← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الظاهر القباحة، ولعل الخطأ ممن دونه (١)، وقد بلغني أن بعض المتأخرين يقول ذلك (٢)، وقصة المظاهر على عهد رسول الله ﷺ قد رواها بُكَيْر وغيره، وكلهم حكى أن المظاهر ظاهر مرة، فأمره رسول الله ﷺ بالكفارة، وكان نزول القرآن فيه، فلو كان الوجوب بالقول الثاني؛ لما أمره رسول الله ﷺ بالكفارة، ولقال له: امض ولا تعد لهذا القول فيلزمك الكفارة، وما ذكر في حديث ولا خبر ما حُكِيَ عن بكير. وقد تكلم الناس فيمن ظاهر من امرأته مرارا؛ فقال بعضهم: لكل قول من ذلك مرتين فلا يعلم (٣)، وقال الكثير منهم: كفارة واحدة (٤)، فأما أن لا يكون عليه شيء

стр. 1577

حتى يظاهر مرتين فلا نعلم أحدا قاله (١)، ولقد بلغني أن بعض من يتكلم عن مذهب هذا المتأخر، أن جهله حمله على دفع الحديث الذي قال فيه: إن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنقله الله إلى الكفارة، وأن النبي ﷺ لم يقل: ? ما أراك إلا قد بنت منه? وضعف الحديث (٢)، وهذا حديث رواه جماعة منهم: حجاج بن منهال، عن حماد (٣)، عن داود بن أبي هند (٤)، عن أبي العالية، عن خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت (٥)، ومع ذلك فما يحتاج إلى حديث مع القرآن (٦)، هل اشتكت إلا إلى الله من الفراق، وقول رسول الله لها قد حرمت عليه، فقال : ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٧) فإلى الله أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي في

стр. 1578

لفظ ولا فعل (١) ـ وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة فأمروا بالكفارة ـ وإنما جاءوا للوقت، الله المستعان على ما قد ظهر في العلم. وأما مالك فإنه يقول: كفارة واحدة (٢)، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين (٣)، وهو الذي تكلم الناس فيه، فأما أن لا يجعل على المظاهر كفارة حتى يتكلم بذلك مرة أخرى فلا وجه له؛ لأن المُظَاهِر الذي جُعِلَ فيه القرآن، وحُكِمَ عليه بالكفارة فيه، كان مظاهرا قبل أن تنزل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ ولم نجد أحدا أنه ظاهر مرتين، ولو كان ذلك لحكي، إذ كان لا يجب في الظهار حكم إلا بذلك، وإلا وصف في الحديث أنه ظاهر (٤). ولو كان وجوب الكفارة بالعود للقول؛ لما كان لذكر المسيس وجه، وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المسيس؛ لأن المظاهر حرم على نفسه المسيس، فكيف يقال: إذا حرمت على نفسك المسيس، ثم حرمت ثانية، فأعتق رقبة قبل أن تمس، هذا كلام ضعيف، ولو قال رجل لرجل: إذا لم ترد أن تمس فأعتق قبل أن تمس لنسب إلى

стр. 1579

الضعف والجهل، ولو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق قبل أن تمس لكان هذا كلاما صحيحا مفهوما (١). فليس تجب الكفارة إلا بالمسيس، وإرادته توجب تقديمها ما دام مستديما للإرادة، فإن (٢) عزبت (٣) الإرادة عنه بعد أن كان أراد وقبل أن يكفر، سقطت عنه الكفارة، ولو أن رجلا أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإن بدا له ولم تكن الصلاة وجبت للوقت زال عنه فرض الوضوء، إذ لا صلاة إلا بطهارة، وقد قيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٤) فكان إذا أراد أن يقرأ وجب عليه أن يستعيذ، فإن بدا له سقطت عنه الاستعاذة، كذلك إذا أراد الوطء وجبت الكفارة، إذا استدام الإرادة الموصولة بالكفارة إلى ما حُظِر عليه، فإن عدل عن الإرادة زالت عنه الكفارة، كذلك لو طلق وقد مضى من صيامه بعضه سقط الباقي. فإن قيل: لم جعلت هذه الكفارة قبل المسيس الموجب لها، ولم تجعل كجزاء الصيد وقتل الخطأ وما أشبه ذلك؟ قيل لهم: تلك كفارات وجبت عن الأفعال المتقدمة لها، والقول في الظهار ـ وإن كان منكرا وزورا ـ فلم يُوجب الله فيه كفارة إلا بِمُضَامة الوطء والإرادة له المتصلة به، فلما وجبت وكان القول مانعا من الوطء، غير موجب للكفارة، أوجب الله الكفارة، وجعلها موصلة إلى الوطء.

стр. 1580

وقد أوجب الله كفارة اليمين على من أراد الحنث، والحنث يوجبها، وإن قدمت جاز ذلك، وقد ذهب جماعة في كفارة اليمين، إلى تقديمها، منهم: سلمان (١)، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد (٢)، وابن عمر، ومحمد بن سيرين (٣). وزعم أبو حنيفة وأصحابه، أنه لا بأس أن يطأ المظاهر قبل أن يطعم؛ لأنه لم يشترط في الإطعام ما شرط في العتق والصيام من قبل أن يتماسا (٤)، وقد شرط الله ذلك في خفي القرآن، وَمَنَّ الله بمعرفة ذلك على من حباه واجتباه، فقال في العتق الذي يكون ناجزا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال في الصيام الذي له أول وآخر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولم يجعل له وإن ابتدأ في الصوم أن يغشى بالليل وحظر عليه

стр. 1581

ذلك، حتى يتم الصيام كله، فاستغنى بما شرط في الكفارتين عن إعادة الشرط في الكفارة الأخرى؛ لأن صاحبها إن أطعم المساكين في وقت واحد؛ فهو كالمعتق الذي يكون فعله في وقت واحد، وإن أطعمهم متفرقين؛ كان كالصائم الذي لصيامه أول وآخر، ولما قيل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (١) علم أنه بدل من الذي قبله، وأنه كلام مضمن بعضه من بعض، ومعطوف بعضه على بعض، وأنه حل محله ووقع موقعه، فلما كانت الكفارة المُبْدأ بذكرها والمثنى، تبيحان الوطء وتحلانه (٢)، كانت الكفارة التي تقوم مقامهما وتحل محلهما، تُحِل له الغشيان، وإن كانت الكفارة الآخرة ليس حكمها ذلك الحكم، فينبغي أن يكون الغشيان على أصل الحظر، كأنها جعلت عقوبة للكلام الذي تكلم به، وأن قد أوُجِبَت عليه حين تكلم بالظهار، وإن لم يعد لما قال، أو طلق أو لم يطلق. فقولهم هذا قد يصير إلى أن المظاهر قد جاز له أن يغشى من قبل أن يكفر بالعتق أو الصيام؛ لأنه إذا ظاهر ثم لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم، وأبيح له الغشيان من قبل الإطعام، فقد غشي وهو لا يدري أي الكفارات هي الواجبة علية، وهم يقولون بعد هذا الغشيان (٣) أنه إن وجد الرقبة أعتق، وإن قدر على الصوم صام (٤)، فهذه مناقضة.

стр. 1582

وإيجاب الغشيان قبل العتق مخالفة لظاهر القرآن وباطنه؛ لأن الإنسان قبل أن يكفر لا يدري ما يكون كفارة فعله، من عتق أو صيام أو صدقة، وإنما يعلم ذلك حين تقع الكفارة، بالابتداء فيها أو بالفراغ منها، وما لم تقع فهو أمر مغيب عنه لا يدري أي ذلك كفارته. وقد سمى الله ﵎ القول فعلا والفعل قولا، فقال : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (١) وهي المعاصي، وقال : ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ (٢) وهن معه، وإنما أراد اخترن الدنيا وهو قول. وقد أمر النبي ﷺ الذي ظاهر ثم غَشِيَ قبل أن يكفر، أن يعتزل امرأته حتى يقضي ما عليه، فإذا كان هذا فيمن غَشِيَ ووجبت عليه الكفارة على كل حال واجبا؛ فهو فيمن لم يكن منه الغشيان أوجب وأوكد (٣)، والله أعلم. ونعود على الشافعي فنقول: إن النبي ﷺ قد جاءه الذي وطئ قبل أن يكفر، فلم يقل له أن الكفارة قد كانت وجبت عليك، وقال له: ? لا تطأ حتى تكفر? (٤)

стр. 1583

فأعلمه أنه ممنوع من العود، وإن كانت الكفارة قد صارت في الذمة، وليس تلزم الذمة إلا بالعود الموصول بالوطء، واستدامة إرادته حتى تنقضي الكفارة، فتقع بها الإباحة، وكل ذلك ذهب عن الشافعي وقال: لا بأس بوطء المظاهر في ليل الصيام (١)، خالف نص القرآن والسنة. قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) إلى آخر الآية. روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب (٣)، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو (٤)، أن اليهود أتت النبي ﷺ فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت الآية (٥). ورواه أيضا مسروق، عن عائشة رضوان الله عليها (٦). ورواه عبيد الله (٧) عن أبي هريرة عن عائشة (٨)، وفيه زيادات، والمعنى واحد، وعلمهم رسول الله ﷺ أن يقولوا لهم:

стр. 1584

عليكم، يريد بل عليكم، فيرجع السام عليهم، وقال ﵇ لها: ? ما رأيت ما رددت عليهم، فاستجيب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا? (١) قال الله عز وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢) قال عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (٣). وقال قتادة: كان الناس يتنافسون في مجلس النبي ﷺ ، فقيل لهم: إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا، وإذا قيل انشزوا فانشزوا (٤). وقال معمر (٥) قال الحسن: هذا كله في الغزو (٦).

стр. 1585

وقال يزيد بن أبي حبيب (١): أنزل ذلك على رسول الله ﷺ (٢) انشزوا للقتال (٣). وقال مجاهد: انشزوا إلى كل خير، قتال عدو، وأمر بالمعروف، وما أشبه ذلك (٤). والذي يوجبه ظاهر الآية عندي ـ والله أعلم ـ أن الله يرفع المؤمنين جميعا على سائر الأمم في كل الأحوال، ويرفع الله الذين أوتوا العلم منهم على جملتهم، على مقادير علمهم وعملهم بعلمهم في الدنيا والآخرة (٥)، وقال ابن عيينة: ينبغي أن يرفع أهل العلم في المجالس كلها على الناس جميعا (٦). قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٧) الآية.

стр. 1586

قال ابن أبي نَجِيْح (١) عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول ﷺ حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليّ رحمة الله عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي ﷺ فأنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك (٢). وروى علي بن علقمة الأَنْمَاري (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ? لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فقال لي رسول الله ﷺ : ما ترى؛ دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة (٤)، قال: فقال: إنك لزهيد، قال فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (٥) قال علي ﵁: فَبِي خُفِفَ عن هذه الأمة? (٦) وقال قتادة: ما كانت إلا ساعة من نهار ثم نسخت (٧). وقال معمر (٨): كان المسلمون إذا رأوا المنافقين يتناجون شق عليهم، فنزلت ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٩)

стр. 1587

وقال زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ لا يمنع أحدا مناجاته، فكان الشيطان يأتي أصحاب رسول الله ﷺ فيقول لهم: فلان ناجى رسول الله ﷺ ؛ لأن جموعا كثيرة تجمعت لقتالكم (١). وكان المنافقون يقولون: إنما محمد أذن يسمع من كل أحد يناجيه، وكان ذلك يشق على المؤمنين ويحزنهم، فأنزل الله : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) يقول يصدقهم، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣) فلم ينتهوا، فأنزل الله ﵎: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ لينتهي أهل الباطل عن مناجاته، وعرف الله أن أهل الباطل لا يقدمون بين يدي نجواكم (٤) صدقة، فانتهى أهل الباطل عن النجوى، واشتد ذلك على أهل الإيمان والحق وامتنعوا من النجوى؛ لأن فيهم من لا يستطيع أن يقدم صدقة، فأنزل الله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (٥) (٦) قال: ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٧).

стр. 1588

ومن سورة الحشر . قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (١). قال بكر (٢): هم بنو النضير (٣) قاتلهم رسول الله ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلوهم على أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة السلاح، وكانوا من سبط (٤) لم يصبهم جلاء فيما مضى، فكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي. وأما قوله سبحانه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول الحشر في الدنيا إلى الشام (٥). وقال قتادة: تجيء نار من مشرق الأرض تحشر الناس إلى مغاربها، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل إذا قالوا، وتأكل من تخلف (٦).

стр. 1589

قال موسى بن عقبة: ? لما أمر رسول الله ﷺ بإجلاء بني النضير وإخراجهم عن ديارهم، قالوا: أين تخرجنا؟ قال: إلى الحشر? (١). وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: ? أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر (٢) أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض لله ولرسوله وللمؤمنين، فسأل اليهود رسول الله ﷺ أن يُقَرُوا بها على أن يَكْفُوا عملها ولهم نصف التمر، فقال: رسول الله ﷺ : نقركم على ذلك ما شئنا فأقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ في خلافته من المدينة إلى تَيْمَاء (٣) وأَرِيْحا (٤)? (٥). ولما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير من المدينة، صاروا إلى خيبر، وهي من ناحية الشام، فسكنوها مع اليهود الذين كانوا بها، ثم أجلى عمر ﵁ يهود خيبر حين بلغه أن

стр. 1590

رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: ? لا يَبْقَيّنّ دينان في جزيرة العرب? (١) فأجلاهم فصاروا إلى تيما وأريحا وسائر بلاد الشام. وأما الحشر الذي ذكروا، هي النار تخرج من المشرق، فإنه شيء يكون قبل يوم القيامة، والله أعلم. قال الله عز وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). سار رسول الله إلى بني النضير، فتحصنوا في الحصون فقال لهم: ? أخرجوا من المدينة فأبوا، فقطع النخل وحَرَّق، فنادوا حين رأوا النخل انقطع وتحرق: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فما بال قطع النخل وتحريقها! فكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾? (٣) الآية، رواه ابن إسحاق (٤) عن أبيه عن المغيرة ابن

стр. 1591

عبد الرحمن (١). ورواه الليث (٢) عن نافع عن ابن عمر: ? أن رسول الله ﷺ حرق (٣) نخل بني النضير، وقطع وهي البُوَيّرَة (٤)، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾? (٥) ورواه أيوب عن نافع (٦)، وزاد فيه: فقال حسان: لهان على سَرَاة بني لؤي ... حريق بالبُوَيرَة مُسْتَطير (٧)

стр. 1592

ورواه إبراهيم بن سعد (١) عن ابن شهاب ـ أيضا ـ (٢). وقال الزهري: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العَجْوة (٣)، وقاله عكرمة (٤). وقال الحسن: اللينة النخلة، ولا يرى بأسا بما عقر من النخل (٥). وقال محمد بن علي ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ قال: هي العجوة (٦)، وقال مجاهد وسعيد بن جبير نحو ذلك (٧). وقال أبو الزناد: لأن العجوة تدخر (٨). وظاهر القرآن يدل على قول من قال: إنها ألوان النخل سوى العجوة (٩)، ولينة أصلها لِوْنَهٌ فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها (١٠)، فدل على أنها ألوان النخل سوى العجوة، لأن العجوة كانت قوتهم الذي يعتمدون عليه، وهي التي جاء الحديث في فضيلتها قول النبي ﷺ : ? العجوة من الجنة? (١١) وثمرها يغذو ما لا يغذو غيره.

стр. 1593

قال الله عز وعلا: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في كتاب الخمس (٢) بما لا يحتاج إلى زيادة فيه، وكتاب الخمس هو من أحكام القرآن. وهذه الآية نزلت في أموال بني النضير، ليضعها رسول الله ﷺ حيث شاء، ففعل فيها ما أراه الله (٣). قال الله ﵎: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤). هذه الآية نزلت في الغنائم، وعمت سائر الأشياء، فدخل فيها ما أَمَرَ به وسنه ﷺ وما نهى عنه بالسنة (٥)، فلا يجوز مخالفته ﵇ في شيء من أوامره، إلا ما خُصَّ عليه من الخبر، مما لم يتفق المسلمون على إيجابه لا بكتاب ولا سنة، فإنه ﷺ قال في هذا الجنس الذي هذا صفته: ? فخذوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا? (٦) فلذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: ? لعن الله الواشمات والمُوتَشِمات (٧) المغيرات خلق الله? فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فأتته فقالت: ما حديث بلغني أنك لعنت الواشمات والمتنصمات (٨)، وغير ذلك المغيرات خلق الله؟ قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لوحي المصحف ـ وكانت تقرأ وكان يقال لها: أم يعقوب (٩) ـ فما وجَدتُه، فقال: والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم قرأ: ﴿مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقالت المرأة: أني أرى شيئا من هذا الآن على امرأتك، قال: فاذهبي فانظرني: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا من ذلك (١٠).

стр. 1594

ورأى عبد الرحمن بن يزيد (١) رجلا (٢) محرما عليه ثيابه فنهاه، فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي؟ فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). وقال الحسن: كان يقسم بينهم الفيء وينهاهم عن الغلول (٤). قال الله ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥). قال مجاهد عن ابن عمر قال: دفع إلي عمر كتابا وقال: إذا اجتمعت الأمة على رجل، فاقروا عليه مني السلام وادفع إليه كتابي هذا، فلما اجتمعوا على عثمان أتاه فدفع الكتاب إليه، وأقرأه منه السلام وذكر أن وصية عمر هذه، قال: أوص الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين خيرا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أن يَعْرِف لهم حقهم، وأن يَعْرِف لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا ﴿الَّذِي تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأن يعفو عن

стр. 1595

مسيئهم، وأن يقبل من محسنهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم نكاة العدو (١) وجباة المال، وألا يحمل فضلهم إلا عن رضاهم، وأوصيهم بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن تؤخذ حواشي أموالهم (٢) فترد على فقرائهم، وأوصيهم بأهل ذمة الله وذمة رسوله ﷺ وأن يوفي بعهدهم، ويقاتل من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم (٣). وروى عكرمة بن خالد (٤) عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان (٥) أن عمر ﵁ قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٦) إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٧) إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ (٨) إلى آخر الآية، فقال: هذه استوعبت الناس، فلم يَبْق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، فإن أعش ـ إن شاء الله ـ لم

стр. 1596

يبق أحد من المسلمين إلا سيأتي حقه حتى الراعي بسَرْوِ حمير أو بسور حمير (١) يأتيه حقه ولم يعرق فيه جبينه (٢). وقال مجاهد: في الأنصار ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أنهم سمحوا بغنائم بني النضير، وذلك أن رسول الله ﷺ قسمها بين المهاجرين دونهم إلا رجلين من الأنصار ـ كانا فقيرين فأعطاهما معهم ـ أبو دجانة الساعدي (٣) وسهل بن حنيف (٤) (٥). وقال ابن عباس ﵁: لما غنم النبي ﷺ بني النضير قال للأنصار: ? إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وبينكم، وكنتم على مواساتكم، وإن شئتم كانت للمهاجرين فاستغنوا عنكم، فقالوا: بل تقسمها بينهم ونبقى على مواساتنا، فقسمها بين المهاجرين إلا رجلين (٦) من الأنصار أعطاهما معهم، فاستغنى هؤلاء بما أعطوا واستغنى الأنصار بما زال عنهم? (٧).

стр. 1597

قال الله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) قال أبو حازم (٢)، عن أبي هريرة: ? إن رجلا من الأنصار يأت (٣) به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، فنزلت هذه الآية? (٤). قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). الشح: منع الزكاة والواجبات في المال، من النفقة على النفس والأهل ومن يلزمه أمره، فمن فعل ذلك فليس بشحيح، وما بعد ذلك من الصدقة، وصلة الرحم، والإنفاق عند النوائب والضيافة، والنفقة فيما يقرب من الله مما ليس بمفروض، فاعله يدخل

стр. 1598

في قوله عز وعلا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١) ومن منع ذلك ولم يفعله كان بخيلا ودخل في قوله: ﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (٢) قال الله عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية (٣). قال علي بن الحسين ﵀ (٤): أتاني نفر من أهل العراق، فنالوا من أبي بكر وعمر ﵄، ثم ابْتَرَكوا (٥) في عثمان فلم يتركوا، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني، أنتم من المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ـ إلى آخر الآية ـ؟ قالوا: لا. قال: أَمَّا أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من إحدى هاتين، وأنا أشهدكم أنكم لستم من الذين قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، اخرجوا فعل الله بكم (٦).

стр. 1599

وحُدِّثْنَا من غير طريق، ومنها: ما حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عنبر (١) قال: نا أحمد بن المعدل (٢)، عن محمد بن مسلمة، قال: قال مالك بن أنس: من سب أحدا من الصحابة كائنا من كان أو تنقصه، وهم الذين قال النبي ﷺ : دعوا لي أصحابي فمن آذاهم فعليه لعنة الله فليس من المسلمين الذين يقسم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٣) قال الله ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) روي من طرق منها: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر (٥)، عن عبيد بن رفاعة الزرقي (٦) عن النبي ﷺ : ? أن راهبا كان في بني إسرائيل، فابتليت امرأة

стр. 1600

فيهم فأصابها لَمَم (١) فرأى بعض أهلها (٢) أن دواءها عند ذلك الراهب، فأخذ الشيطان يخنقها، فأوقع في قلوب أهلها أن يذهبوا بها إلى ذلك الراهب، حتى يدعو لها فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتى قبلها، فزين له الشيطان فلم يزل به حتى غشيها، فلما وقع بها حملت منه، فلما حملت منه جاءه الشيطان فقال له: الآن تفتضح في الناس، اقتلها ثم ادفنها فإن جاء أهلها فسألوا عنها فقل: ماتت. قال: وجاء الشيطان إلى أهلها فقذف في قلوبهم أنه أحبلها وفعل، قال: فجاءوا فاستنزلوه ليقتلوه، فجاء الشيطان فقال: أنا الذي أخذتها، وأنا الذي أتيت أهلها حتى أتوك، وأنا الذي زينت لك حتى وقعت، فأطعني الآن وأسجد لي سجدة حتى أنجيك، فسجد له فتبرأ منه وأسلمه. قال: فهو الذي قال الله ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾? (٣)، وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ نحو ذلك (٤).

стр. 1601

ومن سورة الممتحنة . قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية (١). هذا نزل في حاطب بن أبي بَلْتَعة (٢)، كان? كتب كتابا إلى كفار قريش ينذرهم برسول الله ﷺ وهو من المهاجرين وشهد بدرا، ولما كتب الكتاب أتى جبريل رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فوجه عليا والزبير والمقداد (٣) فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خَاخٍ (٤) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقوا يتعادون بخيلهم حتى انتهوا إلى الموضع فإذا بالمرأة فقالوا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قالوا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عِقَاصِها (٥)، فأتوا به رسول الله ﷺ فقرأه فقال: رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله ﷺ لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا (٦) في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من كان من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهاليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. قال رسول الله ﷺ إنه قد صَدَقَكم. قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب

стр. 1602

عنق هذا المنافق. قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم? وفي جماعة أحاديث أن الآية نزلت في ذلك، وروى هذا الحديث جماعة عن علي ﵀، منهم: أبو عبد الرحمن السلمي، وعبيد الله بن أبي رافع (١) وغيرهما (٢) وقد روي عن جماعة من التابعين نحو ذلك متصلا (٣). وقال الزهري (٤) فيه نزلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). قال الله ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٦). فالأسوة الحسنة من الآية التبرؤ منهم ومما يعبدون، والكفر بهم والعداوة لهم والبغضاء حتى يؤمنوا، الأسوة إلى هاهنا، ثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مستثنيا فلا أسوة في ذلك لأنه كان وعدهما ثم تبرأ منهما (٧)، فليس لأحد أن يتأسى به في ذلك.

стр. 1603

قال مجاهد وعطاء وقتادة: لا تأسي به في الاستغفار (١). قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢) روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂? أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية لقول الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) قال عروة: قالت عائشة ﵂: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ قد بايعتك ـ كلاما ـ ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة بعد ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك? (٤).

стр. 1604

ورواه محمد بن المنكدر (١) عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة (٢) قالت: أتيت رسول الله ﷺ لأبايعه، وذكرت نحوه، وأنه قال: ? فيما استطعتن وأطقتن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا? وقالت فيه: ? قال: إني لا أصافح النساء? (٣) فأما كان لا يصافح النساء فطرقه كثيرة، رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ـ أيضا ـ (٤). وروى الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة (٥)، قال: ? خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة (٦) قلد وأشعر (٧) الهدي وأحرم بعمرة? ـ وذكر الحديث في صلح الحديبية، وما شرط لهم من رد من أتانا منهم إليهم

стр. 1605

ـ قال: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بمكة، ونهاهم الله أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ، فقال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم. فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان (١) والأخرى صفوان بن أمية، وقيل: أبو جهم بن حذيفة (٢)، ورد المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت (٣) بالمعنى (٤). وسئل الزهري عن قوله : ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٥) فقال: يقول إذا أصبتم غنيمة فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من غنائمكم، وامنعوا المشركين من صدقُات من ورد إليكم من المسلمات (٦)، عقوبة لهم أن منعوا دفع الصدُقات المقبوضة من المسلمين

стр. 1606

للمشركات اللاتي لم يدخل بهن، وهذا كان في ذلك الوقت، للعقد الذي كان عقده النبي ﷺ بينه وبين المشركين بمكة، وقد زال حكمه بظهور ديننا على سائر الأديان، بقوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) فأظهره بالسيف على طوائف، وبالحجة على كل من بلغه. قال مسروق: كانت المرأة إذا ذهبت من المشركين الذين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد وهي مسلمة، أعطوا زوجها مثل مهرها ولم ترد إليهم، وإذا ذهبت من المسلمين إلى المشركين أعطى المشركون المسلم مثل مهرها إلا أن تذهب إلى غير ذي عهد فيعطى من الغنائم (٢). قال أبو عبيدة (٣) وسيبويه: عقبتم وعاقبتم واحد أي: أصبتم عقبى منهم (٤). وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ إذا أسلم الرجل وله امرأة مشركة وقعت الفرقة بينهما، وإن كانت نصرانية أو يهودية أقام عليها ـ إن شاء ـ وقد أصلح له الإسلام النكاح، إذ كان الله قد أحل له ابتداء العقد عليهن فبذلك يجوز له المقام عليهن، والله أعلم (٥).

стр. 1607

قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ الآية (١). روت حفصة بنت سيرين (٢) عن أم عطية (٣) عن النبي ﷺ ? أن العصيان في معروف: النَّوْح? (٤)، وروى شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة مثل ذلك (٥). ومن العصيان في المعروف: خمش وجوه، وشق جيوب، ونشر شعور، وما أشبه ذلك من رنات الشيطان. وروى ثابت (٦) عن أنس أن النبي ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: إلا نساء أسعدتنا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : ? لا إسْعَاد في الإسلام، ولا شِغَار في الإسلام، ولا جَلَبَ ولا جَنَب، ومن انتهب فليس منا? (٧)

стр. 1608

وقال أبو عثمان النهدي، عن أم عفيف (١) أَخَذ علينا رسول الله ﷺ فيما أخذ: ? ألا نحدث إلا مَحْرَما من الرجال? (٢). وقال عبادة (٣): لما أخذ رسول الله ﷺ على النساء البيعة قال: ? ومن أتى منكن حدا في الدنيا فعوقب به فهو كفارته، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له? (٤)

стр. 1609

قال الله ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ (١) دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢). قال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (٣). وروى عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: ? المقسطون في الدنيا، على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا? (٤).

стр. 1610

قال أبو عبيدة (١)، وقال الأصمعي: المقسط في اللغة: العادل، والقاسط: الجائر (٢)، قال الله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٣). وهذه الآية توجب أنه ليس يحرم على المسلم أن يَبَرَّ قرابته الكافر الذمي من غير المفروض، والله أعلم بما أراد من ذلك.

стр. 1611

ومن سورة الحواريين قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١). قال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾ (٢). وقال مجاهد: قال جماعة من الصحابة فيهم ابن رواحة: لو نعلم عملا هو أحب الأعمال إلى الله؛ لعملنا بها حتى نموت، ثم تأخر بعضهم، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله ابن رواحة: لا أبرح حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا (٣). فأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول الله ﷺ أتبعه الآية، ليس من القرآن (٤). والآية توجب على كل من وعد وعدا لا إثم فيه أن يفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملا فيه طاعة أن يفي به ويدوم عليه، ويسأل الله التوفيق والمعونة، ألا تراه

стр. 1612

قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية (١)، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢) قال الله ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣) روي عن الأسود بن العلاء (٤) عن أبي سلمة (٥) عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ? لن يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله قد كنت أظن حين قال : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تام، فقال النبي ﷺ : سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم يبعث الله ريحا فتقبض روح من كان في قلبه حبة من خردل من خير، وتبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم? (٦). وقال أبو هريرة ﵁ ـ رُوي عنه إن كان صحيحا ـ إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇ (٧)، وقال مجاهد مثل

стр. 1613

ذلك (١)، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢). قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي ﷺ على الأديان كلها (٣)، فأظهره الله بالحجة على قريش وهاجر، وكان في يوم الحديبية في ألف وأربعمائة (٤)، ودخل عام الفتح في عشرة آلاف (٥) (٦) وغزا حنينا في اثني عشر ألفا (٧)، وغزا تبوك (٨) في سنة تسع في ثلاثين ألفا (٩)، ثم حج في سنة عشر وتوفي ﷺ في شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد أدخله الله المسجد الحرام كما وعده. وكان قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١٠) معناه إذا شاء الله آمنين، وهذا سائغ في كلام العرب، والله لا يحتاج أن يستثني؛ لأنه يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا في القرآن في مواضع كثيرة، وإنما يستثني من لا يدري هل يكون ما قال أم لا، ألا تراه لما أتى عمر أبا بكر ﵄، يوم الحديبية فقال: ? أليس قد قرأ علينا لتدخلن المسجد الحرام؟ قال له أبو بكر بطبعه السليم وعلمه الواسع: قال لك في هذا العام؟ ثم أتى النبي ﷺ فخاطبه بمثل ذلك، وقال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فلم تعط الدنية (١١) في

стр. 1614

ديننا؟ ثم قال: أليس قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وقد وعدتنا بذلك، فقال النبي ﷺ : أقلت لك في هذا العام؟ ? (١) فوافق قول أبي بكر قول النبي ﷺ ، وكان أصحاب رسول الله كلهم قد نفروا من المقاضاة، ولحقهم ما لحق عمر خلا أبي بكر، فمعناه: إذا شاء الله، ولما شاء الله فتحها عليه فدخلها، ثم دخلها حاجا أو معتمرا. ثم أظهره الله على الدين كله، فلم يبق أهل ديانة إلا أظهره الله عليهم؛ إما بغلبة قتال، وإما بخوف وبإجلاء عن أوطانهم، أو بإذعان بالجزية فهذا إظهار وغلبة بينة، وأما من سوى هؤلاء فأظهره الله عليهم بالحجة، وكفى به إظهارا ألا تسمع إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) يعني الغالبين، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣) فأعلم أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا، وقد علمنا أنهم يغلبون ويؤذون، وقد قال لنبينا ﷺ : ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٥) يعني من الأذى، فقد علمنا ما جرى على الأنبياء ﵈، وهم منصورون بالحجة، وهل في يوم الأشهاد نصرة إلا بالحجة، فأنبياء الله وأولياؤه والمؤمنون منصورون بالحجة مغلوبين وعالين، وصاحب الحجة هو المنصور، فقد علمنا أن النبي ﷺ لم يقاتل أهل الملل كلها،

стр. 1615

وقد أعلمه الله أنه يظهره على الدين كله؛ لأن حجته باقية إلى يوم القيامة قال الله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١) وقد بلغ الخلق جميعا، ومن كان معه القرآن فهو مُظْهر منصور حتى يلقى الله به، فينصره يوم القيامة به، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٢). قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) قال مجاهد: من يتبعني إلى الله (٤). وقال سفيان بن حسين (٥): من مع نصر الله إياي، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) و ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٧) أي: مع قوتكم. وقال قتادة: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة، فآووه ونصروه، حتى أظهره الله، قال: ولم يسم حي من السماء اسما لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم (٨).
следующие страницы →