¬﴿فطلقوهن لقُبُل عدتهن﴾ ابن عمر، رواه مالك وجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ورواه ابن أيمن وابن جبير عنه، وقرأ ابن مسعود: ﴿لقبل طهرهن بغير جماع﴾، وقرأ ابن عباس: ﴿لقُبُل عدتهن﴾، وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ : ? طلقوا المرأة في قُبُلِ عدتها? والحسن ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السنة أن يطلقها في قُبُل عدتها، وهؤلاء كلهم وجماعة من المفسرين، ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكما لا تلاوة؛ لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك، والمعنى ما قالوه " (١).
وهذا القول ذهب إليه طوائف من أهل العلم، والأصل الذي حملهم على هذا يعود إلى الخلاف في اشتمال رسم المصحف على جميع الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم، فمن قال باشتماله عليها، أنكر أن تكون هناك قراءة تخالف رسمه، على أن جمهور السلف ذهبوا إلى أن رسم المصحف لم يشتمل على الأحرف السبعة جميعها، وهذه من المسائل التي كثر فيها الخلاف، وتنوعت فيها الآراء (٢).
وجزم المؤلف ﵀ بأن هذه القراءات من قبيل التفسير وبيان المعنى وليست قرآنا، يفتقر إلى برهانه، لأن مجرد مخالفتها رسم المصحف الإمام، لا يجعلنا نقطع بنفي أن تكون من جملة ما نسخ من القرآن، قال ابن تيمية بعد أن ذكر مسألة القراءة بما يخالف رسم المصحف: " وهذا القول ينبني على أصل؛ وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا" (٣).
стр. 247
¬ثم إن في تأويله لما روى أبو موسى ﵁ في سورة الصف، وحمله على أنه من قول النبي ﷺ مخالفة لظاهر الرواية، وجزم في أمر لا دليل عليه، وجائز أن تكون من القرآن الذي نسخت تلاوته، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) وظاهر كلام أبي موسى ﵁ يشهد لهذا إذ قال: " لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها سبح لله فنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة﴾.
· الفقرة الثالثة: الناسخ والمنسوخ.
علم الناسخ والمنسوخ من أشرف علوم القرآن الكريم وأجلها، ولم يزل أهل العلم يحذرون من الخوض في كلام الله تعالى دون العلم به، وفي هذا السياق يروى أبو عبد الرحمن السلمي أن علي بن أبي طالب ﵁ مرَّ برجل يقص، فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت) (٢). لأن الجهل به قد يوقع المرء في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، ولهذا فكتب أحكام القرآن، تولي عناية خاصة بهذا العلم عصمة من الوقوع في المحظور، وقد ظهر ذلك الاهتمام والعناية في كتاب أحكام القرآن للقشيري، ويمكن توضيح ذلك من خلال الآتي:
أولا: يرى المؤلف أن القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلة المتضمن لأكمل الشرائع وخاتمها لا يجوز أن تعارض أحكامه بشرع من قبلنا؛ لأنه الناسخ لها، المهيمن عليها، أشار إلى ذلك عند كلامه عن مسألة القول بجواز الجلد بالضعث ونحوه مرة واحدة استدلالا بقوله تعالى:
стр. 248
¬﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (١)، إذ قال المؤلف جوابا عن هذا القول: " والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا قولُه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٢) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به " (٣)
ثانيا: من الأمثلة على كلام المؤلف عن الناسخ والمنسوخ، وإيراده له، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٤) قال: " قال ابن أبي نَجِيْح عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول ﷺ حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليّ رحمة الله عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي ﷺ فأنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك" (٥).
стр. 249
¬ثالثا: من أهل العلم من أكثر على نحو مفرط، من دعوى النسخ في القرآن الكريم، وقد كان موقف المؤلف واضحا في رد هذا النوع من الإفراط، حيث أورد بعض الآيات التي قيل بنسخها، ثم وَجَّهَهَا بما يدفع دعوى النسخ عنها، وبما يَنُمّ عن الفهم المَكِين، وحسن تنزيل الآيات مواقعها، من ذلك:
رد دعوى نسخ إعطاء المؤلفة قلوبهم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) حيث بين أن هذا الحكم وغيره مما هو في معناه يُنَزّلُ على قيام الدواعي والأسباب الباعثة عليه، قال: " وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع، واحتج بأن عمر ﵁ قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك" (٢).
وفي موضع آخر رد دعوى النسخ وأجاب عنها بتنزيل الآيات التي ادعي وقوع النسخ فيها، على اختلاف الحال، وذلك ردا على من قال بنسخ جواز أخذ الفداء من أسرى المشركين الوارد في قوله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣) قال: " كان ابن عمر والحسن وعطاء، يكرهون قتل أهل الشرك إذا أسروا صبرا، ويتلون: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وقال قتادة: نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمَا مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ووافق القول الأول جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة، ... والذي يبين هذه الآية وقول من قال: منسوخة، ومن قال: ناسخة، قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فدل القرآن بالآيات كلها: لا تأسروهم ولا تفادوهم، حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يفعل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان محظورا في وقت ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورا، لا على أنه واجب أن يفعل" (٥).
· حكم نسخ القرآن بالسنة.
من المسائل التي وقع فيها الخلاف واشتهر، نسخ القرآن بالسنة، فمن أهل العلم من منعه مطلقا، ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من فرق بين المتواتر من السنة وغير المتواتر، فأجازه في الأول ومنعه في الثاني، ويبدو أن المؤلف كان من أصحاب القول الأول المانعين على الإطلاق بلا تفصيل، دل على هذا قوله: " ومن شأن السنة أن تنسخ السنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جلد الثيب بالقرآن؛ لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول الله ﷺ ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي ﷺ : رجم ماعزا ولم يجلده، وروى أبو هريرة وزيد بن خالد ـ وزاد ابن عيينة: وشبل بن معبد ـ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف: ? واغد يا أُنَيْس على امرأة
стр. 250
¬هذا فإن اعترفت فارجمها? قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء" (١).
· الفقرة الرابعة: في المكي والمدني.
يرى المؤلف أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مخاطبة الرسول ﷺ بالصبر على المشركين والصفح عن أذاهم فهو مكي، فإنه لما تكلم عن آية النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٢) والقول بنزولها بعد معركة أحد، أعقب ذلك بقوله: " ولكن كل ما خاطب الله ﵎ به نبيه ﷺ من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣) في آي كثير من هذا الجنس"، ووجه ذلك أن الجهاد إنما شرع بعد الهجرة، أما قبلها فلم يؤمر بذلك، وإنما أمر بالعفو والصفح والصبر، وهذا المعنى أكده المؤلف ـ أيضا ـ عند قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٤) حيث قال: " كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥) وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي الله ﷺ والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٦) وكان
стр. 251
¬أبو بكر الصديق ﵁ لما أُخْرِجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالجهاد والغلظة" (١).
ولربما استند المؤلف في تقوية قول أو تضعيفه على تاريخ النزول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) ... وروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش. وقال قتادة: نسختها: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فلا مجادلة أشد من السيف. والرواية عن ابن عباس ﵁ ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة " (٤).
وبعد فهذه أبرز ملامح المنهج العام، الذي سار على معالمه المؤلف، وقد حرصت جهدي أن أضع تصورا وافيا عن منهجه، يرسم حدوده ويبين معالمه، ومن نافلة القول: أن ما ذكرته حول منهج المؤلف، هو وصف أغلبي، يشذ عنه بعض مفرداته، ويغيب بعضها، والله الموفق.
стр. 252
¬ الفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي .
стр. 253
¬ تمهيد: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي ومكانته .
تتعدد مسالك العلماء في مؤلفاتهم، وتتنوع مناهجهم في كتبهم، حتى وإن كانت في نفس العلم والموضوع، ذلك أن الكتاب في حقيقة الأمر، انطباع لشخصية مؤلفه، وصورة لتكوينه العلمي والمعرفي، فضلا عن تنوع الاهتمامات، وتأثير البيئة والمجتمعات، أضف إلى هذا ما طبع الله خلقه عليه من اختلاف الأفهام والقدرات.
وهذه الموازنة بين كتاب أبي الفضل القشيري، وكتاب أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي، لا يُراد منها المفاضلة والترجيح بينهما، أو تغليب إحدى الكِفَتين، وإنما المقصود التعرف ـ بصفة عامة ـ على ملامح منهجيهما، والوقوف على مواطن الاتفاق، ومواضع الاختلاف، وشيء مما ميَّز أحدهما عن الآخر.
على أن هذه الموازنة بين الكتابين، فيها نوع صعوبة، من جهة أن كتاب القشيري كتابٌ مختصر من أصل سابق له، فهو محكوم بأمرين: بطريقة صاحب الأصل، والثاني بالاختصار نفسه، الذي يمنعه من الاسترسال في بعض المسائل، أو اختيار طريقة عرضها.
وقبل عقد موازنة بين الكتابين فيحسن ـ وقد مرّ التعريف بأبي الفضل ومؤلفه ـ أن أذكر تعريفا موجزا بابن العربي وكتابه أحكام القرآن، وذلك في النقاط الآتية:
أولا: التعريف بابن العربي (١).
* اسمه ونسبه هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري، أبو بكر الأشبيلي.
* مولده ونشأته: ولد بأشبيلية سنة: ٤٦٨ هـ، في أسرة عريقة تبوأت مكانة عالية، حيث جمعت بين المكانة العلمية، والمناصب الدنيوية.
* مكانته العلمية: مع هذه المكانة المتميزة لأسرة ابن العربي، التي جعلته ينصرف إلى العلم مُذْ كان صغيرا، فقد تميز ابن العربي برحلته الطويلة إلى المشرق الإسلامي، ولقائه عددا كبيرا من العلماء في العراق، والشام، والحجاز، ومصر، حتى إذا عاد إلى أشبيلية بعد هذا التَطْوَاف الطويل، عاد محملا بثروة علمية ضخمة، في مختلف الفنون وشتى المعارف، ظهرت آثاره ا مُوِرقة في مؤلفاته وآرائه العلمية. ومن جانب آخر فقد تولى القضاء، وكانت سيرته فيها خير سيرة، عرف بالشدة في الحق، والصرامة على أهل الباطل.
* آثاره: ترك ابن العربي عددا من المؤلفات، هي مرآة شخصيته العلمية، وصورة تعكس مشاركته في مختلف الفنون وشتى العلوم، ساعده في ذلك تفرغه بعد عزله عن القضاء إلى نشر العلم وتدوينه، ومن أشهر مؤلفاته:
١. أحكام القرآن، وهو مطبوع.
٢. قانون التأويل، وهو مطبوع.
٣. عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي، وهو مطبوع.
٤. المتوسط في الاعتقاد.
٥. الإنصاف في مسائل الخلاف، وهو كتاب في الفقه.
٦. المحصول في علم الأصول.
٧. العواصم من القواصم، وهو مطبوع.
٨. ملجئة المتفقهين إلى غوامض النحويين.
٩. سراج المهتدين، وهو كتاب في الزهديات.
* وفاته: توفي أبو بكر ابن العربي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسائة، ودفن بفاس، ﵀ وأجزل مثوبته.
стр. 254
¬ ثانيا: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية (١).
كتاب أحكام القرآن لابن العربي، أحد الكتب التي ألفت في تفسير آيات الأحكام، مقتصرا عليها بحسب اجتهاده ونظره.
ويعتبر في مقدمة كتب ابن العربي، وأكثرها شهرة، وأبعدها صِيْتَا، حيث تبوأ مكانة علمية عالية، ولقي قبولا كبيرا عند أهل العلم، فكثر تداوله، وعظم الانتفاع به، فأَخَذ منه من جاء بعده من أهل العلم، إلى يومنا هذا، ومن أبرز المؤلفات التي حوت بين دفتيها نقلا عن ابن العربي، الآتي:
١. الجامع لأحكام القرآن، تأليف محمد بن أحمد القرطبي، وهو أبرز من انتفع به، بل يكاد أن يكون كتاب الجامع في أحكام القرآن مضمنا كتاب ابن العربي.
٢. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين الألوسي.
٣. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد بن الأمين الشنقيطي.
٤. التحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور.
стр. 255
¬ المبحث الأول: المنهج في عرض المسائل العلمية .
في هذا المبحث سأعرض لطريقة المؤلفَين في عرض الآيات القرآنية، ومنهجهما في عرض المسائل العلمية، مقتصرا على الملامح العامة التي ترسم صورة مجملة، وذلك في مطلبين:
المطلب الأولى: طريقة عرض السور والآيات.
المطلب الثاني: طريقة تفسير الآيات إجمالا.
المطلب الأولى: طريقة عرض السور والآيات والمسائل .
استعرض المؤلفان سور القرآن جميعا، مع التزام ترتيبها في المصحف، لم ينخرم معهما هذا الترتيب.
وقد بلغ عدد السور التي تكلم عنه القشيري أربعا وثمانين سورة، وترك الكلام عن ثلاثين سورة، وأما ابن العربي فقد تكلم عن ست ومائة سورة، وترك الكلام عن ثمان سور، اشتركا منها في سبع سور تركا الكلام عنها، وهي: سورة القمر، والحاقة والنازعات، والتكوير، والانفطار، والهمزة، وسورة الكافرون، وغالب تلك السور التي تركا الكلام عنها سور مكية.
كما التزما ذكر أسماء السور، وتسميتها بما اشتهرت به، في غالب أمرهما، إلا أن أبا الفضل ترك تسمية بعض السور القليلة، ولعل ذلك وقع سهوا، أما ابن العربي فلم يدع تسمية شيء منها.
وربما على نحو نادر جدا يذكر القشيري للسورة أكثر من اسم، ولم يقع ذلك عند ابن العربي.
стр. 256
¬هذا في السور، أما الآيات فقد بلغ عدها على النحو الآتي:
عدد الآيات التي تكلم عنها القشيري ... : ... آية.
عدد الآيات التي تكلم عنها ابن العربي ... : ... أية.
اتفقا على الكلام عن ... : ... آية.
وانفرد القشيري بالكلام عن ... : ... آية.
وانفرد ابن العربي بالكلام عن ... : ... آية.
وبهذا يظهر أن ابن العربي زاد من حيث عدد السور والآيات على القدر الذي بلغه القشيري، مع أنهما من مذهب واحد، وهذا يؤكد ما سبق الإشارة إليه، من أن ذكر الآيات في كتب الأحكام يعود لاجتهاد المؤلف ونظره.
وقد التزما في ذكر هذه الآيات ترتيب المصحف، لم ينخرم ذلك إلا في مواضع قليلة جدا عند القشيري، حيث قدم وأخر.
وقد وقع لهما أن تركا الكلام عن الآية اكتفاء بما تقدم مما يشابهها أو بما يأتي، وربما أحال كل منهما على كتاب آخر، وقد وقع ذلك عند ابن العربي كثيرا، أما القشيري فعلى نحو قليل.
ولما كان قصد المؤلفين النظر في دلالة الآيات على الأحكام، واستنباطها منها، فإنهما قصرا النظر على الآيات التي لها تعلق بالأحكام بحسب اجتهادهما، وهذا ما جعل كلامهما لا يتجه إلى بيان معاني الآيات على نحو ما نجده في كتب التفسير.
على أن هذا المقصد الأساس عندهما لم يمنعهما من الخوض في بعض المسائل، التي لا صلة لها بالأحكام على نحو مباشر، وهو وإن كان قليلا عند القشيري، جريا على طريقة السلف في التأليف، وربما بسبب الاختصار ـ أيضا ـ، فهو أمر ظاهر بشكل جلي
стр. 257
¬عند ابن العربي، فتجده ربما خاض مع الفلاسفة وجال مع أهل الطب، وضرب مع الفلكيين بسهم، وهو في هذا متأثر ببيئته وعصره، فانظره عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (١) قال: " تمدح من الله سبحانه بعلم الغيب والإحاطة، بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد، وأهل الطب يقولون: إذا ظهر النفخ في ثدي الحامل الأيمن فالحمل ذكر، وإن ظهر في الثدي الأيسر فالحمل أنثى، وإذا كان الثقل للمرأة في الجانب الأيمن فالحمل ذكر، وإن وجدت الثقل في الجانب الأيسر فالولد أنثى، فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا: إنها تجربة وجدناها تركوا، وما هم عليه، ولم يقدح ذلك في التمدح، فإن العادة يجوز انكسارها، والعلم لا يجوز تبدله" (٢).
وأما عرض المسائل العلمية، فقد تميز ابن العربي على نحو لا يُجَارى، حيث كان عرضه حسنا، وترتيبه دقيقا، ومنهجه مطردا، إذ كان يبدأ أول الأمر بذكر اسم السورة، ثم يعقبها بعدد الآيات التي سيتكلم عنها في هذه السورة، فإذا أخذ في الكلام عن الآية، بدأ بذكرها، ثم بين عدد المسائل التي سيجري بحثها والكلام عنها في تلك الآية، ومن الأمثلة على ذلك في سورة المجادلة: حيث قال: سورة المجادلة فيها ست آيات، الآية الأولى: ... ثم ذكرها، وقال: فيها تسع وعشرون مسألة: المسألة الأولى: فأخذ في الكلام عنها، وما بعدها من مسائل، حتى أتم الكلام عن هذه المسائل جميعها، وكان كثيرا ما يربط بين هذه المسائل التي يتكلم عنها، فربما كان آخر المسألة الأولى آخذا بِحُجَز أول المسألة الثانية.
ـ وفي الحق ـ فلقد تميز ابن العربي في هذا العرض بثلاث سمات:
أولهما: دقته في هذا العرض.
стр. 258
¬وثانيهما: حسن تقسيم وترتيب المسائل والمباحث العلمية في تلك المسائل.
وثالثها: اطراد هذه الطريقة في كل كتابه لم تنخرم.
وهذا التقسيم والترتيب مع الاطراد على هذا النحو الدقيق، لا نجده في كتاب القشيري، ولعل من أحد أسباب ذلك، أن ابن العربي متأخر في القرآن السادس، حيث كان المؤلفون أكثر عناية بحسن العرض والترتيب، واطراد الطريقة في التأليف، على نحو لا يوجد عند المتقدمين في غالب الحال.
стр. 259
¬ المطلب الثاني: طريقة تفسير الآيات إجمالا .
في هذا المطلب سأعقد مقارنة مختصرة بين هذين الإمامين، في أبرز ما يتعلق بمنهجهما في التفسير ، مقتصرا عل الملامح العامة، التي تعطي تصورا مجملا عن الكتابين، محاولا ـ جهدي ـ إبراز ما تميز به أحدهما عن الآخر، ولتوضيح ذلك سأقسم هذا المطلب إلى خمس فقرات:
الفقرة الأولى: مصادر الكتابين .
تميز القشيري بأن كتابه يعتمد في أساسه على الرواية المسندة المتصلة، بشكل كبير، سواء كان بسند صاحب الأصل القاضي إسماعيل، أو سند القشيري نفسه، وهي ميزة لا توجد عند ابن العربي مطلقا؛ لأن عصر ابن العربي قد ضعفت فيه الرواية عما كان عليه الحال في عصر القشيري، أو من كان قبله.
وفضلا عن مصدر الرواية الذي قام عليه أصل كتاب القشيري، فهناك عدد قليل من الكتب التي رجع إليها، أشرتُ في الفصل السابق إليها، وتكلمت عليها (١).
على أن القشيري وإن كانت له هذه السمة الأصيلة في كتابه، فقد امتاز عنه ابن العربي بذاك العدد الضخم من المصادر العلمية التي اطلع عليها، بعد استقرار العلوم وتحرر الفنون، وتحدد أمهاتها التي يعتمد عليها، فاستفاد منها، ونقل عنها، وقد رأينا ذلك آثارا واضحة، في تعدد المجالات التي خاض غمارها وتكلم فيها، ويمكن ذكر أهم المصادر التي اعتمد عليها، ونص عليها في كتابه (٢):
* في التفسير:
١. جامع البيان لابن جرير الطبري.
стр. 260
¬٢. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق.
* السنن والآثار:
١. الكتب الستة.
٢. مسند الإمام أحمد.
٣. مستدرك الحاكم.
٤. سنن البيهقي.
* الفقه:
١. الموطأ.
٢. المدونة.
٣. الواضحة.
٤. العتبية.
٥. المختصر.
* في اللغة:
١. كتاب سيبويه.
٢. معاني القرآن للفراء.
وفضلا عن هذا، فهناك عدد كبير من المصادر التي لم ينص عليها المؤلف ولكن سياق كلامه، يشير إليها، فتجده مرة يقول قال العلماء، أو قال الأحناف، أو قال أهل اللغة، أو قال أهل السير.
стр. 261
¬ الفقرة الثانية: العناية بالمأثور .
المذهب المالكي مدرسة أثرية في المقام الأول، ولذا فلا عجب أن ترى هذا الاهتمام بالمأثور باديا عند القشيري وابن العربي بشكل كبير، وظهر هذا الاهتمام في عنايتهما بتفسير القرآن بالقرآن وبالسنة المبينة له، أو بأقوال السلف وآثارهم، وقد أكدا جميعا في مقدمة كتابيهما (١) على هذا المنهج، وتقديمه على ما سواه.
فأما تفسير القرآن بالقرآن فقد تعددت جوانبه عندهما (٢)، وسأقتصر على جانب واحد وهو بيان معنى اللفظة القرآنية عندهما: ففي بيان معنى الأشد قال القشيري: " وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) ... وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٤) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ .. " (٥)، وقال ابن العربي: " والأشد كما قلنا في القول، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة والتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد ها هنا وقعت مطلقة، وجاء بيان اليتيم في سورة النساء مقيدا، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (٦) فجمع بين قوة البدن ببلوغ النكاح وبين قوة المعرفة بإيناس الرشد" (٧).
وأما تفسير القرآن بالحديث، فقد كانت عناية الإمامين به كبيرة، حيث نص كل منهما (٨) على تقديم حديث النبي ﷺ في بيان معنى الآية، والوقوف عند دلالته، ومن هنا فقد كثر في الكتابين الاستشهاد بحديث الرسول ﷺ وتعددت جوانبه، ، ولما كان كتاب القشيري مختصرا من أصلٍ اعتمد الرواية المسندة، فقد اكتفى بهذا الأصل عن بيان مَخْرَج الحديث، على أنه يذكر بعض الروايات مسندة، وهو قليل، وأما ابن العربي فقد حرص على بيان مَخْرَج الحديث، وكان جل اهتمامه ـ كما كانت وصيته لطلابه ـ بالكتب الخمسة المشهورة، قال: " ولا يَدْعُونّ أحد منكم إلا بما في الكتب الخمسة، وهي: كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ، الذي هو أصل التصانيف وذروا سواها" (٩)، وقد حرصا على ذكر الحديث بلفظه، وبيان راويه في غالب كتابيهما، ويقع لهما مخالفة ذلك.
ولم تقتصر عنايتهما على مجرد نقل الرواية والاستشهاد بالحديث على المعنى، بل كانت لهما مشاركة في ضبط ألفاظ الحديث، وبيان طرقه، ومتابعاته، ولكل منهما كلام في نقد سند الحديث ومتنه، دال على تقدمهما في هذا العلم ومعرفتهما به.
стр. 262
¬وتعددت الجوانب التي اعتمدا فيها على سنة النبي ﷺ في بيان معنى الحديث (١)، وسأقتصر على جانب واحد اشتركا في العناية به، وهو بيان معنى الآية بالحديث، كما وقع عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٢) فقد استشهدا سويا بالحديث المشهور عن عائشة ﵂، أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) (٣).
وأما العناية بآثار السلف وأقوالهم، فأمر لافت للنظر عند الإمامين معا، غير أنهما وإن اشتركا في هذه السمة، فقد كان لأبي الفضل قصب السبق كثرة وتنوعا، فهو كتاب أثري بالدرجة الأولى، على أن ابن العربي لم يقتصر على آثار التابعين، بل اعتنى بنقل كلام أهل العلم المتأخرين من المفسرين، وأشياخه الذي لقيهم كما بين ذلك في مقدمته.
على أنهما ـ أيضا ـ اشتركا في عدم الاكتفاء بمجرد النقل والرواية، بل كان لهما نظرات ووقفات حول تلك الآثار، وموازنة واستدراك، تدل على مدى الوعي والمعرفة بما ينقلانه.
وجوانب تلك العناية عديدة أكتفي بذكر مثال يتعلق ببيان معنى اللفظة القرآنية عندهما، اعتمادا على كلام السلف، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ نقل القشيري كلام السلف في بيان معنى الحفيظ، قال: " قال ابن مسعود ﵁: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر
стр. 263
¬الله، وقال عُبيد بن عُمير: هو الرجل لا يجلس مجلسا فيقوم منه حتى يستغفر الله، ويذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله، وقال سعيد بن جبير: الأواب؛ المُسبح" (١).
وعند قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) قال ابن العربي: " اعلموا وفقكم الله تعالى، أن القنوت يرد على معان أمهاتها أربع، الأول: الطاعة قاله ابن عباس، الثاني: القيام قاله ابن عمر، ... الثالث: إنه السكوت قاله مجاهد، ... الرابع أن القنوت الخشوع" (٣).
الفقرة الثالثة: العناية بالإجماع.
وإجماع سلف الأمة لم يختلف أهل العلم في الاحتجاج به، والركون إليه، وقد ذكر القشيري وابن العربي صورا عديدة لما وقع عليه الإجماع، غير أن عناية ابن العربي به أظهر، وحكايته له أكثر، مع تعدد المجالات وتنوعها.
من صور الإجماع التي حكاها القشيري في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤)، قال: " قال الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار) وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه" (٥).
ومن الأمثلة التي حكى ابن العربي الإجماع فيها، ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: " إن قوله تعالى (مساجد الله)
стр. 264
¬يقتضي أنها لجميع المسلمين عامة الذين يعظمون الله تعالى، وذلك حكمها بإجماع الأمة، على أن البقعة إذا عينت للصلاة خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها، فصارت عامة لجميع المسلمين بمنفعتها ومسجديتها" (١).
الفقرة الرابعة: العناية باللغة.
لم يزل أهل العلم يعتمدون على لغة العرب ومجاري كلامهم، في بيان معاني القرآن الكريم، ولم يزل المفسرون يعتنون بنقل كلام أئمة اللغة ورؤسائها في تفاسيرهم، ولقد كان اهتمام الإمامين بارزا وعنايتهما به ملحوظة، حيث استشهدا بلغة العرب وشعرهم، ونقلا كلام أئمة العربية، ومن أشهر من نقلا عنه: عمرو بن العلاء، وسيبويه وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
وأما مجالات العناية بلغة العرب والاحتجاج بها فعديدة، أبرزها في مجال بيان غريب القرآن الكريم، وهذا كثير عندهما، ومن شواهد ذلك عند القشيري ما أورده عند قوله تعالى: عند قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٢) حيث قال: " قال الزيادي: المعمق الذاهب على وجه الأرض، قال المازني: يقال عميق ومعمق، وقال رؤبة:
وقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ.
فالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المُخْتَرَقْ حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:
стр. 265
¬يقطعن بُعْدَ النازح العميق " (١).
وفي هذه الآية ـ أيضا ـ قال ابن العربي: " يعني بعيد، وبناء عمق للبعد، قال الشاعر يصف قفرا:
وقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ.
يريد بالأعماق الأبعاد، ترى عليها قتاما يخترق منها جوا خاويا، وتمشي فيه كأنك وإن كنت مصعدا هاو، ولذلك يقال: بئر عميقة أي بعيدة القعر".
الفقرة الخامسة: العناية بعلوم القرآن.
تناول القشيري وابن العربي، عددا من المسائل المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، وقد تميز ابن العربي بتناوله مجالات متعددة في علوم القرآن الكريم، لم يتطرق إليها القشيري في كتابه، أو لم يتناولها بشكل واضح.
وأبرز ما اشتركا فيه من موضوعات علوم القرآن: أسباب النزول، والقراءات القرآنية، والناسخ والمنسوخ، وسأضرب مثالا على كل نوع منهما:
ففي أسباب النزول: تبدو العناية كبيرة عندهما جميعا، فأسباب النزول طريق قوي لتفسير كلام الله تعالى، ولذا فقد كانا في الغالب يبدآن بذكر سبب النزول، وربما ذكرا الروايات المتعددة في سبب نزول الآيات، وقد يرجحان أحد تلك الأسباب وقد لا يفعلان، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده في سبب نزول قوله تعالى: : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٢)، فقد ذكرا روايات تدل على أنها نزلت
стр. 266
¬في شأن عويمر العجلاني، وروايات أخرى تدل على أنها نزلت في شأن هلال بن أمية ﵃ (١).
وكذا الحال في القراءات القرآنية فقد اشتركا في إيرادها والاحتجاج بها، والاستدلال عليها، وتوجيهها، وسأذكر موضعا واحدا اشتركا في بيان القراءات فيه يتضح من خلاله ما ذكرته عن جوانب اهتمامها بالقراءات القرآنية ويساعد على عقد مقارنة بينهما، فعند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٢) قال القشيري: " وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم، وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها، وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافن﴾ والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنا نعت للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم" (٣).
وأما ابن العربي فإنه قال: " فيها ثلاث قراءات: ﴿صواف﴾ بفاء مطلقة قراءة الجمهور، ﴿صوافن﴾ بنون قراءة ابن مسعود، ﴿صوافي﴾ بياء معجمة باثنتين من تحتها قراءة أبي بن كعب، فأما قوله ﴿صواف﴾ فمن صف يصف إذا كانت جملة من قيام أو
стр. 267
¬قعود أو مشاة بعضها إلى جانب بعض على الاستواء ويكون معناها هاهنا صفت قوائمها في حال نحرها أو صفت أيديها قاله مجاهد وأما ﴿صوافن﴾ فالصافن هو: القائم وقيل: هو الذي يثني إحدى رجليه، وأما ﴿صوافي﴾ فهو جمع صافية، وهي التي أخلصت لله نية وجلالا وإشعارا وتقليدا" (١).
وفي الناسخ والمنسوخ لهما في ذلك عناية واهتمام، إلا أن الناظر في الكتابين، يلحظ أنهما وإن اشتراكا في المسائل التطبيقية المتعلقة بالنسخ، فقد تميز ابن العربي بعنايته بشكل أكبر بجانب التأصيل لهذا العلم والتقعيد له، على طريقة الأصوليين.
ومما يسجل ـ هنا ـ اختلافهما في حكم نسخ القرآن بالسنة، حيث ذهب القشيري إلى امتناع ذلك، سواء كانت السنة متواترة أو غير متواترة، وقد تقدم بسط قوله في الفصل السابق (٢)، وأما ابن العربي فقد صحح النسخ بالسنة المتواترة، قال ﵀: " ولا يجوز نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر " (٣).
وبعد فهذه أبرز المجالات التي يمكن عقد المقارنة فيها بين هذين الإمامين، وبيان أوجه المشابهة، أو ما تميز به أحدهما عن الآخر، وبقي الكلام عن مقارنة منهجيهما فيما يتعلق بالمسائل الفقهية، ولما كان هذا هو أساس الكتابين ومادته، فسيكون الكلام عنهما في المبحثين القادمين، بإذن الله تعالى.
стр. 268
¬ المبحث الثاني: المنهج في الاستدلال والمناقشة .
تعتبر المسائل الفقهية المتعلقة بالحلال والحرام، هي أصل هذين الكتابين ومادتهما الأساس، فالنظر فيها نظر في الكتاب كله، ولعقد مقارنة بين المنهج الذي اتبعه القشيري أو ذاك الذي سار عليه ابن العربي، أذكر النقاط الآتية:
١. جرى القشيري في غالب كتابه، على أن يذكر الخلاف الفقهي بعد نقل كلام السلف في معنى الآية القرآنية، إلا أنه قد خالف هذه الطريقة في مواضع متعددة من كتابه، أما ابن العربي فقد تميز في عرض المسائل العلمية والفقهية باطراد طريقته وانتظام منهجه، حيث يبدأ بذكر الآية مقسما لها إلى مسائل، يتعرض في كل مسألة إلى جانب مما يتصل بالآية الكريمة، وفي ضمن ذلك الكلام عن المسائل الفقهية، وربما قسم الكلام في المسألة الفقهية الواحدة، على عدد من المسائل، يرتبط بعضها ببعض.
٢. عرض المؤلفان إلى عدد كبير من المسائل الفقهية، ولا سيما ما كان فيه خلاف مع المذاهب الفقهية المشهورة، خصوصا الخلاف مع الحنفية والشافعية، فاحتجا للمذهب، وأجابا عن قول المخالف، وأوردا عليه، وكلامهما عن المذهب المخالف، كلام عارف به مطلع على حقيقته، غير أنهما ـ أيضا ـ قد تركا الكلام عن بعض المسائل أو اختصرا، وربما أحالا على كتاب لهما آخر، بسطا القول فيه.
وهما وإن اشتراكا في هذه السمة، فقد تميز ابن العربي بالعناية بالخلاف في إطار المذهب المالكي نفسه، حيث يذكر الروايات في المذهب وقول الأصحاب، فيصحح بين تلك الروايات ويرجح (١)، ومن أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ (٢) قال: " وقد اختلف علماؤنا في جعل المنافع صداقا، على ثلاثة أقوال، وكرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، وأجازه غيرهما، وقد قال: ابن القاسم يفسخ قبل البناء ويثبت بعده. وقال أصبغ: إن نقد معه شيء ففيه اختلاف، وإن لم ينقد فهو أشد، فإن ترك مضى على كل حال، بدليل قصة شعيب، قاله مالك وابن المواز وأشهب، وعول على هذه الآية جماعة من أئمة المتأخرين في هذه النازلة، قال القاضي: صالح مدين زوج ابنته من صالح بني إسرائيل، وشرط عليه خدمته في غنمه، ولا يجوز أن يكون صداق فلانة خدمة فلان، ولكن الخدمة لها عوض معلوم عندهم، استقر في ذمة صالح مدين لصالح بني إسرائيل، وجعله صداقا لابنته، وهذا ظاهر" (٣)
أما القشيري فإنه اقتصر على ما روي عن الإمام مالك، أو ما تخرج على أصله ـ شَأْنَ المدرسة العراقية ـ ولذلك قَّل أن يشير إلى خلاف في المذهب المالكي، اقتصارا على ما ترجح عنده من أصل المذهب، وهذا ما جعل النَفَسَ المذهبي يظهر عند ابن العربي أكثر من ظهوره عند القشيري، مع اتفاقهما على تصحيح المذهب في الغالب، لَكِنَّ كلام القشيري وطريقته في العرض والمناقشة، لا تشعرك بأنه مالكي أو يناصر قول المالكية، بخلاف ابن العربي فلن تبرح قريبا حتى تدرك أنه كذلك.
٣. ومع كثرة الأقوال والآثار التي يذكرانها، فقد كانا يعزوانها إلى قائلها في غالب أمرهما، غير أني لاحظت أن القشيري أكثر عناية بهذا، أما ابن العربي فإنه وإن كان يعزوها في أحيان كثيرة، فقد وقع له على نحو كثير أن يقتصر على سرد الأقوال دون عزوها، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤) حيث قال: " وفيه سبعة أقوال، الأول: ما يجري على اللسان من غير
стр. 269
¬قصد، كقوله: لا والله وبلى والله، قالته عائشة والشافعي. الثاني: ما يُحْلف فيه على الظن فيكون بخلافه، قاله مالك. الثالث: يمين الغضب. الرابع: يمين المعصية. الخامس: دعاء الإنسان على نفسه كقوله: إن لم أفعل كذا، فيلحق بي كذا، ونحوه. السادس: اليمين المكفر. السابع: يمين الناسي " (١).
٤. تميز ابن العربي بشخصية علمية تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، ظهر ذلك في خروجه عن قول المذهب في مواضع مختلفة وبشكل صريح، وهذه المخالفة على مستويين، أولهما: اختيار خلاف المعتمد أو المشهور في المذهب، وثانيهما: اختيار قول مخالف تماما للمذهب، كما في عدة المرأة التي حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها، فقد ذهب المالكية إلى أنها تعتد سنة، وذهب الشافعية والأحناف إلى أنها تبقى إلى سن اليأس، قال: " وأما قول أبي حنيفة والشافعي: إنها تبقى إلى سن اليأس، فمعناه إذا كانت مرتابة بحمل، وكذلك قال أشهب: لا تحل أبدا حتى تيأس، وهو الصحيح" (٢).
٥. تميز القشيري بأنه كان أقل خروجا عن دلالة آيات القرآن الكريم، وأقل بحثا في المسائل الفقهية التي لا تعلق لآيات القرآن بها على نحو بَيِّنٍ، حيث حصر بشكل كبير نطاق البحث والمناقشة فيما تدل عليه آيات القرآن، أو تعلق بها، على أنه ربما خرج عن هذه الدائرة، وربما كان من أسباب ذلك أنه كتاب مختصر.
وأما ابن العربي فقد وَسَّعَ من دائرة المسائل الفقهية التي تكلم عنها في كتابه " فأفاض وأسهب في الموضوعات والمسائل الفقهية ـ على الرغم من كثرة الإحالة ـ لدرجة خرج معها من دائرة التفسير إلى الفقه" (٣).
стр. 270
¬٦. واشترك المؤلفان في أكثر الأدلة والحجج التي يسوقانها في مقام الاستدلال على المسائل العلمية، أو يوردانها على المخالف، ذلك أنهما ينتميان لمذهب فقهي واحد، وهذا يورث اشتراكا ـ ولا بد ـ في الأصول التي يُحتج بها، كالاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع، والقياس، وفتوى الصحابة، وما عليه العمل، والقياس، ولغة العرب، وشرع من قبلنا (١).
وقد تقدم في المبحث السابق الإشارة إلى بعض هذه الأدلة، وسأضرب هنا مثالا واحد على نوعين من تلك الأدلة، وهما: ما عليه العمل، وشرع من قبلنا، وقد اخترتهما لاختلاف المذاهب في الاحتجاج بهما، وهما من أصول المالكية:
أولا: ما عليه العمل، وهو أصل مشهور عند المالكية وكثر الاحتجاج به عند الإمامين، ومن أمثلة ذلك ما أورده القشيري عند قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٢) قال: " واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك. وقال آخرون: هو حر، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم" (٣).
ومثال ذلك عند ابن العربي قوله: " المسألة الثانية حسنة، وهي أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٤) وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز " (٥).
ثانيا: شرع من قبلنا، وقد احتجا به أيضا فهذا القشيري يحتج بقصة قميص يوسف ﵇ فيقول: " وقصة يوسف ﵇ توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل
стр. 271
¬والعلامات في مثل: اللقطة، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء الستر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، ... فإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا، قلنا له: كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (١) فآيات يوسف ﵇ مقتدى بها معمول عليها، والله أعلم" (٢)، وقد قال ابن العربي عند هذه المسألة بعينها: " قال علماؤنا: في هذا دليل على العمل بالعرف والعادة، لما ذكر من أخذ القميص مقبلا ومدبرا، وما دل عليه الإقبال من دعواها، والإدبار من صدق يوسف، وهذا أمر تفرد به المالكية، كما بيناه في كتبنا فإن قيل: هذا شرع من قبلنا، قلنا: عنه جوابان، أحدهما: أن شرع من قبلنا شرع لنا وقد بيناه في غير موضع .. " (٣).
٧. وأختم الكلام عن هذا المبحث بالإشارة إلى موقفهما من المخالف في مسائل الأحكام، ذلك أن اتباع مذهب بعينه يورث نوعا من التعصب له، والميل لآرائه وأقواله، غير أن مستويات هذا التعصب تختلف بدرجات متفاوتة، فترى من أتباع المذاهب من لا يمنعه اتباعه لمذهبه من قبول الحق أنى وجده، وإن كان خلاف مذهبه، ولا يحمله هذا التمذهب على البغي على المخالف، والاستطالة على أتباع المذاهب الأخرى، بل ترى في قوله أدبا، وفي خلافه نَصَفَةً وعدلا، ومن أتباع المذاهب من يتعصب للمذهب، على نحو يخرج به عن حد القصد والاعتدال، إلى كثير من البغي والعدوان، وتكلف ما ليس له به علم، نصرة للمذهب، وطعنا على المخالف، وبين هذين الفريقين درجات متفاوتة، وأهل
стр. 272
¬العلم فيها بين مقل ومستكثر، وقد جرى لأبي الفضل القشيري مع المخالف شيء من هذا ليس بكثير، سبق الإشارة إليه (١).
ومثله كذلك أبو بكر بن العربي جرى له ذلك، غير أن دائرته عند ابن العربي أوسع نوعا ما، نظرا لاتساع الخلاف بين المذاهب مع التطور الزمني، وظهور التعصب في أتباع تلك المذاهب على نحو لم يكن في أسلافهم، وأسوق هنا مثالين عند ابن العربي، تعطي صورة لشدته في بعض المواقف على المخالف، وتعصبه لمذهبه، يقول في تفضيل مالك على الشافعي: " كل ما قال الشافعي، أو قيل عنه، أو وصف به، فهو كله جزء من مالك، ونخبة من بحره، ومالك أوعى سمعا، وأثقب فهما، وأفصح لسانا، وأبرع بيانا، وأبدع وصفا، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل" (٢)، وفي المراد بالأشد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٣) قال عن أبي حنيفة: " قال أبو حنيفة: الأشد خمسة وعشرون عاما، وعجبا من أبي حنيفة؛ فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت نظرا ولا قياسا، وإنما تثبت نقلا على ما بيناه في أصول الفقه، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب، فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن ـ كما قيض الله لمالك ـ لما صدر عنه إلا إبريز الدين، وإكسير الملة كما صدر عن مالك".
بقي أن يقال: إن الإمامين وإن جرى لهما شيء من هذه الشدة مع المخالف، فلم يكن بالكبير ولا الكثير، وإن كان ترك ذلك أولى بهما وأحرى.
стр. 273
¬على أن مما يذكر لابن العربي أن له مواقف إنصاف من المخالف في بعض المسائل، حيث قدم قول المخالف على ما تقرر في المذهب.
стр. 274
¬ المبحث الثالث: المنهج في الاختيار والترجيح .
مما هو جدير بلفت النظر إليه؛ أنه قد اجتمع لهذين العَلَمَين، قاسمان مشتركان، كان لهما أبلغ الأثر على كتابيهما، وبشكل رئيس في مجال الاختيار والترجيح، وهذان القاسمان هما:
أولا: اتحاد المذهب.
وهو أهم قاسم مشترك في هذين الكتابين، فكلاهما مالكي، ألفا الكتابين وقصدهما الاحتجاج بآيات القرآن على المذهب، وكشف مَنْزَع المذهب من تلك الآيات، والإجابة عن قول المخالف، فَهْمَا واستدلالا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فاتحاد مذهبهما يقضي ـ ولا بد ـ باتحادهما في الأصول التي يعتمدونها في الفهم والاستنباط، والترجيح والاختيار، وهذه الأصول تفضي إلى تشابه النتائج أو تقاربها، وقد ظهر ذلك جليا في تشابه اختياراتهما، كما سيرد بإذن الله قريبا.
ثانيا: كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.
وأمر آخر يشترك فيه أبو الفضل وأبو بكر، وهو تأثير كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، أما أثره في كتاب أبي الفضل فمن نافلة القول ذكره، فهو أصل الكتاب وأساس مادته.
وأما أثره على أبي بكر بن العربي، فيكفي فيه مقولته التي صدر بها كتابه، حيث أنزل كتاب القاضي إسماعيل منزلة كبيرة، وأثنى عليه ثناء لم يدانيه فيه غير تفسير شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، قال في معرض الثناء عليه وعلى كتاب الطبري: " وأعظم من
стр. 275
¬انتقى منه الأحكام بصيرة؛ القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دُرَرَها، واستحلب دَرَّها، وإن كان قد غير أسانيدها، لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما" (١).
ولعقد مقارنة بين القشيري وابن العربي في منهجهما في الاختيار والترجيح، أذكر عددا من النقاط توضح ذلك:
١. تميز القشيري وابن العربي بشخصية علمية مستقلة، وتكوين علمي قوي، ظهرت آثاره على نحوٍ بَيّن في مناقشاتهما العلمية، وكثرة اختياراتهما.
ومما يُحْمد لهما في هذه الاختيارات أمران:
أولا: كثرتها وتعددها.
ثانيا: تنوع مجالاتها، حيث لم تقتصر على مسائل الأحكام، والحلال والحرام، بل كان فيها نظرات تفسيرية عامة.
ـ وفي الحق ـ فهذه الاختيارات من الكثرة والتنوع بحيث تحتاج إلى دراسة وعناية على نحو مستقل.
٢. تميز ابن العربي بأنه كان أكثر استقلالا في الاختيار والترجيح، ظهر ذلك في مسائل عديدة رجح فيها خلاف المذهب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإنه ـ أيضا ـ اعتنى بالترجيح بين روايات المذهب وتقديم بعضها على بعض.
٣. ولقد كانت تلك الاختيارات في غالب الأمر مقرونة بدليلها وتعليلها، سواء من الكتاب، والسنة، وأقوال السلف، والنظر والقياس، على أنهما على نحو قليل ربما ذكرا الراجح والصحيح دون تدليل أو تعليل.
٤. ومما يلفت النظر حقا: أنني بعد أن قمت بمقارنة اختيارات ابن العربي مع المواضع التي كان للقشيري فيها اختيار وترجيح ـ كما هو مثبت في ثنايا هذه الرسالة ـ ظهر
стр. 276
¬أن هناك قدرا كبيرا من التشابه في الاختيار والترجيح بينهما، بل وربما حتى في علل الترجيح، ولعل ذلك التشابه الكبير يرجع إلى ما سبق الإشارة إليه في أول هذا المبحث، من اتحاد المذهب، وتأثير كتاب القاضي إسماعيل عليهما.
٥. تنوعت المرجحات التي اعتمدها القشيري وابن العربي، فمن الأدلة المشهورة: الكتاب والسنة وأقوال السلف والإجماع وما عليه العمل وجرت به الفتوى، فهناك ـ أيضا ـ النظر العقلي في الأقوال وأدلتها وعللها، وسأكتفي بذكر مثال واحد على النظر العقلي، والمَلَكَة الذهنية في الترجيح عند الإمامين، ففي مسألة عدم مخاطبة أهل الكتاب بفروع الشريعة استدل القشيري على ذلك بقوله: " وقوله : ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناتهم وفسوقهم وخمورهم، إذا أقررناهم على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ... وإن احتج محتج بقول الله : ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١) قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تَطْعِمُوهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة" (٢).
ومن الأمثلة عند ابن العربي ما أورده في مسألة ضابط الرشد الذي إذا بلغه اليتيم يدفع إليه ماله، قال: " المسألة السابعة حقيقة الرشد، فيه ثلاثة أقوال: الأول صلاح الدين والدنيا والطاعة لله وضبط المال، وبه قال الحسن والشافعي. الثاني: إصلاح الدنيا والمعرفة بوجوه أخذ المال والإعطاء والحفظ له عن التبذير، قاله مالك. الثالث: بلوغ خمس وعشرين سنة، قاله أبو حنيفة، وعول الشافعي على أنه لا يوثق على دينه، فكيف يؤتمن على ماله، كما أن الفاسق لما لم يوثق على صدق مقالته لم تجز شهادته. قلنا له: العيان يرد هذا فإنا
стр. 277
¬نشاهد المتهتك في المعاصي حافظا لماله، فإن غرض الحفظين مختلف، أما غرض الدين فخوف الله سبحانه، وأما غرض الدنيا فخوف فوات الحوائج والمقاصد، وحرمان اللذات التي تنال به، ويخالف هذا الفاسق فإن قبول الشهادة مرتبة، والفاسق محطوط المنزلة شرعا، وعول أبو حنيفة على أن من بلغ خمسا وعشرين سنة صلح أن يكون جدا، فيقبح أن يحجر عليه في ماله. قلنا: هذا ضعيف؛ لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد، فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت" (١).
وبعد: فهذه أبرز ملامح المقارنة بين هذين العلمين المالكيين، حاولت فيها إبراز أوجه الاتفاق بينهما، والمجالات التي اشتركا فيها، والوقف على ما تميز به أحدهما عن الآخر، وإنه إن يكن لأبي الفضل القشيري فضل السبق والتقدم، والعناية بالمأثور من التفسير، فلأبي بكر ابن العربي فضل التدقيق والتحرير، وحسن العرض والترتيب، رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة والأجر.
стр. 278
[مقدمة المصنف] [*]
الحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والطَّول والكمال، القادر الغافر الظاهر، السابق الذي ليس له شريك يضاهيه، ولا وزير يواليه، ﷻ ، وتعاظمت أفعاله، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبي الأمي الذي ختم به العاجلة، واستفتح به الآجلة، وجعله في المَحَلِّ رفيعًا، وفي المقام شفيعًا، وأنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا مبينًا، وحظر فيه حرامه، وأباح فيه حلاله، وأنار به أعلامه، وبيَّن فيه أحكامه، فنسأل الذي بالفضل حبانا، وللإسلام هدانا، أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير.
أما بعد، فإن أولى ما تمسَّك به المتمسِّكون، وتدبَّره المتدبِّرون، واتمَّ به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون، كتابُ اللَّه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي أكمل اللَّه به الدين، وأنزل اللَّه سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فأحكم اللَّه ﷻ الفرائض والأحكام والأصول كلها فيه جليًا وخفيًا.
فمنه ما يُعقل بنفس الخطاب، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣ - ٤].
ومنه ما بيَّنه اللَّه بالوحي وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فسأل نبينا ﷺ ربَّه ﵎ عن بيانه فبيَّنه له.
ومنه ما بيَّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه اللَّه، يقول اللَّه : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ومنه ما شرَّف اللَّه به أصحاب نبيِّه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسُنَّتِ السُّنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرُّفاته، قال النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة"، وقال: "انظروا إلى فضل المعاينة على الخبر"، ونصحهم للأمة وصدقهم، فمدح اللَّه متَّبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومتَّبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون ما رَوَوه، إذ كان ما رويَ المتَّبَعُ فيه الرسولُ ﷺ ، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم دون الخروج عنها لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، الأحسن ما أنتجه النظر واستخرجته الدلائل والعلل، من الأصول المجمعِ عليها من الكتاب والسنة، فبين ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه.
ولم يزل أهل العلم على ذلك متَّبِعين لسلفهم حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخِفُّون بقول السلف وله هاجِرون، وعلى مذاهبهم زارُون، يحدثون أنفسهم أن أَسَدَّ الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرِّجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويَرَوْن أنهم يُساوُون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى، الذين فارقهم على الصدق والوفا، والطهارة والتُّقى، ولو أخذوا ذلك عن من شاهد الوحي، ونزل القرآن بلغته، لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلمت أن عقول من تقدمهم تُربي على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصدُ الغلبةَ بالجدل المحض، منعهم اللَّه التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.
стр. 279
ومن أعجب ذلك أنَّ قائلَهم يقول: إن القرآن على ظاهره إلا أن يقوم الدليل، وهذا قول الخوارج الذين كان أوَّلهم بالنَّهْرَوان، أخبر رسول اللَّه ﷺ عليًّا ﵀ أنه يقاتلهم على تأويله كما قاتل هو ﷺ على تنزيله.
قال القاضي: والقرآن كله قد أُحكم، وعُرفت أحكامه، فما أُخِّر بيانُه عن الحاجة إليه، فقد بيَّن ما أراد اللَّه به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة فيبيِّنه، حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول، والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يُقْدم عليه إلا جبريل ﵇ عن اللَّه ، بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى برجل نقصًا أن يرى أنه قد عَلِم من كتاب اللَّه ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أو يظن أنه مثلُهم، لقد خاب وخسر.
قال القاضي: فالحمد للَّه الذي بصَّرنا خطأ المخطِئين، وسوء موقف من عَنَد عن الدين، ولم يَلِجوا في أمرهم إلى يقين.
أما بعد، -وفقنا اللَّه وإياكم للصواب والسداد والرشاد- فإني اختصرت في كتابي هذا أحكامَ القرآن ليَقْرُب من فهم المتعلم، طلبًا لعظيم الأجر، وجزيل الذُّخْر، إذ كان عمادَ الدين، لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقولِ السَّلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها.
стр. 280
[البسملة وسورة الفاتحة]
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ إنما هو باللَّه.
قال لبيد بن ربيعة:
إلى الحَوْل ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقد اعتذر
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: تأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]: أي: جمعناه، وقال اللَّه : ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وُضِعت لافتتاح السور، وللفصل بين السورتين، وليست من القرآن، إلا في سورة النمل فإنها بعض آية، والدليل على ذلك أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يقرؤها في افتتاح أم الكتاب، قالت عائشة، وأنس ﵄: كان النبي ﷺ يستفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وزاد فيه أنس: وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، يعني في خلافتهم.
وقال حُمَيد، عن أنس: صلَّيْتُ خلف رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فما سمعت أحدًا منهم قرأ في صلاته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
ورواه أيضًا يزيد بن زُرَيْع، عن قتادة عن أنس.
ومن ذلك قول النبي ﷺ لأُبَيّ بن كعب: "لأعلِّمنك سورةً ما أُنْزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مِثْلُها"، فلما دنا من الخروج من المسجد قال له أُبَيّ: يا رسول اللَّه، السورةُ التي تعلمني، قال: "كيف تقرأ أم القرآن؟ "، قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمتُها، فقال النبي ﷺ : "هي هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُ".
وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "يقول اللَّه ﵎: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أقول: حمِدَني عبدي، يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أقول: أثنى عليَّ عبدي، يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أقول: مجَّدَني عبدي، يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
فقد عدَّها اللَّه سبعًا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قسمها بينه وبين عبده نصفين، فجعل نصفها له ثلاث آيات، وآية بينه وبين عبده، وثلاث آيات جعلها لعبده".
стр. 281
ثم فرَضَها في الصلاة فلا تجوز الصلاة إلا بها، وقال النبي ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج"، والخِداج عند أهل اللسان: الناقص، فقد يحتمل أن يكون نقصًا يبطل الصلاة، ويحتمل ألا يُبْطِلَها، فأتى البيان عنه ﷺ ، إذ كانت قراءتها من فرائض الصلاة بأن قال: "من لم يقرأها فلا صلاة له"، فجاء البيان شافيًا.
وذلك خِطاب للمنفرد، فأما المأموم فغير مخاطب بذلك، بل خاطبه اللَّه تعالى بالاستماع لقراءة الإمام والإنصات له، وقال النبي ﷺ : "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا"، وأمَرَهم ﷺ بما ينوب عن قراءتهم فقال: "قولوا آمين، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه"، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة ﵁ يقول: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ ".
فأما قول أبي هريرة ﵁: "اقرأ بها في نفسك يا فارسي"، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.
والقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.
فإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.
قيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.
وإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.
واحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.
стр. 282
والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:
ألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب
وقال الراعي:
هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر
وقال جرير:
لَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع
стр. 283
سورة البقرة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١)
السنة في البقر: الذبح بكتاب الله تعالى، ويجوز فيها النحر؛ لقرب المنحر من المذبح (٢)، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم (٣) عن أبيه (٤) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : نحر عن نسائه البقر. (٥)
стр. 284
والسنة في الإبل: النحر، لا يجوز سواه، وفي الغنم: الذبح، لا يجوز سواه؛ لأن العدول عن هذا لا يكون إلا لقصد التعذيب؛ لأن البعير إذا ذبح * طُوِّل عليه الميته، والشاة مع القدرة عليها يسير الموتة، إذا عدل عن الذبح إلى النحر فذلك قصد اللعب ومخالفة السنة، ومن قصد لمخالفة السنة والتلاعب لم تؤكل ذبيحته، (١)
стр. 285
والله نسأل التوفيق برحمته. (١)
قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٢)
قال أبو مصعب (٣)