Полный текст (1 818 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
عن سماك (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس ﵁ (٣) : قالوا: يا رسول الله أريت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤) (٥) الحواشي
(١) سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، عن: جابربن سمرة، وعكرمة، وعنه: إسرائيل، وشريك، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن، مات سنة ١٢٣ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٥، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٢١٠، والتقريب: ٤١٥].(٢) عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، المفسر، مولى ابن عباس، عن: مولاه، وعائشة، وعنه: سماك بن حرب، وعاصم الأحول، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة ١١٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٣٣، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢٢٨، والتقريب: ٦٨٧].(٣) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يسمى: البحر والحبر لسعة علمه، أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة، من فقهاء الصحابة، عنه: عكرمة، وغيره، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ.
[الكاشف: ١/ ٥٦٥، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٢٤٥].(٤) [سورة البقرة: الآية ١٤٣](٥) إسناده ضعيف؛ لسوء حفظ مؤمل، ولضعف رواية سماك عن عكرمة.
وقد رواه أبو داود في سننه: ٤/ ٢٢٠ باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه كتاب السنة عن سفيان عن سماك به، والترمذي في سننه تفسيرسورة البقرة من أبواب التفسير عن إسرائيل به، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٠٠، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٢٢، ٣٤٧ من طريق إسرائيل به، والدارمي في سننه: ١/ ٣٠٨ كتاب الصلاة باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، والطيالسي في مسنده: ٦/ ٣٩٦ من طريق قيس عن سماك به، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٧ عن إسرائيل به، وابن حبان في صحيحه: ٤/ ٦٢١ عن إسرائيل به، والطبراني في الكبير: ١١/ ٢٧٨ عن إسرائيل به، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٩٥، كتابالتفسيرسورة البقرة عن إسرائيل به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ٤/ ٨١٧ عن إسرائيل به.
وله شاهد من حديث البراء السابق الذكر.стр. 317
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)
قال إسماعيل (٢) : أخبرنا إبراهيم بن حمزة (٣) قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد (٤) عن ابن شهاب (٥) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨](٢) إسماعيل بن إسحاق، ثقة صدوق، تقدم.(٣) إبراهيم بن حمزة الزبيري، صدوق، تقدم.(٤) في الأصل: إبراهيم بن سعيد، والصحيح ما أثبت، وهو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبوإسحاق المدني، عن: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، والوليد بن كثير، وعنه: إبراهيم بن حمزة الزبيري، وإسحاق بن منصور، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، مات سنة ١٨٥ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢/ ٨٨، والتقريب: ١٠٨].(٥) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر الحافظ المدني، عن: عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعنه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، وجعفر بن برقان، متفق على جلالته وإتقانه وثبته، مات سنة ١٢٤ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٢١٩، وتهذيب التهذيب: ٩/ ٨٣٥، والتقريب: ٨٩٦].стр. 318
عن عروة (١) قال: قلت لعائشة ﵂: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية ما على أحد من جناح ألا يطوف بهما، قال: قالت عائشة ﵂: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها لكانت (فلا جناح عليه ألا يطّوف بهما) (٣) ، إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا يهلون بمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المُشَلَّل (٤) ، الحواشي
(١) عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله المدني، عن: خالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعنه: ابنه عثمان، والزهري، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤ هـ. [الكاشف: ٢/ ١٨، والنقريب: ٦٧٤].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٥٨](٣) وهي قراءة علي وابن عباس بخلاف، وسعيد بن جبير، وأنس بن مالك، ومحمد بن سيرين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وميمون بن مهران.
وظاهر هذه القراءة: أنه مفسوح له في ترك ذلك، وقد يمكن أن تكون (لا) على هذه القراءة زائدة، فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافة واحداً، حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطوف بهما، وزاد (لا) كما زيدت في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلم.
[انظر المحتسب: ١/ ١١٥، ١١٦](٤) المشلل، بضم أوله، وفتح ثانيه، وفتح اللام وتشديدها: ثنية مشرفة على قُدَيد، يهبط منها إليه من ناحية البحر، وقُدَيد: اسم موضع قرب مكة، والمشلل من قديد، وبالمشلل كانت مناة التي يعبدونها.
[معجم ما استعجم: ٣/ ١٠٥٤، ٤/ ١٤٣٣، ومعجم البلدان: ٤/ ٣١٣، ٥/ ١٣٦]стр. 319
وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) ، قالت: ثم سن رسول الله ﷺ * الطواف بهما فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما.
قال ابن شهاب فذكرت حديث عروة لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٢) ، فقال: والله إن هذا لعلمٌ ما سمعت به، ولقد سمعت رجالاً يذكرون أن من كان يهل بمناة الطاغية كلهم كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما أمر الله بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يارسول الله: إنا كنا نطوف في الجاهلية بالصفا والمروة فتحرجنا في الإسلام أن نطوف بهما؛ من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يأمرنا بالطواف بالصفا والمروة معه حتى أنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]
* لوحة: ٩/ب.(٢) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، قيل اسمه: محمد، وقيل: المغيرة، والصحيح: أن اسمه وكنيته واحد، عن: أبي هريرة، وعائشة، وعنه: الزهري، والحكم بن عتبة، أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه عابد، مات سنة ٩٤ هـ. [تهذيب الكمال: ٣٣/ ١١٢، والتقريب: ١١١٦].(٣) [سورة البقرة: الآية ١٥٨]стр. 320
قال أبو بكر بن عبدالرحمن: فالآية قد أنزلت في الفريقين جميعاً الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية، والذين كانوا يتحرجون في الإسلام. (١)
وقال مجاهد (٢) والشعبي (٣) (٤) وأنس (٥) الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٢، الحج، وجوب الصفا والمروة، وَجُعِلَ من شعائر الله، عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٢٩، الحج، حديث: ٢٦١، عن عمرو الناقد وابن أبي عمر عن ابن عيينة عن سفيان عن الزهري به، وأحمد في مسنده: ٦/ ١٤٤ من طريق إبراهيم بن سعد به، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٦٦ من طريق إبراهيم بن سعد به.(٢) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٧، قال ابن حجر: وفي كتاب مكة لعمر بن شبة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت: الأنصار إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٥](٣) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، وقيل: عامر بن عبدالله بن شراحيل، الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، علامة العصر، سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، ومات سنة ١٠٤ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٩٤، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٦٠].(٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٣٦، والفاكهي في أخبار مكة: ٢/ ٢٤١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٦، قال ابن حجر: وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي (في الأحكام) بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان صنم بالصفا يدعى أساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٤](٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٤، الحج، ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، و ٤/ ١٦٣٥، التفسير، سورة البقرة، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٣٠، الحج، حديث: ٢٦٤ ..стр. 321
الحواشي
(١) ورد في سبب نزول هذه الآية روايات متعددة، ومن أشهرها ما ذكره المؤلف عن أبي بكر بن عبدالرحمن: من أنها نزلت في فريقين، هما: الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بهما، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام.
وقد رجح هذا القول ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٤٨.
وهذا الحديث قد اختلف فيه على هشام بن عروة عن أبيه، فقد رواه أبو أسامة عنه في صحيح مسلم: ٢/ ٩٢٨، حديث: ٢٦٠، بما يوافق رواية الزهري من أن الآية أنزلت في الفريقين.
ورواه أبو معاوية عن هشام عن أبيه، في صحيح مسلم: ٢/ ٩٢٨، حديث: ٢٥٩، بما يخالف رواية الزهري، من أن الآية نزلت فيمن كان يطوف بهما في الجاهلية، ثم تحرج عن الطواف بهما في الإسلام.
قال ابن حجر: فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة فإنها تقتضي: أن التحرج عن الطواف بين الصفا والمروة لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرجوا من فعله في الإسلام. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٤]
ثم ذكر ابن حجر ما يؤيد رواية أبي معاوية، مما أثر عن الشعبي، ومجاهد، وأنس، وغيرهم.
قال ابن حجر: فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية وتقدمها على رواية غيره، ويحتمل: أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف بينهما، لكونه كان عندهم جميعاً من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا. [فتح الباري: ٣/ ٥٨٥].стр. 322
قال القاضي ﵁: فأعلم الله ﵎ عباده أنهما من شعائر الله، وأنه لاجناح على من كان يتحرج، فثبت الطواف بهما لأنهما من الشعائر، قال النبي ﷺ : (خذوا عني مناسككم) (١) ، الحواشي
(١) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤٣، الحج، حديث: ٣١٠، بلفظ (لتأخذوا مناسككم)، ورواه النسائي في سننه: ٥/ ٢٩٨، المناسك، الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣١٨، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٣٢٠، والطبراني في الأوسط: ٢/ ٢٦٣، كلهم بلفظ: (خذوا مناسككم).
وعند البيهقي في سننه: ٥/ ١٢٥ كتاب الحج باب الإيضاع في وادي محسر عن جابر قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا.
قال العجلوني: (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.
[كشف الخفاء: ١/ ٤٥٦].стр. 323
وإنما احتذى (١) النبي ﷺ مناسك إبراهيم ﵇، وقد تطوف بهما، وتطوف المسلمون بهما (٢) ، وثبت الطواف بهما وصار واجباً ليس لأحد تركه، وهو من فرائض الحج والله أعلم (٣) . الحواشي
(١) حذا حذوه: فعل فعله، ويقال: فلان يحتذي على مثال فلان إذا اقتدى به في أمره. [اللسان: ١٤/ ١٧٠].(٢) قال ابن جرير: وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ ، إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر فإنه مراد به الأمر؛ لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمداً ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماماً لمن بعده، فإذا كان صحيحاً أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم ﷺ قد عمل به، وسنه لمن بعده، وقد أمر نبينا ﷺ أمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله ﷺ .
[تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٤، وانظر أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٩٥، ٩٨].(٣) ما ذكره المؤلف هنا من أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج وفرض من فروضه مذهب المالكية،
وهو قول: عائشة، وعروة، والشافعي، وأحمد في رواية المذهب، وإسحاق، وأبو ثور، وداود الظاهري.
[أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٧١، وبداية المجتهد: ١/ ٤٢١، والمغني: ٥/ ٢٣٨، والمجموع: ٨/ ١٠٥].
وممن ذهب إلى أنه واجب من واجبات الحج، إذا تركه وجب عليه دم: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه، وانتصر لها القاضي أبو يعلى وابن قدامة.
[أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٩٨، والاستذكار: ١٢/ ٢٠٢، والمغني: ٣/ ٢٣٩، والمجموع: ٨/ ١٠٥].
= وممن ذهب إلى سنيته، ولا دم على من تركه: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين، وأحمد في رواية. [تفسير ابن جرير: ٢/ ٤٩، والمغني: ٣/ ٢٣٩، والمجموع: ٨/ ١٠٥].
والراجح القول الأول وهو ما صوبه ابن جرير بقوله: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العود لقضائه ناسياً كان أو عامداً؛ لأنه لا يجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما. [تفسير ابن جرير: ٢/ ٥٠].
* لوحة: ١٠/أ.стр. 324
قوله ﵎: * ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)
قال مجاهد: غير باغ (٢) على المسلمين، ولا عاد (٣) عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له، إنما تحل لمن خرج في طاعة الله (٤) ، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك (٥) ، وقال ابن عباس: غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل (٦) ، وقال الحسن (٧) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٣](٢) البغي: الظلم، يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد، ومنه أن يبغي الإنسان على آخر.
[مقاييس اللغة: ١٢٦].(٣) عدو: يدل على تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يُقتصر عليه، والعادي الذي يعدو على الناس ظلماً وعدواناً. [مقاييس اللغة: ٧١٩].(٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٤٥، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة: ٢/ ٩٩٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٦، ٨٧، والبيهقي في سننه: ٣/ ١٥٦، الصلاة، لا تخفيف عمن كان سفره في معصية الله.(٥) رواه ابن الجعد في مسنده: ٣٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٧.(٦) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٨٤، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٠٥.(٧) الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، كان سيد زمانه علماً وعملاً، قال ابن حجر: هو رأس الطبقة الثالثة - وهي الطبقة الوسطى من التابعين -، ثقة فقيه مشهور كان يرسل كثيراً ويدلس مات سنة ١١٠ هـ.
[طبقات ابن سعد: ٧/ ١٥٦، والتقريب: ٢٣٦، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٥٠].стр. 325
(١) مثل ذلك.
قال القاضي بكر ﵀: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع؛ لأن الذي خرج في معصية الله قد مضى فعله فَقَتْلُه نفسه معصية ثانية، لا نأمره بها وهو في سعة من أن يحيي نفسه (٢) . الحواشي
(١) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٧.(٢) قال أبو الوليد الباجي: فأما السفر المباح فهو الذي يجوز له أن يترخص فيه بأكل الميتة، وأما السفر المحرم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له ذلك، ففرق بينه وبين القصر والفطر في سفر المعصية.
[المنتقى: ٣/ ١٤٠].
وقال القاضي عياض: واختلفوا في سفر الباغي والعاصي، فقال: لارخصة، وإنما رخص لمن خرج في سفر طاعة وغير معصية، وهو قول مجاهد وابن جبير وغيرهما، وتأولوا قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، وهو قول الشافعي، ورواية أخرى عندنا، وقول ابن حبيب. وقال آخرون بجواز ذلك له، وهومشهور قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة، وظاهر قول ابن عباس. [إكمال المعلم: ٦/ ٣٧٥].
قال القرطبي: واختلفت الروايات عن مالك في ذلك، فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى: أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية، ولا يجوز له القصر والفطر. وقال ابن خويز منداد فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء. [الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٣٣].
كذا في القرطبي، والصحيح ما ذكره الباجي من أن المشهور من مذهب مالك: أنه لايجوز له الأكل في سفر المعصية، ويجوز له القصر والفطر. [المنتقى: ٣/ ١٤٠].
وقد رجح المؤلف ما رجحه شيخه القاضي إسماعيل، قال القاضي عياض: وإليه نحا إسماعيل القاضي، قال: لأن قتل نفسه إذا لم يأكل معصية ثانية. [إكمال المعلم: ٦/ ٣٧٥].
وممن رحج هذا القول أيضاً ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٨٨، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٣٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية: ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصاً بقطع الطريق والخروج على الإمام وأيضاً فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من: ﴿اضْطُرَّ﴾ فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدى.
[مجموع الفتاوى: ٢٤/ ١١١، ١١٢].
وقال في موضع آخر: وإن كان سببه معصية، كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة، والمنفق ماله في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة، ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة، ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال. [مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٦٤، ٦٥].стр. 326
قال مسروق (١) : ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار (٢) . وقال مالك بن أنس: من اضطر إلى الميتة أكل شبعه (٣) ، وتابعه جماعة من التابعين (٤) ، وقال آخرون: يأكل ما يقيم الرمق (٥) ، الحواشي
(١) مسروق بن الأجدع، وهو عبد الرحمن بن مالك بن أمية بن عبد الله، أبو عائشة الوادعي، الهمداني الكوفي، وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي ﷺ ، مات سنة ٦٣ هـ.
[طبقات ابن سعد: ٦/ ٧٦، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٣].(٢) رواه معمر بن راشد في الجامع انظر المصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ٤١٣، والبيهقي في سننه: ٩/ ٣٥٧، الضحايا، ما يحل من الميتة بالضرورة.
قال الكياالهراسي: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصياً. [أحكام القرآن: ١/ ٤٢].(٣) الموطأ: ٢/ ٣٩٨، كتاب الصيد، رقم: ١٩.(٤) ممن وافق الإمام مالك في أن المضطر يأكل شبعه: الحسن فيما ذكره عنه ابن عبد البر في الاستذكار: ١٥/ ٣٥٣ من أنه قال: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قوته، وقد ذكر ابن قدامة عن الحسن ما يخالف هذه الرواية من أنه قال: يأكل قدر ما يقيمه [المغني: ١٣/ ٣٣٠]، وممن وافق مالك أيضاً: عبيد الله بن الحسن العنبري، فيما نقله عنه الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٨٢، وفي مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ٣٥٩، وإحدى الروايتين عن أحمد [المغني: ١٣/ ٣٣١]، وأحد الأقوال عن الشافعي [روضة الطالبين: ٣/ ٢٨٣]، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٤٢٦.(٥) الرمق: قال ابن فارس: الراء والميم والقاف أصل يدل على ضعف وقلة، والرَّمَق: باقي النَّفْس أو النَّفَس.
[مقاييس اللغة: ٤٠٣].
يقال: سد رمقه: أطعمه فأنقذه من الموت جوعاً، وقد يطلق على القوة، ويأكل المضطر من الميتة ما يسد به الرمق، أي: ما يمسك قوته ويحفظها. [المصباح المنير: ٢٣٩، معجم لغة الفقهاء: ٢٢٧].стр. 327
وقالوا ذلك له حلال (١) .
قال القاضي ﵀: فأما حلال فلا وجه لذكره؛ لأن العين لا تنتقل من التحريم إلى التحليل، هي محرمة العين مباحة الأكل لمن اضطر إليها، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ، فما عفي عنه، وغفر، وأزيل فيه المأثم، خارج عن المحللات إلى الإباحة بالشرط، فإذا وقعت الإباحة كان الشبع حلالاً. والله أعلم (٣) . الحواشي
(١) مسألة قدر ما يؤكل من الميتة، قال ابن قدامة: يباح له أكل ما يسد الرمق , ويأمن معه الموت بالإجماع. ويحرم ما زاد على الشبع , بالإجماع أيضا. وفي الشبع روايتان ; أظهرهما , لا يباح. [المغني: ١٣/ ٣٣٠]، وهو قول الأحناف [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٨٢]، وبه قال بعض أصحاب مالك [أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٨٢، وبداية المجتهد: ١/ ٥٨٥]، وأحد الأقوال عن الشافعي، قال النووي: وفي حال الشبع ثلاثة أقوال: ثالثها: إن كان قريباً من العمران لم يحل، وإلا فيحل، ورجح القفال وكثير من الأصحاب المنع، ورجح صاحب الإفصاح والروياني وغيره: الحل، هكذا أطلق الخلاف أكثرهم. وفصّل الإمام والغزالي تفصيلاً حاصله: إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع لايقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع الطعام الحلال قبل عودة الضرورة، وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام حلال، وأمكنه الرجوع إلى الحرام مرة بعد أخرى، إن لم يجد الحلال، فهو موضع الخلاف.
قلت: هذا التفصيل هو الراجح، والأصح من الخلاف: الاقتصار على سد الرمق. [روضة الطالبين: ٣/ ٢٨٣](٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٣](٣) لا يلزم من وقوع الإباحة أن الشبع حلال؛ لأن شرط الإباحة وهو الاضطرار قد زال بسد الرمق.
قال ابن المنذر بعد ذكره لقول الأحناف: وهذا أصح؛ لأن الميتة إنما أبيحت له في حال الاضطرار، فإذا أكل منها ما يزيل تلك الحال عنه رجع الأمر إلى التحريم.
[الإقناع: ٢/ ٦٢٨].стр. 328
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (١)
قال القاضي ﵀: وهذه الآية * نزلت في قبائل من العرب كانوا يتقاتلون فإذا كان فيهم العدد والمنعة فقُتل منهم امرأة قالوا: لا يُقتل بها إلا رجلاً، وإذا قَتَلوا رجلاً قالوا: لا نعطي به إلا امرأة أو عبداً، يستضعفون من دونهم.
قال إسماعيل (٢) : أخبرنا سليمان بن حرب (٣) قال: حدثنا حماد بن سلمة (٤) عن داوود (٥) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]
* لوحة: ١٠/ب.(٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٣) سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي، أبو أيوب البصري، عن: شعبة وحماد، وعنه: إسماعيل بن إسحاق، والبخاري، ثقة إمام حافظ، مات سنة ٢٢٤ هـ.
[الكاشف: ١/ ٤٥٨، وتهذيب التهذيب: ٤/ ١٦١، والتقريب: ٤٠٦](٤) حماد بن سلمة ثقة عابد وتغير حفظه بآخره، تقدم.(٥) داوود بن أبي هند، واسمه دينار بن عذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، وقيل: أبو محمد البصري، عن عكرمة والشعبي، وعنه: شعبة والحمادين، ثقة متقن كان يهم بآخره، مات سنة ١٤٠ هـ.
[الكاشف: ١/ ٣٨٢، وتهذيب التهذيب: ٣/ ١٨٢، والتقريب: ٣٠٩]стр. 329
عن الشعبي في قول الله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (١) قال نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان، ونقتل بأمتنا فلانة بنت فلان (٢) ، فأنزل الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٣) (٤) .
وقال قتادة مثل ذلك وأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية (٥) (٦) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٢) كذا في الأصل، وعند ابن جرير: نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبفلانة فلان بن فلان. ونحوه عند أبي عبيد.(٣) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٤) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٣٨ من طريق هشيم عن داود به، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٨، كتاب الديات، باب إن المسلمين تتكافأ دماؤهم، من طريق ابن أشوع عن الشعبي، والطبري في تفسيره: ٢/ ١٠٣ عن حماد بن سلمة به.(٥) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة: ٢/ ٥٤٨، والطبري في تفسيره: ٢/ ١٠٣، والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٦ كتاب الجنايات باب إيجاب القصاص على القاتل دون غيره، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٨٥.(٦) ما ذكره المؤلف أحد الأقوال فيمن نزلت هذه الآية، وقد ذكر ابن جرير في تفسيره بقية الأقوال، انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ١٠٢ - ١٠٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٧٣ - ٤٧٨، وهذه الأقوال يمكن تلخيصها: بما ذكره ابن جرير بقوله: الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين، إما قولنا: من أن لا يتُعدى بالقصاص غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر، وإما القول الآخر: وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصاصاً بعضها من بعض. [تفسير ابن جرير: ٢/ ١٠٦].
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذين القولين ورجح الثاني منهما، وهو أن المراد بالقصاص هنا مقاصة الديات بعضها ببعض [انظرمجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٣، ٧٤]стр. 330
قال أبو مصعب: قال مالك ﵁: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد الجنس الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد الذكر والأنثى سواء، وإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكار لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) فالمساواة في ذلك، الحرية في جنسها والعبودية في جنسها (٢) .
وزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم (٣) ، الحواشي
(١) [سورة المائدة: الآية ٤٥](٢) ساق المؤلف كلام الإمام مالك بمعناه، وأسوقه بنصه: قال مالك: إن أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية في قول الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فهؤلاء الذكور ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: أن القصاص يكون بين الإناث كهيئته بين الذكور، والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة، كما يقتل الحر بالحر، والأمة تقتل بالأمة، كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال، والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء الأحرار في النفس، وذلك أن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فذكر الله ﵎ أن النفس بالنفس، فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر، وجرحها بجرحه.
[موطأ الإمام مالك برواية أبي مصعب الزهري: ٢/ ٢٥٠، كتاب العقل، وانظر الموطأ: ٢/ ٦٦٤، كتاب العقول، والنوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد: ١٣/ ٥٤١ ونسب القول إلى أصحاب مالك](٣) شرح معاني الآثار للطحاوي: ٣/ ١٩٢، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٠، ١٩٧.
* لوحة: ١١/أ.стр. 331
وقد فرّق الله وجعل القصاص بالتساوي، وفرّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف * كافراً وعبداً ما أوجبه على من قذف حراً مسلماً (١) ، والحدود يرد بعضها إلى بعض. وقد ناقضوا أيضاً فزعموا: أنهم يقتلون الحر المسلم (٢) بالعبد والكافر، ولا يفقؤون (٣) الحواشي
(١) كذا بالأصل، ولعل الصواب: من قذف حراً ومسلماً، حتى يستقيم الكلام مع ما قبله من قوله: من قذف كافراً وعبداً.(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: أنهم يقتلون الحر والمسلم، حتى يستقيم الكلام مع ما بعده من قوله: بالعبد والكافر.(٣) فقأت عينه أفقؤها: بخصتها، وفقأ العين: شقها فخرج ما فيها.
[المصباح المنير: ٤٨٠، ومعجم لغة الفقهاء: ٣٤٨].стр. 332
عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد (١) ، فإن كانوا أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة بينه، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان، وقد قال الله : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٢) والعبد لا يتصدق عندهم؛ لأن الحق لسيده، والكافر لا تُكفر عنه صدقته، فقد خالفوا ظاهر الآية وباطنها (٣) ، الحواشي
(١) ذهب الأحناف إلى: ألا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس. [أحكام القرآن للجصاص: ١/ ١٩٠].(٢) [سورة المائدة: الآية ٤٥](٣) قال أبو عبيد: يذهب ابن عباس - فيما نرى - إلى أن الآية التي في المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ليست بناسخة للتي في البقرة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا هي خلافها، ولكنهما جميعاً محكمتان إلا أنه رأى أن التي في المائدة كالمفسرة للتي في البقرة وأما أهل العراق فيرون أن من رأى منهم أن آية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ منسوخة نسختها: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ في قوله، فيجعلون بين الأحرار والعبيد القصاص في النفس خاصة، ولا يرون ذلك فيما دون ذلك بينهم قصاص. [انظر الناسخ والمنسوخ: ١٣٩]
وهذا ما ذهب إليه القاضي إسماعيل بن إسحاق - فيما نقله عنه ابن حجر - من الجمع بين الآيتين، حيث قال: قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن: الجمع بين الآيتين أولى، فتحمل النفس على المكافئة، ويؤيده اتفاقهم على أن الحر لو قذف عبداً لم يجب عليه حد القذف، قال: ويؤخذ الحكم من الآية نفسها فإن في آخرها: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ والكافر لا يسمى متصدقاً ولا مكفراً عنه، وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده. [فتح الباري: ١٢/ ٢٤٦، ٢٦٠].
وسيأتي مزيد إيضاح وبيان في مسألة قتل المسلم بالكافر عن تفسير آية ٤٥ من سورة المائدة.стр. 333
ونسأل الله التوفيق (١) .
قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)
قال ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: هذا العمد يرضى أهله بالدية، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ من الطالب، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوب، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كان على بني إسرائيل، ورواه سليمان بن حرب (٣) عن حماد بن سلمة (٤) عن عمرو بن دينار (٥) عن جابر بن زيد (٦) عن ابن عباس (٧) . الحواشي
(١) وضع بهامش المخطوط كلمة (بلغ) فلعلها علامة على انتهاء مجلس قراءة.(٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٣) سليمان بن حرب: ثقة إمام حافظ تقدم.(٤) حماد بن سلمة: ثقة عابد تغير حفظه بآخره تقدم.(٥) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي، عن: أبي هريرة، وجابر بن زيد، وعنه: مالك، والحمادان، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦ هـ. [الكاشف: ٢/ ٧٥، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٢٥، والتقريب: ٧٣٤](٦) جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي، مشهور بكنيته، صاحب ابن عباس، روى عنه، وعن ابن عمر، وعنه: قتادة، وعمرو بن دينار، ثقة فقيه، مات سنة ٩٣ هـ.
[الكاشف: ١/ ٢٨٧، وتهذيب التهذيب: ٢/ ٣٥، والتقريب: ١٩١].(٧) رواه ابن جرير في تفسيره من طريق حماد به: ١/ ١٠٧، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٠، كتاب التفسير سورة البقرة من طريق حماد به، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥٢ كتاب الجنايات باب الخيار في القصاص عن حماد به.стр. 334
فيما رواه مجاهد: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، قال الله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١) - ولم يذكر ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٢) لمعرفة ابن عباس بالقصة فيها - (٣) ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن تقبل الدية في العمد، فيتبع الطالب بمعروف *، ويؤدي المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم مما كتب على من كان قبلكم. (٤) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٣) لعل هذا الكلام من المؤلف، حيث إن كل من روى هذا الأثر يورد قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ولم يذكروا ما قاله المؤلف هنا، انظر تخريج هذا الأثر.
* لوحة: ١١/ب.(٤) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٣٦، كتاب التفسير سورة البقرة، باب: يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس، ٦/ ٢٥٢٣ كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.
وقد رواه من هذا الطريق أيضاً عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٢، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٥/ ٤٥٨، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ١٧٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٦، ، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥١ الموضع السابق.
ورواه من طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار به، ابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٧، وابن حبان في صحيحه: ١٣/ ٣٦٢.
وقد حكم بعض أهل العلم على رواية حماد بن سلمة المذكورة بالشذوذ لمخالفتها ما هو أوثق منها، قال ابن حجر: وافق ابن عيينة محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، وكذا رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وخالف الجميع حماد بن سلمة، فقال: عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، والأول هو المحفوظ.
[النكت الظراف على الأطراف: ٥/ ٢٢٣].стр. 335
وقال الشعبي (١) وقتادة (٢) نحو ذلك.
قال القاضي ﵀: وهذه الآية نزلت في العمد، والعاقلة (٣) لا تحمل عمداً، ولا إقراراً ولا عبداً (٤) ، الحواشي
(١) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٨.(٢) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٦.(٣) العقل هو الدية، وعقلت القتيل أي: أعطيت ديته، والعاقلة هي: الجماعة التي تغرم الدية، وهم عشيرة الرجل، أو أهل ديوانه - أي الذين يرتزقون من ديوان على حدة - وسميت الدية عقلاً لوجهين، أحدهما: أن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، فسميت الديات بذلك، وإن كانت دراهم ودنانير، والثاني: أنها تعقل الدماء من السفك.
[طلبة الطلبة لأبي حفص النسفي: ١٦٩، والمغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي: ٣٢٥].(٤) روى البيهقي في سننه: ٨/ ١٠٤ كتاب الديات باب من قال لا تحمل العاقلة عمداً، عن ابن عباس قال: لا تحمل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك.
قال ابن قدامة: ولم نعرف له في الصحابة مخالفاً، فيكون إجماعاً. [المغني: ١٢/ ٢٧]стр. 336
وقول من ذكرنا من ابن عباس وغيره: إذا قبُلتْ الدية، موافق لقولنا: إن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول ذلك أو القتل، ألا ترى أنه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢) يعني من ولي (٣) المقتول شيء، والشيء نكرة ليس هو دية معلومة (٤) ، وهو ما بذله له، فرضي الأولياء به جاز الدية أو كان دونها، فاتباع بالمعروف يتبع المعفو له طالب بإحسان، ويؤدي القاتل أيضاً بإحسان (٥) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٩](٢) [سورة البقرة: الآية ١٧٨](٣) في الأصل: من وليه المقتول، والصحيح ما أثبت.(٤) في الأصل: معروفة، ثم صححت إلى: معلومة.(٥) اختلف أهل العلم فيمن هو العافي في هذه الآية، قال أبو محمد مكي بن أبي طالب: المعروف من مذهب مالك وأصحابه: أن المعفو له بالدم ولي الدم، عُفي له بدية أُعطيها عوضاً من قتل القاتل فقبلها، والعافي: القاتل عفى عن نفسه بأن بذل الدية، والتقدير: فمن أُعطي دية فقبلها فعليه أن يتبع المعطي بالعروف، وعلى المعطي أن يؤدي ما بذل بإحسان، فـ (من) في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: اسم ولي الدم. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أمر للولي أن يتبع القاتل فيما بذله له من الدية بمعروف، وقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: أمر للقاتل أُمر أن يؤدي إلى الولي ما بذل له من الدية بإحسان، وفي رجوع الهاءات بيان هذا المعنى، فالهاء في ﴿لَهُ﴾ وفي ﴿أَخِيهِ﴾ وفي ﴿إِلَيْهِ﴾ يعدن على الولي، ولأخ هو القاتل، وعفي على هذا القول معناه: يُسِّرَ.
ومذهب غير مالك: أن المعفو له هو القاتل، والعافي: ولي الدم، و ﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: ترك - على هذا القول - ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أمر للولي - كالقول الأول -، والأخ في هذا القول: ولي الدم، و _ (من) في هذا القول: اسم القاتل، والهاء في ﴿لَهُ﴾ وفي ﴿أَخِيهِ﴾ -على هذا القول - تعودان على القاتل، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ تعود على الولي - كالقول الأول. [انظر الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٣٨ - ١٤٠].
ومعنى قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ على القول الأول: الدية، وعلى القول الثاني: الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية.
[انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤].
وأصل هذا الخلاف راجع إلى معرفة معنى العفو في هذه الآية، قال ابن العربي: وهذا يدور على حرف، وهو معرفة تفسير العفو، وله في اللغة خمسة موارد، ثم ذكر هذه المعاني وهي: العطاء، والإسقاط، والكثرة، والذهاب، والطلب، ثم ذكر أن مايناسب سياق الآيات هو: العطاء والإسقاط، ورجح معنى: العطاء.
[انظر أحكام القرآن: ١/ ٩٦، ٩٧].
قلت: وما ذكره المؤلف من أن قول ابن عباس وقتادة والشعبي موافق لما ذكر من أن العافي هو القاتل فيه نظر، فقد ذكر القرطبي أن قول ابن عباس وقتادة ومجاهد: أن العافي هو ولي الدم [انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٣].стр. 337
قال القاضي ﵀: وقد غلط مخالفونا في علم هذه الآية فجعلوا العافي ولي المقتول، ولم يتدبروا الآية، فإذا كان ولي المقتول هو العافي فماذا يتبع؟ (١) وماذا يؤدي بإحسان؟ ، وإنما معنى الآية: من أعطي من أخيه شيء من العقل يرضى به فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان (٢) ، الحواشي
(١) فيما ذكر مكي بن أبي طالب في تفسيره لهذه الآية رد على استفسار المؤلف هذا، وأما ماذا يؤدي فهذا خاص بالقاتل على كلا المعنيين. وقال ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٠٩: فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قِبَل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أوغير ذلك، أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه.(٢) ما ذكره المؤلف هنا هو تفسير الإمام مالك ﵀ حيث قال بعذ ذكره لهذه الآية: فتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم: أنه من أُعطي من أخيه شيء من العقل، فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان.
[الموطأ: ٢/ ٦٥٩، كتاب العقول].
بقي أن أشير إلى مسألة متعلقة بهذه الآية، وهي مبنية على قول المالكية بأن العافي هو القاتل، وهي مسألة: هل يشترط رضا الجاني في أخذ الدية؟
قال ابن رشد - الحفيد -: وأما القول في الموجب، فاتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين: القصاص أو العفو إما على الدية وإما على غير الدية، واختلفوا هل الانتقال من القصاص إلى العفو على أخذ الدية هو حق واجب لولي الدم دون أن يكون في ذلك خيار للمقتص منه، أم لا تثبت الدية إلا بتراضي الفريقين، أعني الولي والقاتل، وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقا أو العفو.
ثم ذكر الخلاف في ذلك، وأن في المسألة روايتين عن مالك، ثم رجح القول الأول.
[انظر بداية المجتهد: ٢/ ٥١٧، ٥١٨، وانظر في هذه المسألة: النوادر والزيادات: ١٤/ ٩٣، والمنتقى للباجي: ٧/ ١٠٣]стр. 338
ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فخفف به من أمر القصاص لمن قبله، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم.
قال الله ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) .
معنى هذه الآية: أن من قبل الدية واتبع بها فليس له أن يقتل بعد ذلك، فإن قتل فهو الذي توعده * الله تعالى (٢) ، قال ذلك سعيد بن جبير (٣) وقتادة (٤) والضحاك بن مزاحم (٥) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٧٨]
* لوحة: ١٢/أ.(٢) لم يذكر المؤلف ذلك العذاب، واختلف فيه فقيل: هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة، وقيل: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الولي من العفو، وقيل: عذابه أن يرد الدية ويبقى إثمه في الآخرة، وقيل أمره إلى الإمام، وقد رجح ابن جرير: أن المقصود بالعذاب: أنه القتل في الدنيا، وأن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متبعاً في الآخرة.
[انظر تفسير ابن جرير: ١/ ١١٣، والمغني: ١١/ ٥٨٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٥].(٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧.(٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٧، وابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٢، وابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.(٥) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخراساني، صاحب التفسير، روى عن جمع من الصحابة، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة.
[جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٩٩، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٤١٧، وطبقات المفسرين للداوودي: ١/ ٢٢٢]стр. 339
(١) ، وروى جابر بن عبد الله (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية (٣)
قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤) .
معنى هذه الآية والله أعلم: بقاء؛ لأن الذي يريد القتل إذا علم أنه يُقتل أمسك فبقيا جميعاً , وإن قَتَل إنسان فُقتل قصاصاً توقى أهل الشر خوفاً من القصاص (٥) ، الحواشي
(١) ابن جرير في تفسيره: ١/ ١١٣.(٢) جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري، قيل: أبا عبدالله، وقيل: أبا عبدالرحمن، وقيل: أبا محمد، أحد المكثرين عن النبي ﷺ ، شهد معه تسع غزوات، عاش أربعاً وتسعين سنة، مات سنة: ٧٤، وقيل: ٧٧، وقيل: ٧٨. [الاستيعاب: ١/ ٢٢١، والإصابة: ١/ ٢١٣].(٣) رواه أبو داود في سننه: ٤/ ١٧٣، كتاب الديات باب من يقتل بعد أخذ الدية، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣٦٣، وأبو دادود الطيالسي في مسنده: ٣/ ٣٢٠ بلفظ (لا أعافي)، والبيهقي في سننه: ٨/ ٥٤ كتاب الجنايات باب من قتل بعد أخذ الدية، قال ابن جحر في الفتح: ١٢/ ٢٦٠: أخرجه أبوداود وفي سنده انقطاع.(٤) [سورة البقرة: الآية ١٧٩](٥) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية معنى غير هذا المعنى، وجعل هذا المعنى من الأمور البديهية التي يعرفه جميع الناس، والتي ينزه القرآن أن يكون هذا مقصوده، وحمل معنى الآية على ما ذكره حيث قال: أنه إذا كتب عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر، وعبد بعبد، وأنثى بأنثى، فجعل دية هذا كدية هذا، ودم هذا كدم هذا، متضمن لمساواتهم في الدماء والديات، وكان بهذه المقاصة لهم حياة من الفتن التي توجب هلاكهم.
[مجموع الفتاوى: ١٤/ ٧٩].стр. 340
قال ذلك مالك بن أنس (١) ، ووافقه عليه أبو مالك (٢) (٣) وأبو صالح (٤) (٥) وقتادة (٦) ، وقال ربيعة (٧) في معنى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٨) يقول: لعلكم تتقون محارمكم، ونهي بعضكم عن بعض (٩) . الحواشي
(١) لم أقف عليه.(٢) أبو مالك الغفاري الكوفي، غزوان، مشهور بكنيته، صاحب التفسير، روى عن عمار بن ياسر، وابن عباس، وعنه: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وسلمة بن كهيل، ثقة.
[طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٩٥، وتهذيب الكمال: ٢٣/ ١٠٠، وتقريب التهذيب: ٧٧٦].(٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١١.(٤) أبو صالح، باذام، ويقال: باذان، مولى أم هانيء بنت أبي طالب، حدث عن مولاته، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وعنه: سماك، ومحمد بن السائب، ضعيف مدلس.
[طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٠٢، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٧، وتقريب التهذيب: ١٦٣].(٥) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٨.(٦) رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٤، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٧.(٧) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الإمام مفتي المدينة، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعنه: يحيى بن سعيد، والإمام مالك، والليث بن سعد، مات قبل مالك بست وثلاثين سنة.
[الديباج المذهب: ١/ ١٣٧، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٨٩].(٨) [سورة البقرة: الآية ١٧٩](٩) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٨، بلفظ: لعلكم تتقون محارمكم، وما نهيت بعضكم فيه عن بعض.стр. 341
قال الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (١)
روي عن علي -رضوان الله عليه- (٢) ، وعن عائشة (٣) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٨٠](٢) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخل عليّ على مولى لهم في الموت، فقال: يا عليّ ألا أوصي، فقال علي: لا، إنما قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وليس لك كثير مال. قال: وكان له سبعمائة درهم.
رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٩٨ كتاب الوصايا باب من لم ير الوصية في المال القليل، وعبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وفي مصنفه: ٩/ ٦٢ الوصايا باب الرجل يوصي وماله قليل، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٩، وقال المحقق: رجاله ثقات، لكنه ضعيف للانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠ كتاب الوصايا باب في الرجل يكون له المال الجديد القليل أيوصي فيه، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٩، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠، كتاب الوصايا باب من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئاً كثيراً استبقاء على ورثته، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠١، كتاب التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: فيه انقطاع.(٣) قال رجل لعائشة: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنه شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل.
رواه عبد الرزاق في مصنفه: ٩/ ٦٣، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٦، وقال المحقق: سنده صحيح، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠، والبغوي في تفسيره: ١/ ١٩٣.стр. 342
وابن عباس (١) -رحمهما الله- وعن قتادة (٢) أنهم قالوا: الخير المال الكثير، وقالوا في سبعمائة وما أشبهها إنه قليل ولم يدخلوه في الخير المأمور بالوصية فيه، وذكر عن علي بن أبي طالب ﵁: أربعة آلاف فما دونها نفقه (٣) ، وقال مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال: مالاً (٤) . الحواشي
(١) عن ابن عباس قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٨، وقال المحقق: سنده ضعيف، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٩٩ بلفظ: من لم يترك ستين ديناراً، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠.(٢) عن قتادة قال: الخير: المال، كان يقال: ألفاً فما فوق ذلك. رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٤٩٦، كتاب الوصايا باب من لم يوص، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٠، وابن جرير: ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٩.(٣) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٤/ ١٠٩، وابن جرير: ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم: ٦/ ١٧٨٨.(٤) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٠، وذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١٢.стр. 343
قال القاضي ﵀: وإنه ليبعد عندي أن يصح عن علي وعائشة وابن عباس ما روي عنهم (١) ، اللهم إلا أن يكون على وجه النظر للورثة لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة (٢) يتكففون (٣) الناس) (٤) الحواشي
(١) إن كان المؤلف يقصد صحة السند فكما ذكر عند تخريج هذه الآثار أن ما روي عن علي وابن عباس ضعيف، وأن ما روي عن عائشة صحيح، وإن كان يقصد صحة المعنى فإن حمل الخير على المال الكثير فقط فيه نظر كما سيأتي في مسألة مقدار المال الذي أمر الله صاحبه أن يعمل بما في هذه الآية.(٢) عالة أي: فقراء، قال ابن الأثير في النهاية: ٣/ ٣٣٠ العائل الفقير، عال يعيل عيلة إذا افتقر.(٣) يتكففون الناس أي: يمدون أكفهم إليهم يسألونهم. المرجع السابق: ٤/ ١٩٠.(٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٤٣٥ كتاب الجنائز باب رثى النبي ﷺ سعد بن خولة، و ٣/ ١٠٠٦ كتاب الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٥٠ كتاب الوصية حديث: ١٦٢٨.
* لوحة: ١٢/ب.стр. 344
أشار * عليه رسول الله ﷺ في عياله بما أشار به، وأخبره بجواز الحكم في الثلث (١) ، وعلى هذا عامة الفقهاء: أن له أن يوصي بالثلث فما دون منها قل أم كثر، ويؤمر مع ذلك بحسن النظر لورثته إذا كان الخير قليلاً (٢) ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) أي: من أجل حب المال لبخيل، ولم يختلف المعنى في تفسير هذه الآية: أن الخير المال (٤) . الحواشي
(١) قال ابن حجر في بيان معنى الثلث: ويحتمل أن يكون قوله: (والثلث كثير) مسوقاً لبيان الجواز بالثلث، وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه: كثير غير قليل. [فتح الباري: ٥/ ٤٤٨].(٢) انظر الاستذكار: ٢٣/ ١١.(٣) [سورة العاديات: الآية ٨](٤) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٠ عن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ كان يقول: الخير في القرآن كله المال، ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخير المال.
وقد نقل الإجماع على هذا ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٠٢، وابن عبدالبر في التمهيد: ١٤/ ٢٩٥.стр. 345
وقد كان أبو بكر وعلي ﵄ يختاران الوصية بدون (١) الثلث (٢) ، وإذا كان المال قليلا بقي على الورثة؛ لأن المواريث (٣) فريضة والوصية تطوع، وثواب الفريضة أعظم من ثواب التطوع، والله أعلم (٤) . الحواشي
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: دون الثلث.(٢) روى هذين الأثرين عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٦٦، وسعيد بن منصور في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١٠٧ كتاب الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث؟ ، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧٠.(٣) جعل بإزاء هذا السطر في هامش المخطوط كلمة (الشيء) ووضع عليها صح ولم أعرف مكانها من السطر، إلا أن تكون: وإذا كان الشيء قليلاً بقي على الورثة.(٤) مسألة: مقدار كثير المال وقليله، قال ابن جرير: اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية - ثم ذكر أنه قيل: ألف درهم، وقيل: مابين الخمسمائة إلى الألف، وقيل: من قليل المال وكثيره، ثم رجح هذا القول الأخير - قال: لأن قليل المال وكثيره يقع عليه خير، ولم يحد الله ذلك بحد، ولا خص منه شيئاً فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن.
[انظر تفسير ابن جرير: ١/ ١٢٠، ١٢١].
ولكن ينبغي عند الوصية النظر للورثة عملاً بتوجيه الرسول ﷺ لسعد بن أبي وقاص، قال ابن قدامة: والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي ﷺ علل المنع من الوصية بقوله: (أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة)؛ ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم فلا يتقيد بقدر من المال والله أعلم.
[المغني: ٨/ ٣٩٢، ٣٩٣].
وما ورد عن الصحابة - رضوان الله عليهم - في مسألة تحديد قليل المال وكثيره يمكن حمله على أنه أمر نسبي يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، قال ابن العربي: وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: يعني مالاً , وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في تقديره , وذكر المفسرون والأحكاميون أقوالًا كلها دعاوى لا برهان عليها , والصحيح أن الحكم لم يختلف ولا يختلف بقلة المال وكثرته , بل يوصي من القليل قليلاً , ومن الكثير كثيراً , وحيث ورد ذكر المال في القرآن فهو يسمى بالخير , وكذلك في الحديث.
[أحكام القرآن: ١/ ١٠٢].стр. 346
قال الله ﵎: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١) اختلف الناس في تفسير هذه الآية، فزعم مجاهد: أنها منسوخة (٢) ، وزعم طاوس (٣) : أنه نسخ منها الوالدان وبقي الأقربون (٤) ، وروي عن ابن عمر مثل قول مجاهد (٥) ، وقال الحسن (٦) وقتادة (٧) مثل قول طاوس، ووافق سعيد بن جبير (٨) وعكرمة (٩) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٨٠](٢) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣١، وابن جرير: ٢/ ١١٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩١.(٣) طاوس بن كيسان، أبو عبدالرحمن اليماني، من أبناء الفرس، قيل اسمه: ذكوان، فلقب به؛ لأنه كان طاوس القراء، عن: أبي هريرة، وابن عباس، وعنه: الزهري، وابنه عبدالله، ثقة فقيه فاضل، مات بمكة سنة ١٠٦ هـ. [الكاشف: ١/ ٥١٢، والتقريب: ٤٦٢].(٤) رواه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٦٥، وابن جرير: ٢/ ١١٧، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥ باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٢.(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣١ كتاب الوصايا، وابن جرير: ٢/ ١١٩، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٠.(٦) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣١، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٦٥٥، وابن جرير: ٢/ ١١٨، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٦٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٣.(٧) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، باب الوصية للوارث، وعبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٦٨، وابن جرير: ٢/ ١١٧، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١٩٣.(٨) ذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢١١.(٩) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، باب الوصية للوارث، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٠، وابن جرير: ٢/ ١١٩، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٢٣١ ..стр. 347
مجاهد، وقال زيد بن أسلم: الأقربون ههنا ولده، ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (١) قال: أحدهما من الآخر، وهو التعمد أن يحيف لبعضهم على بعض، فشدد الله في ذلك وأمر بالإصلاح، فأمر الموصى إليه أن يصلح بين الوالدين والولد، وأمر المُوصي أن يسدد بالمعروف، فعجز المُوصي أن يوصي كما أمره الله، * وعجز الموصى إليه أن يصلح كما أمره الله، فنزع ذلك منهم وفرض الفرائض وسماها لأهلها (٢) .
وقول زيد بيّن واضح، والآية منسوخة بآية المواريث، وقال رسول الله ﷺ : لا وصية لوارث. (٣) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٨٢]
* لوحة: ١٣/أ.(٢) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٥، والبغوي في تفسيره: ١/ ١٩٤.(٣) جزء من حديث روي عن غير واحد من الصحابة، رواه أبو داود في سننه: ٣/ ١١٤ الوصايا باب ما جاء في الوصية للوارث، والترمذي في باب ما جاء لا وصية لوارث من أبواب الوصايا، وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٦/ ٣٠٩، والنسائي في سننه: ٦/ ٥٥٧، باب في إبطال الوصية للوارث من أبواب الوصايا، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١١٧، باب لا وصية لوارث من أبواب الوصايا، وأحمد في مسنده: ٤/ ١٨٦، والدارمي في سننه: ٢/ ٥١١، الوصايا باب الوصية للوارث، وغيرهم.
قال الجصاص: وهذا الخبر المأثور عن النبي ﷺ في ذلك ووروده من الجهات التي وصفنا هو عندنا في حيز التواتر؛ لاستفاضته وشهرته في الأمة، وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له. [أحكام القرآن: ١/ ٢٣٢].стр. 348
ففرض الله لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص، فمن فعل فقد عصى، فإن أجازه الورثة لبعضهم فإنما ذلك هبة منهم، وقد ذكرنا الاختلاف في الأقربين (١) . الحواشي
(١) قال أبو محمد مكي بن أبي طالب: الأشهر في هذه الآية أنها منسوخة، واختلف في الناسخ لها ما هو؟ فمن أجاز نسخ ان تنسخ السنة المتواترة القرآن قال: نسخ فرض الوصية للوالدين ما تواتر نقله من قول النبي ﷺ : (لا وصية لوارث)، وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك، ونسخت آية المواريث فرض الوصية للأقربين. ومن منع نسخ القرآن بالسنة قال: نسخت الوصية للوالدين بقوله: - كذلك قال مالك في الموطأ - ونسخت الوصية للأقربين بالمواريث. [الإيضاح: ١٤١].
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية محكمة ظاهرها العموم، ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الوارثة.
وقد حمل ابن كثير ماروي عن طاوس وغيره من القول بالنسخ على أنه ليس نسخاً بالمعنى الاصطلاحي المتأخر للنسخ، حيث قال: ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخاً في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندباً حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء. [تفسير ابن كثير: ١/ ٢١١].
وممن رجح أن الآية محكمة ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢١، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٨٥، والشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن: ٦٨، - مع أن الشيخ ﵀ لا يوافق القائلين أيضاً بالتخصيص، بل يرى أن الوصية للوالدين والأقربين مجملة ردها الله تعالى إلى العرف الجاري - وممن رجح أن الآية محكمة أيضاً الشيخ ابن عثيمين في تفسيره لسورة البقرة: ٢/ ٣٠٦.
وقد ذهب المؤلف إلى أن آية المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين، وأن حديث الرسول ﷺ قد بين ذلك، ومن هنا يفهم أن المؤلف لا يرى نسخ القرآن بالسنة، قال ابن عبدالبر: فمن هنا قال العلماء: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ببيان رسول الله ﷺ ، وهذا قول من لا يجيز نسخ القرآن بالسنة، وقد قال: لا ينسخ القرآن إلا القرآن، وهو قول الشافعي وأصحابه، وأكثر المالكيين، وداود، وسموا السنة بياناً لا نسخاً. [الاستذكار: ٢٣/ ١٣].стр. 349
والظاهر من كتاب الله يدل على ما ذهب إليه جل أهل العلم وفقهاء الأمصار: أن وصية الرجل حيث جعلها (١) ، والدليل على صحة ذلك: أن الوصية في الأصل ليست بواجبة (٢) ، فإذا كان الأصل ليس بواجب فكيف يكون الأقربون؟ وقد ينبغي للمُوصي أن يبدأ بقرابته وذوي أرحامه تقرباً إلى الله ؛ إذ كان (٣) أقرب له من الغرباء، وقال مسروق بن الأجدع وقد حضر رجلاً أوصى بما لا ينبغي فقال مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يَضل، أوص لقرابتك ممن لا يرث ثم دع المال على ما قسمه الله (٤) . الحواشي
(١) انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٤.(٢) قال القرطبي: ٢/ ٢٥٩: وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة. وانظر الاستذكار: ٢٣/ ٧.(٣) كذا في الأصل ولعل الصواب: إذ كانو أقرب له.(٤) رواه أبوعبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٢، وسعيد في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١١٣، كتاب الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث، والطبري: ٢/ ١١٦، والبيهقي في سننه: ٦/ ٢٧١ باب ما جاء في قوله : وليخش الذين لو تركوا .. .стр. 350
وظاهر ذلك على الترغيب لا على الإيجاب وعلى التأكيد لا على العزيمة، وما ينبغي لأحد أن يرغب عما رغب الله فيه، وقد أوصى عمر بن الخطاب ﵁ لأمهات أولاده لكل امرأة منهن أربعة آلاف (١) . وقال النبي ﷺ : خيركم خيركم لأهله. (٢) ، وقال ﷺ : خيركم خيركم لأهلي * من بعدي (٣) . الحواشي
(١) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١٥ باب من أوصى لأمهات أولاده، وعبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٩، ولم يذكر المبلغ الذي أوصى به عمر، وسعيد في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١٢٨ باب وصية الصبي، ، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢٣٣ باب في الرجل يوصي لأم ولده.(٢) رواه الترمذي في سننه: باب في فضل أزواج النبي ﷺ من أبواب المناقب، وقال: حديث حسن صحيح، تحفة الأحوذي: ١٠/ ٣٩٤، وابن ماجة في سننه: ١/ ٣٦٥ باب حسن معاشرة النساء من أبواب النكاح، والدارمي في سننه: ٢/ ٢١٢ باب حسن معاشرة النساء كتاب النكاح، والبيهقي في سننه: ٧/ ٤٦٨ باب فضل النفقة على الأهل كتاب النفقات.
* لوحة: ١٣/ب.(٣) رواه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٥٢ كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر مناقب عبدالرحمن بن عوف الزهري، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط مسلم، وأبو يعلى في مسنده: ٥/ ٢٥٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/ ١٧٤: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.стр. 351
وأخبر محمد بن عمرو (١) : أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٢) ذكر أن أباه (٣) أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف (٤) .
وأوصت عائشة ﵂ لمواليها (٥) . وأوصى إبراهيم النخعي (٦) للحسن بن عمرو (٧) ،
وليس بذي قربى (٨) . الحواشي
(١) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، وأبي سلمة، وعنه: شعبة، ومالك، صدوق له أوهام، مات سنة ١٤٥ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٠٧، والتقريب: ٨٨٤].(٢) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، قيل اسمه: عبدالله، وقيل: اسمه كنيته، عن: أبيه، وعائشة، وعنه ابنه عمر، ومحمد بن عمرو، ثقة مكثر. [تهذيب الكمال: ٣٣/ ٣٧٠، والتقريب: ١١٥٥].(٣) عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة أسلم قديماً، عنه: بنوه إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، مات سنة ٣٢ هـ. [الكاشف: ١/ ٦٣٨، والتقريب: ٥٩٤].(٤) رواه الترمذي في مناقب عبدالرحمن بن عوف من أبواب المناقب بنحوه، انظر تحفة الأحوذي: ١٠/ ٢٥٢، والحاكم في المستدرك به: ٣/ ٣٥٢ كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر مناقب عبدالرحمن بن عوف الزهري.(٥) رواه ابن جرير: ٢/ ٥٥٥.(٦) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني، أبو عمران الكوفي، الإمام الحافظ فقيه العراق، ثقة إلا أنه يرسل كثيراً، مات سنة ٩٦ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٢٠، والتقريب: ١١٨].(٧) الحسن بن عمرو الفُقيمي التميمي الكوفي ثقة ثبت، مات سنة ١٤٢ هـ.
[تهذيب الكمال: ٦/ ٢٨٣، والتقريب: ٢٤١].(٨) رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٤، وقال أبو عبيد: قال عبدالرحمن: كان سفيان يحمل هذا الحديث على أنه اوصى لأجنبي؛ لأن إبراهيم كان من النخع، والحسن بن عمرو من بني تميم.стр. 352
وقال ابن المسيب: الوصية لمن سَمّى (١) ، ووافقه على ذلك سالم (٢) ، والزهري (٣) ، وسليمان بن يسار (٤) (٥) ، ومحمد بن سيرين (٦) (٧) ، وعبيد الله بن معمر (٨) الحواشي
(١) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٣ باب لمن الوصية بلفظ: من أوصى فسمّى أعطينا من سمّى.(٢) رواه الدارمي في سننه: ٢/ ٥١٢ باب في الرجل يوصي لغير قرابته، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٥ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٣.(٣) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٢.(٤) سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة أن المؤمنين، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ١٠٧ هـ. [الكاشف: ١/ ٤٦٥، والتقريب: ٤١٤].(٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٥ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٣.(٦) محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، مولى أنس بن مالك، ثقة ثبت عابد كبير القدر، مات سنة ١١٠ هـ. [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٦٠٦، والتقريب: ٨٥٣].(٧) مصنف عبد الرزاق: ٩/ ٩٥، ومصنف ابن أبي شيبة: ٦/ ٢١٤ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة.(٨) لعله: عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو أبو معاذ القرشي التيمي، والد عمر بن عبيدالله بن معمر، أدرك ﷺ ، مختلف في صحبته، سمع: عمر وعثمان، روى عنه: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، قيل: إنه قتل وهو ابن أربعين سنة
[انظر ترجمته في معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٤/ ١٨٧٦، والاستيعاب: ٢/ ٤٣٣، والإصابة: ٢/ ٤٤٠].
وقد ذكر ابن عساكر عن رجل من ولد عبيدالله أنه قال: مات عبيدالله بن معمر أبو معاذ في عهد عثمان بإصطخر، والذي على البصرة هو عبيدالله بن عبدالله بن معمر، روى عنه خلاس وابن سيرين.
[تاريخ دمشق: ٣٨/ ١٢٢].
وقال ابن حجر: وفي بني تيم عبيدالله بن عبدالله بن معمر، وهو ابن أخي صاحب الترجمة، وربما نسب إلى أبيه.
[الإصابة: ٣/ ٧٧].
قلت: ولم أجد ترجمة لعبيدالله بن عبدالله بن معمر، وقد وهم محقق كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: ٢٣٣، حيث ترجم له على أنه: عبيدالله بن محمد المعروف بابن عائشة، المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، فكيف يروي عنه ابن سيرين؟ حيث إن جميع طرق هذا الأثر عن ابن سيرين عنه، بل كيف يحدث عنه أبو عبيد وهو المتوفى سنة ٢٢٤ هـ؟ وبينهما في السند ثلاثة رجال.стр. 353
(١) ، وقولهم موافق لقول الله : ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) (٣) . قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (٤)
الجنف: الحيف، والإثم: العمد، والميل الذي جعله الله جنفاً هو أن يخطئ فيضع الشيء في غير موضعه، أو أن يحيف في الوصية فيوصي بأكثر من الثلث، أو يقر في ماله بإقرار يزيل به عن الورثة حقاً،
قال لبيد:
إني امرؤ منعتْ أرومةُ عامرٍ ... ضيمي وقد جنفتْ عليّ خصومي (٥) الحواشي
(١) رواه عبدالرزاق في مصنفه: ٩/ ٨٢ باب لمن الوصية، وسماه عبيدالله بن يعمر، ولعله تصحيف، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ٢٣٣، وسماه عبيدالله بن عبيدالله بن معمر، وسعيد بن منصور في سننه بتحقيق الأعظمي: ١/ ١١١ الوصايا باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث، وسماه عبدالله بن معمر، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٢١٤ في الرجل يوصي بثلثه لغير ذي قرابة، وسماه عبيدالله بن عبدالله بن معمر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١١٦، وسماه عبدالله بن معمر، وفي تفسير ابن جرير بتحقيق التركي: ٣/ ١٢٦: عبيدالله بن عبيدالله ابن معمر.
قلت: ولعله شخص واحد لاتحاد السند والمتن.(٢) [سورة البقرة: الآية ١٨١](٣) يشير المؤلف إلى أن عدم إنفاذ الوصية على ما سماها الموصي تبديل للوصية، قال أبو عبيد بعد ذكره لجملة من الآثار الدالة على هذا: وكل هذه الآثار في أشباه لها كثير توجد في الأحاديث العالية إن تُدبرت تدل على أنهم قد أنفذوا الوصايا على ما سماها أربابها، ولم يسألوا عن قريب ولا غيره ما لم يكن وارثاً.
[الناسخ والمنسوخ: ٢٣٧].(٤) [سورة البقرة: الآية ١٨٢](٥) ديوانه: ١٣٢، لسان العرب: ٩/ ٣٣، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٠.стр. 354
فأمر المُوصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه، هذه الألفاظ معاني ما روي عن طاوس (١) ، وعطاء (٢) (٣) ، وسعيد بن جبير (٤) ، ومجاهد (٥) ، ومن فسر هذه الآية (٦) . وقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض قال ذلك زيد بن أسلم (٧) واحتج بقول الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٨) * يقول: صواباً (٩) ، يأمر هذا الموصي أن يسدد في ذلك، فلما عجزوا فرض الله الفرائض وسماها لأهلها. وقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردها إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فردُّها واجب عليه (١٠) . الحواشي
(١) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وسعيد في سننه: ٢/ ٦٧٣، وابن جرير: ٢/ ١٢٥، ١٢٨، وابن أبي حاتم: ١/ ٣٠١.(٢) عطاء بن أبي رباح، أسلم، أبو محمد القرشي مولاهم، مفتي الحرم، حدث عن عائشة وابن عباس، وأرسل عن الرسول ﷺ ، وحدث عنه: ابن جريج ومجاهد بن جبر، ثقة فاضل لكنه كثير الإرسال، مات سنة ١١٤ هـ.
[سير أعلام النبلاء: ٥/ ٧٨، والتقريب: ٦٧٧].(٣) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٤، ١٢٧، وابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.(٤) ذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.(٥) رواه ابن جرير: ٢/ ١٢٣، ١٢٧، وذكره ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٢.(٦) وهذا يروى ايضاً عن: ابن عباس، وأبي العالية، وقتادة، وأبي مالك، والربيع بن أنس، والضحاك، وإبراهيم النخعي. انظر المراجع السابقة.(٧) سبق تخريجه ص ٦٤.(٨) [سورة النساء: الآية ٩]
* لوحة: ١٤/أ.(٩) رواه ابن جرير: ٤/ ٢٧٣.(١٠) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٦٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٢٤، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٢٣٩.стр. 355
فهذا مع قول زيد أحسن ما قيل في هذه الآية والله أعلم (١) .
أخبرنا القاضي البرنكاني (٢) قال: أخبرنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني (٣) قال: أخبرنا
عبد الرزاق (٤) عن معمر (٥) الحواشي
(١) ذهب ابن جرير إلى أن المقصود بالإصلاح في هذه الآية هو وعظ الموصي ممن حضره بألا يميل في وصيته قبل موته؛ لأن خوف الجنف والإثم من الموصي إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم.
[انظر تفسيره: ٢/ ١٢٥].
ويمكن أن يقال بأن من خاف أي: توقع أو علم جوراً من الموصي فإنه يصلح، وهذا الصلح يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي بأن يأمره بالعروف، أو بعده بأن يصلح بين الورثة أو بأ يلغي الوصية.
[انظر تفسير الشيخ ابن عثيمين: ٢/ ٣١٣].(٢) محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني، أحد شيوخ المؤلف، تقدم.(٣) الحسن بن يحيى بن الجعد العبدي، أبو علي ابن أبي الربيع الجرجاني، عن: عبدالرزاق، ويزيد، وعنه: ابن ماجة، وابن عياش، صدوق توفي سنة ٢٦٣ هـ.
[تهذيب الكمال: ٦/ ٣٣٤، والتقريب: ٢٤٣].(٤) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، عن: وهب، ومعمر، وعنه: أحمد بن حنبل، والحسن بن أبي الربيع، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخره فتغير، وكان يتشيع، مات سنة ٢١١ هـ. [تهذيب الكمال: ١٨/ ٥٢، والتقريب: ٦٠٧].(٥) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، عن: ثابت البناني، وأشعث بن عبدالله، وعنه: عبدالرزاق، وابن المبارك، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة ١٥٣ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢٨/ ٣٠٣، والتقريب: ٦٩١].следующие страницы →