← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ومن سورة الحواريين قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١). قال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾ (٢). وقال مجاهد: قال جماعة من الصحابة فيهم ابن رواحة: لو نعلم عملا هو أحب الأعمال إلى الله؛ لعملنا بها حتى نموت، ثم تأخر بعضهم، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله ابن رواحة: لا أبرح حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا (٣). فأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول الله ﷺ أتبعه الآية، ليس من القرآن (٤). والآية توجب على كل من وعد وعدا لا إثم فيه أن يفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملا فيه طاعة أن يفي به ويدوم عليه، ويسأل الله التوفيق والمعونة، ألا تراه

стр. 1612

قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية (١)، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢) قال الله ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣) روي عن الأسود بن العلاء (٤) عن أبي سلمة (٥) عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ? لن يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله قد كنت أظن حين قال : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تام، فقال النبي ﷺ : سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم يبعث الله ريحا فتقبض روح من كان في قلبه حبة من خردل من خير، وتبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم? (٦). وقال أبو هريرة ﵁ ـ رُوي عنه إن كان صحيحا ـ إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇ (٧)، وقال مجاهد مثل

стр. 1613

ذلك (١)، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢). قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي ﷺ على الأديان كلها (٣)، فأظهره الله بالحجة على قريش وهاجر، وكان في يوم الحديبية في ألف وأربعمائة (٤)، ودخل عام الفتح في عشرة آلاف (٥) (٦) وغزا حنينا في اثني عشر ألفا (٧)، وغزا تبوك (٨) في سنة تسع في ثلاثين ألفا (٩)، ثم حج في سنة عشر وتوفي ﷺ في شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد أدخله الله المسجد الحرام كما وعده. وكان قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١٠) معناه إذا شاء الله آمنين، وهذا سائغ في كلام العرب، والله لا يحتاج أن يستثني؛ لأنه يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا في القرآن في مواضع كثيرة، وإنما يستثني من لا يدري هل يكون ما قال أم لا، ألا تراه لما أتى عمر أبا بكر ﵄، يوم الحديبية فقال: ? أليس قد قرأ علينا لتدخلن المسجد الحرام؟ قال له أبو بكر بطبعه السليم وعلمه الواسع: قال لك في هذا العام؟ ثم أتى النبي ﷺ فخاطبه بمثل ذلك، وقال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فلم تعط الدنية (١١) في

стр. 1614

ديننا؟ ثم قال: أليس قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وقد وعدتنا بذلك، فقال النبي ﷺ : أقلت لك في هذا العام؟ ? (١) فوافق قول أبي بكر قول النبي ﷺ ، وكان أصحاب رسول الله كلهم قد نفروا من المقاضاة، ولحقهم ما لحق عمر خلا أبي بكر، فمعناه: إذا شاء الله، ولما شاء الله فتحها عليه فدخلها، ثم دخلها حاجا أو معتمرا. ثم أظهره الله على الدين كله، فلم يبق أهل ديانة إلا أظهره الله عليهم؛ إما بغلبة قتال، وإما بخوف وبإجلاء عن أوطانهم، أو بإذعان بالجزية فهذا إظهار وغلبة بينة، وأما من سوى هؤلاء فأظهره الله عليهم بالحجة، وكفى به إظهارا ألا تسمع إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) يعني الغالبين، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣) فأعلم أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا، وقد علمنا أنهم يغلبون ويؤذون، وقد قال لنبينا ﷺ : ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٥) يعني من الأذى، فقد علمنا ما جرى على الأنبياء ﵈، وهم منصورون بالحجة، وهل في يوم الأشهاد نصرة إلا بالحجة، فأنبياء الله وأولياؤه والمؤمنون منصورون بالحجة مغلوبين وعالين، وصاحب الحجة هو المنصور، فقد علمنا أن النبي ﷺ لم يقاتل أهل الملل كلها،

стр. 1615

وقد أعلمه الله أنه يظهره على الدين كله؛ لأن حجته باقية إلى يوم القيامة قال الله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١) وقد بلغ الخلق جميعا، ومن كان معه القرآن فهو مُظْهر منصور حتى يلقى الله به، فينصره يوم القيامة به، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٢). قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) قال مجاهد: من يتبعني إلى الله (٤). وقال سفيان بن حسين (٥): من مع نصر الله إياي، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) و ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٧) أي: مع قوتكم. وقال قتادة: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة، فآووه ونصروه، حتى أظهره الله، قال: ولم يسم حي من السماء اسما لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم (٨).

стр. 1616

وقال أنس: هذا اسم لم نتسم به سمانا الله به (١). وقال قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون (٢)، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح (٣)، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وقال: الحواري الوزير (٤). وقيل: الحواريون الغسالون (٥). وقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحواريات من النساء اللاتي لا ينزلن البوادي وينزلن القرى (٦)، قال الشاعر (٧):

стр. 1617

وقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح والحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياض والنقاء، كان من نصر الله ورسوله ﷺ ينقى القلب له هذا الاسم. قال الله ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١). قال ابن عباس ﵁: لما أراد الله أن يرفع عيسى ﵇ قال: خرج على أصحابه وهم اثنا عشر فقال: أما إن منكم من سيكفر بي ثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب منهم، فقال: أنا. فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى، قال: ورفع عيسى من روزنة (٢) في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، قال: وكفر به بعضهم ثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، قال: فافترقوا ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية (٣). قال: وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه،

стр. 1618

وهؤلاء النسطورية (١). وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه. قال: وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، قال: فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ فأنزل الله ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت في زمن عيسى ﵇ قال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بإظهار دينهم بمحمد ﷺ فأصبح دينهم ظاهرا (٢)، وقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (٣).

стр. 1619

ومن سورة الجمعة (١) قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢). أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى (٣) وأربعين وثلاث مائة وأنا أسمع قال: كانت العرب لا تقرأ ولا تكتب وهم الأميون، وكان بعث النبي ﷺ إليهم أولا، ثم إلى الناس جميعا، وقد كان في قريش والعرب نفر يكتبون وفي كتابتهم ضعف، والناس كلهم من العرب لا يكتبون ولا يقرؤون، وكان النبي ﷺ أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يحفظ من الشعر شيئا، وكان من دلائل نبوته ﵇ ما أتى به من أخبار من مضى من الأمم، ولم يقرأ الكتب قبل ذلك، ولا عرف منها شيئا. قال الله عز وعلا: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (٤). يعني سائر العجم والروم وغيرهم، وقال النبي ﷺ ووضع يده على سلمان، وقال: ? لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء? (٥)

стр. 1620

وقال العلاء (١) عن أبيه عن أبي هريرة: ? أن رسول الله لما تلا هذه الآية ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٢) فضرب على فخذ سلمان الفارسي، ثم قال: هذا وقومه لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس? (٣) وقال عكرمة: هم التابعون (٤). وقال الضحاك: من آمن وعمل صالحا إلى يوم القيامة، من عربي أو عجم (٥). قال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٦) قال الحسن: يحمل على ظهره ولا يدري ما على ظهره، فكذلك المنافق (٧). وقال مجاهد: يحمل كتبا لا يدري ما فيها ولا يعقلها (٨). وقال قتادة: يحمل كتبا لا يدري ما على ظهره (٩).

стр. 1621

قال الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). قال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ (٢). وكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، إنما هي فامضوا (٣)، وكان أبي يقرؤها كذلك (٤). وقال ثابت (٥): قال لي أنس: قم نسعى لها (٦). وكان ابن الزبير (٧) يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ (٨). وقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة (٩). وقال عطاء المشي (١٠)، وقالته جماعة.

стр. 1622

والسعي في اللغة: العمل، وقال مالك: ليس هو السعي على الأقدام بالاشتداد، وإنما هو العمل (١) فأما قراءة من قرأها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ فإنما (٢) قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن يغير لفظة مما في المصحف برواية، وإنما عبروا عن المعنى (٣)؛ لأن السعي هو العمل، قال الله : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (٤) فالسعي القصد إليها، كما قال الحسن بالنية والعمل.

стр. 1623

قال الله ﵎: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال ابن عباس ﵁: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع (٢). وكان مسلم بن يسار، والقاسم بن محمد، يقولان: إذا نودي للجمعة فلا بيع (٣). وقال ميمون بن مهران (٤) وأيوب السختياني: كان المنادي يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة بالمدينة نادى: حرم البيع حرم البيع (٥). وكان أبو بكر بن حزم (٦) يساوم بلبن فسمع أذان الجمعة فقال: لا بيع بيني وبينك (٧).

стр. 1624

وقال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة فقد حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة (١). وقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يحرم البيع [إلى أن يحل] (٢). وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة (٣). وقال ابن شهاب: حَرّمَ النداءُ البيعَ (٤). وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه (٥).

стр. 1625

وقال زيد بن أسلم: النداء حين يخرج الإمام، يريد النداء الثاني (١). وقال أبو الزناد: يفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت (٢). قال الله : ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فمعناه لا تبيعوا، فكيف يجوز بيع من نهاه الله أن يبيع، قال رسول الله ﷺ : ? ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم? (٣) فإذا كان النبي ﷺ نواهيه على الإيجاب وهي رواية، فنواهي القرآن أوكد. وقد احتج قوم (٤) ممن يقول بجواز البيع (٥) في هذا الوقت، بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنه قيل: ذلكم خير لكم، دل على الترغيب، فغلط غلطا فاحشا؛ لأن الله إذا نهى عن شيء ففيه الخير للعباد، وقد قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٦) فهل يجوز أن يقال إن هذا غير واجب، وإذا أمروا بالذهاب إلى الجمعة وجب عليهم ألا يفعلوا شيئا يتشاغلون به عن إدراك الجمعة، ولما

стр. 1626

قيل في تحريم الصيد قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) كذا قيل هاهنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٢) وقيل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فكان ذلك كله إذنا وإطلاقا بعد الحضر، فيما أمرهم به من اعتزال النساء في المحيض، وفي الصيد، وفي البيع بعد الفراغ من الصلاة. وقد عارض قوم بأن قالوا: فإن أعتق في ذلك الوقت أو تزوج، هل تقولون إن ذلك باطل كما تقولون في البيع؟ فقلنا: من عادة الناس التشاغل بالبيع في كل الأزمنة والأوقات، وهو عمل مستدام، وليس النكاح والعتق مما يدوم فعل (٤) الناس له، كما يدوم في المبايعات، وإنما نهى الله عن البيع لدوامه وانتظامه (٥)، وأن القوم خرج كثير منهم للنظر إلى العير، وتعجل البيع، فعوتبوا ونزل تحريم البيع من أجل فعلهم، قال جابر بن عبد الله: ? أقبلت عير بتجارة يوم جمعة ورسوله ﷺ يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول الله ﷺ في اثني عشر رجلا، فنزلت هذه الآية? (٦).

стр. 1627

وقوله: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ إنما هو تجارة و ﴿لَهْوًا﴾؛ لأنهم كانوا إذا أتت العير ضرب بين يديها بالدف، ومَرَّ السودان يلعبون بين يديها، ومثل هذا في القرآن كثير؛ قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١) إنما هو آثما وكفورا. وروى جماعة مثل الذي رواه جابر بن عبد الله، وقاله جماعة من التابعين منهم من وصله ومنهم من أرسله (٢)، ولم يختلف في ذلك (٣). وقال فيه الحسن: إن رسول الله ﷺ كان يخطب فقدمت عِيْرٌ، فأسرع الناس إليها، فنزلت: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ فقال: ? والذي نفسي بيده لو تبايعتم؛ لاضطرم ما بينهما نارا? (٤) فلما كان الذي أنكر عليهم البيع الذي تجري به العادة ويدوم الاشتغال به، حرم عليهم، وليس يدوم الاشتغال بالنكاح والعتق وما أشبهه، فلم يدخل ذلك في التحريم، ألا ترى أنه قد رخص لمن تخلف عن الجمعة (٥)، وغلظ على من تركها ثلاثا، فقيل: طبع على قلبه (٦)، فلو أطلق للناس البيع لتشاغلوا به في كل الجُمَع، والنكاح

стр. 1628

والعتق لا يشتغل به، ولا يدوم فعله، فدخل في باب الرخصة، وإن كنا ننهى عنه ـ أيضا ـ كما نأمر ألا يتخلف أحد عن جمعة ولا نرى من يتشاغل عن جمعة واحدة معاقبا (١). وكان النبي ﷺ يخطب في الجمعة خطبتين، يقعد بينهما قعدة خفيفة، وكذلك كان أبو بكر وعمر، وروى ذلك جابر بن سمرة (٢) وغيره (٣).

стр. 1629

ومن سورة المنافقين قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) قال ابن عباس ﵁ من كان له مال يُبلِّغُه الحج فلم يفعل، ومن كان له مال يبلغ الزكاة فلم يزكه، سأل الرجعة عند الموت، فقال له رجل: يا أبا عباس إنما سأل الرجعة الكافر، قال: أنا أقرأ عليك به قرآنا، ثم قرأ هذه الآية، وقال ابن عباس: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أزكي ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أحج (٢) (٣).

стр. 1630

ومن سورة التغابن قوله ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١) قال علقمة (٢): هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى، ويعلم أنها من عند الله (٣). وقال مقاتل بن حيان (٤) ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبِي﴾ قال: الاسترجاع (٥). قال الله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) قال ابن عباس ﵁: ? هؤلاء ناس أسلموا وأبى أزواجهم وأولادهم أن يأتوا النبي

стр. 1631

- ﷺ ، فلما قدموا المدينة ورأوا الناس (١) قد فقهوا في الدين فأرادوا أن يعاتبوهم، قالوا: أنتم الذين منعتمونا أن نأتي النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾? (٢). وقال مقاتل (٣) نحو ذلك (٤). وقال مجاهد: احذروهم أن يقطعوكم عن طاعة ربكم (٥). وأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦). هذه الآية نسخت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧) وكذا قيل: نسخت (٨). والذي عندي أنها خَفَفت من التكليف الأول (٩).

стр. 1632

وقال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لكان ما لا يطاق، ولكن الله جل وعلا رحم عباده، فنسخها بهذه الآية (١). وقال الحسن في قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال: أجهدوا أنفسكم (٢). وأما قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٣). فهو غبن أهل الجنة لأهل النار، والله أعلم (٤).

стр. 1633

ومن سورة الطلاق . قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١). حدثنا أحمد بن موسى (٢) قال: نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له: ﴿مره يراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء﴾ (٣) وطرق هذا الحديث كثيرة، وفي بعضها: ﴿طاهرا أو حاملا﴾ (٤) فالطلاق الذي أمر الله به وعلمه عباده الذي هو السنة؛ أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه، ويدعها تمضي في عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها ارتجعها شاءت أم أبت قبل تقضي عدتها، وإن تركها ولم يرتجع، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج، وكان خاطبا من الخطاب (٥). وزعم أبو حنيفة: أن طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة، والذي رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄ كما قلنا ـ أنه طَلْقَة في أول

стр. 1634

الطهر إلى انقضاء العدة (١)، ولا نعلم أحدا من الصحابة قال ما قاله إلا شيء رواه الأعمش عن أبي إسحاق (٢)، عن أبي الأحوص (٣)، عن عبد الله (٤). وروى زكريا بن أبي زائدة (٥) عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ضده (٦) على ما رسمنا من طلاق السنة. ورواه وكيع عن إسرائيل (٧)، وسليمان بن حرب وحجاج (٨) وحفص بن

стр. 1635

عمر (١) عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثل الذي روى ابن أبي زايدة (٢)، فوهى حديث الأعمش، ولعله بلغه عن أبي إسحاق ولم يسمعه. وزعم الشافعي: أن طلاق الثلاث مجتمعة من السنة (٣)، وقد روى مخرمة بن بُكَيْر (٤) (٥) عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد الأنصاري (٦) يقول: أُخْبِرَ رسول الله ﷺ

стр. 1636

عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانا (١) ثم قال: ﴿يلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم! ﴾ (٢) وروى حماد بن زيد، عن أيوب (٣)، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن طلقت ثلاثا فقد بانت منك امرأتك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك (٤). وروى أشعث (٥) عن نافع عن ابن عمر ﵁: من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه امرأته (٦).

стр. 1637

وقال كعب بن علقمة (١): إن عليا ﵀ كان يعاقب الذي يطلق امرأته البتة، وقال: ما طلق رجل طلاق السنة فندم (٢). وقال الأعمش عن مالك بن الحارث (٣) عن ابن عباس ﵁ وجاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: أفلا يحلها له رجل قال: من يخادع الله يخدعه الله (٤). وقال مجاهد: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: يعمد أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس يا أبا عباس، قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٥) وإنك لم تتق الله، فلا أرى لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك (٦).

стр. 1638

وقال عمران بن حصين: من طلق ثلاثا أثم بربه، وحرمت عليه (١). وقال أنس كان عمر ـ رحمة الله عليه ـ إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا وأبانها (٢). ومن قال مثل ذلك من التابعين، أكثر من أن يدركه الإحصاء، ولولا الإطالة لقصصت به، أفلا يتقي الله عبد يظن أنه أعلم بسنة الطلاق المنزل في القرآن، من عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومن ذكرنا. وقد احتج هذا الرجل (٣) بأن العجلاني (٤) طلق بعد تقضي اللعان ثلاثا فلم ينكر النبي ﷺ ذلك عليه (٥)، والعجلاني طلق أجنبيته؛ لأن اللعان قد فرق بينهما عند الشافعي، فما يدريه لعل النبي ﷺ قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية (٦)، وليس كل شيء كان نقل إلينا.

стр. 1639

واحتج ـ أيضا ـ بأن النبي ﷺ قال لعمر: ﴿فإن شاء طلق وإن شاء أمسك﴾ (١) ولم يذكر له عدد الطلاق (٢)، والنبي ﷺ لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعلمه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العدد، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعرفه (٣). واحتج (٤) ـ أيضا ـ بحديث رُكانة (٥) وأن النبي ﷺ سأله: ﴿ما أردت﴾ (٦) وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع

стр. 1640

ولا تلزم (١)، وإنما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا (٢)، فأما تَعَرُّف ما أراد ليلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السنة ويطلق (٣) للبدعة. فأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه (٤)، وعلى أنه جوزه للسنة مع تقديم ذكر ما يقوله للسنة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدة للسنة وضدها للسنة، هذا ما يستحيل في العقول (٥)، وقال أبو حنيفة أيضا: إن الأقراء الحيض (٦)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في سورة البقرة (٧)، وإنما أُمر الناس بطلاق السنة نظرا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعة أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٨) وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عدة له، والعدة بالطلاق الأول، فأي فائدة في الثاني (٩) إلا مخالفة أمر الله ، والدخول في التضييق على نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١٠) فعلم أن الطلاق الذي أمر الله به تكون منه عدة، فقد

стр. 1641

دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد. وقال رسول الله ﷺ : ﴿فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء﴾ (١) فالأمر في كتاب الله للوقت، وأمر رسول الله ﷺ إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي ﷺ لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعا: من طلق ثلاثا فقد عصى ربه (٢)، ولو كان للسنة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وقد قال المفسرون جميعا: هي الرجعة (٣)، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) فعلم أن الذي طلق ثلاثا غير مخاطب بذلك. فأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥) يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٦) فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يراجعها مضارة لها؛ لأن الرجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليطول عليها عدتها ويعيدها، فنهوا عن ذلك (٧).

стр. 1642

فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) فشَرْطُ المعروف يراد به النكاح الحلال، والعقد الصحيح بولي وإعلان، فهذا هو المعروف الذي شرَطَه الله (٢)، فإن الظاهر ـ والله أعلم ـ يدل على أن أجلهن في هذا الموضع، هو الذي أبيح لهن فيه التزويج وهو ما بعد آخر العدة، وآخر العدة هو من العدة، وما بعدها ليس منها، وقد تأتي اختصارات يتسع القول فيها إذا فهم المعنى، فقوله في المتوفى ﴿بَلَغْنَ﴾ معلوم أنه خرجن، وقوله في المطلقة: ﴿بَلَغْنَ﴾ قاربن، ولهذا نظائر في القرآن قال الله عز من قائل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٣) وإنما هو إذا أردت، وقال سبحانه: ﴿إِذَا (٤) نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (٥) إنما هو إذا أردتم مناجاة الرسول، وقال رسول الله ﷺ : ﴿إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل﴾ (٦) وإنما هو إذا أراد المجيء، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٧) وليس يكون ذلك فيمن طلق ثلاثا. وقال بعد ذكر المرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٨) فعلم أنه التطليق

стр. 1643

الثالث حالا بعد حال، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) فرد هذا النسق على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ نسقا على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ومعنى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فإن سرحها بالطلاق الثالث، وأدخل ما بين ذلك ذكر الخلع (٣) وهو قوله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ﴾ (٤) فكان أمر الخلع الذي أُدخل في هذا الموضع، حكما بين النساء كلهن، لا في التي طُلِّقَت مرتين، ومثل هذا يجيء في القرآن كثير، تدخل القصة فيما بين القصتين، ثم ترد الآخرة على الأولى، وقد ذكرنا هذا الموضع في سورة البقرة في موضع الخلع (٥)، فكان جميع ما وصفنا في كتاب الله تبارك اسمه أن الطلاق الذي أبيح إنما هو تطليق بعد تطليق، فكان ذلك نظرا لهم على ما وصفنا. فإن طلق رجل ثلاثا في وقت واحد؛ لزمه ذلك، وكان قد أخطأ على نفسه، وأثم بربه ، حين لم يقبل ما أدبه به وعلمه إياه، فإن الله ﵎ يحب أن

стр. 1644

تؤخذ رخصه كما يؤخذ بعزائمه (١)، وكان الطلاق الذي ألزمه نفسه واجبا عليه، وإن كان قد وضعه في غير موضعه؛ لأن الطلاق إخراج ملك عن يده، يقع بسنته وبغير سنته، كما يعتق فيلزمه بسنته أو بمعصيته كل ذلك يلزمه، وقد قيل لابن عمر: فهل عُدّ ذلك طلاقا؟ فقال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقا (٢)، وذهب على سائله قول رسول ﷺ : ﴿مره فليرتجعها﴾ (٣) فهل تراجع إلا المطلقة، وابن عمر الذي خوطب بذلك، ها أنت ذا طلقت امرأتك واحدة واثنتين، أمرك رسول الله ﷺ برجعتها، ها أنت ذا طلقت امرأتك ثلاثا، بانت منك امرأتك وعصيت ربك. وقد ذكرنا في سورة البقرة الأقراء ما هي، والحجة على من قال أنها الحيض (٤). وممن قرأ الآية: ﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ ابن عمر، رواه مالك وجماعة عن عبد الله بن دينار (٥)، عن ابن عمر (٦)، ورواه ابن أيمن (٧) وابن جبير عنه (٨).

стр. 1645

وقرأ ابن مسعود: ﴿لقبل طهرهن بغير جماع﴾ (١). وقرأ ابن عباس: ﴿لقُبُل عدتهن﴾ (٢). وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ : ﴿طلقوا المرأة في قُبُلِ عدتها﴾ (٣) والحسن ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السنة أن يطلقها في قُبُل عدتها (٤). وهؤلاء كلهم وجماعة من المفسرين، ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكما لا تلاوة؛ لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك (٥)، والمعنى ما قالوه.

стр. 1646

وقال : ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) فالإحصاء (٢) إنما يكون للشيء الذي إذا انقضى حلت للأزواج، وما قيل: قُبُل عدتهن، لم يجز أن يكون قبل الشيء إلا بعض الشيء، وليس هو مثل استقبال الشيء؛ لأن الإنسان يستقبل غيره، وقبله ودبره إنما هو بعضه، فكان ذلك كله مؤكدا للطهر أنه هو العدة التي تحصى، وفيما ذكرنا في سورة البقرة فيها كفاية إن شاء الله (٣). قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب (٥)؛ لرفع الدعاوى، وتحصين الفروج والأنساب؛ لأن الطلاق إذا عُلِم وارتجع ولم يشهد، جاز للمرأة إذا انقضت عدتها أن تتزوج إذا لم يُعلم، ولم يُلتفت إلى دعواه قد ارتجعت. وقد يجوز أن تكون المرأة ـ أيضا ـ تكرهه وتأباه، فتكره الرجعة، فلذلك ما أمر الله (٦) بالإشهاد فيها، ولا يجوز في الشهادة على الرجعة إلا شهادة ذوي عدل من الرجال، وليس يجوز في هذا شهادة النساء؛ لأن الله دل على أقل ما يجزئ، كما دل في الأموال على أقل ما يجزئ من الشهادة،

стр. 1647

وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾ (١) وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) يريد أقل ما يجزئ، ففرق سبحانه وجل ثناؤه بين حكم الأبدان والأموال، فأجاز شهادة النساء في الأموال، ولم يجزها فيما كان حكما في الأبدان، من حدود ونكاح وطلاق، وما أشبه ذلك (٣). وقد يجوز أن يقول قائل: فأنتم تجيزون شهادتهن في الاستهلال (٤)، قلنا: لأنه مال، ولأنه لا يُشهد في الاستهلال مع الحياة؛ لأنه غير محتاج إليه، وإنما تقع الشهادة عليه بعد تلف الصارخ المُسْتَهِل، وهو شيء يؤدي إلى المواريث والأموال، ليس فيه حكم في بدن. وقال مالك: تُشْهد المرأة على زوجها بالطلاق إن خافت مناكرته شاهدين، ولا يجوز في ذلك غير الرجال؛ لأن ذلك من حكم الأبدان؛ لأنها جنس والأموال جنس، وإنما جازت شهادة النساء في الأموال؛ لأنها أيسر خطبا من الأبدان، ولذلك جاز فيها الشاهد واليمين، وجاز فيها رد اليمين وما أشبه ذلك، وليس يشبه الأموال حكم الأبدان؛ لأن التبايع يصح بين المتبايعين وإن لم يحضرهما أحد، والنكاح لا يصح إلا بعلم غير المتناكحين، وأحكام الطلاق تابعة للنكاح، وقد أجمعوا معنا أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود (٥)، فالنكاح والطلاق بالحدود وبحكم الأبدان أشبه منه بالأموال،

стр. 1648

وقال بعضهم: في الحدود والطلاق ويجوز في النكاح (١)، فدل اختلافهم على أن شهادة النساء لم تَرِد على العموم، وإنما هي في الأموال خاصة. قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎ (٢): ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) والله أعلم (٥). فأما الحكم في الأموال بشاهد ويمين، فشيء أوجبه خفي القرآن، فأوجبته السنة والنظر، فمن ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٦) ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٧) والآمر بذلك ـ جل وعز ـ قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق فليتق الله ربه، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٨) فجاء على الشاهدين وثيقة العالم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بينها الرسول ﷺ عن باطن القرآن لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول الله ﷺ أن شهادة أحدهما مع يمين المطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين. فإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان، قيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تلفهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي، خوفا من تلفه (٩) شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المدَّعىَ عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا؛ لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه ـ من غيره ـ أقوى من بيان المدَّعىَ عليه؛ لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما (١٠). وقد احتج قوم في هذا بقول النبي ﷺ للأشعث بن قيس (١١): ﴿شاهداك أو يمينه﴾ (١٢) فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين (١٣)، وهذا غلط؛ لأنه لو كان حين قيل له:

стр. 1649

شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما هذا كان ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقبل ذلك منه، وقد حدثنا محمد بن إبراهيم بن خشنام (١)، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى (٢) قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي (٣) قال: حدثنا جعفر بن محمد (٤)، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﴿أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد في الأموال﴾ (٥) وقال محمد بن علي (٦): وقضى بها علي (٧) بين أظهركم (٨) ـ يعني بالكوفة أو بالعراق ـ والحديث في هذا الباب كثير معروف، وليس بنا حاجة إلى الإطالة به. وقد احتج قوم في ذلك بقول النبي ﷺ : ﴿لو أعطي قوم بدعاويهم (٩) لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من المنكر﴾ (١٠) ولم يعرفوا المعنى، ومعنى البينة، البيان على المدعي؛ لأنه يدعي ما ظاهره بيد غيره، فكُلِفَ أن يأتي بالبيان على باطن هو أقوى من ظاهر اليد، فإذا أتى من ذلك ببيانين وهما: شاهدان، حكم له، وقيل للمدّعَى عليه: لك بيان وله بيانان وبيانك منك (١١)، فإذا أتى (١٢) بشاهد فقد أتى ببيان واحد هو أقوى من بيان اليد؛ لأنها منه وبيان المدعي من غيره، فنقلت اليمين إليه ليكون ما أمر الله به من الوثيقة، وثيقة لا طعن فيها ولا تضعيف من جاهل أو ضعيف الدراية. وأما قول الشافعي: أنه يجيز في الأموال شهادة رجل ويمين، ولا يجيز امرأتين ويمين (١٣)، فقد تكلمنا في ذلك في المسألة على العراقيين وعليه، بما فيه كفاية إن شاء الله. وأما قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن منهم من أجاز شهادة النساء في النكاح والطلاق، ومنهم من أجازها في النكاح ولم يجزها في الطلاق (١٤)، ولا أعلم فرقا إذ

стр. 1650

النكاح والطلاق جميعا إنما تُرَادُ الشهادات عليهما من أجل الأنساب وحياطتها، وليس يجوز عندهم شهادتهن في النسب، الذي من أجله أمر بالشهادات على النكاح والطلاق وإيجاب الحدود ودرئها. فإن قالوا: قد تشهد عندهم القابلة في الولادة وهو النسب، وعند الشافعي أربع نسوة (١)، وعندنا امرأتان، وقد نحلونا ذلك، قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، نحن إنما نُجِيْز شهادة المرأة على الاستهلال الذي يوجب الأموال لا هلال المُسْتَهِلِ، فأما الولادة فإن القول قول المرأة إذا علم الحمل، وفي الحيض إذا حاضت بما يشبه كونه؛ لقول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٢) فذلك مَوكُول إلى أمانتهن ومقبول فيه قولهن. وقول العراقي: واحدة، خطأ (٣)؛ لأن الله ﵎ لم يرض واحدة، وذكر العلة فقال عز من قائل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٤). وأما قول الشافعي في الأربع (٥) فغلط؛ لأنه لا اختلاف أنهن لو كن أربعا وأربعمائة ـ على شهادة بدرهم ـ لَكُنّ بمعنى امرأتين يزاد معهن بيان آخر، فلما كُنّ فيما
следующие страницы →