← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

¬١. التتبع والاستقراء. لقد كان المؤلف ﵀ على اطلاع واسع على آثار السلف، ظهر ذلك في قيامه بتتبع واستقراء ما روي عنهم في بعض المسائل، مما مكنه من الانتهاء إلى نتيجة معينة، اعتمد فيها على الاستقراء والتتبع، وقد أشار إلى ذلك في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) في مسألة شهادة المرأة، قال: " قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) والله أعلم" (٤). ومن آثار هذا التتبع أيضا: أنه كان كثيرا ما يجزم في بعض المسائل بأنه لم يرد فيها عن السلف شيء خلاف ما ذكر، كقوله عند الآية الكريمة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٥) " قال الحسن: الحسنة: لا إله إلا الله، له خير منها يريد: تورثه خيرا دائما. وقال عكرمة: الحسنة لا إله إلا الله، وكل سيئة في القرآن شرك. وقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو الشرك. وكذلك قوله سبحانه في والليل: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (٦) يعني: وصدق بالتوحيد. ولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك" (٧). ٢. الجمع والتوفيق بين الآثار. ومن الصور الدالة على ما تميز به أبو الفضل القشيري، من نظرٍ في أقوال السلف، أنه كان في أحيانٍ كثيرةٍ يحاول الجمع بين الآثار، والتوفيق بين الأقوال، بحمل الآية على العموم، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٨) " قال الحسن: قَدِّمِ الفضل وأمسك ما يُبَلغُك. قال قتادة: ولا تنس الحلال، أيّ: ابتغه. قال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي. وقال ابن عباس والمسعودي: تعمل فيها لآخرتك. وكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لما في هذه الآية ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أداء الفرائض واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قَدِرَ عليه من أعمال البر، والله أعلم" (٩). ومن وسائل توفيقه بين الآثار وحسن فهمه لمعانيها، أنه كان يحمل الخلاف المنقول عنهم والمنسوب إليهم على اختلاف محله ومتعلقه، كمسألة السمر بعد العشاء حيث روي

стр. 212

¬عن السلف ذمه وروي عنهم أيضا فعله، فكان من حسن فهمه أنه وجه الذم على حال تخالف حال الجواز، قال ﵀: " وهذا كله فيمن سمر في غير مرضات الله، فأما من جعل سمره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسْخَطُه الله ويدخل في مرضاته، فلا بأس به، روى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال: عمر قال: (كان النبي ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين)، وقال عمران بن حصين: (كان النبي ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل) قال بكر: فالذي كُره من السمر ما لم يكن فيه رضى الله ومنافع للعباد، وعلم وآداب" (١). ٣. الاستدراك والمناقشة. كما تميز المؤلف بأنه يناقش ويستدرك فيما يرويه عن السلف من آثار، ويبين مواطن القوة والضعف، ومثال ذلك ما ورد عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، قال: " قال مجاهد ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقل. وقال قتادة: ذنوب أثقلته فغفرت له. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه ﷺ أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه، وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح، وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر" (٢). ٤. الحكم على الآثار. ومما يشهد لتمكن المؤلف وعدم اكتفائه بمجرد النقل والرواية، أنه كان يحكم أحيانا على بعض الآثار التي يحكيها عن السلف، فيميز الضعيف من الصحيح، والشاذ من المقبول، ومن أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، كلام المؤلف عن الآثار المروية عن السلف في إثبات النفقة والسكنى للمطلقة البائن، عند قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣). وقد لا يظهر له الحكم على الحديث صحةً أو ضعفا، فيتوقف في ذلك وينبه عليه، من الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٤) قال: " وقال أبو هريرة ﵁ ـ رُوي عنه إن كان صحيحا ـ إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇. وقال مجاهد مثل ذلك، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي ﷺ على الأديان كلها" (٥). ٥. الموازنة والاختيار بين كلام السلف. ومن مظاهر وعي المؤلف فيما ينقل عن السلف، أنه ربما وازن بينها، واختار منها ما يراه صوابا، مدعما اختياره بالدليل، مؤيدا ترجيحه بالبرهان، انظره عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) حيث قال: " قال سعيد بن جبير:

стр. 213

¬أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف. وقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية. وروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش. وقال قتادة: نسختها ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا مجادلة أشد من السيف. والرواية عن ابن عباس ﵁ ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة، والله أعلم" (١). بقي أن أختم هذا المطلب بالإشارة أن أبا الفضل القشيري، قد ضرب صفحا عما لا أثر له في استنباط المعاني والأحكام، وهذا ما جعله يعرض عن تلك الروايات التي مصدرها أهل الكتاب، سواء أكانوا رُوَاتَها أو أُخِذَت عنهم، لأنه لا يُبْتَنى عليها أحكام شرعية، فلا كبير فائدة في ذكرها.

стр. 214

¬ المطلب الرابع منهجه في الاستدلال بالإجماع . إجماع أهل العلم هو أحد المصادر المعتمدة، التي تستمد منها بعض الأحكام الشرعية (١)، ولم يزل أهل العلم يعظمون ما أجمعت عليه الأمة، وينكرون أشد الإنكار على من خالفه أو خرج عنه. ولقد تميزت كتب الأحكام بعنايتها بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع، وقد كان لكتاب أحكام القرآن للقشيري، نصيب من هذه العناية، فقد كان يرى ـ كسائر أهل العلم ـ أن الإجماع حجة، لا يجوز الخروج عليه، ولا يسوغ لأحد مخالفته مهما كانت منزلته، وقد كان إنكاره شديدا على من يرى أنه قد خالف الإجماع، حيث قرر أن القول المُحْدَث بعد الإجماع، لا ينقضه ولا يعتبر خلافا، يقول في مسألة الإجماع على جواز تزويج الصغيرة، قال: " وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة للأب، إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول الله ﷺ عائشة ﵂، ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يقر به، وعلى أنه لو قاله ما كان قوله خلافا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى" (٢). وقد أورد المؤلف ﵀ صورا غير كثيرة لما وقع عليه الإجماع، ومنها ما أورده في رده على بعض العراقيين القائلين بتقديم ذوي الأرحام في الميراث على الموالي، قال ﵀: " وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي, فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته, أن المال للخالة والعمة دون المولى ... ولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول الله ﷺ : ? فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر? وقوله: ? الولاء لحمة كلحمة النسب? لكان ينبغي لهم إذا خَلَف الرجل ابن عم وابنة عم؛

стр. 215

¬أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عما وعمةً، وكذلك إن خلف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلف ابنة وأختا وابن عم أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب الله وليس بين المسلمين خلاف علمته في ذلك، وإذا كان هذا هكذا فقد علمنا أن الله سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نسب بينهم وبين المتوفى" (١). وقد يذكر المؤلف صورا تشبه أن تكون إجماعا، وليست كذلك؛ وإنما هي عبارة عن إجماع مقيد وليس تاما، مثل ذلك ما أورده في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ (٢) حيث قال: " وأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره؛ أن ذلك لا يحل لأحد بعد رسول الله ﷺ ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهب ابنته، وكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، وكانت مما أرجأ " (٣). على أن المؤلف قد وقع له أن حكى إجماع السلف في مسألة زيادة الحمل عن سنتين، ولا تصح هذه الحكاية قال: " ولا أعلم اختلافا بين السلف، أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين إلا قول أبي حنيفة، فإنه وقف على سنتين" وهذا غريب من المؤلف ﵀ فإن أبا حنيفة لم ينفرد بذلك، بل هو قول مشهور عن عائشة ﵂، وهو قول الثوري ورواية في مذهب أحمد (٤).

стр. 216

¬ المطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب . يدرك من ينظر في كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، تلك العناية الظاهرة باللغة العربية، حيث احتج المؤلف باللسان العربي في بيان غريب ألفاظ القرآن الكريم، واحتكم إليها عند الاختلاف، واعتضد بها عند الاختيار. ظهر ذلك في رجوعه إلى لغة العرب، واحتكامه إلى أهل اللسان، واستشهاده بمنثور كلامهم ومنظومه، مع الحرص في الغالب الأمر على نسبة القول إلى قائله. ويمكن تلخيص منهج المؤلف في احتجاجه بلغة العرب، في الآتي: ١. أبرز من أخذ عنهم ونقل كلامهم. اعتمد المؤلف على بعض من كبار أئمة اللغة وأهل العربية، في بيان غريب اللغة والاحتجاج عند الاختلاف بقولهم، ومن أشهرهم: ١. أبو عبيدة معمر بن المثنى. من مصادره الأساس التي اعتمد عليها بشكل كبير، فيما يتعلق بلغة العرب وشعرهم، وتوجيه كلامهم، ما نقله عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ولا سيما ما استقاه من كتابه: مجاز القرآن، لقد كان كتابه هذا ـ بحق ـ أهم كتاب لغوي اعتمده المؤلف، فأكثر النقل منه، والأخذ عنه، والإحالة إليه، ومنها ما جاء عند قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١): " قال أبو عبيدة: إثارة: بقية من علم،

стр. 217

¬وهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علما، فهو قطعة من العلم، وبقية من العلم ... " (١). ٢. أبو عمرو بن العلاء. نقل عنه المؤلف في بيان غريب اللغة، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (٢) " قال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر" (٣). ٣. سيبويه. نقل عنه وأخذ منه في بعض المواضع، منها: ما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤)، قال: " وكان سيبويه يقول: إن هذه للمتاركة، يقول الرجل للرجل: اذهب سلاما سلام، أي تاركني وأتاركك" (٥). ٤. أبو عمر الجرمي. وهو أحد أئمة اللغة الذين احتج بقولهم فقد أورد كلامه عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (٦) قال: " ويحتمل ـ أيضا ـ أكثرنا، قال أبو عمر الجَرْمي: هذا باب ما يجتمع فيه: فعلت وأفعلت " (٧).

стр. 218

¬٥. الأصمعي. والأديب البارع عبد الملك بن قُريب الأصمعي، استفاد منه المؤلف ونقل عنه، دل على ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، قال: " وقال الأصمعي: الحسن في العينين والجمال في الأنف والملاحة في الفم " (٢). ٢. مجالات الاحتجاج بلغة العرب. لقد أنزل الله تعالى كتابه الكريم بلسان عربي مبين، جرى على لغة العرب ومناحي كلامهم، ولذا لم يزل أهل العلم يحتكمون إلى لغة العرب عند نظرهم في معاني ألفاظ القرآن الكريم، واحتجاجهم بها عند اختلافهم، بل حتى الصحابة ـ وهم أهل اللسان ـ رويت عنهم وقائع كثيرة من احتجاجهم بلغة العرب، عند بيان معاني القرآن الكريم، وقد أورد المؤلف مثالا على هذا الاحتجاج والاحتكام عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) يتعلق ببيان معنى الحرج قال: " وروى سعيد بن جبير أن عبيد بن عمير سأل ابن عباس عن الحرج فقال له: ألستم العرب! ثم قال: ادعو لي برجل من هذيل، فسأله عن الحرج، قال: مالا مخرج له، قال ابن عباس ﵁: إنما ذلك سعة الإسلام، ما جعل الله ﵎ من التوبة والكفارات، وقال في رواية أخرى: الحرج الشيء الضيق" (٤). ويمكن حصر أبرز المجالات التي اعتمد المؤلف فيها على لغة العرب واحتج بها، في أربعة مجالات: ١. بيان الغريب من الألفاظ. وهذا من أهم المجالات، وأكثره ورودا في كتابه، فقد اعتمد المؤلف على لغة العرب في بيان غريب القرآن الكريم، سواء أكان ذلك البيان من منثور كلامهم، أو منظومه، ومن أحسن الأمثلة وأصدقها، ما ذكره المؤلف عند قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٥) حيث قال: " قال ابن عباس ﵁: هم المشاة والركبان يأتون من كل فج عميق. قال الزيادي: المعمق الذاهب على وجه الأرض. قال المازني: يقال عميق ومعمق. وقال رؤبة: وقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ. فالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المخترق حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر: يقطعن بُعْدَ النازح العميق " (٦). ٢. توضيح الأسلوب البلاغي في القرآن الكريم.

стр. 219

¬ومن الأغراض التي لأجلها يحتكم المؤلف إلى لغة العرب، ويرجع إلى فرسانها؛ عند توضيح أسلوب قراني، كالذي وقع له عند قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (١)، حيث قال: " قال أبو عبيدة: معنى هل ليس باستفهام؛ إنما قد أتى على الإنسان، أو على التقرير، كما يقول الإنسان للإنسان: هل فعلت كذا، أما فعلتُ بك كذا، قال جرير: ألستم خيرَ من ركب المطايا ... وأندى العالَمِين بُطونَ رَاح فلفظ بحرف الاستفهام، وإنما يريد الإيجاب، وهذا مشهور في كلام العرب" (٢). ٣. الاحتكام عند الخلاف إلى لغة العرب. وصورة من صور عناية المؤلف بلغة العرب، ونَقَلَتِها الذين كانوا أعلَمَ الناس بها، أنه ربما احتكم إلى قولهم عند اختلاف كلام السلف في أحد المعاني، كما وقع في معنى الحواريين الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) حيث ذكر الخلاف في المراد بهم، ثم أتبعه بقوله: " وقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحواريات من النساء اللاتي لا ينزلن البوادي وينزلن القرى، قال الشاعر: وقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح

стр. 220

¬والحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياض والنقاء، كان من نصر الله ورسوله ﷺ ينقى القلب له هذا الاسم" (١). ٤. الاحتجاج بإجماع أهل اللغة. فقد احتج على الشافعي القائل: بأن المظاهر إذا لم يطلق عقيب الظهار لزمته الكفارة، بما أجمع عليه أهل اللغة في مسألة العطف بالواو وثم، قال: " مع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأ، يدل عليه الكتاب واللغة ـ وأصحابه يدعون له علم اللغة ـ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ وثم إنما تقع بعد الشيء على تراخي؛ لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع ولا توجب التبدئة به؛ لأن قول القائل: لقيت زيدا وعَمْرا يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدا فعمرا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تراخي، وإذا قال: لقيت زيدا ثم عمرا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرا بعد زمان" (٢). ٥. الاحتجاج بلغة العرب في الاختيار والترجيح. وهذا أيضا من جوانب احتجاج المؤلف بلغة العرب، حيث يوازن بين الأقوال ويختار منها ما كان أقرب إلى لغة العرب ومجاري كلامهم، كما وقع له في بيان معنى القانع والمعتر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٣)، حيث قال" فأما القانع والمعتر، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يعتر ولا يسأل،

стр. 221

¬وروي عنه: أن القانع من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر الذي يعتريك، وهذا أشبه القولين، وقال مثل ذلك الحسن، وقال مجاهد نحو ذلك. وقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك، وقال بكل قول من ذلك جماعة. والصحيح ـ والله أعلم ـ أن القانع يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعا إذا سأل، قال: وقال الشاعر: فمالُ المرء يُصْلِحُهُ فَيُغْني ... مَفَاقِرهُ أعفُّ من القُنُوع قال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو القانع بالفقر لا بالرضا بما يعطاه. وأما المعتر فكل من اعتر بك من معترض أو سائل أو طالب حاجة في أمر من الأمور فقد اعتر بك في ذلك" (١). · بعض أراء المؤلف اللغوية. صرح المؤلف على نحو قليل ببعض آرائه اللغوية في بعض المسائل المشهورة، منها: ١. حروف الصلة. ورد في القرآن الكريم بعض الأحرف التي يسميها بعض أهل العلم حروف الصلة أو الحروف الزوائد، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في بعض المواضع، مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) حيث قال: " وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء،

стр. 222

¬ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك ما، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء" (٣). ٢. تناوب حروف الجر. ومن آراء المؤلف التي تكررت في كتابه؛ أن حروف الجر تتناوب فيما بينها، يشهد لهذا قوله: " فقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله : ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٤) وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٥) فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٦) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧) أي بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (٨) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان؛ لأنه إذا قصد لئن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم يريد الرجوع عنه" (٩).

стр. 223

¬ المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية . هذه المطلب هو مقصد الكتاب الأول، والأساس المتين له، وهو الذي اتجهت له همة المؤلف ابتداء، وانعقدت عليه نيته، وهو المطلب الذي استغرق أكثر الكتاب وأوفى، والكلام عنه كلام عن الكتاب كله، ونظر في آياته جميعها، ولذا فاستشراف معالم منهجه غير يسير، ولا سيما مع إمام جمع علم الحديث والفقه، ناظر فيهما وجادل، يستصحب أدوات الاجتهاد، ووسائل النظر والجدل، في تقوية مذهبه، ودفع قول المخالف. ويمكن تقسيم البحث في منهجه المتعلق بالمسائل الفقهية إلى الفقرات الآتية: الفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية. الفقرة الثانية: منهجه في الاستدلال والمناقشة. الفقرة الثالثة: منهجه في الاختيار والترجيح. · الفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية. لتوضيح طريقة المؤلف في عرض المسائل الفقهية، أذكر النقاط الآتية: أولا: لم يطرد منهج المؤلف في عرض المسائل الفقهية، إلا أنه في غالب أمره يبدأ بذكر كلام السلف عن معنى الآية، وخلافهم فيها، ثم يبدأ فيعرج على الخلاف الذي وقع بين الفقهاء من بعدهم. وعلى نحو قليل ربما قرر المسألة، وبين الراجح فيها أولا، ثم عرج على الخلاف ثانيا، وقد يبتدئ بذكر الخلاف في المسألة مباشرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١) حيث قال بعد رسم الآية مباشرة: " قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد، فغلطوا من حيث لا يشكل" (٢). ثانيا: أما الخلاف الذي يذكره المؤلف في كتابه، فقد كان على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: الخلاف في طبقة الصحابة والتابعين لهم، فهؤلاء كانت لهم الصدارة والتقدمة في معظم الحين، مع العناية بخلافهم ـ على ما تقدم بسطه في المطلب الثالث. الطبقة الثانية: الخلاف في طبقة فقهاء المذاهب المشهورة ومن في عصرهم، فذكر خلاف أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر خلاف الإمام أحمد، على طريقة بعض الفقهاء في ذكر الإمام أحمد في عِداد المحدثين، وفضلا عن هؤلاء فقد تكلم عن بعض من عاصرهم كالثوري، وابن عيينة، وجعفر الصادق، ممن لم يكونوا اتباعا لتلك المذاهب المشهورة. وأخذ خلاف الشافعي وأبي حنيفة أكثر كلام المؤلف في الخلاف، ما بين تقرير قول مالك والاستدلال له، ورد قولهما والجواب عنه. الطبقة الثالثة: من جاء بعدهم، إلى زمن المؤلف، ويشمل الكلام عن أتباع المذاهب، ويشمل أيضا الكلام مع إمام أهل الظاهر داود الأصفهاني. ثالثا: يدل كتاب أحكام القرآن على معرفة المؤلف بمذاهب أهل العلم، واطلاعه على خلافهم، دَلَّ على هذا؛ كثرة الآثار التي يرويها عنهم، على أنه مع هذا الاطلاع الواسع

стр. 224

¬فقد شذ عنه على نحو نادر بعض خلافهم، كما في مسألة اشتراط الإسلام والحرية حتى يقع اللعان، إذ قال ﵀: " ولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافا في ذلك: أن كل زوج يلاعن إلا شيئا يروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبت" وهذا غريب منه ﵀ لأن اشتراط الإسلام والحرية حتى يقع اللعان بين الزوجين، لم ينفرد به النخعي، بل هو قول مشهور عند السلف فقد أخرجه عبد الرزاق عن طائفة من السلف، منهم: عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبي، وأكثر من هذا، أنه قد روي فيه عن النبي ﷺ حديث أخرجه البيهقي عن عمرو بن شعيب ـ وضعفه ـ وفيه: (أربع لا لعان بينهن وبين أزواجهن: اليهودية، والنصرانية، تحت المسلم، والحرة تحت العبد، والأمة عند الحر، والنصرانية عند النصراني). رابعا: ومما يحمد للمؤلف أنه مع كثرة الأقوال وتنوعها، فقد كان دقيقا في نسبتها إلى قائليها، حيث كان في الغالب يذكر الأقوال منسوبة إلى من قالها، والآراء إلى أهلها. ومع هذا فقد كان في مواضع عديدة يذكر القول غير منسوب إلى قائله، مع أنه ربما كان قولا مشهورا، بل وعليه العمل، كما نص هو على ذلك، مثال ذلك قوله في مسألة اللقيط: " واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك. وقال آخرون: هو حر، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم " (١) ولعل الذي حمله على ذلك؛ اكتفاؤه بشهرة القول، وشهرة من قال به، عن النص على قائله، على أن ما نص على تسمية قائله، في مواضع أخرى، ليس بأقل شهرة مما ترك تسميته. ولما غلب نسبة مدرسة الرأي والقياس إلى العراق لاشتهارها بهم، وفي جملتهم الأحناف، في مقابل مدرسة الأثر في الحجاز، وفي جملتهم المالكية ـ وإليها ينتسب المؤلف ـ فقد كان يذكر أهل العراق بهذه النسبة، في عدد من المواضع، فيقول: قال العراقي، أو قال: أهل العراق،

стр. 225

¬مع أنه هو من أهل العراق، لكنه أراد بهذه النسبة، النسبة المنهجية، التي تقسم المدارس الفقهية؛ إلى مدرسة أَثَرٍ، ومدرسة رَأيٍ، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١) حيث قال: " وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي (٢) في العبد لا يملك، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية ... " (٣). خامسا: يَعْرِضُ المؤلفُ القولَ الصحيحَ في ثنايا كلامه عن المسائل الفقهية، أو من خلال المناقشة والاختيار، على نحو لا يَشْعُر القارئ معه بأنه يقرر قول المالكية، أو ينتصر لهم، مع أن هذا هو واقع الحال، فلا تجد من مفرداته أن يقول: هذا قول المالكية أو الأصحاب، وإنما وقع له على نحو قليل أن يسمي الإمام مالكا فقط، على نحو لا يشعر بأنه ينتصر له، ومن قرأ في كتابه وهو لا يعرف مذهبه، ولم يَطَّلِع على قول المالكية، لا يكاد أن يعرف مذهب مؤلفه. سادسا: وأما بسط المسائل والكلام عنها، وتفريع القول فيها، فقد تنوعت فيها طريقته، فمرة تراه يبسط الكلام في مسائل مشهورة: كقسمة الأنفال (٤)، واللعان (٥)، ويفصل ويُبدئ القول فيها ويعيد، وفي مقابل ذلك طوى الكلام عن بعض المسائل المشهورة جدا: كالمراد بالزينة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٦)،

стр. 226

¬وكمسألة حد الفقير والمسكين والتفريق بينهما، مع أن أهل العلم توسعوا في الكلام عنها، غير أنه اكتفى فيها بقوله: " وأما شرح الفقراء والمساكين, فإن الفقير والمسكين واحد، وهما فقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذلة من جملة الفقراء" (١) ولعل هذا الإجمال وعدم البسط سببه أن الخلاف وقع حتى في المذهب نفسه، مما جعل الهمة لا تنصرف إلى بيان قول المذهب، والاستدلال على المخالف، فالمخالف هنا من أهل المذهب أنفسهم. وربما كان بسطُهُ بعض المسائل دون بعض، يتأثر بالبيئة العلمية المحيطة، فالعراق بيئة تمازجت فيها الآراء الفقهية ـ كما تقدم الإشارة إليه ـ فربما قوي الخلاف في مسائل واتجهت لها الهمم، كمسألة رد شهادة المحدود في القذف بعد التوبة (٢)، فهذه مسألة يكاد يجمع عليها أهل الرأي، قال ابن عبد البر: " وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر أهل العراق: لا تُقْبَلُ شهادة القاذف أبدا تاب أو لم يتب " (٣) فإذا تصورنا أن هذا قول أكثر أهل العراق، فما الحال التي سيكون عليها المؤلف وشيخه القاضي إسماعيل، وهما من قضاة العراق، ويخالفون قول أكثر أهلها، ثم هذه المسألة مما يكثر وقوعها، ولها مساس بمنصبهما ووظيفتهما، فالظن ـ والحال هذه ـ أن يعتني بهذه المسألة ويطيل بحثها. · الفقرة الثانية: منهجه في الاستدلال والمناقشة. تنوعت طريقة المؤلف في كلامه عن المسائل الفقهية، ومناقشة أقوال أهل العلم فيها، وسياق أدلتهم عليها، ولتوضيح هذا أذكر النقاط الآتية: أولا: لم يَتِّبِع المؤلفُ مسلكا مطردا في مناقشة المخالف، أو الاستدلال على ما ذهب إليه، فنجده في موضع يُجْمِلُ الكلام ويطويه، مكتفيا بالراجح من القول، وهذا الراجح ربما دعمه بدليله، وربما أعراه. وفي موضع آخر يبسط الخلاف ويرويه، سائقا الحجج، موردا الدلائل، رادا على المخالف، ناقضا قوله، ومُبينا ضعفه. ثانيا: ويُلاحِظ الناظرُ في الكتاب؛ أن أبا الفضل القشيري، لا يسوق أدلة المخالف ولا تقريراتهم، إلا بالقدر الذي يُمَكِنُه من مناقشة تلك الأدلة وردها، وبعبارة أخرى: يسوق الأدلة لمناقشتها، ويوردها لنقضها. ثالثا: أما الأدلة التي يسوقها المؤلف، احتجاجا لقوله، ونصرة لمذهبه، أو جوابا على أدلة المخالفين، فتنوعت وتعددت، إذ النظر الفقهي في المسائل الشرعية هو الصورة التطبيقية لأصول الفقه التقعيدي، ولذلك فقد اعتمد المؤلف على تلك الأصول الفقهية (السمعية) في نظره واستدلاله، فالكتاب، والسنة، وآثار السلف وإجماعهم، وما عليه الفتوى والعمل، ولغة العرب ومجاري كلامهم، كلها أصول اعتمدها المؤلف في استدلاله ومناقشته، وقد تقدم في المطالب السابقة بسطها وبيان منهج المؤلف فيها، مع ضرب الأمثلة عليها، بما يغني عن إعادتها، وأكتفي هنا بذكر مثال حسن يكشف عن القدرة العلمية في النقاش والمجادلة، وهو مثال جمع فيه المؤلف الاستدلال بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والنظر العقلي، ففي مسألة حقيقة الكنز الذي نهى الله عنه ناقش القول المشهور عن أبي ذر ﵁ القاضي بأن الكنز كل مال مالوه مطلقا، فاعترض على هذا القول وناقشه، قال ﵀: " ونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخَلِّفُه، غير مضبوط؛ وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٤) وقال ـ عز من قائل ـ

стр. 227

¬: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) فمحال أن يوصينا فيم نترك وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزا نعذب عليه، وكيف يكون ذلك كذلك، والنبي ﷺ يقول لسعد: ? الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس? ، وأصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله لهم خلفوا الأموال، من الضِيَاع وغيرها؛ عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن وغيرهم، وليس للكنز عندي وجها إلا المال الذي لا يؤدى حقوق الله فيه، والله أعلم" (٢). ويصاحب هذه الأدلة السمعية والأصول الفقهية، مَلَكَةٌ ذهنية، مَكَّنَت المؤلف من النظر في الأدلة وفهمها، لاستنباط الأحكام والمعاني الشرعية، وجعلته قادرا على تحليل الآراء ومناقشتها، والوقوف على مواطن القوة منها، وجوانب الضعف فيها، وقد ظهرت هذه الملكة الذهنية بشكل جلي في مقام الجدل والمناظرة، ودفع أدلة المخالفين. وفي الحق: فقد كانت هذه الأدلة التي يوردها المؤلف، ولا سيما في المواضع التي بسط القول فيها، مرآةً صادقةً عن طبيعة المؤلف، وتكوينه العلمي، الدال على امتزاج المدارس العلمية فيه، وهي سمة ـ كما تقدم ـ تميز بها مالكية العراق، فتجد العناية الكبيرة بالأثر، والقدرة العالية على التحليل والمقايسة، وردِّ النظير إلى النظير، وبيان علل التشريع، ودقيق التأويل، وصرف المعاني، وتوجيه الأدلة، مع القدرة الفائقة على نقض ما أبرم المخالف، وتوهين ما أحكم، وبيان ضعف الاستدلال من ذات الدليل، وفي هذا المقام أُحِيل على بعض المسائل، هي من أنطق الشواهد على ما ذكرت، وأصدقها تعبيرا عما أردت، إلا أن طولها يمنع من نقلها هنا: · المسألة الأولى: قسم الأنفال والغنائم (٣).

стр. 228

¬· المسألة الثانية: جرح العجماء وضمان ما أتلفته (١). · المسألة الثالثة: قبول شهادة القاذف بعد الحد إذا تاب (٢). · المسألة الرابعة: اللعان (٣). · المسألة الخامسة: تغير الماء (٤). · المسألة السادسة: أحكام الظهار (٥). · المسألة السابعة: صفة طلاق السنة (٦). ففي هذه المسائل تَرتَسم صورة ناطقة عن المناقشة العلمية، المصحوبة بتنوع الأدلة، وجودة القريحة، وسعة العريضة، وحضور البديهة. بقي أن أذكر بعض ما يورده المؤلف في نقاشة واحتجاجه على المخالفين، فيما احتجوا به وذهبوا إليه، على وجهه الاختصار: ١. رد الحديث الضعيف: من مسالك المؤلف في الرد على المخالف، تضعيف الحديث أو الأثر، الذي استند عليه في قوله، كما ضعف حديث القلتين في مسألة تغير الماء (٧).

стр. 229

¬٢. ربط الحكم بعلته: كما في رده على من أبطل حكم المؤلفة بقوله: " وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع، واحتج بأن عمر ﵁ قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك" (١). ٣. بيان الحال وقت نزول الحكم الشرعي: مثال ذلك رده على الأحناف فيما ذهبوا إليه من توريث ذوي الأرحام دون الموالي مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فأجاب عن دليلهم ببيان الحال التي كان عليها الناس وقت نزول هذه الآية مما يدفع استدلالهم بها، قال" وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرَّثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي, فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته, أن المال للخالة والعمة دون المولى. ٤. رد القول بأنه محدث لم يسبق إليه: وهو من مسالك المؤلف في مناقشة المخالف، يقول في مسألة الظهار رادّا علة من قال باشتراط تكرار لفظ الظهار حتى يصدق عليه حكم الظهار، قال: " فأما أن لا يكون عليه شيء حتى يظاهر مرتين فلا نعلم أحدا قاله".

стр. 230

¬٥. مخالفة الإجماع: رد على من منع تزويج الصغيرة بإجماع أهل العلم على جوازه في حق الأب، قال: " وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة للأب، إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول الله ﷺ عائشة ﵂، " (١). ٦. الاحتجاج بلغة العرب: كما في مسألة حكم وضع شيء من نجوم مكاتبة المملوك، فقد ذهب الشافعي، وجوب وضع شيء منها، مع أنه لا يقول بوجوب المكاتبة ابتداء، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ (٢)، فاحتج عليه المؤلف، بقوله: " فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيئا في كلام العرب يعطف بعضه على بعض، يكون أوله غير واجب وآخره واجب، هذا لا يكاد يعرف" (٣). ٧. إلزام المخالف بلازم قوله: في مسألة تملك العبد ذهب الأحناف والشافعية إلى أنه لا يملك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٤)، وقد أجاب على قولهم: " وهذه الأمثال ضربها الله ﵎ لنفسه ـ جل وعز ـ فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تسوون بي خلقا من خلقي، ... وليس لهم حجة في ذكر العبد، إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله" (٥) يشير إلى الآية التي بعدها في الأبكم، فألزمهم بقولهم هذا، وهو أن الأبكم لا يملك ولا خلاف في ملكه.

стр. 231

¬٨. بيان حكمة التشريع: من مسالك المؤلف في مناقشة المخالف فيما ذهب إليه بيان الحكمة التي من أجلها شُرع الحكم، كما في مسألة رد شهادة المحدود في القاذف إذا تاب، فقد تكلم مع من ردها من جوانب عدة منها بيان العلة التي من أجلها شرع الله الحد على القاذف، قال: " وأما شريح وإبراهيم فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره تخفى عنهم لقولهما: إنها بينه وبين ربه وهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرْا صادقا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي؛ لأن له مخرجا منه باللعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعه عن القول، لم تكف فيه الحقيقة، كما لم نحده بالحقيقة". · موقفه من المخالف. ظهر أبو الفضل القشيري ومن سبقه من شيوخه المالكيين، في بيئة العراق، وهي بيئة تموج موج البحر، بمختلف المذاهب الفقهية، وشتى الفرق الكلامية، والتيارات الباطنية، كلها تتصارع فيما بينها، يغذي صراعها ويذكي جذوتها عديدٌ من العوامل، وكثير من الأسباب، وبيئة كهذه مرتع خصب للتعصب المذموم، ومَسِيْلٌ مُوْرِقٌ للجدال بالحق حينا وبالباطل أحيانا، وفي مثل هذه البيئة كم يكون العدل عزيزا، والانصاف قليلا. ومن يستصحب هذه البيئة ويعايشها فعلا، لن يستكثر أن يرى بعض الهفوات هنا أو هناك، يَنِدّ بها لسان العالم ويجري به القلم الكاتب.

стр. 232

¬وهذا القول لا يُراد منه التسويغ لمن تجاوز حد القصد في كلامه، إلى الطعن والثلّب في مُخَالِفِه، ولا سيما في مسائل الفروع والأحكام، وإنما المراد تلمس العذر للأئمة الأعلام، حين نقف على بعض تلك الهفوات في مقالهم، والسقطات في كلامهم. وفي هذا الكتاب ـ محل الدراسة ـ شيء من تلك الهنات قليل، ومواضع من تلك السقطات يسير، وقع فيها أبو الفضل، غير أنه ﵀ لم يوغل في مراتعها، وإنما مر بها مرور الكرام. وسأذكر ثلاثة أمثلة لثلاثة من الأعلام الكبار، جرى قلم أبي الفضل فيهم، وقد تقصدت أن أذكر أشدها وقعا، حتى يُعْلَم أن ما عداها لا يبلغها، كما أنها من الوضوح بحيث يكفي سماعها في معرفة أن أبا الفضل أخطأ في قوله، وما جرى فيه قلمه: · في مسألة وجوب الحج على الفور، كان من قول الشافعي ﵀ أنه لا يجب على الفور، وقد تعرض لهذه المسألة أبو الفضل، وتكلم بكلام حسن دقيق، بين فيه ضعف هذا القول، ثم أتبع ذلك بقوله: " وزعم الشافعي؛ أن للإنسان أن يؤخر حجة الإسلام المفروضة عليه، وهو ممن يستطيع الحج؛ لأن النبي ﷺ لم يحج بعد فتح مكة عامين، فتكلم بكلام من لا يعرف لله ﵎ ولا لرسوله حقهما، وإنما كان النبي ﷺ عبدا مأمورا يفعل ما أمره به ربه ولا يتقدم بين يدي الله ﵎ بشيء" (١). · وموضع ثانٍ عند كلامه عن مسألة ضمان المواشي لما أتلتفته بالليل، ذكر قول الأحناف القائلين بعدم ضمانها استدلالا بحديث: (العجماء جبار) وناقشهم، ثم قال: " قال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضا لبعض، قد فعل هذا في غير شيء فمن ذلك: هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده،

стр. 233

¬لكان جرح العجماء في الدابة وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحَكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول الله ﷺ ، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر وقدر على العمل بهما ـ ثم ذكر عددا من الأمثلة إلى أن قال ـ: وقال أيضا في بيع العرايا بخرصها: إنه معارض للنهي عن المزابنة، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، .... وهذه الأشياء فأبو حنيفة عزبت فيها" (١). · وفي مسألة الظهار ذهب داود الظاهري إلى أن الظهار لا يكون إلا إذا كرر المظاهر ظهاره، أخذا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٢) وقد رد عليه أبو الفضل بكلام حسن، ثم أعقبه بقوله: " فإلى الله أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي في لفظ ولا فعل ـ وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة فأمروا بالكفارة ـ وإنما جاءوا للوقت، الله المستعان على ما قد ظهر في العلم" (٣) وهذه العبارة الشديدة في مسألةٍ الخلافُ فيها معتبر، نرجو أن لا يحرم المخطئ فيها من الأئمة أجر الاجتهاد إن فاته أجر الصواب، وكم أَحسنَ وأَجْمَلَ القرطبي في تعليقه على إنكار ابن العربي في أحكام القرآن نسبة هذا القول إلى بكير بن عبد الله، وجعله من جهالة داود الظاهري وأشياعه، حيث قال ـ وهو مالكي أيضا ـ " قوله: يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه، حملٌ منه عليه، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم" (٤). ومع هذا فهذه السقطات قليلة في هذا الحشد الضخم من المسائل التي ساقها المؤلف وخالف فيها الأحناف والشافعية والظاهرية وغيرهم، وكان فيها عَفَّ اللسان في الخصومة، متجنبا التجريح أو التحقير، فنسأل الله تعالى أن يغفر لهم أجمعين، وأن يجزيهم عن الإسلام خيرا. · الفقرة الثالثة: منهجه في الاختيار والترجيح. الاختيار والترجيح في المسائل العلمية هي المحصلة النهائية، لما اكتسبه العالم من علم، وما ناله من ملكة وفهم، وبها يُعلم رسوخه في العلم وعلو كَعْبه فيه، وفي كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، طائفة طيبة من الاختيارات والترجيحات التي تميز بها هذا المختصر. ولتوضيح منهجه في الاختيار وطريقته في الترجيح، أذكر النقاط الآتية: أولا: جعل المؤلف اختياراته في غالب الأحيان في آخر كلامه عن الآية، وربما كان سبب ذلك أن كتابه مختصر، فكأنه أراد التمييز بين كلامه وبين ما اختصره من أصله. ثانيا: كثيرا ما كان يُصَدِّر اختياراته وترجيحاته بقوله: "والصحيح عندي"، أو "والصحيح" أو "والذي عندي" ثم يخلص إلى تقرير الراجح. ثالثا: تميزت هذه الاختيارات بتنوع جوانبها، وتعدد مجالاتها، فلم تقتصر على الجوانب الفقهية بل تعدتها إلى المعاني التفسيرية العامة المختلفة، بل حتى شمل ذلك الترجيح بين القراءات، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٥) قال: " ... فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كُذِبُوا ـ مخففة ـ أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِّبُوا﴾ ثقيلة مشددة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم،

стр. 234

¬هذا معناه على هذه القراءة عندي ـ والله أعلم ـ وهذه القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين" (١). رابعا: وكانت تلك الاختيارات مصحوبة بتعليلها ودليلها في الغالب، وربما اكتفى بمجرد الترجيح دون تعليل أو تدليل، كما في الخلاف الحاصل في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: " الأربعة الحرم لا تقاتلوا فيهن، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور، والصحيح؛ أن لا تواقعوا الخطايا في الشهور كلها، والله أعلم" (٢). خامسا: مع كثرة تلك الاختيارات والترجيحات التي ذكرها المؤلف، فإنه لم يخرج فيها عن قول السلف وخلافهم، حيث كان يتخير من أقوالهم وخلافهم، لا يجاوزه، ولعل هذا ينسجم مع ما نسب إليه من تشدد في ذم الخروج عن قول السلف بعد القرن الثاني الهجري، على ما تقدم (٣). سادسا: وقد تميزت هذه الاختيارات والترجيحات، بتنوع المرجحات التي اعتمد عليها المؤلف في اختياراته، فمع الأدلة المشهورة من الكتاب والسنة وآثار السلف وإجماعهم، وما عليه العمل والفتوى، على ما سبق الكلام عليه في المطالب السابقة، فهناك عدد آخر من المرجحات، التي جعلها المؤلف أساسا له في اختياره وترجيحه، منها: * الترجيح بالسياق: مثال ذلك في سورة الكهف في تعيين المراد بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ حيث ذكر الخلاف في المراد بهم، ثم قال ﵀: " والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب،

стр. 235

¬والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ " (١). * الأخذ بالعموم: وقد اعتمد المؤلف على الأخذ بعموم الآية في عدد من المواضع، حيث يجعل اعتبار العموم سببا للاختيار، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢) حيث ذكر عددا من الأقوال ثم أعقبها باختياره الذي عم تلك الأقوال جميعا، قال: " والآية عندي تحتمل أحد شيئين: أن يأتي العبد سليما من جميع أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه" (٣). * مشهور اللغة وموافقة رسم المصحف: ففي معنى قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٤) ومسألة صفة نحر البُدْن معقولة أو غير معقولة، اختار المؤلف أن تنحر قائمة معقولة اليد، واعتمد في ترجيحه هذا على مشهور اللغة، وموافقة رسم المصحف، قال: " من قرأ: ﴿صواف﴾ أراد مصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم" (٥). بقي أن يقال: أن هذه الاختيارت والترجيحات تدل حقيقة على ملكة ذهنية، ونَفَسِ فقهي عالٍ، وقدرة على النظر في النصوص، وفهم موارد الأحكام ومآخذ التشريع، ومنازع العلماء.

стр. 236

¬ المطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن . تضمن كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري عددا من الموضوعات المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، أبرزها أربعة موضوعات، هي: الأول: أسباب النزول. الثاني: القراءات. الثالث: الناسخ والمنسوخ. الرابع: المكي والمدني.

стр. 237

¬* الأول: أسباب النزول . بيان سبب النزول ـ كما يقول أبو الفتح القشيري ـ طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز (١)، ولذلك لم يزل أهل العلم من المفسرين من الصحابة ومن تلاهم يعتنون بذكر أسباب النزول، لأن معرفة ما احتف بنزول الآيات من أسباب وأحوال يعين على فهم مضمون الكلام. ومن هنا كان اهتمام المؤلف باديا بأسباب النزول لا يخفى، حتى قَلَّ أن تمر به آية يُروى فيها سبب نزول، لا يذكره أو يشير إليه. وسأحاول في هذه الفقرة توضيح منهج المؤلف من خلال الآتي: أولا: جرى المؤلف في غالب الكتاب على أن يبدأ الكلام عن الآية بذكر سبب نزولها إن كان لها سبب نزول، سواء في هذا ما كان من رواية الصحابة أو التابعين، وهذا منهج يكاد أن يطرد معه، ومن أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (٢) قال: " قال أنس بن مالك ﵁: ? أنا أعلم الناس بهذه الآية، لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت، وصنع طعاما فجاء القوم فكانوا يأكلون وجلسوا، فكان النبي ﷺ يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب رسول الله ﷺ الحجاب وقام القوم? " (٣). ثانيا: إذا كان للآية أكثر من سبب؛ فإنه يذكره أو يشير إليه في بعض الأحيان، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٤)، فقد ذكر روايات تدل على أنها نزلت في شأن عويمر العجلاني، وروايات أخرى تدل على أنها نزلت في شأن هلال بن أمية ﵃. وربما رجح بين الروايات وقدم بعضها على بعض، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٥) قال: " إنما ذلك لأن النبي ﷺ كان يشكر أفعال أبي طالب فقيل: إنه لما مات قال:

стр. 238

¬(رحمك الله فلقد كنت ولقد كنت، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية) وما الإسناد في ذلك بالقوي، والأقوى في ذلك أن قوما تأولوا استغفار إبراهيم، ولم يتأملوا ما بعد ذلك، فنزلت يعني إبراهيم ومن استغفر متأولا لأمر إبراهيم، ألا تراه عقب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ فقص القصة وتبريه بعد ذلك" (١). وقد يذكر جملة من الأسباب المروية عن السلف في سبب النزول، فلا يردها ولا يرجح بينها، وإنما يصححها جميعا، على معنى أنها داخلة في معنى الآية، وحكمها الذي دلت عليه، كما في الروايات التي ذكرها في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) فقد ذكر تلك الروايات ثم قال عنها: " وكل ذلك سواء " (٣). ثالثا: وكان في الغالب يذكر لفظ الرواية التي ذُكرت في سبب النزل، وربما اكتفى بالمعنى عن ذكر لفظ الرواية، مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٤) حيث قال: " أعراب بني تميم، وقيل: أعراب بني العنبر بن عمرو بن تميم، جاءوا فجعلوا ينادون: يا محمد يا محمد، بجفاء وغلظة، فأنزلت الآية فيهم" (٥).

стр. 239

¬رابعا: وقد يكتفي بالإشارة إلى السبب فقط، دون ذكر لفظه، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ﴾ (١) قال: " هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة " (٢). خامسا: طبق المؤلف قاعدة قررها جماهير أهل العلم، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد نبه على ذلك في مواضع، منها أنه لما ذكر أسباب النزول المروية في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) والاختلاف فيها، قال: " وهذه الآية في أي شيء نزلت توجب إن بغت طائفة على إمامها ـ وكانت ظالمة فيما حاولته منه ـ أن يعان عليها، وإن اقتتل قبيلان من العرب، أو طائفتان من الناس، أصلح الإمام ومن يقوم مقامه بينهم، فإن أبت إحداهما إلا البغي أعان الإمام المبغي عليها، والله أعلم" (٤). · الثاني: القراءات . يلفت النظر في كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل، اهتمامه بالقراءات القرآنية، وإيراده بعض الآراء المتعلقة بها، وسأوضح ذلك في الآتي: أولا: اعتنى المؤلف بذكر القراءات، لكنه لم يكن في الغالب ينسبها إلى من قرأ بها، وسواء في ذلك ما كان متواترا، أو شاذا، وقد يتكلم عن علل القراءة، وتوجيهها، والحجة لها، مما يشهد لهذا ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا﴾ (٥)

стр. 240

¬قال: " قرئ: (أَمَّرْنا) ومعناه أظهرنا، وقرئ: (أَمَرْنا) من الأمر، وقرئ (آمَرْنا) جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها، وكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين. فأما من قرأ: (أَمَرْنا) من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل ـ أيضاً ـ أكثرنا، قال أبو عمر الجَرْمي: هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت، وقال أبو زيد يونس ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي، وقال: نضّر الله وجهه وأنضر الله وجهك. ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ الله بأَمْرِه أَمْرا يريدون أكثره، قال أبو عبيدة: وهو مال مَأْمُور أي كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة، قال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر. وإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى وهي ـ أيضا أصح ـ في المعنى" (١). ثانيا: الغرض الأول الذي من أجله يورد المؤلف القراءات، كان بيان المعنى، وتوضيح المراد من الآيات، ذلك أن من القراءات ما يتضمن بيانا وتفسيرا للآية، كما في قراءة أُبيّ بن كعب وابن عباس ﵃ في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) حيث ذكر قراءتهما، وهي: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم﴾ (٣).

стр. 241

¬ثالثا: ربما كان اختلاف المعنى بين القراءتين، يحمل المؤلف على ذكرهما والإشارة إليهما، وبيان المعنى على كل قراءة، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ (١) وهذه الآية تقرأ بالفتح والكسر، فمن قرأ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بالفتح فجعله خبرا لامرأة واحدة، ومنهم ـ وهم أكثر القراء ـ قرؤوها بالكسر ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ يريدون: كل امرأة وهبت، وهذا أحسن، على أن النبي ﷺ لم يقبل موهوبة إلا واحدة وهي من الأزد، وهي ممن أرجأ من نسائه قبل موته ﷺ " (٢). رابعا: وربما كان الغرض من ذكر القراءة الاستدلال بها للمذهب والرد على المخالف، كما وقع له في سورة الطلاق، في مسألة العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. حيث استدل بقراءة ﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ على طلاق السنة" (٣). خامسا: وكان إذا أورد القراءات المتعددة في الآية، ربما رجح واختار، وربما ترك ذلك مكتفيا بالإشارة إلى القراءات، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٤) قال المؤلف: " قرأها أهل الحجاز وأهل العراق: (من الذُل) بالضم، وكسر قوم، وجميعا لغتان في القرآن، قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٥) وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (٦) " (٧).

стр. 242

¬وإذا رجح بين القراءات، فإنه يرجح على سبيل الاختيار، ومما يذكر هنا أن المؤلف بصري، نشأ بالعراق، وأخذ العلم والقراءة فيه، ومع هذا نجده يرجح إحدى القراءتين المتواترتين، وينص على أنها قراءة نافع ـ وهو مدني ـ ولعل ذلك تبعا لقول الإمام مالك حيث كان يقدم قراءة نافع ويختارها، قال ﵀: " وقال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (١) فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظن قومهم أنهم قد كُذِبُوا ـ مخففة ـ أيس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ما جاءوهم به، جاءهم نصر الله عند ذلك، وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِّبُوا﴾ ثقيلة مشددة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي ـ والله أعلم ـ وهذه القراءة أبين وأصح مخرجا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين" (٢) التزام رسم المصحف.

стр. 243

¬في ثنايا الكتاب مواضع تكشف عن أن المؤلف كان يرى أن رسم المصحف واجب الالتزام، لا يجوز الخروج عنه، ولا مخالفته، ويراه ركنا من أركان قبول القراءة أو ردها، حتى وإن كانت صحيحة الإسناد، وقد صرح بذلك حيث قال: " وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه ". ولهذا فقد كان موقفه واضحا فيما يتعلق ببعض الروايات التي فيها تخطئة ما أُثبت في رسم المصحف الإمام، كالرواية عن ابن عباس ﵁ عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (١) وقد أجاب عنها من أربعة أوجه: الأول من جهة تفرد ابن عباس ﵁ بها، والثاني من جهة دلالة الأحاديث المرفوعة على المعنى الذي جاءت به الآية، والثالث من جهة مخالفتها رسم المصحف، والرابع من جهة تضمنها معنى الاستئذان، فكانت أقوى في الدلالة وأصح في المعنى من لفظ الاستئذان، قال: " قال أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب " ثم استدل بخبر استئذان عمر واستئذان أبي موسى الأشعري قال: " فقال عمر للغلام: " استأذن لعمر! فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثا، فلما ولى عمر اتبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها، ومع ذلك فإن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاثا) ... وهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما روي عن ابن عباس،

стр. 244

¬من أنه غلط من الكاتب، أنه: يستأذنوا، وأن الكاتب غلط فكتب: تستأنسوا، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس، وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه، والصحيح تستأنسوا، ومعناه تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، والله أعلم" (١). والتزام رسم المصحف الإمام، وعدم قبول مخالفته حمل المؤلف ﵀ على سلوك التأويل في بعض الأحرف المروية عن الصحابة، التي تخالف رسم المصحف، حيث حمله ذلك على ردها وعدم اعتبارها قراءة قرآنية، واختلفت طريقته في تأويلها، فمرة قال: هي من باب التفسير والبيان، ومرة قال: هو من كلام النبي ﷺ ، وقد وقع له ذلك في ثلاثة مواضع، أنقل كلامه فيها بنصه: ١. الموضع الأول في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٢) قال: " وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها ... إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم.

стр. 245

¬٢. الموضع الثاني في سورة الصف عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) قال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾ ... فأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول الله ﷺ أتبعه الآية، ليس من القرآن. ٣. الموضع الثالث في سورة الجمعة عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: " قال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾، وكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، إنما هي فامضوا، وكان أبي يقرؤها كذلك. وقال ثابت: قال لي أنس: قم نسعى لها. وكان ابن الزبير يقرؤها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة. وقال عطاء: المشي، وقالته جماعة، ... فأما قراءة من قرأها: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ فإنما قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن يغير لفظه مما في المصحف برواية، وإنما عبروا عن المعنى". ٤. الموضع الرابع في سورة الطلاق عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٣) قال: " وممن قرأ الآية:

стр. 246

¬﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ ابن عمر، رواه مالك وجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ورواه ابن أيمن وابن جبير عنه، وقرأ ابن مسعود: ﴿لقبل طهرهن بغير جماع﴾، وقرأ ابن عباس: ﴿لقُبُل عدتهن﴾، وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ : ? طلقوا المرأة في قُبُلِ عدتها? والحسن ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السنة أن يطلقها في قُبُل عدتها، وهؤلاء كلهم وجماعة من المفسرين، ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكما لا تلاوة؛ لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك، والمعنى ما قالوه " (١). وهذا القول ذهب إليه طوائف من أهل العلم، والأصل الذي حملهم على هذا يعود إلى الخلاف في اشتمال رسم المصحف على جميع الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم، فمن قال باشتماله عليها، أنكر أن تكون هناك قراءة تخالف رسمه، على أن جمهور السلف ذهبوا إلى أن رسم المصحف لم يشتمل على الأحرف السبعة جميعها، وهذه من المسائل التي كثر فيها الخلاف، وتنوعت فيها الآراء (٢). وجزم المؤلف ﵀ بأن هذه القراءات من قبيل التفسير وبيان المعنى وليست قرآنا، يفتقر إلى برهانه، لأن مجرد مخالفتها رسم المصحف الإمام، لا يجعلنا نقطع بنفي أن تكون من جملة ما نسخ من القرآن، قال ابن تيمية بعد أن ذكر مسألة القراءة بما يخالف رسم المصحف: " وهذا القول ينبني على أصل؛ وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا" (٣).

стр. 247

¬ثم إن في تأويله لما روى أبو موسى ﵁ في سورة الصف، وحمله على أنه من قول النبي ﷺ مخالفة لظاهر الرواية، وجزم في أمر لا دليل عليه، وجائز أن تكون من القرآن الذي نسخت تلاوته، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) وظاهر كلام أبي موسى ﵁ يشهد لهذا إذ قال: " لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾. · الفقرة الثالثة: الناسخ والمنسوخ. علم الناسخ والمنسوخ من أشرف علوم القرآن الكريم وأجلها، ولم يزل أهل العلم يحذرون من الخوض في كلام الله تعالى دون العلم به، وفي هذا السياق يروى أبو عبد الرحمن السلمي أن علي بن أبي طالب ﵁ مرَّ برجل يقص، فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت) (٢). لأن الجهل به قد يوقع المرء في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، ولهذا فكتب أحكام القرآن، تولي عناية خاصة بهذا العلم عصمة من الوقوع في المحظور، وقد ظهر ذلك الاهتمام والعناية في كتاب أحكام القرآن للقشيري، ويمكن توضيح ذلك من خلال الآتي: أولا: يرى المؤلف أن القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلة المتضمن لأكمل الشرائع وخاتمها لا يجوز أن تعارض أحكامه بشرع من قبلنا؛ لأنه الناسخ لها، المهيمن عليها، أشار إلى ذلك عند كلامه عن مسألة القول بجواز الجلد بالضعث ونحوه مرة واحدة استدلالا بقوله تعالى:

стр. 248

¬﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (١)، إذ قال المؤلف جوابا عن هذا القول: " والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا قولُه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٢) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به " (٣) ثانيا: من الأمثلة على كلام المؤلف عن الناسخ والمنسوخ، وإيراده له، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٤) قال: " قال ابن أبي نَجِيْح عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول ﷺ حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليّ رحمة الله عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي ﷺ فأنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك" (٥).

стр. 249

¬ثالثا: من أهل العلم من أكثر على نحو مفرط، من دعوى النسخ في القرآن الكريم، وقد كان موقف المؤلف واضحا في رد هذا النوع من الإفراط، حيث أورد بعض الآيات التي قيل بنسخها، ثم وَجَّهَهَا بما يدفع دعوى النسخ عنها، وبما يَنُمّ عن الفهم المَكِين، وحسن تنزيل الآيات مواقعها، من ذلك: رد دعوى نسخ إعطاء المؤلفة قلوبهم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) حيث بين أن هذا الحكم وغيره مما هو في معناه يُنَزّلُ على قيام الدواعي والأسباب الباعثة عليه، قال: " وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع، واحتج بأن عمر ﵁ قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك" (٢). وفي موضع آخر رد دعوى النسخ وأجاب عنها بتنزيل الآيات التي ادعي وقوع النسخ فيها، على اختلاف الحال، وذلك ردا على من قال بنسخ جواز أخذ الفداء من أسرى المشركين الوارد في قوله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣) قال: " كان ابن عمر والحسن وعطاء، يكرهون قتل أهل الشرك إذا أسروا صبرا، ويتلون: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وقال قتادة: نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمَا مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ووافق القول الأول جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة، ... والذي يبين هذه الآية وقول من قال: منسوخة، ومن قال: ناسخة، قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فدل القرآن بالآيات كلها: لا تأسروهم ولا تفادوهم، حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يفعل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان محظورا في وقت ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورا، لا على أنه واجب أن يفعل" (٥). · حكم نسخ القرآن بالسنة. من المسائل التي وقع فيها الخلاف واشتهر، نسخ القرآن بالسنة، فمن أهل العلم من منعه مطلقا، ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من فرق بين المتواتر من السنة وغير المتواتر، فأجازه في الأول ومنعه في الثاني، ويبدو أن المؤلف كان من أصحاب القول الأول المانعين على الإطلاق بلا تفصيل، دل على هذا قوله: " ومن شأن السنة أن تنسخ السنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جلد الثيب بالقرآن؛ لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول الله ﷺ ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي ﷺ : رجم ماعزا ولم يجلده، وروى أبو هريرة وزيد بن خالد ـ وزاد ابن عيينة: وشبل بن معبد ـ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف: ? واغد يا أُنَيْس على امرأة

стр. 250

¬هذا فإن اعترفت فارجمها? قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء" (١). · الفقرة الرابعة: في المكي والمدني. يرى المؤلف أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مخاطبة الرسول ﷺ بالصبر على المشركين والصفح عن أذاهم فهو مكي، فإنه لما تكلم عن آية النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٢) والقول بنزولها بعد معركة أحد، أعقب ذلك بقوله: " ولكن كل ما خاطب الله ﵎ به نبيه ﷺ من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣) في آي كثير من هذا الجنس"، ووجه ذلك أن الجهاد إنما شرع بعد الهجرة، أما قبلها فلم يؤمر بذلك، وإنما أمر بالعفو والصفح والصبر، وهذا المعنى أكده المؤلف ـ أيضا ـ عند قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٤) حيث قال: " كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥) وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي الله ﷺ والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٦) وكان
следующие страницы →