Полный текст (1 818 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ثم فرَضَها في الصلاة فلا تجوز الصلاة إلا بها، وقال النبي ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج"، والخِداج عند أهل اللسان: الناقص، فقد يحتمل أن يكون نقصًا يبطل الصلاة، ويحتمل ألا يُبْطِلَها، فأتى البيان عنه ﷺ ، إذ كانت قراءتها من فرائض الصلاة بأن قال: "من لم يقرأها فلا صلاة له"، فجاء البيان شافيًا.
وذلك خِطاب للمنفرد، فأما المأموم فغير مخاطب بذلك، بل خاطبه اللَّه تعالى بالاستماع لقراءة الإمام والإنصات له، وقال النبي ﷺ : "وإذا قرأ الإمام فأنصتوا"، وأمَرَهم ﷺ بما ينوب عن قراءتهم فقال: "قولوا آمين، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه"، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة ﵁ يقول: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ ".
فأما قول أبي هريرة ﵁: "اقرأ بها في نفسك يا فارسي"، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.
والقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.
فإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.
قيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.
وإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.
واحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.
стр. 282
والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:
ألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب
وقال الراعي:
هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر
وقال جرير:
لَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع
стр. 283
سورة البقرة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١)
السنة في البقر: الذبح بكتاب الله تعالى، ويجوز فيها النحر؛ لقرب المنحر من المذبح (٢) ، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم (٣) عن أبيه (٤) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : نحر عن نسائه البقر. (٥) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ٦٧](٢) الفرق بين الذبح والنحر: أن الذبح: قطع الحلقوم والودجين وهما العرقان اللذان يحملان الدم إلى الرأس، ويكون القطع من أعلى العنق، وأما النحر فهو: الطعن في أسفل العنق عند الصدر.
[شرح السنة للبغوي: ١١/ ٢٢٠، معجم لغة الفقهاء: ٢١٣، ٤٧٦].(٣) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، أبو محمد، سمع أباه، وابن المسيب، وعنه: شعبة ومالك، ثقة جليل، توفي سنة ١٢٦ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٤٠، والتقريب: ٥٩٥].(٤) القاسم بن محمد التيمي الفقيه، عن: عائشة وأبي هريرة، وعنه: الزهري وأبو الزناد، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، توفي سنة ١٠٧ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٣٠، والتقريب: ٧٩٤].(٥) عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرته للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه.
أخرجه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١١، كتاب الحج باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، ٢/ ٦١٤ كتاب الحج باب ما يأكل من البدن وما يتصدق، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٧٦ كتاب الحج حديث ١٢٥، ومالك في الموطأ: ١/ ٣١٦ كتاب الحج حديث ١٧٩، والقاضي إسماعيل بن إسحاق في مسند حديث مالك: ٥٣ عن أبي مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد به.
وبهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لم أجده بلفظ (نحر)، وقد وجدته بثلاثة ألفاظ
هي:
١ - (ضحى) البخاري في صحيحه: ١/ ١١٤ كتاب الحيض باب كيف كان بدء الحيض، ٥/ ٢٢١٣ كتاب الأضاحي باب من ذبح ضحية غيره، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٧٣ كتاب الحج حديث: ١١٩، والحميدي في مسنده: ١/ ١٠٣، وأبو يعلى في مسنده: ٤/ ٢٠٤، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ١٤٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٣ كتاب الحج باب القارن يهريق دماً، ٥/ ٨٦ كتاب الحج باب الطواف على الطهارة.
قال القاضي عياض: وأما قوله في الرواية الأخرى (وضحى عن نسائه بالبقر) فليس المراد بها الأضحية هنا، إذ لا أضحية على الحاج، وإنما معناه: أهدى، بدليل الرواية الأخرى. [إكمال المعلم: ٤/ ٢٤٥]. =
٢ - (أهدى) الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٠٣، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٥٣، البيهقي في سننه: ٥/ ٣ كتاب الحج باب من اختار الإفراد.
٣ - (ذبح) أبو داود في سننه: ٢/ ١٥٣ كتاب المناسك باب في إفراد الحج، والنسائي في السنن الكبرى: ٤/ ٢٠٥ كتاب الحج باب النحر عن النساء، وأحمد في مسنده: ٦/ ٢١٩، ٢٧٣، والطيالسي في مسنده: ٣/ ٣٧، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ٣١٦، والبيهقي في سننه: ١/ ٣٠٨ كتاب الحيض باب الحائض لا تطوف بالبيت.
* لوحة: ٦/أ.стр. 284
والسنة في الإبل: النحر، لا يجوز سواه، وفي الغنم: الذبح، لا يجوز سواه؛ لأن العدول عن هذا لا يكون إلا لقصد التعذيب؛ لأن البعير إذا ذبح * طُوِّل عليه الميته، والشاة مع القدرة عليها يسير الموتة، إذا عدل عن الذبح إلى النحر فذلك قصد اللعب ومخالفة السنة، ومن قصد لمخالفة السنة والتلاعب لم تؤكل ذبيحته، (١) الحواشي
(١) لا خلاف بين العلماء أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها، قال البغوي: والاختيار في الإبل النحر، وهو: أن يقطع اللبة، وفي البقر والغنم الذبح وهو: قطع أعلى العنق؛ لأن عنق البعير طويل، فإذا قطع أسفله يكون أعجل لزهوق الروح. [شرح السنة: ١١/ ٢٢٠].
وقال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح.
[الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٤٥].
وإنما وقع الخلاف في ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح، فجوزه جمهور أهل العلم.
[انظر: بدائع الصنائع: ٥/ ٤١، المغني: ١٣/ ٣٠٦، والمجموع للنووي: ٩/ ١٠٢].
وذهب مالك إلى وجوب نحر الإبل، وذبح الغنم، والتخيير في البقر، وأنه لا ينحر ما يذبح ولا يذبح ما ينحر.
قال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته: والبقر تذبح فإن نحرت أكلت , والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل، وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك.
[الرسالة: ٥٩، وانظر المدونة: ١/ ٥٤٣].
وحكى ابن المنذر - فيما نقله عنه القرطبي وغيره - أن مذهب مالك الكراهة لا التحريم، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح أو ذبح مما ينحر، وكره مالك ذلك، وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه.
[الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٤٥].
وذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة، ورواية بالتحريم، حيث قال: وكذلك يتعلق بقوله: (ما أنهر الدم) من يتخير نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، وأن الذبح والنحر ذكاة للجميع لإنهاره الدم، وهو قال عامة السلف والعلماء وفقهاء الأمصار، وأشهب من أصحابنا. ومالك يمنع أكله مرة بالكراهة، ومرة جملة، وله قول في أكل ذبح ما ينحر دون نحر ما يذبح. [إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٦/ ٤١٨].стр. 285
والله نسأل التوفيق برحمته. (١)
قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٢)
قال أبو مصعب (٣) الحواشي
(١) سبقت أن ذكرت أن من جملة تلاميذ المؤلف، أبو بكر الأدفوي، وقد ذكر الأدفوي في كتابه الاستغناء ما ذكره المؤلف هنا دون عزو، وسأنقله بنصه: السنة في البقر: الذبح بكتاب الله تعالى، ويجوز فيها النحر؛ لقرب المنحر من المذبح، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : نحر عن نسائه البقر. والسنة في الإبل: النحر، لا يجوز سواه، وفي الغنم: الذبح، لا يجوز سواه؛ لأن العدول عن هذا لا يكون إلا لقصد التعذيب؛ لأن البعير إذا ذبح طُوِّل عليه الميته، والشاة مع القدرة عليها يسير الموتة، إذا عدل عن الذبح إلى النحر فذلك قصد اللعب ولمخالفة السنة، ومن قصد لمخالفة السنة والتلعُّب لم تؤكل ذبيحته. [الأدفوي مفسراً: ١/ ٦٧، ٦٨].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٠٢](٣) أبو مصعب، الإمام الثقة، شيخ دار الهجرة، أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة القرشي الزهري المدني، ولد سنة خمسين ومائة، لازم الإمام مالك بن أنس، وتفقه به، وسمع منه الموطأ، روى عنه البخاري ومسلم وإسماعيل القاضي وغيرهم، توفي سنة ٢٤١، وقيل ٢٤٢ هـ.
[الديباج: ١/ ١٤٠، وسير أعلام النبلاء: ١١/ ٤٣٦].стр. 286
عن مالك بن أنس (١) في الساحر إذا سحر: قُتل، وذلك السحر الذي ذكره الله في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٢) (٣) .
وهذا الذي يقتل عندنا هو الذي يسحر بنفسه، لا من يعطي الأجرة من يسحرله؛ لأنه إذا سحر بنفسه فقد كفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٤) والمسلم إذا كفر كفراً هو مستسر به قُتل ولم يستتب، وإذا كفر كفراً أظهره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، والساحر مستسر بكفره كالزنديق، والزنديق عندنا من أظهر الإسلام وأبطن الكفر أَيَّ كُفْرٍ كان من: عبادة وثن، أو قول بالدهر (٥) ، الحواشي
(١) مالك الإمام، شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني، ولد سنة ٩٣ هـ وتوفي سنة ١٧٩ هـ.
[الديباج: ١/ ٨٢، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٨](٢) [سورة البقرة: الآية ١٠٢](٣) قال مالك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه.
[الموطأ: ٢/ ٦٦٣، كتاب العقول].
ولم أجده من رواية أبي مصعب.(٤) [سورة البقرة: الآية ١٠٢](٥) الدهرية: فرقة ادعت قدم الدهر، وأسندت الحوادث إليه، وأنكرت الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤].
[الفصل لابن حزم: ١/ ٤٧، والملل والنحل للشهرستاني: ٣/ ٦٥١].стр. 287
أو يهودية (١) ، أو نصرانية (٢) ، أو بأي شيء كان منه، فهو كفر - استسر به - فهو والساحر لاستسرارهما بكفرهما يقتلان ولا يستتابان، والمرتد هو المظهر لكفره فهذا يستتاب (٣) ، الحواشي
(١) اليهودية: هي الملة التي يدين بها اليهود، وهم أمة موسى ﵇، وكتابهم التوراة، وسموا بهذا الاسم نسبة إلى يهوذا بن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل، فقلبت العرب الذال دالاً، وقيل: إنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، يقال: هاد الرجل أي: رجع وتاب.
[الملل والنحل للشهرستاني: ٢/ ٢٣٠، والموجز في الأديان ناصر القفاري وناصر العقل: ١٨].(٢) النصرانية: الدين المنزل على عيسى ﵇، وكتابها الإنجيل، ويقال لأتباعها: النصارى، نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح، وقيل إنما سموا بذلك لقوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. [سورة الصف: ١٤]
[الملل والنحل: ٢/ ٢٤٤، الموجز في الأديان: ٦٤].(٣) قال ابن أبي زيد القيرواني: ويقتل الزنديق، ولا تقبل توبته، وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام، وكذلك الساحر، ولا تقبل توبته، ويقتل من ارتد إلا أن يتوب، ويؤخر للتوبة ثلاثاً. [الرسالة: ٩٢].
* لوحة: ٦/ب.стр. 288
ألا ترى الله * ﵎ لم يجعل التوبة للسارق والزاني بمسقط عنهما الحد، وجعل التوبة للمحارب مسقطة للحد فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فلما كان الزاني والسارق يستسران بفعلهما لم يجز العفو عن حدهما، وجاز العفو عمن أظهر فعله؛ لأن المستسر بفعله تأسره البينة، فلو جعلت له التوبة لكان يقولها من غير نية، ولو أرادها لأتى قبل أن يؤسر فقال: كنت على كذا وقد تبت، فيكون كأنه رجل كفر وأظهر كفره وإنما توبته بعد الأسر إرادة إزالة الحد عن نفسه، ألا ترى الله إذ يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٢) فلو قبلت توبته كثرت الزنادقة، وأمنوا العقوبة بكلمة يقولها إذا رأى السيف، ثم يعود مستسراً بفعله، والمظهر لكفره لا يعود لإظهاره؛ إذ لنا من الناس ما ظهر (٣) ، ولذلك قال (٤) الحواشي
(١) [سورة المائدة: الآية ٣٤](٢) [سورة غافر: الآيتان ٨٤ - ٨٥](٣) قال القرطبي: احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته؛ لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق، وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتداً. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائباً قبل أن يشهد عليهما، قبلت توبتهما، والحجة لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب فكذلك هذان. [الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٩].(٤) في الأصل (ما قال) والصواب ما أثبت، فإن مذهب المالكية أن قتل الغيلة لا عفو فيه.
قال الإمام مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه أن من قتل رجلاً قتل غيلة، على غير ثائرة ولا عداوة، فإنه يقتل به، وليس لولاة المقتول أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان يُقْتَلُ به القاتل، وذلك أحب الأمر إلي.
[الموطأ برواية أبي مصعب: ٢/ ٢٤٨ كتاب العقل].стр. 289
مالك ﵁: إن القاتل غِيلة (١) لا سبيل إلى العفو عنه.
فإن قال قائل: ليس في الآية ما يوجب القتل على الساحر، قيل له: قلة تبحرك في العلم وتركك لتدبر ما أنزل الله أورثك هذا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٢)
وقال النبي ﷺ : أرواح الشهداء تسرح في الجنة في حواصل طير خضر اشترى منهم أنفسهم بالجنة (٣) ، الحواشي
(١) غول: الغين والواو أصل صحيح يدل على ختل، وأخذ من حيث لا يدري، واغتاله: قتله غِيلة، والغيلة: الاغتيال، والياء واو في الأصل. [مقاييس اللغة: ٧٧٨، ولسان العرب: ١١/ ٥٠٧].(٢) [سورة التوبة: الآية ١١١](٣) روى الدارمي في سننه: ٢/ ٢٧١، كتاب الجهاد، باب أرواح الشهداء، عن مسروق قال سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء - ولولا عبد الله لم يحدثنا أحد -، قال: أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في حواصل طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيشرف عليهم ربهم، فيقول: ألكم حاجة؟ تريدون شيئاً؟ فيقولون: لا، إلا أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى.
وأصله في صحيح مسلم: ٣/ ١٥٠٢، كتاب الإمارة حديث: ١٢١ بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، ورواه غيرهما بألفاظ متقاربة، ولم أجد لفظة (اشترى منهم أنفسهم بالجنة).
* لوحة: ٧/أ.стр. 290
وقال *﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه (٢) ، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٣) وإنما باعوه بثمن بخس، فقد أخبرنا الله أن السحر يوجب القتل وإن لم يَقتُل بسحره؛ لأن الذي يوجب له الاسم: الفعل (٤) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٠٢](٢) قال الجصاص: فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر؛ لأنه جعل الإيمان في مقابلة فعل السحر، وهذا يدل على أن الساحر كافر. [أحكام القرآن: ١/ ٧٥].(٣) [سورة يوسف: الآية ٢٠](٤) ذهب الشافعي إلى أن الساحر لا يقتل بمجرد السحر، فإن كان الكلام الذي يسحر به كفر فالسحر مرتد، وإن كان ليس كفراً فلا يقتل؛ لأنه ليس بكافر.
وذهب الجمهور إلى قتل الساحر بمجرد السحر. [الأم: ١/ ٢٥٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧١، المغني: ١٢/ ٣٠٢].
وقد أورد ابن العربي قول الشافعي وأجاب عنه حيث قال: وقال الشافعي: السحر معصية، إن قتل بها الساحر قُتِل، وإن أضر بها أدب على قدر الضرر. =
وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه لم يعلم السحر وحقيقته، أنه كلام مؤلف يُعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات.
والثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر، لأنه تعالى قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بقول السحر ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وهذا تأكيد للبيان.
[أحكام القرآن: ١/ ٤٨].
قال القاضي عياض: وإذا ثبت أنه كافر استغنى عن هذا التفصيل الذي قاله الشافعي.
[إكمال المعلم: ٧/ ٨٩].
والصحيح أن السحر كله كفر، فإذا ثبت أنه كفر فإن الساحر يقتل على الجملة دون تفصيل. قال الشيخ حافظ حكمي: والصحيح أن السحر المتعلم من الشياطين كله كفر، قليله وكثيره، كما هو ظاهر القرآن.
[معارج القبول: ٢/ ٥٥٤].стр. 291
ألا تراه قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (١) وكذلك قال في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) إلى آخر الآية وذلك فيمن فعل ذلك قبل أن يقتل أو يأخذ المال، فإذا فعل ذلك فهو الذي لا يجوز عنه العفو بالتوبة قبل القدرة؛ إذ القصاص لابد منه، قال القاضي ﵁: ونحن نتكلم في هذه الآية في موضعها بما يوفق الله له (٣) .
أخبرنا إسماعيل بن إسحاق (٤) قال: أخبرنا إبراهيم بن حمزة (٥) قال: أخبرنا الحواشي
(١) [سورة الأعراف: الآية ١١٦](٢) [سورة المائدة: الآية ٣٣](٣) يأتي في تفسير سورة المائدة - إن شاء الله- عند تفسير الآية ٣٣.(٤) إسماعيل بن إسحاق، ثقة صدوق، تقدم.(٥) إبراهيم بن حمزة بن محمد الزبيري، أبو إسحاق المدني، عن: إبراهيم بن سعد وابن أبي حازم، وعنه: البخاري، وإسماعيل القاضي، صدوق، مات سنة ٢٣٠ هـ.
[الكاشف: ١/ ٢١١، والتقريب: ١٠٧].стр. 292
عبد العزيز بن محمد (١) عن عبيد الله بن عمر (٢) عن نافع (٣) عن ابن عمر ﵁ (٤) : أن جارية لحفصة سحرت حفصة (٥) ، الحواشي
(١) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الداوردي، أبو محمد الجهني، عن: عبيد الله بن عمر وزيد بن أسلم، وعنه: إبراهيم بن حمزة وإبراهيم بن أبي الوزير، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطيء، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، مات سنة ١٨٧ هـ. [تهذيب الكمال: ١٨/ ١٨٧، والتقريب: ٦١٥].(٢) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العدوي العمري المدني، أبو عثمان، عن: أبيه ونافع مولى ابن عمر، وعنه: عبد العزيز الداوردي ومعتمر بن سليمان، ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، مات سنة ١٤٧ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٨٥، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٣٤، والتقريب: ٦٤٣].(٣) نافع، أبو عبدالله المدني، مولى ابن عمر، عن: مولاه ابن عمر ورافع بن خديج، وعنه: أبان بن صالح وعبيدالله بن عمر العمري، ثقة ثبت فقيه مشهور، مات سنة ١١٧ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢٩/ ٢٩٨، والتقريب: ٩٩٦](٤) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبدالرحمن، روى عن رسول الله ﷺ وأخته حفصة، وعنه: مولاه نافع وابنه بلال، أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعاً للأثر، مات سنة ٧٤ هـ[الكاشف: ١/ ٥٧٧، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٢٩١، والتقريب: ٥٢٨](٥) حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، تزوجها رسول الله ﷺ بعد انقضاء عدتها من خنيس بن حذافة السهمي سنة ثلاث من الهجرة، ولدت قبل المبعث بخمس سنين، توفيت سنة ٤١، وقيل ٤٥ هـ بالمدينة.
[سير أعلام النبلاء: ٢/ ٢٢٧، والإصابة: ٤/ ٢٧٣]стр. 293
فوجدوا سحرها، واعترفت على نفسها، فأمرت حفصة عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب (١) بقتلها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال: إنها سحرتها ووجدوا سحرها واعترفت على نفسها. فكأن عثمان ﵁ أنكر عليها ما فعلت دون السلطان (٢) . الحواشي
(١) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة خمس، كان له عند موت الرسول ﷺ ست سنين، زوجه عمر ابنته فاطمة، مات في زمن ابن الزبير.
[الاستيعاب: ٢/ ٤٢٥، والإصابة: ٣/ ٦٩](٢) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٢، كتاب الديات، باب الدم يقضي فيه الأمراء، ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود، باب ما قالو في الساحر ما يصنع به، عن عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائل الإمام أحمد: ٣/ ١٢٨١ عن أبيه عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله، والطبراني في المعجم الكبير: ٢٣/ ١٨٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٣٦، كتاب القسامة باب تكفير الساحر وقتله، من طريق أبي معاوية عن عبيدالله بن عمر، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٢٨٠ رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش وهي ضعيفة، وبقية رجاله ثقات.
قلت: وإن كان المؤلف روى هذا الأثر من طريق عبد العزيز الداوردي، والطبراني من طريق إسماعيل بن عياش، وفي كل منهما مقال، فقد رواه ابن أبي شيبة من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت، كما قال ذلك ابن حجر [التقريب: ٦٣٥]، وأيضاً رواه عبد الرزاق من طريقه عن عبيدالله بن عمر.
وقد رواه الإمام مالك في الموطأ: ٢/ ٦٦٣، كتاب العقول، رقم: ١٤، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه: أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها، فقتلت.
قال ابن كثير: وهكذا صح عن أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ في قتل الساحر. [تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٤]стр. 294
ورواه حماد (١) عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر (٢) ، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها.
وقد ذكر حماد بن سلمة عن سعيد الجريري (٣) عن أبي العلاء (٤) أن النبي ﷺ جعل يرتجز (٥) الحواشي
(١) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، عن: سعيد بن إياس الجريري وعبيدالله بن عمر، وعنه: ابن جريج والثوري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة ١٦٧ هـ.
[تهذيب الكمال: ٧/ ٢٥٣، والتقريب: ٢٦٨](٢) لم أجده من هذه الطريق.(٣) سعيد بن إياس الجُريري - بضم الجيم -، أبو مسعود البصري، عن: أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير وأبي عبدالله الجسري، وعنه: حماد بن سلمة وإسماعيل بن علية، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة ١٤٤ هـ. [تهذيب الكمال: ١٠/ ٣٣٨، والتقريب: ٣٧٤](٤) يزيد بن عبدالله بن الشخِّير - بكسر المعجمة وتشديدها - العامري، أبو العلاء البصري، عن: البراء بن عازب، وسمرة بن جندب، وعنه: سعيد الجريري، وقتادة بن دعامة، ثقة، كان مولده في خلافة عمر، فوهم من زعم أن له رؤية، مات سنة ١١١ هـ، أو قبلها. [تهذيب الكمال: ٣٢/ ١٧٥، والتقريب: ١٠٧٨](٥) قال ابن فارس: رجز: الراء والجيم والزاء أصل يدل على: اضطراب، ومن هذا اشتقاق الرَّجز من الشعر؛ لأنه مقطوع مضطرب. [مقاييس اللغة: ٤٢٢].
* لوحة: ٧/ب.стр. 295
وهو يقول *: جندب وما جندب والأ قطع الخبر (١) ، فلما أصبح قالوا: يارسول الله وما جندب والأ قطع؟ فقال: أما جندب فرجل من أمتي يضرب ضربة يبعث بها أمة وحده يوم القيامة، وأما الأ قطع فرجل تقطع يده، فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الدهر، فكانوا يرون الأقطع زيد بن صوحان (٢) قطعت يده يوم اليرموك (٣) (٤) ، الحواشي
(١) كذا بالأصل، وفي المحلى: ١١/ ٣٩٦ (جندب وما جندب والأقطع الخبر الخبر) بالباء، وفي طبقات ابن سعد: ٦/ ١٢٣ (جندب وما جندب والأقطع الخير زيد) بالياء، وفي معرفة الصحاية لأبي نعيم الأصبهاني: ٣/ ١٢٠٢ (جندب وما جندب والأقطع الخير الخير) بالياء.(٢) زيد بن صوحان بن حُجر بن الهجرس العبدي، أخو صعصعة، يكنى: أبا سلمان، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو عائشة، قال ابن عبدالبر: لا نعلم له عن النبي ﷺ رواية. وقال الذهبي: كان من العلماء العباد، ذكروه في كتب معرفة الصحابة، ولا صحبة له، لكنه أسلم في حياة النبي ﷺ ، وسمع من عمر وعلي وسلمان، قتل يوم الجمل مع علي ﵁. [الاستيعاب: ١/ ٥٥٩، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٥٢٥].(٣) معركة مشهورة وقعت بين المسلمين والروم في اليرموك، وهو واد بناحية الشام، وقد كانت هذه المعركة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وفي أثنائها توفي أبو بكر الصديق ﵁، وفيها انتصر المسلمون بقيادة خالد بن الوليد.
[البداية والنهاية: ٧/ ٥ - ١٦، ومعجم البلدان: ٥/ ٤٣٤].(٤) وقيل قطعت يده يوم القادسية [معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٣/ ١٢٠٣، والإصابة: ١/ ٥٨٣]، وقيل قطعت يده يوم جلولاء [طبقات ابن سعد: ٦/ ١٢٣، والاستيعاب: ١/ ٥٦٠].стр. 296
وقتل يوم الجمل (١) ، وأما جندب (٢) فهو الذي قتل الساحر. (٣) الحواشي
(١) يوم الجمل: وقعة مشهورة كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه، وبين عائشة ومن معها ﵃ أجمعين - وكانت هذه الوقعة سنة ست وثلاثين من الهجرة، ونسبت الوقعة إلى الجمل الذي كانت تركبه أم المؤمنين عائشة ﵂ فوقفت به في الصف، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل، فوقعت عليهم الهزيمة. [البداية والنهاية: ٧/ ٢١٨ - ٢٣٢، وفتح الباري: ٦/ ٢٦٤].(٢) جندب بن كعب بن عبد الله بن جزء بن عامر الأزدي الغامدي، أبو عبد الله، وربما نسب إلى جده وهو: جندب الخير، قال ابن عبد البر: ومن قال إن قاتل الساحر جندب بن زهير: الزبير بن بكار في خبر ذكره في قتله الساحر بين يدي الوليد، والصحيح عندنا أنه: جندب بن كعب. مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي، توفي في خلافة معاوية. [معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٢/ ٥٧٩، والاستيعاب: ١/ ٢١٨، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٧٥، والإصابة: ١/ ٢٥٠].(٣) رواه ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٦ قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن جهيم، نا إبراهيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، ثم ذكر الحديث بمثله.
وراواه ابن سعد في الطبقات: ٦/ ١٢٣، عن يعلى بن عبيد، عن الأجلح، عن عبيد بن لاحق، بنحوه.
وأبو نعيم في معرفة الصحابة: ٣/ ١٢٠٢، عن محمد بن عبدالله الشافعي، عن محمد بن غالب، عن كثير بن يحيى، عن أبيه، عن سعيد الجريري، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، بنحوه.
وذكره ابن حجر في الإصابة: ١/ ٥٨٣، وفتح الباري: ٥/ ١١١، وعزاه إلى ابن منده، فقال: روى ابن مندة من طريق الجريري عن عبدالله بن بريدة عن أبيه. بنحوه. قال ابن حزم بعد إيراده له: وأما خبر جندب ففي غاية السقوط: أول ذلك، أنه مرسل لا يدرى ممن سمعه أبو العلاء [المحلى: ١١/ ٣٩٨]
قلت: وقد روي هذا الأثر من طرق غير طريق أبي العلاء، فقد روي عن بريدة كما سبق.стр. 297
وجندب إنما رأى ساحراً يُري الناس أنه دخل في بقرة ثم خرج منها (١) ، فقتله وما كان قتل (٢) ، فجعله الله أمة وحده بذلك. الحواشي
(١) قال ابن حزم بعد ذكره للسند المتقدم في خبر جندب: قال: نا حماد بن سلمة نا أبو عمران - هو الجوني - أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة فجعل يدخل في بقرة ثم يخرج منها , فرآه جندب , فذهب إلى بيته فالتفع على سيفه , فلما دخل الساحر جوف البقرة ضربهما , قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فاندفع الناس وتفرقوا، وقالوا: حروري , فسجنه الوليد , وكتب به إلى عثمان بن عفان، فكان يفتح له بالليل فيذهب إلى أهله , فإذا أصبح رجع إلى السجن - قال: فيرون أن جندبا صاحب الضربة. [المحلى: ١١/ ٣٩٦].
قلت: وقد روي خبر قتل جندب للساحر بين يدي الوليد بن عقبة من طرق متعددة، ولكن بألفاظ مختلفة عن هذا اللفظ، فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ٢٢٢، عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٢، كتاب اللقطة، باب قتل الساحر، والطبراني في المعجم الكبير: ٢/ ١٧٧، والبيهقي في سننه: ٨/ ١٣٦، كتاب القسامة، باب تكفير الساحر وقتله.(٢) أي: قتل جندب الساحر، ولم يكن الساحر قد قتل بسحره، وفي هذا رد على الشافعية حيث يفرقون في حكم الساحر بين من قتل بسحره ومن لم يقتل.стр. 298
وممن رأى قتل الساحر: عثمان (١) ، وابن عمر (٢) ، وحفصة (٣) وقيس بن سعد (٤) (٥) ، وخالد بن المهاجر (٦) (٧) ، الحواشي
(١) انظر أثر حفصة السابق ص: ١٢٨، قال ابن المنذر: وهذا مذهب عثمان بن عفان؛ لأنه إنما أنكر على حفصة قتلها الساحرة؛ لأنها قتلتها دون السلطان. [الإقناع: ٢/ ٦٨٦].(٢) انظر أثر حفصة السابق، وكيف اعترض ابن عمر على إنكار عثمان على حفصة؟(٣) انظر أثر حفصة السابق.(٤) قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو عبدالله، وقيل: أبو الفضل، وقيل: أبو عبدالملك، سيد الخزرج وابن سيدهم، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، توفي في آخر خلافة معاوية.
[الاستيعاب: ٣/ ٢٢٤، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٠٢].(٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/ ١٨٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود باب ما قالوا في الساحر ما يصنع به، وابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٤.(٦) خالد بن المهاجر بن سيف الله خالد بن الوليد المخزومي، روى عن عمر ولم يدركه، وحدث عن ابن عباس، وابن عمر، له في مسلم حديث واحد في المتعة.
[سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤١٥، وتهذيب التهذيب: ٣/ ١٠٩].(٧) ذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أن خالد بن المهاجر قتل نبطياً سحر.стр. 299
وعمر بن عبد العزيز (١) (٢) ، وسالم بن عبد الله (٣) (٤) في جمع كثير (٥) . الحواشي
(١) عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الإمام الحافظ العلامة المجتهد، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي الأموي، الخليفة الزاهد الراشد، أشج بني أمية، ولد سنة ثلاث وستين، وتوفي سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، مات وهو ابن تسع وثلاثين سنة.
[طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٣٠، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ١١٤](٢) رواه بن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٥٥٦، كتاب الحدود، باب ما قالوا في الساحر ما يصنع به، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: ١٢٥، وذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥.(٣) سالم بن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الإمام الزاهد الحافظ، مفتي المدينة، مات سنة ست ومائة. [طبقات ابن سعد: ٥/ ١٩٥، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٥٧].(٤) رواه ابن سعد في طبقاته: ٥/ ٢٠٠، وذكره ابن حزم في المحلى: ١١/ ٣٩٥.(٥) قال القرطبي: وروي قتل الساحر عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وأبي موسى، وقيس بن سعد، وعن سبعة من التابعين. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٨].стр. 300
قال الله ﵎: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١)
من قرأ: (نُنْسِها) وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: (نَنْسَأْها) وأثبت الألف فإنه جعلها من التأخير كأنه أراد: أو يؤخرها، فأثبت الألف؛ لأنها همزة اسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفاً؛ لأنه يقال: نسأت الشيء أي: أخرته (٢) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦](٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (نَنْسَأْهَا) بفتح النون والسين مع الهمزة، وقرأ الباقون (نُنْسِهَا) بضم النون وكسر السين من غير همزة. [السبعة: ١٦٨، والنشر: ٢/ ١٦٥]
فأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو (ننسأها) ففسرت على التأخير، أي: نؤخرها، وتأخير النسخ على وجهين:
١ - أن يؤخر التنزيل فلا ينزل البتة، ولا يعلم ولا يعمل به، ولا يتلى، فيكون معنى الآية: نؤخر إنزالها فلا نُنزلها.
٢ - أن يُنزل القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يُؤخر فينسخ العمل به دون اللفظ، أو ينسخ العمل به واللفظ، أو ينسخ اللفظ ويبقى العمل.
وقد قرأ بهذه القراءة: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وأبي بن كعب، وعبيد بن عمير، والنخعي، وابن محيصن.
وأما قراءة الباقين (ننسها) فهي من النسيان، فإن لفظ (نسي) المنقول منه (أُنسي) على ضربين:
أحدهما: أن يكون بمعنى الترك، والآخر: النسيان الذي هو مقابل الذكر.
والصحيح أنه من النسيان الذي هو ضد الذكر.
قال أبو علي الفارسي في معرض رده على الفراء: فأما قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ فمنقول من نسيتُ الشيء: إذا لم تذكره، قال الفراء: والنسيان هنا على وجهين: أحدهما: على الترك، نتركها ولا ننسخها. والوجه الآخر: من النسيان كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]
قال أبو علي: قول الفراء نتركها ولا ننسخها، لايستقيم هنا، وإنما هو من النسيان الذي ينافي الذكر، ألا ترى أنه قد قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وليس كل ما أُخرتْ فلم تنسخ ولم يبدل حكمها يؤتى بخير من المنسوخة بآية أو المنساة، وليس المعنى: ما ننسخ من آية أو نقرها فلا ننسخها نأت بخير منها، إنما المعنى: أنا إذا رفعناها من جهة النسخ بآية، أو الإنساء، أتينا بخير من التي ترفع وتبدل على أحد هذين الوجهين.
وقال مكي بن أبي طالب: والأقوى البيّن أن يكون من النسيان الذي هوضد الذكر، فيكون المعنى: إذا رفعنا آية بنسخ، أو بنسيان نقدره عليك يا محمد، أتينا بخير منها في الصلاح لكم، أو بمثلها في التعبد، ويدل على أنه من النسيان قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى(٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧] فقد أعلمه الله أنه لا ينسى شيئاً مما نزل عليه، إلا ما شاء الله أن ينساه. =
ثم قال: وأيضاً فإن (تنسى) الذي بمعنى الترك لم يستعمل (أفعل) إنما استعمل فيه (فعل) فكان يجب أن تكون القراءة بفتح النون الأولى والسين، ولم يأت ذلك. والاختيار (ننسها) من النسيان؛ لصحة المعنى؛ ولأن جماعة القراء عليه، وبه قرأ ابن المسيب، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، والأعرج، وأبو جعفر يزيد، وشيبة، والضحاك، وابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعمش.
[انظر إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٧٣، الحجة للقراء السبعة: ١/ ٣٦٠ - ٣٦٤، والكشف عن وجوه القراءات: ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠].
وممن اختار قراءة (ننسها) أبوعبيد، وابن جرير، ومكي بن أبي طالب.
[الناسخ والمنسوخ: ١١، وتفسير ابن جرير: ١/ ٤٧٨، والكشف: ١/ ٢٥٩].стр. 301
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (١) وإنما كانوا إذا أرادوا قتالاً في شهر حرام حرموا غيره وقاتلوا فيه (٢) .
قرأ القاسم بن ربيعة (٣) على سعد بن أبي وقاص (٤) (ما ننسخ من آية أو ننساها) (٥) الحواشي
(١) [سورة التوبة: الآية ٣٧](٢) انظر تفسير ابن جرير: ١٠/ ١٢٩.(٣) القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي، وربما نسب إلى جده، روى عن سعد بن أبي وقاص، وما روى عنه سوى يعلى بن عطاء العامري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبول.
[الثقات: ٥/ ٣٠٢، وميزان الاعتدال: ٣/ ٣٧٢، والتقريب: ٧٩١].(٤) سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، يكنى أبا إسحاق، أحد العشرة، وآخرهم موتاً، روى عن النبي ﷺ كثيراً، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، كان مجاب الدعوة، مات سنة ٥١، وقيل: ٥٥، وقيل غير ذلك.
[الاستيعاب: ٢/ ١٨، والإصابة: ٢/ ٣٣].(٥) كذا في الأصل، والمشهور أن قراءة ابن المسيب بدون ألف، كما سيأتي في تخريج هذا الأثر، ولم أجد هذا اللفظ إلا في إحدى روايتي الحاكم.
وفرق بين (ننساها) بدون همزة، وبين (ننسأها) بهمزة، قال شيخ الإسلام وقد سئل عن معنى قوله: (ما ننسخ من آية أو ننساها) والله سبحانه لا يدخل عليه النسيان. فأجاب: أما قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ففيها قراءتان، أشهرهما: (أو ننسها)، والثانية: (أو ننسأها) بالهمز، أي: نؤخرها، ولم يقرأ أحد (ننساها)، فمن ظن أن معنى (ننسأها) بمعنى (ننساها) فهو جاهل بالعربية والتفسير، قال موسى ﵇: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، والنسيان مضاف إلى العبد كما في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى(٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، ولهذا قرأ بعض الصحابة: (أو تنساها) أي: تنساها يا محمد، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين (ننسأها) بالهمز، وبين (ننساها) بلا همز.
[انظر مجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٢].стр. 302
وذكر أن سعيد بن المسيب (١) يقرأ ذلك، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب *، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٢) ، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٣) (٤) الحواشي
(١) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو، الإمام أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد بعد أن استخلف عمر بأربع سنين، ومات سنة ٩٤ هـ.
[طبقات ابن سعد: ٥/ ١١٩، والسير: ٤/ ٢١٧].
* لوحة: ٨/أ.(٢) [سورة الأعلى: الآية ٦](٣) [سورة الكهف: الآية ٢٤](٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٥، قراءة سعد (تنساها) وقراءة ابن المسيب (ننسها)، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٤٧٦، ٤٧٧، قراءة سعد (تُنْسَها) وقراءة ابن المسيب (نُنْسِها)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢، قراءة سعد (ننسها) في الأصل، وتصرف فيها المحقق فجعلها (تَنْسَها) وقراءة ابن المسيب شك فيها أبو عبيد فقال: (نَنْسَها) أو (نُنْسَها)، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٥٩٧، قراءة سعد (ننساها) وقراءة ابن المسيب (ننسيها)، وابن أبي داود في المصاحف: ١٠٧ قراءة سعد جاءت من طريقين، فمن طريق عبد الله بن محمد الأذرمي عن هشيم (نُنسِهَا) ومن رواية زياد بن أيوب عن هشيم (نَنْسَاهَا)، وقراءة ابن المسيب (نُنْسَها)، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٦٤ كتاب التفسير، قراءة سعد (ننساها) وقراءة ابن المسيب (ننسها)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٦٧ كتاب التفسير، تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى، قراءة سعد (ننسها) وقراءة ابن المسيب (ننساها) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.стр. 303
قال القاضي ﵁: ما ننسخ: نسخ الآية بالآية وهي باقية في القراءة (١) ، وقد قال بعضهم: كان الله ينسي نبيه ما يشاء، وينسخ ما يشاء (٢) ، فمن قرأها من التابعين (ننسأها) يريد: نؤخرها، ومن قرأها (نُنسها) يريد: ينسي نبيه قراءتها. الحواشي
(١) هذا هو القسم الأول من أقسام المنسوخ في القرآن، وهو ما نسخ حكمه وبقي رسمه، وهو ما فسر به ابن عباس الآية من أنه إبدال الآية مكان الآية، وما ذكره مجاهد بقوله: يثبت خطها ويُبدل حكمها.
وأما القسم الثاني: فهو ما نسخ رسمه وحكمه، بأن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها، فتكون خارجة من قلوب الرجال، ومن ثبوت الخط. والقسم الثالث: ما نسخ رسمه وبقي حكمه.
[انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ١٤، ونواسخ القرآن: ١٣٦](٢) روى هذا الأثر عن قتادة عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٥، ورواه ابن جرير في تفسيره من طريق عبد الرزاق: ١/ ٤٧٦.стр. 304
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١) لكم، يريد: أيسر عليكم وأخف (٢) ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) في التكليف وزيادة في الثواب؛ لأن القرآن كلٌ خير، ليس في كلام الله ما ينقص بعضه عن بعض وإنما معناه: خير لكم والله أعلم (٤) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦](٢) قال شيخ الإسلام: وأيضاً فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملاً، أو أشق وأكثر ثواباً؛ لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخاً، فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا، وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر، فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال: ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله، فإن المنسوخ أيضاً يكون خيراً ومثلاً بهذا الاعتبار، فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيراً، وإن فسروه بكونه أعظم أجراً لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك، والله قد أخبر أنه لابد أن يأتي بخير مما ينسخه أو مثله، فلا يأتي بما هو دونه. [مجموع الفتاوى: ١٧/ ٤٨].(٣) [سورة البقرة: الآية ١٠٦](٤) مسألة تفاضل القرآن الكريم مسألة تكلم فيها العلماء، وقد بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته المسماة: (جواب أهل العلم والإيمان أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاويه في المجلد السابع عشر.
وقد انتصر شيخ الإسلام للقول بأن بعض كلام الله أفضل من بعض، وذكر أن اعتقاد المخالفين له في هذه المسألة نشأ من اعتقادهم بأن القول بتفاضل القرآن يؤدي إلى القول بخلق القرآن كما هو مذهب المعتزلة.
حيث قال: ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصاً عن الفاضل، وصفات الله كاملة لا نقص فيها، والقرآن من صفاته. قال هؤلاء: صفات الله كلها متوافرة في الكمال، متناهية إلى غاية التمام، لايلحق شيئاً منها نقص بحال. ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لايمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق، فإنه إذا قيل: إنه مخلوق أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض، فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض.
قالوا: وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته.
[مجموع الفتاوى: ١٧/ ٧٢، ٧٣]стр. 305
وقال بعض المفسرين: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) يريد: أو سواها (٢) ، واستشهدوا (٣) بقول حسان ﵁ (٤) :
ياوَيْحَ أنصارِ النبي ونسلِه ... بَعد المُغيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ (٥)
قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٦) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٠٦](٢) لم أقف عليه.(٣) وهو استشهاد في غير محله، فإن هذا الشاهد تفسير لقوله: (سواء) من قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] قال أبو عبيدة: (سواء السبيل) أي وسطه.
[مجاز القرآن: ١/ ٥٠، وانظر تفسير ابن جرير: ١/ ٤٨٦](٤) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة، الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا الوليد وهي الأشهر، وأبا المضرب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن، روى عن النبي ﷺ ، عده ابن سلام في طبقة شعراء المدينة من شعراء القرى العربية، مات قبل الأربعين، وقيل: سنة أربعين، وقيل غير ذلك، وقيل: إنه عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات وهوابن عشرين ومائة.
[طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢١٥، والإصابة: ١/ ٣٢٦](٥) في الأصل: (في سواء المسجد) والتصحيح من ديوان حسان: ٩٨، ومجاز القرآن: ١/ ٥٠ وابن جرير: ١/ ٤٨٦، والقرطبي: ٢/ ٧٠، واللسان: ١٤/ ٤١٢ مادة (سوا).
وقد وضع في الهامش عبارة (يعني عمر ﵁) والصحيح أن هذا البيت في رثاء رسول الله ﷺ ، انظر ديوانه: ٩٨، والقرطبي: ٢/ ٧٠.(٦) [سورة البقرة: الآية ١١٥]стр. 306
قال ابن عمر - رواه سعيد بن جبير عنه (١) - أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به، وفيه أنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) (٣) .
وقال قتادة وزيد بن أسلم (٤) : أن ذلك نزل في صلاة رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس إلى أن حولت القبلة إلى الكعبة (٥) (٦) . الحواشي
(١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، عن: ابن عباس، وابن عمر، وعنه: الأعمش، وأبو بشر، ثقة ثبت فقيه، قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ.
[الكاشف: ١/ ٤٣٣، وتهذيب التهذيب: ٤/ ١٠، والتقريب: ٣٧٤](٢) [سورة البقرة: الآية ١١٥](٣) رواه مسلم في صحيحه: ١/ ٤٨٦، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث: ٣٣.
قال ابن العربي بعد ذكره لقول ابن عمر: أنها نزلت في صلاة التطوع، يتوجه المصلي في السفر إلى حيث شاء فيها راكباً، قال: وأما قول ابن عمر فسند صحيح، وهو قوي في النظر.
[أحكام القرآن: ١/ ٥٢، ٥٣].(٤) زيد بن أسلم، الإمام الحجة، أبو عبد الله العدوي العمري المدني الفقيه، قال الذهبي: لزيد تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، مات سنة ١٣٦ هـ.
[سير أعلام النبلاء: ٥/ ٣١٦، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٨٢].(٥) روى أثر قتادة وزيد بن أسلم ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٢، وروى أثر قتادة لوحده الترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة البقرة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وساق ابن الجوزي سند الإمام أحمد عن قتادة، انظر نواسخ القرآن: ١٧٠، ١٧١.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢١٢، بعد رواية أثر ابن عباس: أن أول مانسخ من القرآن شأن القبلة، قال: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخرساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.(٦) وممن رجح أن هذه الآية محكمة وليست ناسخة ولا منسوخة، وأن ما ورد من الآثار أنها منسوخة يحمل على معنى النسخ في مصطلح السلف: من العموم والخصوص والمجمل والمفسر، ممن رجح ذلك ابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٤، ٥٠٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٢٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٦٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٧٤.стр. 307
وقال علي بن سابط (١) ومجاهد (٢) : قبلة الله (٣) . الحواشي
(١) علي بن سابط: لم أعرفه، ولعله عبد الرحمن بن سابط، فهو المشتهر عنه التفسير، وهو من طبقة مجاهد، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة ١١٨ هـ.
[التقريب: ٥٧٩].(٢) مجاهد بن جبر، الإمام أبو الحجاج، مولى السائب بن أبي السائب، المقرئ المفسر، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، كنت أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ ، ولد سنة ٢١ هـ في خلافة عمر، ومات سنة ١٠٣ هـ. [معرفة القراء الكبار: ١/ ٦٦، وطبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٣٠٥](٣) لم أقف على ما روي عن علي بن سابط، أو عبد الرحمن بن سابط.
وأما أثر مجاهد فقد رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن، سورة البقرة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٢٩٥ كتاب الصلاة، في الرجل يصلي بعض صلاته لغير القبلة من قال: يعتد بها، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٥٠٥، ٥٠٦، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢١٢ بنحوه، والبيهقي في سننه: ٢/ ١٣ كتاب الصلاة، باب استبيان الخطأ بعد الاجتهاد.
ولئلا يتوهم متوهم، أو يظن ظان أن ما أثر هنا عن مجاهد في تفسيرهذه الآية من باب تأويل الصفات، أورد هنا كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام في معرض رده على من قال: إن مجاهد والشافعي تأولا هذه الآية، وهما من السلف، حيث قال: قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلاً، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات.
قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلم قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني أسلم أن المراد بالوجه هنا: القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه، أي: هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو الجهة، وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة، والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين، أنا نوليه: نستقبله.
قلت: والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف، وتولوا أي: تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهناك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله، هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فأخبر أن الجهات له، فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله) لم يكن هذا من التأويل الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر. [مجموع الفتاوى: ٦/ ١٦، ١٧]стр. 308
ويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع، ألا تراه يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) (٢) . *
قوله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٤٢](٢) قال ابن العربي بعد ذكره للأقوال في سبب نزول هذه الآية، قال: هذه الأقوال السبعة لقائليها تحتمل الآية جميعها. [أحكام القرآن: ١/ ٥٢].
* لوحة: ٨/ب.(٣) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]стр. 309
أخبرنا إسماعيل (١) قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد (٢) قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش (٣) عن أبي إسحاق (٤) عن البراء (٥) قال: صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة ستة عشر شهراً، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٦) الحواشي
(١) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٢) يحيى بن عبد الحميد بن عبدالله بن ميمون الحماني، أبو زكريا الكوفي، لقب جده بشْميْن، عن: أبيه، وأبي بكر بن عياش، وعنه: موسى بن هارون، وأبو قلابة الرقاشي، وثقه يحيى بن معين وغيره، وقال أحمد: كان يكذب جهاراً، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حجر: حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث، مات سنة ١٢٨ هـ. [ميزان الاعتدال: ٤/ ٣٩٢، وتهذيب التهذيب: ١١/ ٢١٢، والتقريب: ١٠٦٠].(٣) أبو بكر بن عياش الأسدي الكوفي الحنّاط المقريء، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، عن: حبيب بن أبي ثابت، وأبي إسحاق، وعنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح مات سنة ١٩٣ هـ. [الكاشف: ٢/ ٤١٢، والتقريب: ١١١٨](٤) عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، أحد الأعلام، عن: ابن عباس، والبراء بن عازب، وعنه: شعبة، وأبو بكر بن عياش، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره، مات سنة ١٢٧ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٨٢، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٥٣، والتقريب: ٧٣٩](٥) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عمارة، ويقال: أبا عمرو، له ولأبيه صحبة، روى عنه: عدي بن ثابت، وأبو إسحاق، غزا مع رسول الله ﷺ خمس عشرة غزوة، ومع علي يوم الجمل، وصفين، وقتال الخوارج، مات سنة ٧٢ هـ.
[الكاشف: ١/ ٢٦٤، والإصابة: ١/ ١٤٢](٦) [سورة البقرة: الآية ١٤٤]стр. 310
إلى آخر الآية، قال البراء: فمر علينا شاب فقال: إن الله قد صرف نبيه إلى القبلة، وقد صلينا
ركعتين فانصرفنا فصلينا ركعتين إلى القبلة (١) .
قال القاضي ﵁ وكان النبي ﷺ يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها وقال له: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٢) (٣) الحواشي
(١) سند المؤلف ضعيف لضعف يحيى بن عبد الحميد، لكنه لم ينفرد به، فالحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق أخرى عن أبي إسحاق، فقد رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٢٣، الإيمان، الصلاة من الإيمان، و ١/ ١٥٥، القبلة، التوجه نحو القبلة حيث كان، ٤/ ١٦٣١، التفسير سورة البقرة، ٦/ ٢٦٤٨، كتاب التمني باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، ومسلم في صحيحه: ١/ ٣٧٤، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث: ١١، كلاهما بنحوه.
ورواه ابن ماجه في سننه: ١/ ١٨١، إقامة الصلاة، القبلة، عن علقمة بن عمرو عن أبي بكر بن عياش به، والدارقطني في سننه: ١/ ٢٧٣، الصلاة، التحويل إلى الكعبة وجواز استقبال القبلة في بعض الصلاة، عن عبد الوهاب بن عيسى عن أبي هاشم عن أبي بكر بن عياش به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣، عن أبي كريب عن أبي بكر به، كلهم بمثله.(٢) [سورة البقرة: الآية ١٤٤](٣) روى ابن جرير في تفسير: ٢/ ١٩ بسنده عن قتادة أنه قال: كان يقلب ﷺ وجهه في السماء يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها. ورواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٢стр. 311
وأما قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) فالشطر ههنا: تِلقاءه، قِبَلَهُ، قال ذلك: علي ﵁ (٢) ، والبراء (٣) ، وأبو العالية (٤) (٥) ، وقال مجاهد: نحوه (٦) , وقتادة (٧) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٤٤](٢) روى بن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤ عن علي ﵁ قال: شطره فينا قبله، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٥٩، التفسير، سورة البقرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.(٣) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١ عن البراء قال: قبله، وعند بن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤: وسطه.(٤) رفيع بن مهران، الإمام المقريء الحافظ المفسر، أبو العالية الرياحي البصري، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، حفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس، مات سنة ٩٣ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٠٧، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٧٨].(٥) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٢٨، ابن أبي شيبة في مصنفه: ١/ ٢٩٥، كتاب الصلوات في الرجل يصلي بعض صلاته إلى غير القبلة من قال يعتد بها، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥٤.(٦) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ٢١، والطحاوي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٠.(٧) روى الترمذي في سننه تفسيرسورة البقرة أبواب التفسير بلفظ: تلقاءه، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٩٤، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٢ بمثله، وابن جرير في تفسيره: ١/ ٢١: تلقاء المسجد الحرام، .стр. 312
وزيد بن أسلم: قصده (١) (٢) .
وأنشدنا لابن أحمر (٣) :
تعدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقدةٌ ... قد كارب العقْدُ من إيقادها الحُقُبا (٤)
من إيقادها يعني: سرعتها (٥) .
وقال لقيط (٦) :
وقد أَظلّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغرِكُمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ يَغْشَاكُمُ قِطَعَا (٧)
وقد سمى الله تعالى الصلاة إيماناً (٨) . الحواشي
(١) روى ابن جرير في تفسيره: ١/ ٢٢ عن زيد بن أسلم شطره: ناحيته جانبه، قال: وجوانبه شطوره.(٢) قال الشافعي: فرض عليهم حيث ما كانوا أن يولوا وجوههم شطره، وشطره: جهته في كلام العرب، إذا قلت: أقصد شطر كذا، معروف أنك تقول: أقصد قصد عين كذا، يعني: قصد نفس كذا، وكذلك تلقاءه: جهته، أي: أستقبل تلقاءه وجهته، وإنَّ كلها معنى واحد، وإن كانت بألفاظ مختلفة.
[الرسالة: ٣٤، وانظر أحكام القرآن للشافعي: ١/ ٦٨](٣) عمرو بن أحمر بن العمرد بن تميم الباهلي، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من الإسلاميين، وقال فيه: صحيح الكلام، كثير الغريب. [طبقات فحول الشعراء: ٢/ ٥٧١، ٥٨٠، والشعر والشعراء: ١/ ٣٥٦].(٤) البيت في مجاز القرآن: ١/ ٦٠، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢١، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٠.(٥) مجاز القرآن: ١/ ٦٠.(٦) لقيط الإيادي، مختلف في اسم أبيه فقيل: معمر، وقيل: يعمر.
[الشعر والشعراء: ١/ ١٩٩](٧) البيت في الرسالة للشافعي: ٣٥، وابن عطية في تفسيره: ٢/ ١٠، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ١٥٩.(٨) يبين المؤلف هنا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويلاحظ أنه أخرها في التفسير عن الآية ١٤٤.
وتفسير الصلاة بالإيمان في هذه الآية ذهب إليه جمهور المفسرين، قال ابن عطية: وسمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس، وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال، وكان ثابتاً في حال التوجه هنا، وهنا ذكره؛ إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة: صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان. [المحرر الوجيز: ٢/ ٧، ٨].
وقال ابن عبد البر: ومن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل كما قالت الجماعة والجمهور، قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا.
[التمهيد: ٩/ ٢٤٥].стр. 313
وأن الإيمان قول وعمل (١) .
قال القاضي بكر: ومما يقوي: أن الإيمان قول وعمل قوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٢) إلى آخر الآية، والإرادة *: النية، والسعي: العمل، وهو مؤمن مقر (٣) . الحواشي
(١) كون الإيمان قول وعمل مذهب أهل السنة والجماعة، حيث إن الإيمان عندهم هو الطاعات كلها بالفلب واللسان وسائر الجوارح غير أن له أصلاً وفرعاً فإذا أتى بالأصل وهو المعرفة بالله والتصديق له وبه، وبما جاء من عنده بالقلب واللسان فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه، ولا يكون مستكملاً للإيمان حتى يأتي بفرعه وهو الإتيان بالفرائض واجتناب المحارم، وممن خالف في هذه المسألة: المرجئة والكرامية القائلين بأن الإيمان: هو التصديق باللسان وهو الإقرار بالشهادتين دون طمأنينة القلب، وعليه فإن الأفعال ليست من الإيمان، وأن إذا أتى بالشهادتين فهو كامل الإيمان وإن لم يأت بالأفعال، وخالف الجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة بالله فحسب، وخالف الخوارج القائلين بأن الإيمان فعل الطاعات المفترضة كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح، فجعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا ذهب بعضه ذهب كله.
[الإيمان لابن مندة: ١/ ٣٣١، مسائل الإيمان لأبي يعلى: ١٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية: ٧/ ١٩٤، ٢٢٣].(٢) [سورة الإسراء: الآية ١٩]
* لوحة: ٩/أ.(٣) انظر تفسير ابن جرير: ١٥/ ٥٩.стр. 314
حدثنا إبراهيم بن حماد (١) قال: حدثنا إسماعيل (٢) قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد (٣) قال: أخبرنا شريك (٤) عن أبي إسحاق (٥) عن البراء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٦) قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (٧) . الحواشي
(١) إبراهيم بن حماد بن إسحاق، ثقة ثبت، تقدم.(٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٣) يحيى بن عبد الحميد، حافظ متهم بسرقة الحديث، تقدم.(٤) شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، أبو عبد الله، عن: أبي إسحاق، وزياد بن علاقة، وعنه: يحيى بن عبد الحميد، والركين بن الربيع، صدوق يخطيء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً، شديداً على أهل البدع، مات سنة ١٧٧ هـ. [تهذيب الكمال: ١٢/ ٤٦٢، والتقريب: ٤٣٦].(٥) ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.(٦) [سورة البقرة: الآية ١٤٣](٧) إسناده ضعيف لضعف شريك ويحيى بن عبد الحميد، وقدر رواه الطيالسي في مسنده: ٢/ ٩٣ عن شريك وحديج به، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٢٦ عن شريك به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧ عن شريك به، = وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٥١ عن شريك وحديج به، وابن منده في الإيمان: ١/ ٣٢٩ عن شريك وغيره به، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨١٧ عن شريك به.
وله شاهد في صحيح البخاري: ١/ ٢٣، الإيمان، الصلاة من الإيمان، قال زهير: حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.стр. 315
قال إسماعيل (١) أخبرنا محمد بن أبي بكر (٢) قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل (٣) عن إسرائيل (٤) الحواشي
(١) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٢) محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء المُقدَّمي، أبو عبد الله الثقفي، مولاهم البصري، عن: يزيد بن زريع، وحماد بن سلمة، وعنه: البخاري ومسلم، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة، مات سنة ٢٣٤ هـ.
[الكاشف: ٢/ ١٦٠، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٦٥، والتقريب: ٨٢٩].(٣) مؤمل بن إسماعيل العدوي، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصري، عن: عكرمة بن عمار، وشعبة، وغيرهم، وعنه: أحمد بن حنبل، وابن المديني، وآخرون، صدوق سيء الحفظ، مات سنة ٢٠٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٠٩، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٣٣٩، والتقريب: ٩٨٧].(٤) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، عن: سماك بن حرب، والأعمش، وعنه: وكيع، وعلي بن الجعد، وجماعة، ثقة تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ١٦٢ هـ.
[الكاشف: ١/ ٢٤١، وتهذيب التهذيب: ١/ ٢٣٧، والتقريب: ١٣٤].стр. 316
عن سماك (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس ﵁ (٣) : قالوا: يا رسول الله أريت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤) (٥) الحواشي
(١) سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، عن: جابربن سمرة، وعكرمة، وعنه: إسرائيل، وشريك، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن، مات سنة ١٢٣ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٥، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٢١٠، والتقريب: ٤١٥].(٢) عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، المفسر، مولى ابن عباس، عن: مولاه، وعائشة، وعنه: سماك بن حرب، وعاصم الأحول، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة ١١٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٣، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢٢٨، والتقريب: ٦٨٧].(٣) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يسمى: البحر والحبر لسعة علمه، أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة، من فقهاء الصحابة، عنه: عكرمة، وغيره، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ.
[الكاشف: ١/ ٥٦٥، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٢٤٥].(٤) [سورة البقرة: الآية ١٤٣](٥) إسناده ضعيف؛ لسوء حفظ مؤمل، ولضعف رواية سماك عن عكرمة.
وقد رواه أبو داود في سننه: ٤/ ٢٢٠ باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه كتاب السنة عن سفيان عن سماك به، والترمذي في سننه تفسيرسورة البقرة من أبواب التفسير عن إسرائيل به، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٠٠، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٢٢، ٣٤٧ من طريق إسرائيل به، والدارمي في سننه: ١/ ٣٠٨ كتاب الصلاة باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، والطيالسي في مسنده: ٦/ ٣٩٦ من طريق قيس عن سماك به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧ عن إسرائيل به، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٦٢١ عن إسرائيل به، والطبراني في الكبير: ١١/ ٢٧٨ عن إسرائيل به، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٩٥، كتابالتفسيرسورة البقرة عن إسرائيل به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨١٧ عن إسرائيل به.
وله شاهد من حديث البراء السابق الذكر.стр. 317
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)
قال إسماعيل (٢) : أخبرنا إبراهيم بن حمزة (٣) قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد (٤) عن ابن شهاب (٥) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨](٢) إسماعيل بن إسحاق، ثقة صدوق، تقدم.(٣) إبراهيم بن حمزة الزبيري، صدوق، تقدم.(٤) في الأصل: إبراهيم بن سعيد، والصحيح ما أثبت، وهو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبوإسحاق المدني، عن: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، والوليد بن كثير، وعنه: إبراهيم بن حمزة الزبيري، وإسحاق بن منصور، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، مات سنة ١٨٥ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢/ ٨٨، والتقريب: ١٠٨].(٥) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر الحافظ المدني، عن: عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعنه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، وجعفر بن برقان، متفق على جلالته وإتقانه وثبته، مات سنة ١٢٤ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٢١٩، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٨٣٥، والتقريب: ٨٩٦].стр. 318
عن عروة (١) قال: قلت لعائشة ﵂: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية ما على أحد من جناح ألا يطوف بهما، قال: قالت عائشة ﵂: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها لكانت (فلا جناح عليه ألا يطّوف بهما) (٣) ، إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا يهلون بمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المُشَلَّل (٤) ، الحواشي
(١) عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله المدني، عن: خالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعنه: ابنه عثمان، والزهري، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٨، والنقريب: ٦٧٤].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٥٨](٣) وهي قراءة علي وابن عباس بخلاف، وسعيد بن جبير، وأنس بن مالك، ومحمد بن سيرين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وميمون بن مهران.
وظاهر هذه القراءة: أنه مفسوح له في ترك ذلك، وقد يمكن أن تكون (لا) على هذه القراءة زائدة، فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافة واحداً، حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطوف بهما، وزاد (لا) كما زيدت في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلم.
[انظر المحتسب: ١/ ١١٥، ١١٦](٤) المشلل، بضم أوله، وفتح ثانيه، وفتح اللام وتشديدها: ثنية مشرفة على قُدَيد، يهبط منها إليه من ناحية البحر، وقُدَيد: اسم موضع قرب مكة، والمشلل من قديد، وبالمشلل كانت مناة التي يعبدونها.
[معجم ما استعجم: ٣/ ١٠٥٤، ٤/ ١٤٣٣، ومعجم البلدان: ٤/ ٣١٣، ٥/ ١٣٦]стр. 319
وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) ، قالت: ثم سن رسول الله ﷺ * الطواف بهما فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما.
قال ابن شهاب فذكرت حديث عروة لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٢) ، فقال: والله إن هذا لعلمٌ ما سمعت به، ولقد سمعت رجالاً يذكرون أن من كان يهل بمناة الطاغية كلهم كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما أمر الله بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يارسول الله: إنا كنا نطوف في الجاهلية بالصفا والمروة فتحرجنا في الإسلام أن نطوف بهما؛ من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يأمرنا بالطواف بالصفا والمروة معه حتى أنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]
* لوحة: ٩/ب.(٢) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، قيل اسمه: محمد، وقيل: المغيرة، والصحيح: أن اسمه وكنيته واحد، عن: أبي هريرة، وعائشة، وعنه: الزهري، والحكم بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه عابد، مات سنة ٩٤ هـ. [تهذيب الكمال: ٣٣/ ١١٢، والتقريب: ١١١٦].(٣) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]стр. 320
قال أبو بكر بن عبدالرحمن: فالآية قد أنزلت في الفريقين جميعاً الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية، والذين كانوا يتحرجون في الإسلام. (١)
وقال مجاهد (٢) والشعبي (٣) (٤) وأنس (٥) الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٢، الحج، وجوب الصفا والمروة، وَجُعِلَ من شعائر الله، عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٢٩، الحج، حديث: ٢٦١، عن عمرو الناقد وابن أبي عمر عن ابن عيينة عن سفيان عن الزهري به، وأحمد في مسنده: ٦/ ١٤٤ من طريق إبراهيم بن سعد به، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٦٦ من طريق إبراهيم بن سعد به.(٢) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٧، قال ابن حجر: وفي كتاب مكة لعمر بن شبة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت: الأنصار إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٥](٣) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، وقيل: عامر بن عبدالله بن شراحيل، الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، علامة العصر، سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، ومات سنة ١٠٤ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٩٤، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٦٠].(٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٦، والفاكهي في أخبار مكة: ٢/ ٢٤١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٦، قال ابن حجر: وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي (في الأحكام) بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان صنم بالصفا يدعى أساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٤](٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٤، الحج، ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، و ٤/ ١٦٣٥، التفسير، سورة البقرة، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٣٠، الحج، حديث: ٢٦٤ ..следующие страницы →