← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقال : ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) فالإحصاء (٢) إنما يكون للشيء الذي إذا انقضى حلت للأزواج، وما قيل: قُبُل عدتهن، لم يجز أن يكون قبل الشيء إلا بعض الشيء، وليس هو مثل استقبال الشيء؛ لأن الإنسان يستقبل غيره، وقبله ودبره إنما هو بعضه، فكان ذلك كله مؤكدا للطهر أنه هو العدة التي تحصى، وفيما ذكرنا في سورة البقرة فيها كفاية إن شاء الله (٣). قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب (٥)؛ لرفع الدعاوى، وتحصين الفروج والأنساب؛ لأن الطلاق إذا عُلِم وارتجع ولم يشهد، جاز للمرأة إذا انقضت عدتها أن تتزوج إذا لم يُعلم، ولم يُلتفت إلى دعواه قد ارتجعت. وقد يجوز أن تكون المرأة ـ أيضا ـ تكرهه وتأباه، فتكره الرجعة، فلذلك ما أمر الله (٦) بالإشهاد فيها، ولا يجوز في الشهادة على الرجعة إلا شهادة ذوي عدل من الرجال، وليس يجوز في هذا شهادة النساء؛ لأن الله دل على أقل ما يجزئ، كما دل في الأموال على أقل ما يجزئ من الشهادة،

стр. 1647

وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾ (١) وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) يريد أقل ما يجزئ، ففرق سبحانه وجل ثناؤه بين حكم الأبدان والأموال، فأجاز شهادة النساء في الأموال، ولم يجزها فيما كان حكما في الأبدان، من حدود ونكاح وطلاق، وما أشبه ذلك (٣). وقد يجوز أن يقول قائل: فأنتم تجيزون شهادتهن في الاستهلال (٤)، قلنا: لأنه مال، ولأنه لا يُشهد في الاستهلال مع الحياة؛ لأنه غير محتاج إليه، وإنما تقع الشهادة عليه بعد تلف الصارخ المُسْتَهِل، وهو شيء يؤدي إلى المواريث والأموال، ليس فيه حكم في بدن. وقال مالك: تُشْهد المرأة على زوجها بالطلاق إن خافت مناكرته شاهدين، ولا يجوز في ذلك غير الرجال؛ لأن ذلك من حكم الأبدان؛ لأنها جنس والأموال جنس، وإنما جازت شهادة النساء في الأموال؛ لأنها أيسر خطبا من الأبدان، ولذلك جاز فيها الشاهد واليمين، وجاز فيها رد اليمين وما أشبه ذلك، وليس يشبه الأموال حكم الأبدان؛ لأن التبايع يصح بين المتبايعين وإن لم يحضرهما أحد، والنكاح لا يصح إلا بعلم غير المتناكحين، وأحكام الطلاق تابعة للنكاح، وقد أجمعوا معنا أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود (٥)، فالنكاح والطلاق بالحدود وبحكم الأبدان أشبه منه بالأموال،

стр. 1648

وقال بعضهم: في الحدود والطلاق ويجوز في النكاح (١)، فدل اختلافهم على أن شهادة النساء لم تَرِد على العموم، وإنما هي في الأموال خاصة. قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎ (٢): ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) والله أعلم (٥). فأما الحكم في الأموال بشاهد ويمين، فشيء أوجبه خفي القرآن، فأوجبته السنة والنظر، فمن ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٦) ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٧) والآمر بذلك ـ جل وعز ـ قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق فليتق الله ربه، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٨) فجاء على الشاهدين وثيقة العالم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بينها الرسول ﷺ عن باطن القرآن لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول الله ﷺ أن شهادة أحدهما مع يمين المطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين. فإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان، قيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تلفهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي، خوفا من تلفه (٩) شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المدَّعىَ عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا؛ لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه ـ من غيره ـ أقوى من بيان المدَّعىَ عليه؛ لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما (١٠). وقد احتج قوم في هذا بقول النبي ﷺ للأشعث بن قيس (١١): ﴿شاهداك أو يمينه﴾ (١٢) فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين (١٣)، وهذا غلط؛ لأنه لو كان حين قيل له:

стр. 1649

شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما هذا كان ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقبل ذلك منه، وقد حدثنا محمد بن إبراهيم بن خشنام (١)، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى (٢) قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي (٣) قال: حدثنا جعفر بن محمد (٤)، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﴿أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد في الأموال﴾ (٥) وقال محمد بن علي (٦): وقضى بها علي (٧) بين أظهركم (٨) ـ يعني بالكوفة أو بالعراق ـ والحديث في هذا الباب كثير معروف، وليس بنا حاجة إلى الإطالة به. وقد احتج قوم في ذلك بقول النبي ﷺ : ﴿لو أعطي قوم بدعاويهم (٩) لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من المنكر﴾ (١٠) ولم يعرفوا المعنى، ومعنى البينة، البيان على المدعي؛ لأنه يدعي ما ظاهره بيد غيره، فكُلِفَ أن يأتي بالبيان على باطن هو أقوى من ظاهر اليد، فإذا أتى من ذلك ببيانين وهما: شاهدان، حكم له، وقيل للمدّعَى عليه: لك بيان وله بيانان وبيانك منك (١١)، فإذا أتى (١٢) بشاهد فقد أتى ببيان واحد هو أقوى من بيان اليد؛ لأنها منه وبيان المدعي من غيره، فنقلت اليمين إليه ليكون ما أمر الله به من الوثيقة، وثيقة لا طعن فيها ولا تضعيف من جاهل أو ضعيف الدراية. وأما قول الشافعي: أنه يجيز في الأموال شهادة رجل ويمين، ولا يجيز امرأتين ويمين (١٣)، فقد تكلمنا في ذلك في المسألة على العراقيين وعليه، بما فيه كفاية إن شاء الله. وأما قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن منهم من أجاز شهادة النساء في النكاح والطلاق، ومنهم من أجازها في النكاح ولم يجزها في الطلاق (١٤)، ولا أعلم فرقا إذ

стр. 1650

النكاح والطلاق جميعا إنما تُرَادُ الشهادات عليهما من أجل الأنساب وحياطتها، وليس يجوز عندهم شهادتهن في النسب، الذي من أجله أمر بالشهادات على النكاح والطلاق وإيجاب الحدود ودرئها. فإن قالوا: قد تشهد عندهم القابلة في الولادة وهو النسب، وعند الشافعي أربع نسوة (١)، وعندنا امرأتان، وقد نحلونا ذلك، قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، نحن إنما نُجِيْز شهادة المرأة على الاستهلال الذي يوجب الأموال لا هلال المُسْتَهِلِ، فأما الولادة فإن القول قول المرأة إذا علم الحمل، وفي الحيض إذا حاضت بما يشبه كونه؛ لقول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٢) فذلك مَوكُول إلى أمانتهن ومقبول فيه قولهن. وقول العراقي: واحدة، خطأ (٣)؛ لأن الله ﵎ لم يرض واحدة، وذكر العلة فقال عز من قائل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٤). وأما قول الشافعي في الأربع (٥) فغلط؛ لأنه لا اختلاف أنهن لو كن أربعا وأربعمائة ـ على شهادة بدرهم ـ لَكُنّ بمعنى امرأتين يزاد معهن بيان آخر، فلما كُنّ فيما

стр. 1651

سمى الله شهادتهن فيه بهذه الحال، كُنّ فيما عداه أولى، وإنما نقبلهن في الاستهلال؛ لأنه الموضع الذي لا يحضره غيرهن، والله أعلم. وأما جراح الخطأ؛ فإن مالكا وسائر التابعين، أجازوا فيه شهادة النساء؛ لأنه مال، والله أعلم (١). وقد ذكر بعض الناس في اليمين مع الشاهد، أن مالكا وغيره أرسلوه عن جعفر بن محمد، وأن عبد الوهاب وحده وصله (٢)، وليس يرفع عبد الوهاب عن ثقة وضبط (٣)، ألا ترى أن محمد بن علي (٤) بفضله وضبطه، كيف فَصَل في حديث عبد الوهاب بين حكم النبي ﷺ وبين حكم علي ﵁، فجعل من ذلك من جابر،

стр. 1652

وجعل حكم علي من قوله (١)، وقد رواه سهيل (٢) عن أبيه، عن أبي هريرة ووصله (٣)، ورواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ (٤)، ورواه عن عمرو، محمد بن مسلم الطائفي (٥) (٦)، وقيس بن سعد (٧). وزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلا (٨) سئل عن الحديث فلم يعرفه (٩)، وقد رواه عنه ربيعة (١٠)، وربيعة من الضبط والدين والفقه بحيث لا يلحقه في رواياته ظن،

стр. 1653

وقد يجوز أن يكون سهيل حدث به ثم نسيه (١)، فقد حدث سفيان بن عيينة وغيره بأشياء ثم ذهبت عنهم، فقال ابن عيينة: حدثني أبو معاوية الضرير (٢) عني (٣)، وقد ذكر ربيعة لسهيل الحديث فحدث به سهيل بعد ذلك عنه عن نفسه (٤)، قال الدراوندي (٥):

стр. 1654

أخبرني ربيعة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: ﴿أن رسول الله ﷺ قضي باليمين مع الشاهد﴾ (١) قال علي بن المديني، وحدثني بعض أصحابنا عن أبي ـ يعني أباه عبد الله بن جعفر ـ عن سهيل قال: أخبرني ربيعة، عني، عن أبي هريرة بهذا الحديث، والباب يطول، إنما ذكرت ما ذكرت لمعارضة جرت، ونسأل الله التوفيق برحمته. وليس يجوز أن يُعَارَض ما وصفنا من الحكم باليمين مع الشاهد، بالأحاديث المجملة، إذ المفسر يقضي على المجمل، مع ما ينضاف إليه من بيان خفي القرآن, والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إلى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢). روى مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد، عن يزيد (٣) بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي (٤)، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: أيما امرأة طُلِّقَت

стр. 1655

فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فأنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت (١)، وقاله الحسن والزهري ومالك (٢). واليأس والقنوط والظن بعضه أقوى من بعض (٣)، وكذلك الرجاء، وهذا يتسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء أُنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه، فمن ذلك أن الإنسان قد يقول: قد يئست من مريضي، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، وكذلك يئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يقدم، ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه: قد يئست منه، لكان الكلام عند الناس جرى على غير وجهه، إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه، إلا أن يريد أن هذا اليأس أورثه الصبر والتسليم، والأغلب في كلام الناس في ذكر اليأس ما قدمنا ذكره، وقال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (٤) والقنوط واليأس سواء، وليس يعلمون يقينا أن المطر لا

стр. 1656

يكون، وقد قال : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (١) وقال : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٢) فأخبر (٣) تبارك اسمه عن طمع الإنسان ويأسه الذي ليس بيقين. وقال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٤) دخل قلوب الرسل اليأس من غير يقين استيقنوه؛ لأن اليقين يأتيهم من قبل الله تعالى، كما قيل في قصة نوح ﵇: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٥) فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كَذَبُوا ـ مخففة ـ أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ ثقيلة مشددة (٦)، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي ـ والله أعلم ـ وهذه

стр. 1657

القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع (١) وأهل المدينة (٢)، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين (٣).

стр. 1658

وأما قوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (١) وهذا معناه على ما قال ابن عباس وغيره؛ من الآخرة ومن البعث؛ لأنهم كانوا غير متيقنين بعود الموتى وأمر البعث، وهذا فيمن يقول بالدهر من الكفار، وهذا ـ أيضا ـ ليس بيقين؛ لأنهم قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٢) قال الله : ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٣) فأعلمنا ﵎ أن جحدهم بالآخرة إنما هو ظن يظنونه. وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٤) ويأسهم ليس بيقين. وكان عمر ﵁ يقول في خطبته: أيها الناس إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه (٥)، فجعل عمر ﵀ اليأس بإزاء الطمع،

стр. 1659

وقال إسماعيل (١): سمعت أحمد بن المعذل (٢) ينشد شعر الرجل من القدماء يصف ناقة (٣) فقال: صفراء من تَلْدِ (٤) بني العباس ضربها كالضبي في الكِنَاس (٥) فالنفس بين طمع واياس (٦) فجعل الشاعر اليأس بإزاء الطمع. فرجعنا إلى قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٧) فذكر اليأس مع الريبة، ثم جاء عن عمر بن الخطاب ﵀ لفظ موافق للقرآن، وحكم موافق، قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها لا تدري لم رفعتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر (٨)، فلما كانت لا تدري ما رفعتها كان موضع الارتياب، فحكم فيها بهذا الحكم. وكان اتباع ذلك ألزم وأولى، من قول من يقول: أن من هذه صفتها تعتد ثلاثين سنة (٩)، وإن جاءت بولد لم يلحقه إذا ولدته لأكثر من سنتين (١٠)،

стр. 1660

والشافعي يقول مثل ذلك، ويقول: لا يلحق به إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين (١)، فخالفوا جميع السلف؛ لأن كل من مضى يقول: إن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عدتها، وكيف يجوز أن يقول قائل: إن المرأة يطلقها زوجها تطليقه أو تطليقتين (٢) ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات مادامت في عدتها، من الوِرَاثَة وغيرها، فإن جاءت بولد لم يلحقه (٣)، وإنما جُعِلَت عدة الطلاق من أجل الدخول الذي يكون منه الولد، قال الله : ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٤) فأُسْقِطَت العدة في الطلاق إذا لم يكن دخول، فكيف تكون المرأة معتدة والولد لا يلزم. فإن ذكر عدة المتوفى عنها وأنها ثابتة على كل حال دخل أو لم يدخل، قيل له: هذا عبادة وعلة؛ لأن فيهن من لا يكون الحمل منه، ولم يكن للحمل حد ينتهي إليه، وكان المتوفى لو كان حيا فادعى الدخول ألزمته العدة، استوفى له ما لو كان حيا، فادعاؤه عمل فيه على قوله، ودخلت التي لا يجوز فيها الحمل بالعبادة لعدم الحد، كما

стр. 1661

كان تحريم الخمر من أجل أنها تسكر، وحرم القليل الذي لا يسكر، وأُدخل في معنى الكثير، والمطلقة فالرجل حي يقول: لم أدخل، وتقول هي: كذلك، ويجوز أن يعلم ذلك من غير جهتها، فأوجب الله حيث يكون الدخول من أجل الولد، وأسقطها حيث لا دخول وأباحها الأزواج، فعلم أن ذلك عبادة لعلة وأن أمر المتوفى عبادة وعلة، وليس ما كان عبادة لعلة يُشَبْه بما كان عبادة وعلة، وجب استيفاء ذلك للمتوفى، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل بمال، لم يجز للحاكم أن يستحلف صاحب الحق على ذلك مع شاهديه، ولو قامت الشهادة على ميت لم يَحْكم بها الحاكم حتى يستحلف المشهود له على كل الوجوه، التي لو كان الميت باقيا فادعاها كان له ذلك، طلب الورثة ذلك أو لم يطلبوه، ولو أقروا بالمال عند الحاكم ـ أيضا ـ وأرادوا القضاء بحكم الحاكم، لم يحكم به حتى يستحلف؛ لأنه يحتاج أن يستوفي حقوق الميت؛ لأنه لا يأمن أن يأتي وارث يشارك هؤلاء الورثة، أو يأتي من هو أولى منهم، أو يأتي غريم آخر يستحق محاصة هذا الغريم فيما أخذ، فكل من جاء من هؤلاء قال للحاكم لو لم تستقص قبل أن تحكم، فلذلك وجب في المتوفى ما لم يجب للحاضر، ولذلك لم يجب استيفاء عدة المتوفى عنها. فإن قيل: فالصغيرة؟ قلنا: الأصل عبادة وتعبد، وقد يجوز أن يكون الله لما كان النشوء يختلف، فمنهن من يكون له خمس عشرة سنة دميمة، وابنة ثمان وتسع حسنة النشوء، ولم يكن للحمل حد، وجب أن لا يقع تمييز، ويدخل الجميع في الإيجاب، وجعل الباب بابا واحدا، ولم يوكل ذلك إلى حد، ولا مدخل للحاكم في العدد، وهي مردودة إلى أمانات الناس، فاستظهر الله للميت لعدمه بالإيجاب على الكل.

стр. 1662

وأما حديث عباد (١) بن منقذ وتوريث امرأته منه بعد سنة (٢)، فإنها امرأة قد علمت ما الذي رفع حيضتها؛ لأن الرضاع رفع (٣) الحيض، فلما قطعت الرضاع عاد الحيض، وليست موئسة؛ لأن الموئسة (٤) هي التي لا تدري سبب ارتفاع الحيض، ولو كانت امرأة طُلِّقَت وهي مريضة وهي شابة، كان الظاهر أن العلة رفعت الحيضة، فوجب أن ينتظر بُرْؤها، فإن عاد حيضها وإلا كانت حينئذ مرتابة، وانتظرت ما حكم به عمر ـ رحمة الله عليه ـ فإن تطاول مرضها صارت مثل الصحيحة؛ لأن المرض إذا تطاول التطاول الشديد، جرى أمر صاحبه مجرى الصحة، وجازت أفعاله في ماله كله، وفي طلاقه ونكاحه، وإنما يكون هذا في مثل الفَالِج (٥) والسُّلُّ (٦) والربع (٧)، ألا ترى أن

стр. 1663

حِبّان بن منقذ لما أخذ ابنه منها حاضت حيضتين قبل موته، ثم توفي فاعتدت عدة الوفاة؛ لأنه كان طلقها طلاق السنة، فَوَرّثَها عثمان وعلي وزيد بن ثابت منه بإجماع رأيهم (١). والمرتابة عندنا إذا انقضت السنة، فارتابت صبرت، وكلما ارتابت صبرت، إلى أكثر أجل الحمل (٢)، والريبة: أن تظن حملا أو ترى حركة، فإذا انقضت مدة الحمل وأكثره فلا عدة، وعُلِم أن ذلك ريح اعترضت فلا عدة ولا حمل، وقد تكون المرأة التي تحيض في الشهور، وتكون المرأة التي تحيض في كل سنة مرة (٣)، فهذه تعتد بالحيض لمعرفتها بذلك. وأما اليائسة بالكبر حتى لا يقع إشكال في ذلك فعدتها بالشهور، وكذلك الصغيرة، وحيث تقع الريبة فالاستظهار مما يلحق فيه الولد دون ما يلحق فيه الولد، وقد حدثنا أبو الغبان الأصمعي (٤) قال: العجم لا يحضن بعد الخمسين، والعرب وقريش يحضن إلى الستين وبعدها، وذكرها يونس بن حبيب (٥) وأنه وَجَدَه في الناس (٦)،

стр. 1664

والله أعلم بصحة ذلك، وقال أبو عبيدة: إن نساء العرب يحملن إلى الستين وقريش إلى السبعين (١). قال الله ﵎: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). قد ذكرنا هذه الآية والحجة فيها في سورة البقرة (٣). قال الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤) وقال في آخر السورة (٥): ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٦). جاء في التفسير ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه الرجعة (٧)، والطلاق الذي يكون فيه الرجعة، وهذه إلى أن تنقضي عدتها زوجة، أحكامها أحكام الزوجات،

стр. 1665

في الموارثة وغيرها، إلا أنه ليس له أن يطأ حتى يرتجع، ولما قيل: لا تخرجوهن ولا يخرجن، علم أنه كان لها أن تخرج قبل الطلاق بإذنه، ولها أن تنتقل بأمره، فلما حدث الطلاق وجبت الإقامة، ولم يجز اصطلاحهما على النقلة، كما يجوز قبل الطلاق (١) ولم يكن لها إسقاط ذلك إذا حدث الطلاق، ويجوز لها إسقاط النفقة وإن كانت واجبة؛ لأن النفقة من حقوقها، والسكنى من حقوق الحمل، لا من أجل أنها على بقية الزوجية، ودلنا ما وصفنا على أنه ينبغي أن تجرى المبتوتة (٢) هذا المجرى إذا كانت أيضا معتدة؛ لأن ظاهر العدة والسكنى فيها من جهة تحصن الفرج واستقصاء حق ولد ـ إن كان ـ، وأن سكنى غير المعتدة من جهة المؤن التي تجب على الزوج أن يقوم لها بها، من النفقة والكسوة، وغير ذلك مما لا بد منه، ألا ترى أن المتوفى عنها تسكن في منزل زوجها، شاء الورثة ذلك أم أبوه، والميت قد انقطع ملكه وصار ماله لورثته، ولا تجب لها نفقة في مال الميت (٣). فدلت هذه الأشياء التي وصفناها ـ والله أعلم ـ أن الذي ذُكر من إقامتها في بيتها، ووجوب ذلك عليها وعلى زوجها؛ لما حدث من العدة، ولم يحتج إلى ذكر النفقة؛ لأنها على الأصل الذي كانت عليه من قبل الطلاق، فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته، واحْتِيْجَ إلى ذكر السكنى في المبتوته في قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤) لأن المبتوتة قد حدث في أمرها ما أُخْرجت به من أحكام الزوجات كلها، فأعيد ذكر السكنى إذ كانت من طريق التحصين لها، ما دامت

стр. 1666

في عدتها، وأجريت في ذلك مجرى التي قبلها، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب لها ـ قبل أن يُبِيَنها ـ بعقد النكاح، ولم يجعل ذلك لها في عدتها، إلا أن تكون حاملا، فيجب عليه حينئذ أن يغذو ولده بغذاء أمه، كما كان يجب عليه إذا وضعته أن يغذو ولده بغذاء التي ترضعه؛ لأن غذَاءَه في بطن أمه بغذاء أمه، وغذاءه إذا وضعته أمه بالرضاع، فكما يجب على الأب أن ينفق على من ترضعه، وجب عليه أن ينفق على أمه ما دام في بطنها، ألا ترى أن الصائمة إذا كانت تطيق الصيام وهي حامل، ويضر صومها بولدها أنها تفطر؛ لأن غذاءه إنما يكون بغذائها، وقال ـ عز من قائل ـ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فعلم أن بعض ذلك من بعض. وهذا الموضع قد اختلف الناس فيه؛ فقال قوم: للمبتوتة السكنى والنفقة (٢)، وقال آخرون: لا سكنى ولا نفقة (٣)، فأخذ كل فريق في طريق وتركوا التوسط الذي هو الحق، وفي كتاب الله ما يدل على أنه ليس على ما قال الفريقان،

стр. 1667

قال ـ عز من قائل ـ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى؛ لما كان للاختصاص معنى (٢)، ووجب بهذا الاختصاص أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها؛ لأن التي يملك زوجها رجعتها نفقتها واجبة كانت حاملا أو غير حامل، فكيف يقال فيها: وإن كانت حاملا فأنفق عليها، ولو كان كذلك لخلا الأمر من الفائدة، ومعاذ الله من ذلك، (٣) وأن يكون في القرآن لفظة لا فائدة فيها، وهذا ما لا يذهب على ذي فهم، وإنما ذهب كل فريق إلى رواية لم يتأملوها، ولا وهاءها ووهاء ما ذهبوا إليه. فأما الذين ذهبوا إلى أن السكنى والنفقة واجبة، فاتبعوا رواية عن عمر ﵁ أنه قال: لا ندع كتاب ربنا ﵎ وسنة نبينا صلى الله عليه (٤)، لقول امرأة، لها السكنى والنفقة (٥)، ونحن نعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ لا يقول: لا ندع كتاب ربنا ﵎ إلا لما هو موجود في كتاب ربنا ـ تعالى اسمه ـ والذي وجدنا في كتاب ربنا ـ جل وعز ـ النفقة لذوات الأحمال، وزاد الراوي من أهل الكوفة (٦): وسنة نبينا ـ

стр. 1668

صلى الله عليه ـ النفقة في الحديث (١)، وذلك أن الشعبي قال فيه: إن فاطمة بنت قيس (٢) طلقها زوجها طلاقا بائنا فقال: رسول الله ﷺ : ﴿لا نفقة لك ولا سكنى﴾ (٣) قال حماد بن أبي سليمان (٤): فأخبرت بذلك النخعي (٥) فقال: إن عمر أُخْبِر بذلك فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله ﷺ لها السكنى

стр. 1669

والنفقة (١)، وهذا غير متصل عن عمر (٢)، وقد رواه الأسود (٣) عن عمر، رواه عن (٤) الأسود إبراهيم (٥)، وقال: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب ربنا ولا سنة نبينا ﷺ (٦). ورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب الله ولا سنة (٧). ورواه ابن إدريس (٨)، عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبد الله عن عمر ولم يذكر فيه السكنى والنفقة.

стр. 1670

وروي عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله، والباب فيه أسانيد كلها هكذا مضطربة. وقال منصور (١) عن إبراهيم: ولا يجبر على النفقة (٢)، فلخص منصور عن إبراهيم ما يدل على ضبطه، رواه عن منصور أبو عوانة (٣) وجرير (٤) وفضيل (٥)، فدل ذلك على ضعف ما روي عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله، وعلى أن الثابت من روايته السكنى دون النفقة (٦).

стр. 1671

وأما الذين ذهبوا إلى ألّا سكنى ولا نفقة، فإن مُجالدا (١) روى عن الشعبي قال: خَالَفْنا أهلَ المدينة في سكنى المطلقة ونفقتها، فقالوا: بيننا وبينك حديث فاطمة بنت قيس، فأتيتها فدخلت عليها فسألتها، فقالت: ﴿طلقني زوجي فقال لي أخوه: إنه لا سكنى لك ولا نفقة، فأتيت رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : يا ابنة قيس، إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة﴾ (٢) ورواه غير مُجالد ـ أيضا ـ وقال فيه: ﴿وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم﴾ ورواه سَيْار (٣) عن الشعبي فقالت: ﴿لم يجعل لي سكنى ولا نفقة﴾ (٤).

стр. 1672

وهذا يحتمل التأويل، وأن تكون هي ظنت ذلك، ولم يأت هؤلاء بالحديث على وجهه، وأتى به أبو سلمة بن عبد الرحمن، رواه مالك عن عبد الله بن يزيد (١) مولى الأسود بن سفيان (٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص (٣) طلقها البتة وهو غائب بالشام (٤) فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقالت (٥): والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: ﴿ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك (٦) ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي واعتدي في بيت ابن أم مكتوم (٧) فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك﴾ (٨) ورواه ـ أيضا ـ الدراوردي (٩) عن محمد بن عمرو بن علقمة (١٠) عن أبي سلمة ـ كذلك ـ

стр. 1673

فجاء أبو سلمة بالحديث ملخصا مشروحا، فدل على أن السكنى واجبة؛ لأن أمر رسول ﷺ لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم إيجاب السكنى، وإنما نقلها عن منزل زوجها لما كان يجري بينها وبين أهله من الخصومات والسباب؛ لأن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا حدث في الموضع الذي يسكنونه حدث يحوجها إلى الخروج منه خرجت، واعتدت في موضع غيره، وأقامت إلى أن تنقضي عدتها، مثل أن يكون المنزل ليس للزوج فيخرجها المالك، ومثل أن يكون مَخُوْفَا وما أشبه ذلك، وقد علمنا ما كان يجري بين فاطمة وبين زوجها وقراباته، وقالت عائشة ﵂ في ذلك ما قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله يا فاطمة، فقد عرفت في أي شيء كان ذلك (١)، لما ذكرت أنها لم يجعل لها سكنى. وروى مالك، عن يحي بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أن يحي بن سعيد بن العاص (٢)، طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم (٣) ألبتة، فانتقلها عبد الرحمن، فوجهت عائشة إلى مروان (٤) وهو أمير المدينة: اتق الله يا مروان، واردد المرأة إلى بيتها، فقال: مروان أما بلغك شأن فاطمة بنت قيس قالت: عائشة لا يضرك ألا

стр. 1674

تذكر حديث فاطمة؟ قال مروان: إن كان بك الشر؛ فحسبك ما بين هذين من الشر (١). ورواه حماد بن زيد بإسناده مثله (٢). وقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت السنة (٣). فعائشة قد علمت ما فعله رسول الله ﷺ في أمر ابنة قيس وأنه أسكنها، وفرق بينهم بسبب الشر، ألا ترى ما قالت: دع عنك ذكر فاطمة، في حديث حماد بن زيد فقد عرفت في أي شيء كان ذلك، فقد علمنا يقينا أنها قد عرفت شأن فاطمة وإيجاب رسول الله ﷺ السكنى وتحويله إياها بسبب الشر، فأيهما أولى بمعرفة ذلك عائشة أو ابنة قيس؟ وهل يكون بين معرفتهما تقارب (٤). وقد روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥) أنه البذاء وسوء الخلق (٦)، ولعلهم ذهبوا إلى قصة فاطمة بنت قيس، والله أعلم. وروى عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأنه في مصحفه: ﴿إلا أن يفحشن عليكم﴾ قال ابن عباس عن أبي بن كعب: عليهم حل لهم إخراجها (٧)، وإذا

стр. 1675

كان ذلك كذلك أمر الإمام (١) بإخراجها، إذا تفاحش البذاء منها إلى موضع يختاره، لها كما فعل رسول الله ﷺ في فاطمة بنت قيس، وذلك مردود إلى اجتهاد الرأي من الحاكم، والله أعلم. وقد روى ابن أبي الزناد (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن فاطمة بنت قيس كانت في مكان وحش، فخيف عليها فحولت (٣)، ومعنى وحش يحتمل الشر الذي كان بينهم والشقاق (٤)، والله أعلم، فقد عقل من

стр. 1676

قصة فاطمة أنه قضى ﵇ ألا نفقة، وأسكنها من حيث لم تدر (١). وقد روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عمرو بن عثمان (٢)، طلق ابنة سعيد بن زيد (٣) ثلاثا، وأمها أخت فاطمة بنت قيس، وأن فاطمة أمرتها بالخروج فنهاها مروان عن ذلك وقال: لا ندع العصمة التي الناس عليها لقول امرأة (٤)، ومروان لم يخبر عن نفسه، وإنما ذكر ما أدرك الناس عليه، وناقل ذلك عبيد الله بن عبد الله، وموضعه موضعه في الفضل والعلم، وسعيد بن المسيب يذكر أن فاطمة فتنت الناس (٥)، وعائشة قالت في أمرها ما قالت، ففاطمة غلطت في التأويل، ولم تدرى أنها أُسْكِنت.

стр. 1677

وقول عمر بن الخطاب ﵁: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، لها السكنى إلى هذا الموضع، والنفقة إلحاق في الحديث (١)، وقد يجوز: وسنة نبينا ﷺ أَلّا نفقة، وإلا فمن الراوي عن النبي ﷺ أنه جعل للمبتوتة نفقة وليست بحامل، حتى يكون عمر أشار إلى تلك السنة، فالسنة مقبولة من فاطمة: أَلّا نفقة، بحديث أبي سلمة (٢)، والسكنى، فهذا هو الذي أشار إليه عمر أن السكنى بالكتاب ولا نفقة بالسنة، ولما كانت المرأة تعتد للوفاة ولا نفقة لها كانت تعتد من الطلاق البائن ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا.

стр. 1678

وأما ما روي عن الشعبي أن النبي ﷺ قال: ﴿يا ابنة قيس إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة﴾ (١) فهو غلط؛ لأن الشعبي يرى للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، وروي عنه وعن الحسن وعطاء أنهم قالوا: سكنى ولا نفقة (٢)، وهذا أشبه؛ لأنه موافق للقرآن، غير أن الشعبي في الروايتين جميعا قد أوجب السكنى، وهو خلاف الرواية الأولى، ولعل الشعبي أفتى بخلاف ما روى لإنكار الناس عليه ذلك (٣). وقد تعلق قوم بشيء رواه ابن جريج، عن أبي الزبير (٤) عن جابر (٥): ﴿أن خالته طلقت فأرادت أن تَجُدّ (٦) نخلها، فأذن لها رسول الله ﷺ في ذلك﴾ (٧) وقد ذهب عنهم أن

стр. 1679

نخل المدينة حولها ومبيتهم في منازلهم (١)، ولسنا ننكر تصرف المعتدة في حاجاتهم (٢) وأمورها إذا كان مبيتها في بيتها، وقد أفتت بذلك عائشة وابن عمر وغيرهما، وشرطوا ألا تبيت إلا في بيتها (٣). فأما من قال من التابعين من ابن المسيب (٤) والزهري وخلق كثير فإنهم قالوا: لها السكنى ولا نفقة (٥). فإن قال قائل: كيف عنى بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٦) المبتوتات، وهن لم يذكرن فيما مضى؟ قيل له قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ومعناه: يا أيها النبي علمهم إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن لعدتهن، يريد طاهرا من غير جماع، فكان هذا خطابا لمن أراد أن يطلق امرأة لم يطلقها قبل ذلك، وهي عنده على ثلاث، ومن طلق واحدة فزوجته عنده بارتجاعه على اثنتين،

стр. 1680

ومن طلق اثنتين فزوجته عنده على واحدة يريد أن يطلقها، فقيل للجماعة (١): إذا أردتم الطلاق فطلقوا في قُبُل العدة، فكان هذا الخطاب لمن يملك الرجعة ومن لا يملكها، ثم عاد الخطاب إلى الجميع فقيل: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) يعني رجعة لمن له رجعة من سائر المطلقين، ثم خوطب من له رجعة بأن قيل له: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني قاربن: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) ارتجع إن شئت بِنِيّة الجميل، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) ترك الرجعة وانقضاء العدة ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني على الطلاق والرجعة، إلى قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٥) فكان هذا معطوفا على من طلق الثالثة التي لا رجعة عليها: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦) ولم يجز أن يكون هذا عطفا على من له الرجعة فيها؛ لأن تلك زوجة نفقتها واجبة بالنكاح ولا تسقط عنه، وبينهما الموارثة، وحكمها حكم الزوجات، ولو وطئها لم يكن عليه حد. وقد قال العراقيون: إن الوطء فيها رجعة (٧).

стр. 1681

وقال مالك: يؤمر بالإشهاد على الرجعة إذا وطئ ويؤخذ بذلك (١). وإنما أعيد ذكر السكنى لتكون فيه فائدة غير الفائدة الأولى؛ لأن الأولى لا تخرجوهن ولا يخرجن، هي مثل الثانية، فلو لم تكن في الثانية إفراد المبتوتة لخلت من الفائدة، وصار التكرير لا فائدة فيه، وما أنتج الفائدة كان أولى أن يظن بكلام الله ، فعلم بذلك أن الأولى مخاطبة في اللواتي يملك الزوج الرجعة فيهن، ولم يحتج إلى ذكر النفقة؛ لأنها لم تسقط بكتاب الله ولا سنة، وكانت الثانية مذكورا فيها السكنى؛ من أجل أنها مبتوتة قد سقطت نفقتها، فأكد أمر السكنى، وذكرت النفقة حيث يكون الحمل؛ لأن على الأب أن يغذو ولده. ومما يدل على أن تعليم أول السورة، إنما قصد به الموضع الذي يقع فيه الطلاق، لمن يملك الواحدة والاثنتين والثلاث، أن رسول ﷺ قد كان طلق حفصة طلقة، فأمره الله ﵎ بارتجاعها (٢)، ثم نزل التخيير بين الدنيا والآخرة، فلو اخترن الدنيا لاحتاج أن يطلقهن في الطهر (٣) طلقة، فتكون حفصة مطلقة اثنتين، ولكن الله (٤) فاخترن الآخرة (٥).

стр. 1682

وقد كان عبد الرحمن بن عوف، طلق تماضر بنت الأصبغ (١) طلقتين واحدة بعد الأخرى، وارتجع وقد كان قد آلى (٢) أن لا تسأله امرأة طلاقها إلا طلقها فسألته في غلبة فقال: إذا طهرت فأعلميني، فلما أعلمته طلقها (٣)، فهل طلاقه إلا بالآية التي عُلم الناس فيها الطلاق؟ وقد ظن قوم أن رسول الله ﷺ خير نساءه في الطلاق (٤)، وهذا ظن سوء أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه مخير في طلاق يكون ثلاثا؛ لأن الخيار ثلاث تطليقات، وإنما خيرهم بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كن على ما كن عليه، ولهن ما اخترن، وإن أردن الدنيا واخترنها طلقهن حينئذ طلاق السنة التي علمه الله، ألا ترى إلى قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٥) يريد فتعالين أي فعلن (٦) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧) ألا ترى إلى جوابهن لما قلن: نختار الله ورسوله (٨)، فهذا هدى فافهم.

стр. 1683

قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١). جاء رجل من أشجع (٢) إلى رسول الله ﷺ وكان ابنه أسيرا، فذكر الجهد، فقال له النبي ﷺ : ﴿اذهب فاصبر فأفلت ابنه من أيديهم وأتاه بغنيمة، فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزلت ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣) قال مسروق: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤) يعني منتهى، ومن علم أن الله يعطيه ويمنعه فتوكل عليه رزقه من حيث لا يحتسب (٥). وقال الربيع بن خيثم (٦): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٧) قال: من كل شيء ضاق عليه (٨). والآية توجب أن من توكل على الله وقوي رجاؤه له لم يخيبه، والله أعلم.

стр. 1684

ومن سورة التحريم . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ (١). قال ابن عباس: لبثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، فجعلت أهابه حتى نزل مَرّا (٢)، ودخل في الأراك (٣)، فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة، ثم قال: إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله، رأينا لهن بذلك علينا حقا، من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا، قال: فدخلت على امرأتي يوما فقالت لي شيئا أغضبني (٤)، فقلت لها: وإنك

стр. 1685

لهناك (١)! فقالت: تقول هذا وابنتك تُغضب رسول الله ﷺ ، فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك بأن تعصي الله رسوله ﷺ وتقدمت إليها في أذاه (٢)، وأتيت أم سلمة فقالت: عجبا لك يا ابن الخطاب، لم يبق لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه (٣) وبين نسائه، وكان رجل من الأنصار إذا غاب وشَهِدتُ أتيته بما يكون من رسول الله، وإذا غبت وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ ، وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام إلا ملك غسان (٤) بالشام، كنا نخاف أن يسير إلينا، فأتاني الأنصاري يوما فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حجرهن كلها، وإذا النبي ﷺ قد صعد مَشْرُبَته (٥) وعلى الباب وصيف (٦) فقلت: استأذن لي على رسول الله ﷺ ، فاستأذن لي فإذا رسول الله ﷺ على حصير قد أثر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة من أدم (٧) حشوها ليف، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظ منبوذ (٨)، فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعا
следующие страницы →