← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقال مالك: يؤمر بالإشهاد على الرجعة إذا وطئ ويؤخذ بذلك (١). وإنما أعيد ذكر السكنى لتكون فيه فائدة غير الفائدة الأولى؛ لأن الأولى لا تخرجوهن ولا يخرجن، هي مثل الثانية، فلو لم تكن في الثانية إفراد المبتوتة لخلت من الفائدة، وصار التكرير لا فائدة فيه، وما أنتج الفائدة كان أولى أن يظن بكلام الله ، فعلم بذلك أن الأولى مخاطبة في اللواتي يملك الزوج الرجعة فيهن، ولم يحتج إلى ذكر النفقة؛ لأنها لم تسقط بكتاب الله ولا سنة، وكانت الثانية مذكورا فيها السكنى؛ من أجل أنها مبتوتة قد سقطت نفقتها، فأكد أمر السكنى، وذكرت النفقة حيث يكون الحمل؛ لأن على الأب أن يغذو ولده. ومما يدل على أن تعليم أول السورة، إنما قصد به الموضع الذي يقع فيه الطلاق، لمن يملك الواحدة والاثنتين والثلاث، أن رسول ﷺ قد كان طلق حفصة طلقة، فأمره الله ﵎ بارتجاعها (٢)، ثم نزل التخيير بين الدنيا والآخرة، فلو اخترن الدنيا لاحتاج أن يطلقهن في الطهر (٣) طلقة، فتكون حفصة مطلقة اثنتين، ولكن الله (٤) فاخترن الآخرة (٥).

стр. 1682

وقد كان عبد الرحمن بن عوف، طلق تماضر بنت الأصبغ (١) طلقتين واحدة بعد الأخرى، وارتجع وقد كان قد آلى (٢) أن لا تسأله امرأة طلاقها إلا طلقها فسألته في غلبة فقال: إذا طهرت فأعلميني، فلما أعلمته طلقها (٣)، فهل طلاقه إلا بالآية التي عُلم الناس فيها الطلاق؟ وقد ظن قوم أن رسول الله ﷺ خير نساءه في الطلاق (٤)، وهذا ظن سوء أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه مخير في طلاق يكون ثلاثا؛ لأن الخيار ثلاث تطليقات، وإنما خيرهم بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كن على ما كن عليه، ولهن ما اخترن، وإن أردن الدنيا واخترنها طلقهن حينئذ طلاق السنة التي علمه الله، ألا ترى إلى قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٥) يريد فتعالين أي فعلن (٦) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧) ألا ترى إلى جوابهن لما قلن: نختار الله ورسوله (٨)، فهذا هدى فافهم.

стр. 1683

قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١). جاء رجل من أشجع (٢) إلى رسول الله ﷺ وكان ابنه أسيرا، فذكر الجهد، فقال له النبي ﷺ : ﴿اذهب فاصبر فأفلت ابنه من أيديهم وأتاه بغنيمة، فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزلت ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣) قال مسروق: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤) يعني منتهى، ومن علم أن الله يعطيه ويمنعه فتوكل عليه رزقه من حيث لا يحتسب (٥). وقال الربيع بن خيثم (٦): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٧) قال: من كل شيء ضاق عليه (٨). والآية توجب أن من توكل على الله وقوي رجاؤه له لم يخيبه، والله أعلم.

стр. 1684

ومن سورة التحريم . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ (١). قال ابن عباس: لبثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، فجعلت أهابه حتى نزل مَرّا (٢)، ودخل في الأراك (٣)، فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة، ثم قال: إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله، رأينا لهن بذلك علينا حقا، من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا، قال: فدخلت على امرأتي يوما فقالت لي شيئا أغضبني (٤)، فقلت لها: وإنك

стр. 1685

لهناك (١)! فقالت: تقول هذا وابنتك تُغضب رسول الله ﷺ ، فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك بأن تعصي الله رسوله ﷺ وتقدمت إليها في أذاه (٢)، وأتيت أم سلمة فقالت: عجبا لك يا ابن الخطاب، لم يبق لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه (٣) وبين نسائه، وكان رجل من الأنصار إذا غاب وشَهِدتُ أتيته بما يكون من رسول الله، وإذا غبت وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ ، وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام إلا ملك غسان (٤) بالشام، كنا نخاف أن يسير إلينا، فأتاني الأنصاري يوما فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حجرهن كلها، وإذا النبي ﷺ قد صعد مَشْرُبَته (٥) وعلى الباب وصيف (٦) فقلت: استأذن لي على رسول الله ﷺ ، فاستأذن لي فإذا رسول الله ﷺ على حصير قد أثر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة من أدم (٧) حشوها ليف، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظ منبوذ (٨)، فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعا

стр. 1686

وعشرين فنزل وأنبئت أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله لو شئت أخذت (١) ذات الذنب منا بذنبها، قال: إذا أدعها كأنها شاة معطاء (٢)? (٣) ولهذا الحديث أسانيد وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها فقلت لحفصة: ? أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ وإذا هي قد هلكت! لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أوسمُ وأحبُ إلى رسول الله ﷺ منك ـ يريد عائشة ـ? (٤) وقيل في بعضها قال عمر: ? والله لآتين أم سلمة فليس منهن أمس بي رحما (٥) منها، فأتيتها فقلت تسألين رسول الله ﷺ ما لا يجد! والله ما أراك تنتهين حتى ينزل الله ﵎ بك قارعة، قالت: سبحان الله! ما لك وللدخول بين رسول الله ﷺ وبين أزواجه، بل أنت والله ما أراك تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فأخبرته بما كان من شأني وشأن أم سلمة فضحك، فلما رأيت ضحكه وطيب نفسه قلت: يا نبي الله أنت بالمنزل الذي أنت به من الله، وأنت على ما أرى،

стр. 1687

وكسرى وقيصر على سرر الذهب، وفرش الديباج (١)، فقال: يا عمر أولئك قوم عجل الله لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا? (٢) وقيل في بعضها: ? فدخلت على عائشة ـ وذلك قبل أن يوضع الحجاب ـ فقلت: يا ابنة أبي بكر بلغ من أمرك أن تؤذي نبي الله ﷺ ! فقالت: يا بن الخطاب ما لي ولك، عليك بنفسك، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن كنت طلقت (٣) نساءك فإن الله ﵎ معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا ـ أيضا ـ وأبو بكر والمؤمنون، فَصَدّق الله قولي فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ (٤) إلى آخر الآية (٥). وقالت عائشة: ? لما نزل رسول ﷺ إلى نسائه أُمر أن يخيرهن، دخل عليّ فقلت: يا نبي الله إنك حلفت ألا تدخل علينا شهرا، وقد مضى تسعة وعشرون يوما؟ قال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين، وقال: سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك، فقلت: وما هو؟ فتلا علي آية التخيير إلى آخر الآيتين، فقلت: إني أختار الله ورسوله، فسر بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن يخترن الله ورسوله ﷺ ? (٦) رويت هذه الأحاديث، وظن رواتها أن قول الله : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إنما كان لحلفه ألَّا يدخل عليهن شهرا، ورويت أحاديث: أن رسول الله ﷺ شرب عسلا، فقلن

стр. 1688

له بعض نسائه: نشم منك ريح مغافير (١) فحلف ألا يشرب العسل (٢)، وجميعا لم تنزل آية التحريم فيهما. وروت الجماعة الكثيرة: أن النبي ﷺ حرم جاريته، وحلف بيمين مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وأمره بكفارة اليمين (٣). وروى بعضهم: ? أن النبي ﷺ دخل بيت حفصة وليست فيه، فجاءته فتاته فألقى عليها الستر، فجاءته حفصة فقعدت على الباب، حتى قضى رسول ﷺ حاجته، فقالت: والله لقد سؤتني أجامعتها في بيتي! قال: فحرمها أو كما قال? (٤). وروى ابن عباس: ? أن نبي الله ﷺ وقع على أمة له (٥) في بيت حفصة، فقالت له: كنت أهون نسائك عليك، فقال: لا تخبري أحدا، فحرمها، فقالت: تحرم ما أحل الله لك!

стр. 1689

فقال: لا تخبري أحدا فوالله لا أمر بها، قال: فحدثني عمر أن حفصة لم تقر حتى أخبرت عائشة فتظاهرتا على رسول الله ﷺ ? (١). وقال مسروق: إنما كَفّر رسول الله للإيلاء ولم يكفر للحرام، وقال: إن رسول الله ﷺ آلى وحرم (٢)، يريد حلف وحَرَّمَ، فقيل له: أما الحرام فحلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم. ذكر بعضهم: أن النبي ﷺ حرم جارية له (٣). وقال بعضهم: حرم شرابا (٤). والحكم في ذلك واحد؛ لأن الأَمَةَ لا يكون فيها طلاق ولا تحرم، كما لا يحرم الشراب، ولعل القصتين جميعا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه لقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ (٥) ولقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٦) فكان ذلك في الأمة أشبه؛ لأن الرجل يغشى أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر؛ ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن (٧).

стр. 1690

وقال بعضهم: حرم فأمر بالكفارة (١). وقال بعضهم: حرم وحلف (٢)، فقد يمكن أن يكون حرمها بيمين بالله، ويمكن أن يكون حرمها وحلف. وقال همام بن (٣) الحارث (٤): إن ابن مُقَرِّن (٥) سأل ابن مسعود قال: إني حلفت ألا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (٦) كفر عن يمينك ونم على فراشك (٧). فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام فلم يحلف، وإنما أوجبه على نفسه شيئا، وإذا قال لأمته: أنت علي حرام ولم يحلف (٨)، والحلال لا ينتقل حراما بتحريم من

стр. 1691

أُحل له، ولم يجعل الله تحريمه من الباب الذي تحرم به الحرة؛ لأن الحرة تحرم بالتحريم (١)، قال الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢) وما لا يحل فهو الحرام، والأمة لا تحرم إلا بالعتق (٣)، فلما نهى الله ﵎ عن تحريم ما أحل الله، وسمى المحرم معتديا، رد عداه على نفسه، ولم يحرم ما أحل الله، إلا أن يكون إنسانا علم بُغية النبي ﷺ في التحريم (٤)، إذ في التعريض مندوحة، فيقول في الأمة: هي علي حرام يرضي زوجته، وهو يعلم أنها لا تحرم، ألا ترى أن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: كيف تحرم وهي أمة (٥).

стр. 1692

وروي عن ابن عباس: أنه حلف عند هذا القول منهما (١) ـ وهو أولى بأن يعلم ما علمناه ـ فلما قالتا ذلك قال: والله لا وطئتها، فأنزل الله : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) فأُمر بالكفارة عن يمينه، وعُرِّف أن التحريم لا يقع فيما أحل الله ﵎ ليعلمه سائر الناس فيعلمونه، والقائل الآن لأمته: أنت حرام، يدخل في باب الإيجابات (٣). حدثنا أشياخنا وأحمد بن موسى (٤) وجماعة، عن عمرو بن مرزوق (٥) عن مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك (٦)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ? من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه? (٧) فمن حرم أمته لم يلزمه شيء؛ لأنه أوجب ما لا رضى لله فيه، والله أعلم.

стр. 1693

وقد زعم قوم أن التحريم يمين (١)، وأن من حرم امرأته فعليه كفارة، تشبيها عندهم بالأمة، فسلكوا مسلكا وعرا، ووضعوا الأمر في غير موضعه، قال الله ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٢) يريد ما حل لكم من النساء، وقال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ (٣) ثم جعل الله ﵎ للرجل يريد أن يحرم امرأته فقال ـ عز من قائل ـ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥) فالتحليل عقد النكاح، والتحريم الخلع والمبارأة (٦)، وغير ذلك مما قد أُجْمِع على أنه يحرم ما استحله بالعقد، فجعلت هذه الأشياء أسماء للتحريم، والتحريم هو القصد بالأسماء وما ينضاف إليها، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام فقد أتى بأقصى الأشياء وهو ما الأسماء تقتضيه، ألا ترى الله قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٧) وما لا يحل فهو (٨) المحرم، فإذا قال: أنت علي حرام، فقد جعلها التي لا تحل له، فكيف يجوز أن ينقل ما جعله الله لا يحل إلا بعد زوج، إلى التحليل بإطعام عشرة مساكين، هذا ما يستحيل في العقل (٩). قال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت: الحرام ثلاث (١٠)، وقاله السبعة ـ فقهاء المدينة ـ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس ﵁ (١١). قال الله ﵎: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١٢). روي أن النبي ﷺ سئل عنها فقيل: ? نقي أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ فقال: تأمرونهن بطاعة الله وتنهونهن عن معاصي الله? (١٣).

стр. 1694

وقال علي بن أبي طالب ﵁: أدبوهم وعلموهم (١). وقال الحسن ومجاهد نحو ذلك (٢). قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣). قال النعمان بن بشير (٤): سمعت عمر بن الخطاب ﵀ يقول: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: أن يعمل الرجل العمل السيء فيجتنبه (٥) فلا يعود إليه (٦). وقال عبد الله بن مسعود: النصوح الذي لا يعود في ذنبه (٧). وقال ابن عباس: التوبة النصوح تكفر كل سيئة (٨). وقال الحسن ومجاهد: يتوب من الذنب ثم لا يعود (٩).

стр. 1695

قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١). قال الحسن: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود (٢)، وقال قتادة مثله (٣). وقال غيرهما: ما مات رسول الله ﷺ حتى أُذن له في قتال المنافقين وقتلهم، وكان ذلك مع الأجل (٤) حين كثر المسلمون. ليس في تبارك الذي بيده الملك ونون والقلم شيء (٥).

стр. 1696

ومن سورة سأل سائل . قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١). أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى (٢) وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قال: قال عقبة بن عامر (٣): هم الذين لا يلتفتون يمينا ولا شمالا (٤). وقال ابن عباس ﵁: هم المداومون على الصلوات الخمس (٥). وقال ابن مسعود: الدائمون والمحافظون على أوقاتها، فأما تركها فكفر (٦). وقال مسروق: دائمون وحافظون على مواقيتها، والسهو عنها ترك وقتها (٧).

стр. 1697

وقال مجاهد: المكتوبة (١). وقال شبل (٢): يداوم على مواقيتها وحدودها (٣). قال الله عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٤). قال محمد بن سيرين: الزكاة (٥). وقال مجاهد: سوى الزكاة (٦). وقال إبراهيم (٧): كانوا يرون في المال حقا سوى الزكاة (٨)، وقال عامر (٩) مثله (١٠).

стр. 1698

وروى (١) ... قَزَعَة (٢) عن ابن عمر مثله، وقال: أد الزكاة إلى السلطان (٣). وقال عطاء: سوى الزكاة (٤)، وقاله الحسن (٥). وقال جماعة كما قال ابن سيرين (٦)، ولا نعلم معلوما غير الزكاة، وليس على الناس بعدها فرض معلوم، فإذا حدثت حوادث وجب على الناس القيام بها، نحو الضيف ينزل بالإنسان، ونحو المضطر، والميت لا يكون له كفن، وما أشبه ذلك من النوازل التي ليس لها حد معلوم، ولا وقت موصوف، وإنما يجب عند الضرورات إذا نزلت، وبعد ذلك فينبغي أن يقدم الإنسان لنفسه فإنه قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (٧) وقال في النفقة في سبيل الله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨). وقال ﵎: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٩). روي عن ابن عباس ﵁: السائل الذي يسألك، والمحروم: المُحَارَف (١٠)، ومثله عن عائشة (١١).

стр. 1699

وقال إبراهيم (١): جاء رجل بعد وقعة الجمل (٢) فقال علي: هذا المحروم، فاقسموا له، وكان علي ﵀ يوم الجمل طلب أصحابه منه المغنم فمنعهم، وقال من عرف شيئا فليأخذه، وقسم لأصحابه خمسمائة خمسمائة، فجاء هذا الرجل بعد القسم، فقال علي: هذا المحروم فاقسموا له (٣). وكان الخوارج الذين حاربهم بالنَهْرَوان قالوا له: نطلب منك سيرة العمرين ـ عنوا: أبا بكر وعمر ـ وقالوا له: لم حكمت إن كنت على الحق؟ وقد كان أبى أن يحكم، فهم طالبوه بذلك، وقالوا له: لِم تقسم (٤) غنائم الجمل؟ فقال لهم في ذلك: أيكم كان يأخذ أمه في سهمه ـ يعني عائشة رحمها الله ـ ولم ير في شيء من أموال المسلمين غنيمة (٥). وقال الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (٦) فإذا كان المؤمن أخا المؤمن؛ فكيف يجوز له أن يأخذ ماله وهو عليه حرام.

стр. 1700

قال زيد بن وهب: كنت مع علي (١) فكف عن طلحة والزبير وأصحابهم، ودعاهم حتى بدأوه فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف، ممن كان يذب عنه، فقال علي ﵀: لا تتبعوا مدبرا، ولا تتموا على جريح، فجاءوا الغد يكلمون عليا في الغنيمة، فقال: قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ﴾ (٢) فأيكم لعائشة؟ فقالوا: سبحان الله أُمُّنا! فقال علي: أحرام هي؟ قالوا: نعم، قال: فإنه يحرم من بناتها ما يحرم منها، يا قُنْبُر (٣) ناد: من عرف شيئا فليأخذه، قال زيد: فرد ما كان في العسكر وغيره (٤). وقال الحسن: لم يأخذ علي يوم الجمل شيئا مما في العسكر ولا غيره (٥). وقال إبراهيم (٦): المحروم الذي ليس له في الغنيمة شيء (٧). وقال ابن المسيب، وعطاء: المحروم المحارَف في الرزق والتجارة (٨). وقال ابن عباس في رواية (٩) أخرى: هو الفقير الذي يخرج في الناس وهو متعفف (١٠).

стр. 1701

وقال القرظي: المحروم الذي لا ينبت زرعه، وذكر: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (١)، وقال زيد بن أسلم نحو ذلك (٢). وقال ابن شهاب: المحروم الذي لا يسأل ولا يُعرف مكانه (٣). وقال مالك: هو عندي الفقير الذي يحرم الرزق (٤). والله أعلم بما أراد من ذلك، وكل قد أتى بما يشبه، والمحروم من حبس عنه الرزق بأي سبب كان (٥).

стр. 1702

ومن سورة نوح ﵇ -. قال الله ﵎: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ! وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (١). قال ابن عباس: لا تعلمون لله عظمته (٢)، يعني حق عظمته. وقال مثل ذلك جماعة من المفسرين، وزاد بعضهم: نعمه وتشكرونه، وقد خلقكم أطوارا، قالوا: من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم أنشأ خلقه طورا بعد طور (٣)، ومن رجا لله وقارا، عرف له حقه، وصنع له نفسه، ولم يخل قلبه من فكر فيه، وفي عظمته وآب إليه، ولا يشعل قلبه بسواه، سمعت سهلا (٤) يقول ذلك، وسألته عن اسم الله الأعظم؟ فقال: هو الله، فقلت: قد قيل: إذا سئل به أعطى، وهو ذا نسأله به، فقال: تسأله به وقلبك في غيره، ولو سألته وقلبك فارغ من كل شيء إلا من مناجاته، لجاءت الإجابة للوقت، ثم قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (٥) قال: من كل شيء إلا من المسألة في أمر موسى ﵇ (٦).

стр. 1703

ومن سورة الجن قال الله : ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (١). قال الحسن: غنى ربنا (٢). وقال عكرمة: جلال ربنا وعظمته (٣). وقال مجاهد: ذكره (٤). وقيل: أمر ربنا (٥). وقال ابن عباس: لو علمت الجن أنه يكون في الإنس جدود ما قالوا ذلك (٦)، وأحسبه أراد أن الجد أب، وهذا غير ممتنع في اللغة أن يكون الجد إلى آدم ﵇ أب، ويسمى الحظ جد، وهذا لا يذهب على ابن عباس؛ فهو أصل في اللغة (٧)، ولكنه كان يقوي أمر الجد محتجا له بكل شيء، وإن كان يعلم أن اسم الجد الحقيقي جد، واسم الجدة الحقيقي جدة، فليس هما الأبوان اللذان بالقرآن، والله أعلم (٨). قال الله : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٩). قيل: كانوا قوما إذا نزلوا واديا قالوا: نعوذ بسيد الوادي من شر ما فيه، فيقول الجن: يتعوذون بنا ونحن لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا، قال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ فازدادوا عليهم جرأة، ولو تعوذوا بالله أعاذهم (١٠).

стр. 1704

قال النبي ﷺ : لن يجيرني من الله أحد، وعُلِّم التعوذ، وأنزل الله ﵎ (١) المعوذتين (٢). قال الله ﵎: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ (٣). وما في السورة من ذكر الجن، روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ في حضوره ليلة الجن ما سنذكره، ولكن روى الزهري، عن علي بن الحسين (٤)، عن ابن عباس، في قوله ـ عز من قائل ـ: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٥) قال: ? بينا النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم، قال: فإنه لا يرمى به لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السموات سماء سماء، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم فتحفظ الجن، ويُرْمَون فما جاءوا به على وجهه فهو حق? قال معمر (٦) فقلت للزهري: أو كان يرمى بها في الجاهلية! قال: نعم، قلت له: أرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٧) قال: غُلّظَت وشدد أهلها حين بعث النبي ﷺ ، قال عبد الرزاق (٨): فحدثت به سفيان بن عيينة، فقال: ومن يحسن مثل هذا، وقد روي عن الزهري من طرق وفيه زيادات، وهذا أصح ما في الباب (٩). وروى قصة أمان من آمن من الجن عن ابن مسعود ﵁، وذكره ابن إسحاق (١٠)، ولم يسنده، وقصّه وطوله كما يطول الأسماء إذا حدث بها من السير، وذكر فيه أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان مع النبي ﷺ فخط له خطا، وذكر فيه الوضوء بالنبيذ، وقال: قال رسول الله ﷺ : ? تمرة طيبة، وماء طهور? (١١) وأنه أخرجه إلى الأَبْطَح (١٢) فتركه

стр. 1705

هناك، ومضى وخاطب الجن وعاد إليه، وذكر هذا الحديث الأموي (١)، عن محمد بن إسحاق (٢)، عن يزيد بن أبي زياد (٣)، عن محمد بن كعب القرظي، وذكر فيه: أنهم سألوه الطعام، فأباح لهم كل روثة وعظم، فأما الروث فلدوابهم، وأما العظم فيلقونه أغض ما كان وأطراه. نا إبراهيم بن حماد قال: نا إسماعيل (٤)، قال: نا نصر بن علي، ونا أحمد بن المؤمل (٥)، قال نا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى (٦)، قال: نا داود بن أبي هند (٧)، عن عامر الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع النبي ﷺ ليلة الجن؟

стр. 1706

فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: اسْتُطِيرَ (١) أو اغْتِيلَ (٢)، فبتنا بِشرِّ ليلة بات بها قوم (٣) فلما أصبحنا، إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم، وأرانا نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعر علف لدوابكم، ثم قال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم من الجن? (٤). وقال سعيد بن جبير: لما بعث النبي ﷺ حرست السماء، فقالت الشياطين: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبي ﷺ قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلَة (٥) وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ولوا إلى قومهم منذرين: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ حتى بلغ: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: (انطلق رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه عامدين إلى سوق عُكَاظ (٧)، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر الأرض،

стр. 1707

وأرسلت عليهم الشهب) (١) ـ وذكر معناه ـ وعُلِّم رسول الله ﷺ أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ (٢)، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر الطوارق (٣) إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن، فطفئت نار الشياطين الذين كادوه منهم، وهزمهم الله) (٤). قال إسماعيل (٥): فقد اختلفوا في حضور عبد الله (٦) ليلة الجن، ويشبه أن يكون الصحيح منها حديث الشعبي عن علقمة: سألت عبد الله فقال: إنه لم يحضر معه، ولكن النبي ﷺ أراهم آثارهم، وأخبرهم خبرهم؛ لأنه أصحهاإسنادا (٧). وروى بعض من ذكر أن عبد الله حضر ذلك: أن عبد الله بن مسعود كانت معه إداوة (٨) من نبيذ فتوضأ النبي ﷺ منها حين لم يكن معه ماء (٩)،

стр. 1708

رواه أبو فزارة (١)، وأبو فزارة ليس ممن يكون روايته سنة، ولم يذكر ذلك بعضهم في حديثه. وقد قال أبو حنيفة: أنه يتوضأ بالنبيذ إذا لم يوجد الماء (٢)، وهذا حديث لا يعتمد عليه أولا؛ لضعف إسناده، ولو كان صحيحا ما كانت فيه حجة؛ لأن هذا كان بمكة قبل الهجرة، وإنما ذكر الوضوء بالمدينة، وكذلك التيمم إذا لم يوجد الماء في سورة النساء والمائدة وهما مدنيتان، وأمر التيمم نزل على النبي ﷺ بعد سنتين (٣) من الهجرة، في بعض غزواته، حدثنا أحمد بن موسى (٤) قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن

стр. 1709

أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ? خرجنا مع رسول الله ﷺ في (١) بعض أسفاره حتى إذا كنا في البيداء (٢) أو بذات الجيش (٣)، انقطع عقدي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵀ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آية التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) فقال أُسَيْد ابن الحُضَير (٥): ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته? (٦).

стр. 1710

وأخبرنا إسماعيل (١) حدثنا إبراهيم (٢) ومحمد بن يوسف (٣) عنه قال: نا علي بن عبد الله (٤) قال: نا سفيان (٥) قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، قال أُسَيد بن الحُضَير: جزاكِ الله خيرا ـ يعني عائشة ـ فما نزل بكِ أمر تكرهينه إلا جعل الله ﵎ فيه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه خيرا (٦). قال هشام (٧): سقطت قلادتها، فأنزل الله آية التيمم فقد بين أن التيمم نزل بالمدينة، بعد سنين من الهجرة، وقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٨) فوجب أن يكون الماء مطهرا مادام اسمه اسم الماء، وحكمه حكمه، فإذا خالطه شيء يغلب على لونه، أو على طعمه، أو على رائحته؛ فقد زال اسمه وحكمه، لغلبة ما خالطه عليه، وانتقال الاسم، وصار الأخص به اسم النبيذ، قال الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٩) فإذا لم يجد إنسان الماء الذي لا اسم له غير الماء، قام التيمم مقامه، وكان التيمم ـ الذي أمر الله به ـ ناسخا لأمر النبيذ لو كان أمر النبيذ صحيحا، ولكن الله ﵎ قد كفى ذلك بإنكار عبد الله (١٠) حضوره ليلة الجن، بأجود أسانيد الكوفيين (١١)، والله أعلم.

стр. 1711

ومن سورة المزمل . قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ الآية (١). قال عكرمة: زُمْلِّتَ هذا الأمر فقم به (٢). وقال قتادة وإبراهيم (٣): هو الذي تزمل بثيابه (٤). وقيل عن ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة (٥). وقال جابر بن عبد الله: كتب علينا قيام الليل إلا قيلا نصفه، فقمنا حتى انتفخت أقدامنا، وكنا في معزل لنا، فأنزل الله ﵎ الرخصة: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٦) إلى آخر السورة (٧).

стр. 1712

وقال: أبو عبد الرحمن (١) قاموا حتى تورمت أقدامهم وسوقهم حتى (٢) نزلت الرخصة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فاستراح الناس (٣). وقال قتادة: قاموا حولا أو حولين، حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فنزل التيسير (٤). وقال زيد بن أسلم: أول ما افترض الله ﵎ على رسوله وعلى المؤمنين صلاة الليل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ الآية إلى ﴿تَرْتِيلًا﴾ وكان نائما مُزَمِّلا ثيابه فقيل له: قم الليل، قم فصله ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ قال: هو القرآن وهو ثقيل مبارك، وكل حق ثقيل في الدنيا، ويثقل في الميزان يوم القيامة (٥)، وثقله العمل بما فيه، وما رضي الله تعالى من العباد، بقول لا فعل معه، ولا بعلم لا عمل معه، فكانت صلاة الليل فريضة، فصلى رسول الله ﷺ والمؤمنون الليل على ما أمرهم الله به، قال ثم إن الله منَّ على عباده فخففها، ووضع منها، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ﴾ (٦) يقول ساعتاهما ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٧) من القرآن ـ هاهنا ـ يعني ما تيسر من قيام الليل فاقرؤوا فيه القرآن، فجاء هذا بنسخ الأول، ووسع الله

стр. 1713

ـ ﵎ على نبيه ﷺ ووضع عنه وعن أمته، وأنزل الفرائض ونسخ صلاة الليل، ثم قال بعد الفريضة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) قال ابن عباس: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في صلاة الليل (٢). حدثنا محمد بن صالح (٣) قال: حدثنا أبو حُمَة محمد بن يوسف الزيدي (٤) قال: نا عبد الرحمن بن طاوس بن محمد بن عبد الله بن طاوس (٥) عن محمد بن عبد الله بن طاوس (٦)، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾? قال مائة آية? (٧).

стр. 1714

وقال ابن شبرمة (١) عن الحسن ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ علم أن لن تطيقوه (٢). وقال القُطَعي (٣) سمعنا الحسن يقول: لا بد من قيام الليل ولو قدر حلب شاة، وقال محمد بن سيرين مثله (٤)، قال إسماعيل (٥): أحسبهما قالا كذلك لقول الله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وقد زعم أبو حنيفة وأصحابه بهذه الآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أن ذلك يجرى في صلاة الفرض (٦)، وذهب عنهم ما أنزلت فيه الآية، وأنه في النوافل تخفيفا، يراد ما تيسر من سائر القرآن مع أم الكتاب، وخالفوا قول رسول الله ﷺ : ? كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاج? (٧) وقوله ﵇: ? من لم يقرأ بأم الكتاب ـ يريد المنفرد ـ فلا صلاة له? (٨) ووضعوا الآية في غير موضعها وخالفوا المفسرين جميعا، وتفردوا بقول لم يقله أحد.

стр. 1715

قال الله ﵎: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (١). قال مجاهد: بعضه في أثر بعضه، ترسل فيه ترسلا (٢). وقال ابن جبير: فسره تفسيرا (٣). وقال الحسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ يردد الآية ويبكي (٤). وقال ابن عباس: بينه تبيينا (٥). وقال عبد الله (٦) لعلقمة (٧): اقرأ فقرأ، وكان حسن الصوت، فقال: رتل (٨) (٩).

стр. 1716

وقال أنس: (كان رسول الله ﷺ يمد صوته مدا) (١). قال الله عز وعلا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٢). قال الحسن: العمل به هو الثقيل (٣). وقال قتادة: ثقل والله فرائضه وحدوده (٤).

стр. 1717

قال الله ﵎: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ (١). كان ابن عمر يقول: أوله ما بين المغرب والعشاء (٢). وقال ابن عباس: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ الليل كله (٣). وقال هو وابن الزبير: إذا أَنْشَأتَ (٤) فهو ناشئة، الليل كله ناشئة (٥).

стр. 1718

وقال علي بن الحسين (١) مثل قول ابن عمر (٢). وقال الحسن ومجاهد: أي وقت قمت من الليل إلى صلاة الفجر (٣)، وقال عكرمة كذلك (٤). وقيل عن عمر: ناشئة الليل: من أول الليل إلى آخره (٥). وقال جماعة: قيام الليل (٦)، وكل قيام بعد المغرب إلى طلوع الفجر فهو ناشئة الليل، والله أعلم (٧).

стр. 1719

قوله سبحانه: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (١). قال مجاهد وجماعة: أن يواطئ سمعك وبصرك وقلبك ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ قال: أثبت قراءة (٢)، وقال جماعة ما هذا معناه، وإن اختلفت ألفاظهم (٣). ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٤). قال أبو العالية: فراغا طويلا (٥)، وقال مجاهد مثله (٦). وقال الشعبي: قال جبريل ﵇: يا محمد ألست تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ ما في السماء ملك فارغ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (٧). فقال الحسن وقتادة والضحاك: فراغا طويلا (٨). ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٩).

стр. 1720

قال مجاهد: أخلص له المسألة والدعاء (١). وقال الحسن: أخلص له إخلاصا (٢). وقال قتادة: أخلص بالدعوة والعبادة (٣). ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤). صدقة التطوع، والصيام التطوع، وسائر أعمال البر، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر لله ، وهذا كله القرض الحسن، والله ﵎ غير محتاج إلى ذلك، وإنما يريده ويحتاجه إليه لنا، لما أعده من المكافأة على ذلك، إلا أن القرض سمي قرضا؛ لأنه يُرَدُ أو البدل منه، فقال : قدموا عملا صالحا تأخذوا الجزاء والبدل عن حاجتكم إليه، سمع السائب (٥) رجلا وهو يقول: من يقرض الله قرضا حسنا؟ فقال: سبحان الله، والحمد
следующие страницы →