الله ﷺ (٧).

стр. 1549

وقال مُطَرِّف بن الشخير (١) ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (٢). وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار (٣). وقال إبراهيم (٤): ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني ينامون قليلا منه (٥). وقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظا من الليل (٦). وقال الضحاك: قليلا من الناس (٧). وقال مُطَرِّف: قَلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها (٨)، وقال بكل قول من ذلك جماعة متابعة لمن قاله، والله أعلم بما أراد، وكلٌ يدخل في المعنى، من يتنفل بين العشاءين ومن تنفل بالليل، فكل ـ إن شاء الله ـ داخل في المعنى ورابح فاعله (٩). قال الله ﵎: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٠). يعني الزكاة، تكتب في سأل سائل ـ إن شاء الله ـ. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (١١). قيل لعامر بن عبد قيس (١٢): لو تزوجت، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (١٣) فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١٤) وقال غيره، وأبو الجوزاء: (١٥) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ (١٦) أن يرزقوا أنفسهم وأن يطعموا أنفسهم، أنا أرزقهم

стр. 1550

وأطعمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون (١). وقال مجاهد: إلا ليعرفوني (٢). وقال الضحاك: هذا خاص للمؤمن (٣). وقول مجاهد: إلا ليعرفون حسن؛ لأن كل الخلق قد عرفوه وعلموا أن لهم خالقا ورازقا، وقد يجوز أن يكون أراد ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ استعبدهم بذلك، فَأَبْلُوهم أيهم أحسن عملا، وقد كان ذلك. وأما قوله سبحانه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ (٤) فمعناه ما أَكِلُهم في أرزاقهم وطعامهم إلى أنفسهم، فتكفل بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (٥) وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٦) فأوجب ذلك على نفسه لهم، تبارك وجل عن المَطْعَمِ.

стр. 1551

ومن سورة والطور . قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١). قال ابن عباس: المؤمن يُرْفع له ذريته ليقر به عينه وإن كان (٢) دونه في العمل ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ قال: ما أنقصناهم من أجل الذرية (٣). وقال إبراهيم (٤) وغيره، قال: أعطوا مثل أجور آبائهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا (٥)، وقاله الشعبي أيضا (٦). وقال ابن مسعود مثل قول ابن عباس (٧). وقال قتادة: ما ظلمناهم (٨)، وقاله أبو عبيدة، وقال فيها ثلاث لغات: أَلَتَ يَأْلِتُ، وألات يُلِيتُ، ولَاتَ يَلِيتُ (٩).

стр. 1552

قال الله عز وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (١) قال محمد بن كعب: حين يقوم إلى الصلاة (٢). وقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك (٣). وقال أبو الأحوص (٤): حين تقوم من كل مكان تقول سبحانك وبحمدك (٥). وقال مجاهد: الليل كله (٦). والله أعلم بما أرد، إلا أنه حين تقوم من فراشك، يعني صلاة الغداة أحسن ما في ذلك، وذكر الله حسن في كل حال.

стр. 1553

ومن سورة والنجم قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١) سئل ابن عباس ﵁ عن اللمم فقال: لم أر شيئا أشبه به من قول أبي هريرة عن النبي ﷺ ? إن الله (٢) ﵎ كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذاك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه? (٣). وسئل أبو هريرة عن اللمم فقال: النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا (٤). وروى المَقْبُري (٥) عن أبي هريرة قال: اللمم: الجماع، قال: ثم يتوب من الزنا فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود، قال الحسن: وتلك الإلمام (٦).

стр. 1554

وقال زيد بن أسلم: اللمم لمم أهل الجاهلية، ولا تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف (١). وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الزيارة من الإلمام، ألستم عربا! وهو أن يلم المرة (٢). وسئل زيد بن ثابت عن اللمم فقال: حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن (٣). وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو ما دون الشرك (٤)، وقال الشعبي: هو ما دون الزنا (٥). وقال مجاهد: يلم بالذنب ثم ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت ويقولون: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (٦) وقال مثل ذلك عروة وغيره (٧). وقال الحسن: اللمة من الزنا ثم يتوب فذاك يتجاوز عنه (٨). وقال زيد بن أسلم: الكبائر الشرك، والفواحش الزنا، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغفر لهم ما كان قبل الإسلام (٩). وقد ذكرنا ما انتهى إلينا من تكلم في اللمم، وحكي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم (١٠)، وهو قول فاسد لأنه يبطل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (١١) فإذا اجتنبوا اللمم فأي شيء يغفر لهم، واللمم عند العرب ألا يكون الإنسان مقيما على الشيء، يقال: ما فعل ذلك إلا لمما، وإلا لما، على الحين بعد الحين، ويقال: مُصِّرٌ، إذا كان الفعل له عادة، فإن تركه ونزع عنه كان تائبا، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٢) ثم ضمن لهم الثواب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١٣) وقال بعقب اللمم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ فذم المصر ومدح التائب. قال أبو صالح: سئلت عن قول الله ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يلم بالذنب أو الخطيئة ثم لا يعاود، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لقد (١٤) أعانك عليها ملك كريم (١٥)، فجاء هذا التفسير على تعارف العرب وتلقاه ابن عباس بعربيته التي نزل بها القرآن، والعرب تقول: إنما زيارتك لمام، وإنما تفعل لماما، قال جرير: بنفسي من تجنُّبُه عزيز ... علي ومن زيارته لمام (١٦) وقال وَضَّاح اليمن (١٧): فما نولِّتُ حتى تضرعتُ حولها ... وخبرتها ما رخص الله في اللمم (١٨) فاللمم عندي ـ والله أعلم ـ التي تكون فيندم عليها ولا يعاودها المذنب، وهو أصح الوجوه في ذلك.

стр. 1555

قال الله ﵎: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قال بعض المفسرين: ﴿وَفَّى﴾ بلغ وأدى ما أرسل به (٢). وقال آخرون: منع أن يؤخذ إنسان بذنب غيره، وكانوا قبل ذلك يفعلونه (٣). وقال آخرون: وفى بما أمر به (٤)، وقال أبو أمامة عن النبي ﷺ : ? أربع ركعات كان يصليها في أول النهار? (٥) وقال ابن جبير: وَفَى بذبح ابنه، وقال إبراهيم مثل ذلك (٦). وقال آخرون: جعل على نفسه ألا يقعد على طعام إلا ومعه يتيم أو مسكين (٧). وكل ذلك حسن، وفى بما أمر به وبلغ رسالة ربه، وبما أوجبه على نفسه من أعمال البر فلم يسأمها فيدعها، والله أعلم.

стр. 1556

ومن سورة الرحمن (١). قال الله ﵎: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ إلى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (٢) مرّ ابن عباس ﵁ بسوق المدينة فقال: يا معشر الموالي إنكم ابتليتم بأمرين أهلك الله فيهما أمتين من الأمم: الكيل والميزان (٣). ومرّ برجل يزن فرآه قد أرجح فقال: أقم اللسان كما قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (٤). وقال مجاهد: قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال: العدل (٥).

стр. 1557

ومن سورة الواقعة قال الله ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١). قال أبو العالية: الكتاب المكنون ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (٢). وقال ابن جبير: الملائكة (٣)، وقاله مجاهد والضحاك (٤). وقال مالك بن أنس ﵁ في قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ إنها بمنزلة التي في عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٥). وقال سلمان الفارسي: لا يمسه إلا طاهر، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرأه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ (٦). وقد جاء في مسّ المصحف اختلاف؛ فقال بعضهم: لا يمسه من الناس إلا طاهر تطهر الوضوء والصلاة. وقال بعضهم: يمسه، منهم ابن عباس والشعبي (٧). وأما من كره أن يمس (٨) المصحف إلا طاهر، ففي كتاب عمرو بن حزم (٩): ? لا يمس القرآن إلا طاهر? وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم روي ذلك من وجوه كثيرة، ورواه في غير الكتاب الزهري، عن أبي بكر (١٠) بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: ? أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا، ذكر فيه الفرائض والسنن والديات، وفي الكتاب: ولا يمس القرآن إلا طاهر? (١١). وروى مالك عن إسماعيل (١٢) بن محمد بن سعد عن مصعب (١٣) بن سعد قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت وتوضأت ثم رجعت، وقال بعضهم فيه: قم فاغسل يدك (١٤).

стр. 1558

وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا وهو طاهر، وقال مثل ذلك إبراهيم والحكم وحماد (١). وقال مالك بن أنس: لا يحمل أحد المصحف أحد بعلاقته، ولا على وسادة، إلا وهو طاهر (٢). وإنما كره ذلك إكراما للقرآن وتعظيما له، وقد يحتمل أن يكون الله ﵎ أراد الكتاب الذي عنده؛ ويُعظَّم هذا لأنه نسخته وهو كلام الله ﷻ فلا يمسه منا إلا طاهر إذ كان الأصل يمسه المطهرون، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣) قال ابن عباس: بالأنواء، يقولون: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، ذلك كفر بما أنعم به عليهم (٤). وقال الحسن ومجاهد: مطرنا بنوء كذا، يقول: قولوا: من عند الله ورزقه (٥). قال عبيد الله بن عبد الله (٦) عن زيد بن خالد: ? مطر الناس ليلا فأصبح رسول الله ﷺ فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي

стр. 1559

وكفر بالكوكب، ومن قال: بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي أو كفر بنعمتي? (١) وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: ? لو حبس الله القطر سبع سنين ثم أرسله عليهم أصبحت طائفة منهم بي كافرين، قالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح? والمِجْدَح: الكوكب الذي خلف الدَّبَران (٢)

стр. 1560

ومن سورة الحديد قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (١). قيل لعبد الله بن مسعود: فلان شهيد، وقتل فلان شهيدا، فقال عبد الله: إن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليعرف، وإن الرجل يموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢). قال أبو هريرة: الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة (٣). وقال ابن عباس: الشهيد (٤) في هؤلاء التسع: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ (٥) وقال مجاهد: كل مؤمن شهيد، وقرأ الآية (٦). وقال مسروق: هي خاصة للشهداء (٧). وقال عمرو بن ميمون (٨): كل مؤمن صديق، وتلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (٩).

стр. 1561

وقال مجاهد: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بالإيمان على أنفسهم لله جل وعز (١). قال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء نعت للذين آمنوا بالله ورسله لقوله سبحانه ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والصديقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال الله : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٢) وقد يجوز أن تكون هذه الآية التي في الحديد، في جملة من صدق الرسل، ويجوز أن يكون عنى بالشهداء من شهد بالتوحيد، ويكون الصديقون الذين يتلون الأنبياء، يتجاوزون هؤلاء الذين تسموا بالتوحيد والإيمان والشهداء لربهم بوحدانيته بأعمالهم وأحوالهم، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات، كما قال النبي ﷺ : ? إن أهل الدرجات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما? (٣). قال الله ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٤)

стр. 1562

كل محدث مبتدع ألا ترى الله قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ (١) مبتدعان، فالشر قال فيه رسول الله ﷺ : إنه ضلالة له تجر صاحبها إلى النار (٢)، والخير مبتدع من فاعله، إذا لم يكن من كتاب ولا سنة ففاعله ابتدعه، فينبغي إذا فعله أن يداوم عليه، فإنه إن تركه وعدل عنه إلى ضده كان داخلا في معنى هذه الآية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ولذلك قال أبو أمامة الباهلي لما سَنَّ عمرُ القيام في شهر رمضان: فدوموا عليه إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغاء رضوان الله، فما رعوها فعاقبهم الله (٣)، فمن سن سنة حسنة وجب عليه رعايتها (٤). فأما قيام شهر رمضان فإن رسول الله ﷺ قامه ثم خشي أن يفرض فتركه، فلما توفي رسول الله ﷺ وعُدِمَ نُزول الوحي، أقامه للناس عمر ﵀، وقد كان رسول الله

стр. 1563

- ﷺ حث عليه وأمر به فقال: ? من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه? (١). قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ إلى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). قال مجاهد: ضعفين (٣). قال قتادة: لما نزلت حسدنا أهل الكتاب، فأنزل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٤). وقال ابن عباس: أجرين (٥)، وقال في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ من أمر الله (٦). وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ إنما هو ليعلم، لئلا زائدة (٧) إنما هو (٨) مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٩) وما أشبه هذا، وهو في القرآن كثير وفي كلام العرب (١٠).

стр. 1564

قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ (١). روى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار (٢)، عن أبي سعيد الخدري، قال: فلما أصبحنا ليلة نزلوا الحديبية قام رسول الله ﷺ فصلى الصبح وصلينا معه، فلما انصرف حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ? والذي نفسي بيده لقد غفر الله للركب الليلة أجمعين إلا رويكب واحد ليس منهم، قال فذهبنا ننظر فإذا أعرابي على قعود له قد نزل بين ظهراني القوم، ثم قال: إنه سيأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، قلنا: يا رسول الله أهم خير منا؟ قال: لا، لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ثم قال بيده ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾? (٣). قال الشعبي: الفتح هاهنا الحديبية وهم الذين غفر لهم (٤). وقال النبي ﷺ : ? لا يدخل أحد ممن بايعني تحت الشجرة النار?

стр. 1565

قال مجاهد: ليس من هاجر كمن لم يهاجر (١). وقال قتادة: فتح مكة (٢). والله أعلم بما أراد من ذلك، إلا أنه لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة ثم يتلوهم الذين جاءوا أفواجا، والله أعلم. قال الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٣). قال ابن مسعود ﵁: ما كان بعد أن أسلمنا وبين أن عُوتِبْنَا بهذه الآية، إلا أربع سنين، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض، وسأل بعضنا بعضا ما أحدثنا (٤). وقيل: كثر وظهر في أصحاب النبي ﷺ المزاح والضحك فنزلت الآية (٥). قال ابن أبي رَوّاد (٦): إن قوما صحبوا عمر بن عبد العزيز في سفر فقال: عليكم بتقوى الله، وإياي والمزاح فإنه يجر القبيح ويورث الضغينة، وتجالسوا بالقرآن وتحدثوا به، فإن ثقل عليكم فحديث من حديث الرجال حسن، سيروا باسم الله (٧). وكان شداد بن أوس يقول: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع (٨).

стр. 1566

وقال أبو الدرداء (١): نعوذ بالله من خشوع النفاق، ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع (٢).

стр. 1567

ومن سورة المجادلة . قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِن اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (١). أعلمنا الله ﵎ أن الذين قالوا هذا القول، قالوا منكرا من القول وزورا؛ لأنهم صيروا أزواجهم كأمهاتهم، وهن لا يَصِرن كأمهاتِهِم، ولا كذي أرحامِهِم أبدا؛ لأنهن لا يحللن له أبدا، والأجنبيات (٢) ليس كذلك، وكان من طلاق الجاهلية (٣)، فأخرجه الله ﵎ من باب الطلاق إلى باب الكفارات، ثم أعلمنا كيف الحكم على الناس كلهم إذا قالوا هذا القول، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤) الآية وما بعدها. وقد رويت أخبار فيمن تظاهر على عهد رسول الله ﷺ ، فكان ظاهر بعض ذلك يدل على أنهم فعلوا ذلك قبل نزول القرآن، وكان ظاهر بعضها يمكن يكون ذلك منهم قبل نزول القرآن، ويمكن أن يكون بعده. وقد روى عروة، عن عائشة ﵂ قالت: ? تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول الله ﷺ أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه، إذ أنزل الله تبارك

стр. 1568

وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾? (١) وقال مَعْمَر بن عبد الله (٢)، عن يوسف بن عبد الله بن سَلام (٣) قال: حدثتني خولة (٤) امرأة أوس بن الصامت (٥) قالت: ? كان بيني وبين زوجي شيء فقال: أنت عليِّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي فقلت: كلا والذي نفسي بيده حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله ﷺ فيقضي فيَّ وفيك أمره، وكان شيخا كبيرا رقيقا فغلبته بما تغلب به المرأة الرجل الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لي فاستعرت ثيابها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى نزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال حين قلت: لا نقدر على ذلك: إنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر (٦)، وأنا أعينه بعرق آخر، فأطعم ستين مسكينا? (٧)

стр. 1569

وهذه القصة الأحاديث فيها كثيرة، والباب يتسع، وقيل في الحديث: ? لما ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة قالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني، لبست جِدَّتِي، وأفنيت شبابي، وأكلت مالي، حتى إذا كَبِرَت سني، ورق عظمي، واحتجت إليك فارقتني، قال: فما أَكْرَهَني لذلك، اذهبي لرسول الله ﷺ فانظري هل تجدين عنده شيئا في أمري. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ما أراك إلا قد بنت منه، قالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى زوجي، قالت عائشة: فإني لأُرَجِّل (١) رأس رسول الله ﷺ يخفى علي بعض كلامها وأسمع بعضه إذ نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ فأمره رسول الله بعتق رقبة? (٢) إلى آخر الحديث. وقال سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر (٣) قال: ظاهرت من امرأتي، فوقعت بها قبل أن أكفر، فخرجت إلى قومي فأخبرتهم خبري، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: لا والله لا نمشي معك، وما نأمن أن ينزل فيك (٤) القرآن، ويكون من رسول الله ﷺ فيك مقالة يلزمنا عارها، ولنُسْلِمنَّك بجريرتك، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته خبري، فقال: ? أنت بذاك يا سلمة، يرددها ثلاثا، فقلت: ما أنا صائر لله إليه (٥)

стр. 1570

فاحكم بما أراك الله، فقال: حرر رقبة? قال: سليمان عن سلمة: وكنت امرأً أصيب من النساء مالا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خِفْتُ الفتنة فظاهرت (١). وقال الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٢) قال: الغشيان (٣)، وقاله الزهري، ومالك، وقتادة، وأبو العالية (٤)، فكان الذي حرم الله ﵎ بالظهار الوطء. فقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض (٥)، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله : ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٦) وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٧) فقال

стр. 1571

في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) أي: بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (٣) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان؛ لأنه إذا قصد لئن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم يريد الرجوع عنه. وقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته، ثم لم يطلق طلاقا متصلا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة (٤)، وهو قول فاسد؛ لأن المُظَاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يطلق ثم يطلق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه وبين الظهار فرجة قَلَّت أم كثرت؛ لأن الفعل في كل شيء إنما يكون بعد النية، وليس يعقل أن يكون التظاهر من إنسان إلا لمعنى، وهو أن يغضب فيظاهر ليمنعها الوطء، أو يمنع نفسه منه، فإذا أوصل النية بالظهار (٥) فلا فائدة له في الظهار إذ كان يريد الطلاق، وإن كان يريد الإقامة التي يلزمه تيسيرها الكفارة عقيب اللفظ بالظهار، فلا فائدة له في الظهار يشفي به نفسه من غضبه، وإنما شق على نفسه بأن ألزمها كفارة لغير معنى. مع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأ، يدل عليه الكتاب واللغة ـ وأصحابه يدعون له علم اللغة ـ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ وثم إنما تقع بعد الشيء على تراخ؛ لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع

стр. 1572

ولا توجب التبدئة به؛ لأن قول القائل: لقيت زيدا وعَمْرا يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز (١) أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدا فعمرا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تراخ، وإذا قال: لقيت زيدا ثم عمرا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرا بعد زمان. وقوله ـ أيضا ـ خطأ من وجه آخر؛ لأنه لما قيل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ لم يخل بأن يعود بفعل أو نية، ولو كان المعنى في ذلك إنما هو ألا يطلقوا، لكان وجه الكلام: ثم لم يطلقوا، والقرآن يَجِلُّ عن أن يكون فيه لفظة غيرها أبلغ منها وأشفى. وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، فلو كان معنى يعودون معنى لم يطلقوا، لكان الإيجاب هو النفي والنفي هو الإيجاب، وهذا محال، ولو كان إذا ظاهر ثم لم يطلق عائدا بأنه ممسك، لكان في حال الظهار ممسكا، لأنه لم يطلق وإنما ظاهر. ويفسد أيضا قوله من وجه آخر؛ لأن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يوجب أن يحدث منهم شيء، والمظاهر لم يطلق في حال ظهاره، ولا قبل ذلك، فإذا تظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار، فهو كما كان لم يحدث منه شيء، لا فعل ولا قول، فيستحيل معنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ لأن العائد إنما يعود إلى شيء قد كان فارقه، والمظاهرلم يفارق زوجته في حال الظهار، ولا قبله ولا بعده، وإنما فارق المسيس، فهو يريد أن يعود إليه. وقد احتج له أحمد بن عمر بن سُرَيْجٍ (٢)، بأن العود تركها زوجة، وأن الله ﵎ قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٣) وبقوله

стр. 1573

سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (١) وأن العود إقرارهم فيها، فهذا يحتمل أن يكون منهم تحاملا للخروج كاضطراب المجلود، فتأخذه المقامع فيعود إلى حاله (٢). ويجوز ما قال وليس فيه حجة له؛ لأن الله لما نقل التحريم إلى الظهار قد أقرها زوجة، وألزمها الكفارة بالقول، مع مضامة العود إلى منع نفسه منه، ولم يجعل الظهار مَنْعَاً من الزوجية، وإنما جعله مَنْعَا من الوطء، فإذا أراده متصلا بانقضاء الكفارة، وحل له الوطء، إذ شرط عليه أن يكون قبل الوطء، وإنما يقال: إن طلق وإلا فقد لزمته الكفارة، لمن قيل له طلق أو كفر، كما يقال للمُولِي: فِئ أو طلق (٣). فأما أن يقال لرجل ظاهر: إن لم تطلق لزمتك الكفارة، يقول: الله برحمته نقل طلاقي إلى الظهار الذي فيه الكفارة رحمة منه بنا، فلِمَ يلزمني إن لم أطلق أن أُكَفِر ولم أَعُد، وإنما يكون العود الإمساك، لو كان الإمساك لم يثبت بحكم الله عليَّ، أو لو كان قد أوجب عليَّ أن أطلق أو أكفر، فأما والإمساك قد ثبت بأمر الله، فأي الإمساك يكون مني، وأي ترك للطلاق أكون به ممسكا لمن لم يجب عليه الطلاق، وهذا قول من لم يتدبر ما احتج به، والله أعلم. والحجة عليه من قول الشافعي؛ لأنه قال: والظهار كان طلاق الجاهلية، فنقل إلى الكفارة (٤) (٥)، فأي شيء أبين من هذا! ولو كان إذا لم يطلق لزمته الكفارة

стр. 1574

فصارت في ذمته، لما كان لقوله للواطئ قبل أن يكفر: ? أمسك حتى تكفر? (١) وحاشاه ﵇ أن يقول قولا لا فائدة فيه، نسأل الله التوفيق برحمته. وقد سمى الله الفعل قولا فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾ يريدون الوطء، ومخالفة ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) يعني الكفر والمعاصي، فسماها قولا. ويفسد أيضا من وجه آخر؛ لأن قوله يوجب أنه إذا أمسكها بعد انقضاء اللفظ بالظهار طرفة عين فما فوقها، فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت أو ماتت، أم طلق بعد ذلك أولم يطلق، وقد قال الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فإذا مات أو ماتت علم أنه لا يكون مسيس، فإذا لم يكن مسيس لم يكن له قبل، وإذا لم يكن له قبل لم تجب الكفارة؛ لأن الحال التي جعلت موضعا للكفارة لم تكن (٣)، وكذلك إذا كان لا يريد أن يمس فلا كفارة عليه؛ لأنها إنما وجبت عليه قبل أن يمس، فلا يجب عليه حتى يأتي موضعها، ولو كانت تجب عليه وهو لا يريد أن يمس لبطل معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لأن الكفارة قد استقر وجوبها عليه وصارت في ذمته، فإن أخرها كان آثما في تأخيرها حيث أثمه في تأخيرها ما وجب عليه، وليس هي

стр. 1575

الآن من المسيس في شيء، ولا هي مما يحل به المسيس فيزول معنى ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولو مس قبل أن يكفر لما وجب أن يكون آثما عنده في المسيس، وإنما يكون آثما في تأخير الكفارة التي كانت وجبت مس أو لم يمس. ولم يتأمل الشافعي أمر الظهار الذي حكم فيه رسول الله ﷺ بالكفارة؛ لأن المظاهر لم يأت النبي ﷺ وأتت امرأته ثم أتى هو بعد زمان (١)، وكانت المخاطبة في ذلك في زمان آخر، ثم نزل الوحي بالكفارة بشرط المسيس، وأن لا يحل إلا بعدها. والشافعي يزعم أن الطلاق يكون متصلا وكان الظهار من طلاقهم، فقال النبي ﷺ : ? ما أراكِ إلا قد بنتِ منه? ـ على ما كان يعرف ـ? فقالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى زوجي? (٢) فعند ذلك نزل الظهار، فنقل التحريم إلى الكفارة، فكيف يكلف الناس الطلاق بعده، وقد أزيل الطلاق وحكمه، هذا مما يستحيل في العقول كونه. والظهار عندنا لم يُحْدِث غير منع الوطء، فإذا كان لم يُحْدِث غير منع الوطء (٣)، فإذا كان لم يحدث غير ذلك، والزوجان بحالهما، كان العود إنما يكون إلى ما هو منه ممنوع، وهو الوطء الموجب للكفارة، فشرط عليه تقديم الكفارة قبله، فلو ماتت أو طلق لسقطت الكفارة. وقد روي عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأَشَجِّ (٤) أنه قال في ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: هو أن يعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى (٥) (٦)، وبُكَيْر يرتفع ـ عندي ـ عن هذا القول

стр. 1576

الظاهر القباحة، ولعل الخطأ ممن دونه (١)، وقد بلغني أن بعض المتأخرين يقول ذلك (٢)، وقصة المظاهر على عهد رسول الله ﷺ قد رواها بُكَيْر وغيره، وكلهم حكى أن المظاهر ظاهر مرة، فأمره رسول الله ﷺ بالكفارة، وكان نزول القرآن فيه، فلو كان الوجوب بالقول الثاني؛ لما أمره رسول الله ﷺ بالكفارة، ولقال له: امض ولا تعد لهذا القول فيلزمك الكفارة، وما ذكر في حديث ولا خبر ما حُكِيَ عن بكير. وقد تكلم الناس فيمن ظاهر من امرأته مرارا؛ فقال بعضهم: لكل قول من ذلك مرتين فلا يعلم (٣)، وقال الكثير منهم: كفارة واحدة (٤)، فأما أن لا يكون عليه شيء

стр. 1577

حتى يظاهر مرتين فلا نعلم أحدا قاله (١)، ولقد بلغني أن بعض من يتكلم عن مذهب هذا المتأخر، أن جهله حمله على دفع الحديث الذي قال فيه: إن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنقله الله إلى الكفارة، وأن النبي ﷺ لم يقل: ? ما أراك إلا قد بنت منه? وضعف الحديث (٢)، وهذا حديث رواه جماعة منهم: حجاج بن منهال، عن حماد (٣)، عن داود بن أبي هند (٤)، عن أبي العالية، عن خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت (٥)، ومع ذلك فما يحتاج إلى حديث مع القرآن (٦)، هل اشتكت إلا إلى الله من الفراق، وقول رسول الله لها قد حرمت عليه، فقال : ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٧) فإلى الله أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي في

стр. 1578

لفظ ولا فعل (١) ـ وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة فأمروا بالكفارة ـ وإنما جاءوا للوقت، الله المستعان على ما قد ظهر في العلم. وأما مالك فإنه يقول: كفارة واحدة (٢)، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين (٣)، وهو الذي تكلم الناس فيه، فأما أن لا يجعل على المظاهر كفارة حتى يتكلم بذلك مرة أخرى فلا وجه له؛ لأن المُظَاهِر الذي جُعِلَ فيه القرآن، وحُكِمَ عليه بالكفارة فيه، كان مظاهرا قبل أن تنزل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ ولم نجد أحدا أنه ظاهر مرتين، ولو كان ذلك لحكي، إذ كان لا يجب في الظهار حكم إلا بذلك، وإلا وصف في الحديث أنه ظاهر (٤). ولو كان وجوب الكفارة بالعود للقول؛ لما كان لذكر المسيس وجه، وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المسيس؛ لأن المظاهر حرم على نفسه المسيس، فكيف يقال: إذا حرمت على نفسك المسيس، ثم حرمت ثانية، فأعتق رقبة قبل أن تمس، هذا كلام ضعيف، ولو قال رجل لرجل: إذا لم ترد أن تمس فأعتق قبل أن تمس لنسب إلى

стр. 1579

الضعف والجهل، ولو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق قبل أن تمس لكان هذا كلاما صحيحا مفهوما (١). فليس تجب الكفارة إلا بالمسيس، وإرادته توجب تقديمها ما دام مستديما للإرادة، فإن (٢) عزبت (٣) الإرادة عنه بعد أن كان أراد وقبل أن يكفر، سقطت عنه الكفارة، ولو أن رجلا أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإن بدا له ولم تكن الصلاة وجبت للوقت زال عنه فرض الوضوء، إذ لا صلاة إلا بطهارة، وقد قيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٤) فكان إذا أراد أن يقرأ وجب عليه أن يستعيذ، فإن بدا له سقطت عنه الاستعاذة، كذلك إذا أراد الوطء وجبت الكفارة، إذا استدام الإرادة الموصولة بالكفارة إلى ما حُظِر عليه، فإن عدل عن الإرادة زالت عنه الكفارة، كذلك لو طلق وقد مضى من صيامه بعضه سقط الباقي. فإن قيل: لم جعلت هذه الكفارة قبل المسيس الموجب لها، ولم تجعل كجزاء الصيد وقتل الخطأ وما أشبه ذلك؟ قيل لهم: تلك كفارات وجبت عن الأفعال المتقدمة لها، والقول في الظهار ـ وإن كان منكرا وزورا ـ فلم يُوجب الله فيه كفارة إلا بِمُضَامة الوطء والإرادة له المتصلة به، فلما وجبت وكان القول مانعا من الوطء، غير موجب للكفارة، أوجب الله الكفارة، وجعلها موصلة إلى الوطء.

стр. 1580

وقد أوجب الله كفارة اليمين على من أراد الحنث، والحنث يوجبها، وإن قدمت جاز ذلك، وقد ذهب جماعة في كفارة اليمين، إلى تقديمها، منهم: سلمان (١)، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد (٢)، وابن عمر، ومحمد بن سيرين (٣). وزعم أبو حنيفة وأصحابه، أنه لا بأس أن يطأ المظاهر قبل أن يطعم؛ لأنه لم يشترط في الإطعام ما شرط في العتق والصيام من قبل أن يتماسا (٤)، وقد شرط الله ذلك في خفي القرآن، وَمَنَّ الله بمعرفة ذلك على من حباه واجتباه، فقال في العتق الذي يكون ناجزا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال في الصيام الذي له أول وآخر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولم يجعل له وإن ابتدأ في الصوم أن يغشى بالليل وحظر عليه
следующие страницы →