Полный текст (1 818 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عليكم فاقدروا ... له (١) . أخبرنا إسماعيل (٢) قال: نا محمد بن الفضل عارم (٣) قال: نا حماد بن زيد (٤) عن أبان بن تغلب (٥) عن عمرو بن مرة (٦) عن أبي البختري (٧) الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٧٢ الصوم باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ، و ٢/ ٦٧٤ الصوم باب قول النبي ﷺ : إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٧٥٩ الصيام حديث: ٣، ٩.(٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٣) محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، المعروف بعَارم، عن الحمادين، وجرير بن حازم، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة ثبت تغير في آخره، مات سنة ٢٢٤ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢٦/ ٢٨٧، والتقريب: ٨٨٩].(٤) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.(٥) أبان بن تَغْلِب الربعي، أبو سعيد الكوفي القارئ، عن: جعفر بن محمد الصادق، وعكرمة مولى ابن عباس، وعنه: أبان بن عبدالله البجلي، وحماد بن زيد، ثقة تكلم فيه للتشيع، مات سنة ١٤١ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢/ ٦، والتقريب: ١٠٣].(٦) عمرو بن مرة بن عبدالله بن طارق المرادي الجَمَلي، أبو عبدالله الكوفي الأعمى، عن: إبراهيم النخعي، وأبي البختري الطائي، وعنه: حصين بن عبدالرحمن، وسفيان الثوري، ثقة عابد، كان لايدلس، ورمي بالإرجاء، مات سنة ١١٨ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٢٢/ ٢٣٢، والتقريب: ٧٤٥].(٧) سعيد بن فيروز، أبو البَخْتري، ابن أبي عمران الطائي مولاهم، عن: أبيه، وابن عباس، وعنه: عمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، مات سنة ٨٣ هـ.
[تهذيب الكمال: ١١/ ٣٢، والتقريب: ٣٨٦].стр. 422
قال: قدمنا حجاجاً حتى إذا كنا بالصفاح (١) رأينا هلال ذي الحجة كأنه ابن خمس ليال، فلما قدمنا سألنا ابن عباس، فقال: جعل الله الأهلة مواقيت، فيصام لرؤيتها ويمسك لرؤيتها (٢) . الحواشي
(١) الصِّفاح: بكسر أوله، وبالحاء المهملة في آخره: موضع بين حنين وأنصاب الحرم، على يسرة الداخل إلى مكة، من جهة اليمن. [معجم ما استعجم: ٣/ ٨٣٤، ومعجم البلدان: ٣/ ٤١٢، وفتح الباري: ١٢/ ٢٥٧](٢) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤١، وهو صحيح بهذا السند، وأصله عند مسلم فقد روى في صحيحه: ٢/ ٧٦٥ الصيام حديث: ٢٩، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن الله مده للرؤية، فهو لليلة رأيتموه.стр. 423
وقال مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (١) في حجهم وصيامهم ولفطرهم ولقضاء دينهم ولعِدد نسائهم (٢) ، وقال قتادة نحو ذلك (٣) ، فالنبأ على رؤية الأهلة (٤) ، وبالله التوفيق.
قال الله ﵎: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٥)
أخبرنا إسماعيل (٦) قال: نا حفص بن عمر (٧) قال:
نا شعبة (٨) عن أبي إسحاق (٩) عن البراء (١٠) : الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٨٩](٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٢٠٣ وعزاه إلى عبد بن حميد.(٣) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٥.(٤) أي: أن الخبر المعتبر والمعمول به فيما يحتاج الناس إلى توقيته بالأشهر، هو رؤية الأهلة وليس الحساب، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على القائلين بالعمل بالحساب في رؤية الأهلة، انظر رسالة في الهلال، وهي ضمن مجموع الفتاوى: ٢٥/ ١٢٦ - ٢٠٢.(٥) [سورة البقرة: الآية ١٨٩](٦) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٧) حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة الأزدي النمري، أبو عمر الحوضي البصري، عن: شعبة بن الحجاج، وإبراهيم بن سعد الزهري، وعنه: البخاري، وإسماعيل بن إسحاق، ثقة ثبت، عيب بأخذ الأجرة على الحديث، مات سنة ٢٢٥ هـ. ... [تهذيب الكمال: ٧/ ٢٦، والتقريب: ٢٥٨].(٨) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، عن: أبان بن تغلب، وإبي إسحاق السبيعي، وعنه: أيوب، وأبو عمر الحوضي، ثقة حافظ متقن، مات سنة ١٦٠ هـ.
[الكاشف: ١/ ٤٨٥، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٣٠٨، والتقريب: ٤٣٦](٩) أبو إسحاق السبيعي ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، تقدم.(١٠) البراء بن عازب، تقدم.
* لوحة: ٢٣/ب.стр. 424
كانت الأنصار إذا حجوا فأقبلوا من مكة لم يدخلوا البيوت إلا من قبل ظهورها، فجاء رجل * فدخل من الباب فعابوا عليه، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (١) (٢) ، وقال مجاهد (٣) ، والزهري (٤) نحو ذلك، وهكذا كان في صدر الإسلام ثم زال حكمه، وثبت أن يأتوا بيوتهم من أبوابها (٥) .
قال الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٦) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٨٩](٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٣٩ العمرة باب قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ من طريق شعبة به، و ٤/ ١٦٤٠ التفسير باب: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ من طريق أبي إسحاق به، ومسلم في صحيحه: ٤/ ٢٣١٩ كتاب التفسير حديث: ٣٣ عن شعبة به.(٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٥.(٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٢، ٧٣، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٧، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٥١.(٥) قال الجصاص بعد ذكره لسبب نزول هذه الآية: وقيل: إنه مثل ضربه الله لهم بأن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به. وليس يمتنع أن يكون مراد الله تعالى به جميع ذلك، فيكون فيه بيان أن إتيان البيوت من ظهورها ليس بقربة إلى الله تعالى، ولا هو مما شرعه ولا ندب إليه، ويكون مع ذلك مثلاً أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمر الله تعالى به وندب إليه.
[أحكام القرآن: ١/ ٣٥١، ٣٥٢].(٦) [سورة البقرة: الآية ١٩٠]стр. 425
قال القاضي ﵀: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل: الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) فكان هذا مانعاً من قتلهم، وقد قال عمر بن عبدالعزيز ﵁ ما هذا معناه (٢) ، وقال زيد بن أسلم: هذه الآية منعت من قتال من له عهد، وأُمر ﷺ أن يقاتل من لا عهد له، قال زيد: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٣) (٤) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٠](٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٤٨٧ باب من نهي عن قتله في دار الحرب، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٠.(٣) [سورة التوبة: الآية ٣٦](٤) نسب المؤلف هذا القول إلى زيد بن أسلم، والذي وقفت عليه هو ما نسب إلى ابنه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، فلعل المؤلف أو الناسخ وهم، فقد روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٨٩ بسنده عن ابن زيد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا، وقرأ قول الله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، وهذه الناسخة.
وممن أثبت نسبة هذا القول إلى ابن زيد، النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٦، ومكي في الإيضاح: ١٥٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٦، وقد نص ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٦ على اسمه، فيعد أن ذكر قول أبي العالية وأن هذه الآية أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. قال ابن كثير: وكذا قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].стр. 426
وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (١) (٢) . قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله ﵎ للنبي ﷺ في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب.
قال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه * ما قدمنا ... ذكره (٣) . الحواشي
(١) [سورة محمد: الآية ٤](٢) لم أعرف وجه الإتيان بهذه الآية، فلم يرد أن ابن زيد قال بأن هذه الآية ناسخة، وكذلك كلام القاضي إسماعيل الذي بعده يظهر أنه تعليق على قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وليس على هذه الآية، وقد راجعت تفسيرها في سورة محمد من هذا الكتاب، ولم أجد هذا الكلام عندها.
* لوحة: ٢٤/أ.(٣) اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك، وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم ثم نسخت ببراءة.
وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري، قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم، قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية. [تفسير ابن جرير: ٢/ ١٨٩].
وممن رجح أن الأمر بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما المنهي عنه هو الاعتداء، وقتل النساء والذراري، وأن هذا الحكم باق لم ينسخ، ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٧، ومكي في الإيضاح: ١٥٦، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤٤، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٦، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٦.
قلت: وما صُدرت به هذه الاية من قول للقاضي بكر بن العلاء هو ما رجحه هولاء العلماء، وأما ما ذكره القاضي بكر من قوله: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره. فلعله أراد موافقة القائلين بالنسخ هنا في مسألة بقاء الحكم في عدم الاعتداء على الذراري والنساء والشيخ الفاني، قال ابن الجوزي بعد ذكره لقول أبي العالية وسعيد بن جبير وابن زيد من أن المراد قتال من لم يقاتلكم، قال: وهولاء إن عنوا من لم يقاتل؛ لأنه لم يُعد نفسه للقتال كالنساء والصبيان والولدان والرهبان فالآية محكمة؛ لأن هذا الحكم ثابت، وإن عنوا من لم يقاتل من الرجال المستعدين للقتال توجه النسخ. [نواسخ القرآن: ٢١٦].
وقد يحمل قولهم بالنسخ على معناه عند المتقدمين، وهو التخصيص، وهو ماذهب إليه القائلون بإحكام الأمر بقتال الكفار، قال مكي بن أبي طالب: وعن ابن عباس، وعمر بن عبدالعزيز، ومجاهد أن الآية محكمة غير منسوخة، لكنها مخصوصة في النهي عن قتل الصبيان والنساء والشيخ الفاني ومن ألقى السلم وكف يده. [الإيضاح: ١٥٦].
قلت: فالمسألة مبنية على الخلاف فيما هو المنسوخ من هذه الآية، هل هو أولها، أو كلها؟ .стр. 427
وأما قوله : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١) نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) قال ذلك معمر عن قتادة (٣) ، والله أعلم بما أراد من ذلك، وقال رسول الله ﷺ : أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي (٤) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩١](٢) [سورة التوبة: الآية ٥](٣) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٧/ ٣٥٣ باب غزوة بدر الأولى من طريق سعيد عن قتادة، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٢ من طريق همام عن قتادة، ٢/ ١٩٣ من طريق معمر به، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٢٠ عن سعيد عن قتادة، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢١٧ عن شيبان عن قتادة.(٤) رواه البخاري في صحيحه: ١/ ٥٣ العلم باب كتابة العلم، و ٢/ ٤٥٢ الجنائز باب الإذخر والحشيش في القبر، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٨٨ كتاب الحج حديث: ٤٤٧، ٤٤٨.
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ بل عدها بعضهم من المعضلات، قال النحاس: هذه الآية من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ، فزعم جماعة من العلماء أنها غير منسوخة، واحتجوا بها وبأشياء من السنن، وزعم جماعة أنها منسوخة، واحتجوا بآيات غيرها، وبأحاديث من السنن. [الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥١٩]
وممن رجح إحكام الآية الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٥٦، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٥٣، ... وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢٢٠، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٥١، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ٣٣٦، ... وابن سعدي في تفسيره: ٧١.
وممن رجح أنها منسوخة ابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٥٢١، ومكي في الإيضاح: ١٥٧.
ولعل الصواب - إن شاء الله - هو أن هذه الآية محكمة، وأنه لا يجوز القتال في البلد الحرام إلا إذا بدأوا القتال هم، فإنهم يقاتلون جزاء لهم.
وعلى هذا فإنه لا تعارض بين هذه الآية وما ذكروه من الآيات، قال ابن الجوزي: إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخاً ومنسوخاً، وصح العمل بهما، فيكون قوله ... تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في غير البلد الحرام بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي في غير الحرم، بدليل قوله تعالى عُقيب ذلك: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ولو جاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان بما أوضحنا إحكام الآية وانتفاء النسخ عنها. [نواسخ القرآن: ٢٢٠]
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أي: من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. [تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٣٣٦].стр. 428
قال الله ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) قال حذيفة (٢) : هذا في النفقة (٣) . يريد: لا تمتنع من الإنفاق في الجهاد، وقال ابن عباس: إن لم تجد شيئاً إلا مشقصاً (٤) تجهز به في سبيل الله، ولا تقولن لا أجد شيئاً، قد هلكت (٥) ، وحكى الضحاك (٦) : الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٥](٢) حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل بن جابر، واليمان لقب، وهو: حذيفة بن حسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة العبسي القطيعي، من كبار الصحابة، روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعنه: جابر، وجندب، وهو صاحب سر رسول الله ﷺ ، مات سنة ٣٦ هـ. [الاستيعاب: ١/ ٢٧٧، والإصابة: ١/ ٣١٧].(٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٦٤٢ التفسير سورة البقرة باب: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٧١٠، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٠، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣١.(٤) المشقص هو: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٩٠].(٥) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٣، ١٠٥، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٠، ٢٠١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٠، والبيهقي في سننه: /٤٥ باب ما جاء في قول الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من كتاب السير.(٦) قال ابن حجر: الضحاك بن أبي جبيرة الأنصاري، هو مقلوب، والصواب: أبو جبيرة بن الضحاك، وهو: أبو جبيرة ابن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، لا يعرف اسمه، قال بعضهم: له صحبة، وقال بعضهم: لا صحبة له، وجزم الذهبي بأن له صحبة، روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وعنه: ابنه محمود، وقيس بن أبي حازم، وعامر الشعبي .. [الكاشف: ٢/ ٤١٥، والإصابة: ٢/ ٢٠٥، ٤/ ٣١].стр. 429
أن الأنصار أمسكوا عن الصدقة لسَنة (١) أصابتهم فنزلت هذه الآية (٢) . الحواشي
(١) السَنةُ: الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقطحوا. [النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤١٣].(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٢، وابن قانع في معجم الصحابة: ٢/ ٣٤، وابن حبان في صحيحه: ١٣/ ١٦، والطبراني في الكبير: ٢٢/ ٣٩٠، وفي الأوسط: ٦/ ٢٠، والواحدي في أسباب النزول: ٥٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣١٧ رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح. وقال السيوطي في الدر: ٢/ ٢٠٧ أخرجه عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن قانع، والطبراني.
قلت: والموجود عند ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠١ نسبة هذا القول إلى عامر الشعبي.стр. 430
وقال البراء بن عازب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) الرجل يذنب فيلقي بيده ويقول: لا توبة (٢) ، وقال النعمان بن بشير (٣) نحو ذلك وزاد: ولكن يستغفر الله ويتوب فإن الله غفور رحيم (٤) ، وقد روي هذا القول عن عبيدة (٥) ومحمد بن ... سيرين (٦) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٥](٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٢، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٢ كتاب التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبهقي في سننه: ٩/ ٤٥، وقال ابن حجر في الفتح: ٨/ ٢٣٣: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح.(٣) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، يكنى: أبا عبدالله، له ولأبيه صحبة، وهو أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة، روى عن النبي ﷺ ، وعن: عمر، وعائشة، وعنه: ابنه محمد، والشعبي، قال ابن عبد البر: لا يصحح بعض أهل العلم سماعه من رسول الله ﷺ ، وهو عندي صحيح؛ لأن الشعبي يقول عنه: سمعت رسول الله ﷺ في حديث أو ثلاثة قتل سنة ٦٥ هـ. ...
[الاستيعاب: ٣/ ٥٥٠، والإصابة: ٣/ ٥٥٩].(٤) رواه الطبراني في الأوسط: ٦/ ٢٠، ٢١، والبيهقي في سننه: ٩/ ٤٥، والواحدي في أسباب النزول: ٥٧، وذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧ رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح. وذكره السيوطي في الدر: ١/ ٢٠٨ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.(٥) عَبيدة السلماني: رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٣، وذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢١٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩.(٦) ذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢١٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٢٩.стр. 431
وقال شبل بن عوف (١) قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن مدرك بن عوف (٢) شرى نفسه
يوم نهاوند (٣) ، فقلت: يا أمير المؤمنين ذلك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (٤) . الحواشي
(١) شُبيل بن عوف بن أبي حية الأحمسي البجلي، أبو الطفيل الكوفي، ويقال له: شبل بغير تصغير، أدرك الجاهلية، وشهد القادسية، قال ابن عبدالبر: لا تصح له رواية ولا صحبة، إنما روايته عن عمر بن الخطاب، وعنه: إسماعيل بن أبي خالد، وحبيب الأزدي.
[الاستيعاب: ٢/ ١٦٤، والإصابة: ٢/ ١٦٤].(٢) مُدرك بن عوف البجلي الأحمسي، قال ابن عبدالبر: مختلف في صحبته، واتصال حديثه، روى عنه: قيس بن أبي حازم، وسمع من عمر بن الخطاب.
[الاستيعاب: ٣/ ٤٣٤، والإصابة: ٣/ ٣٩٤].(٣) نهاوند بفتح النون الأولى، وتكسر، والواو مفتوحة، ونون ساكنة، ودال مهملة: مدينة عظيمة في قبلة همذان، من فتوح أهل الكوفة، وكان فتحها سنة ٢١ هـ، وقيل غير ذلك، وفيها حصلت وقعة نهاوند، والتي تسمى فتح الفتوح، بين المسلمين والفرس، أيام خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
[معجم البلدان: ٥/ ٣١٣، والبداية والنهاية: ٧/ ١١٣](٤) في هذا الأثر علتان، علة في السند، وعلة في المتن، فأما علته في السند: فإن المحفوظ روايته من طريق مدرك بن عوف عن عمر، قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عنه، فرواه أبو أسامة ويزيد بن هارون: عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن مدرك بن عوف عن عمر. وقال هشيم: عن إسماعيل عن قيس عن شبيل بن عوف. وقال وكيع: عن إسماعيل عن قيس عن عمر. وقول أبي أسامة ويزيد بن هارون أصح.
[العلل الواردة في الأحاديث النبوية: ٢/ ٢٠٨].
قلت: وقد رواه من الطريق الأول الذي ذكر الدارقطني: الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٢١٤ كتاب الجهاد، وفي ٧/ ١٥ باب في توجيه النعمان بن مقرن إلى نهاوند من كتاب التاريخ، والبيهقي في سننه: ٩/ ٤٦.
ورواه من الطريق الثاني - وهو ماذكره المصنف هنا - الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٢.
ورواه من الطريق الثالث أيضاً الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال: ٢/ ٢٦٣، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٢.
وأما علته في المتن فإنه ذكر فيه أن المقتول هو مدرك بن عوف، وهو خطأ، والصواب أن المقتول هو: عوف بن أبي حية البجلي الأحمسي، والد شبيل.
قال ابن حجر في ترجمته: واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند، وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: بينما أنا عند عمر إذ اتاه رسول النعمان بن مقرن، فسأله عمر عن الناس، فذكر من أصيب من المسلمين، وقال: قتل فلاف وفلان وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكن الله يعرفهم، قالوا: ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي، أبا شبيل، قال مدرك بن عوف: يا أمير المؤمنين والله خالي ... ...
[انظر الإصابة: ٣/ ١٢٢، وانظر ما سبق من تخريج هذا الأثر].стр. 432
قال القاضي: والآية تحتمل جميع ذلك والله أعلم بما أراد (١) . الحواشي
(١) قال ابن حجر: ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية، قال: نزلت في النفقة، أي: في ترك النفقة في سبيل الله ، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسراً في حديث أبي أيوب.
ثم قال ابن حجر بعد ذكره لما قيل في سبب نزول هذه الآية: والأول أظهر - يريد ما ذكر عن حذيفة - لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.
[انظرفتح الباري: ٢/ ٢٣٢، ٢٣٣]. =
ويرى الطحاوي أن سبب نزول هذه الآية هو ماروي في حديث أبي أيوب الأنصاري من ترك الجهاد، والركون إلى الدنيا، وقد روى هذا الحديث في شرح مشكل الآثار: ١٢/ ٩٩ عن أسلم أبي عمران، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سراً من رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، وأصلحنا ما قد ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما قد هممنا به فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله.
قال الطحاوي: ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله ﷺ في المراد بهذه الآية عندهم مما لم يذكروا فيه أن نزولها كان فيه، كما ذكر أبو أيوب في حديثه الذي ذكرناه عنه. [شرح مشكل الآثار: ١٢/ ١٠٢].
قلت: فالطحاوي يرى أن ما أثر عن السلف في هذه الآية كابن عباس، والبراء، وغيره يحمل على التفسير لها، لا أنه سبب نزولها، وعلى كل فالآية محتملة لهذه المعاني كلها.
وممن رأى أن الآية تحتمل هذه المعاني دون تضاد بينها ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٠، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٢٥٢.
قال ابن العربي: قال الطبري: هو عام في جميعها لا تناقض فيه، وقد أصاب إلا في اقتحام العساكر، فإن العلماء اختلفوا فيه، والصحيح عندي جوازه. ... [انظر أحكام القرآن: ١/ ١٦٦].
قال ابن حجر: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين. [فتح الباري: ٨/ ٢٣٣].стр. 433
قال الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) *
نا إسماعيل (٢) قال: نا مسدد (٣) قال: نا عبد الواحد (٤) قال: نا الحجاج (٥) عن محمد ابن المنكدر (٦) عن جابر بن عبد الله قال: قيل يا رسول الله: العمرة واجبة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك (٧) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
* لوحة: ٢٤/ب.(٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق تقدم.(٣) مسدد بن مسرهد ثقة حافظ تقدم.(٤) عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري، عن: حجاج بن أرطأة، ,وإسماعيل بن سميع، وعنه: مسدد، وقيس بن حفص، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٦ هـ.
[تهذيب الكمال: ١٨/ ٤٥٠، والتقريب: ٦٣٠].(٥) حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي، أبو أرطأة الكوفي القاضي، عن: محمد بن المنكدر، وعن الشعبي حديثاً واحداً، وعنه: عبدالواحد بن زياد، والثوري، صدوق كثير الخطأ والتدليس، مات سنة ١٤٥ هـ.
[تهذيب الكمال: ٥/ ٤٢٠، والتقريب: ٢٢٢].(٦) محمد بن المنكدر بن عبدالله الهُدير التيمي المدني، عن: جابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وعنه: أيوب السختياني، وحجاج بن أرطأة، ثقة فاضل، مات سنة ١٢٠ هـ.
[تهذيب الكمال: ٢٦/ ٥٠٣، والتقريب: ٨٩٩].(٧) رواه الترمذي في سننه، كتاب الحج باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ بلفظ (وأن يعتمروا هو ... أفضل) وقال: حديث حسن صحيح، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٦٧٩، وأحمد في مسنده: ٣/ ٣١٦، ٣٥٧، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٥ باب من قال العمرة تطوع، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٢٥٠، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢١٢، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٣، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٨٥ حديث: ٢٢٣، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤٩ باب من قال العمرة تطوع.
كلهم من طريق الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر به، وهذا الحديث ضعيف لضعف الحجاج بن أرطأة، وإن كان البعض قد روى هذا الحديث من طرق أخرى إلا أن البيهقي قال بعد أن ساق طرقاً غير هذا الطريق، قال: وإنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر. [سنن البيهقي: ٤/ ٣٤٩].
وفي رفعه إلى رسول ﷺ نظر، فقد قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث من طريق الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه سئل عن العمرة أواجبة؟ قال البيهقي: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوفٌ غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعاً بخلاف ذلك وكلاهما ضعيف. [المرجع السابق]. =
وبالنسبة لتصحيح الترمذي له فلا يلتفت له، قال النووي: وأما قول الترمذي: إن هذا حديث حسن صحيح , فغير مقبول , ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا , فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف , ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطاة لا يعرف إلا من جهته , والترمذي إنما رواه من جهته , والحجاج ضعيف ومدلس باتفاق الحفاظ , وقد قال في حديثه: عن محمد بن المنكدر والمدلس إذا قال في روايته: عن , لا يحتج بها بلا خلاف , كما هو مقرر معروف في كتب أهل الحديث , وأهل الأصول , ولأن جمهور العلماء على تضعيف الحجاج بسبب آخر غير التدليس , فإذا كان فيه سببان يمنع كل واحد منهما للاحتجاج به , وهما الضعف والتدليس. فكيف يكون حديثه صحيحا؟ ... [المجموع: ٧/ ١١].стр. 434
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين (٢) من دويرة أهلك (٣) . ووافق عمر علياً في ذلك (٤) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٢) الائتناف والاستئناف أي: الابتداء، يقال: استأنفت الشيء: أخذت فيه، وابتدأته.
[مقاييس اللغة: ٧٦، والمصباح المنير: ٢٧](٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣ باب من رخص أن يحرم من الموضع البعيد، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٧، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٩، ٢٤٥، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٣ كتاب التفسير سورة البقرة، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٤١ باب تأخير الحج، و ٥/ ٣٠ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله.
كلهم دون لفظة (مؤتنفتين)، وهذه اللفظة رواها ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٠٧ عن طاووس أنه قال: تمامهما إفرادهما مؤتنفتين من أهلك.(٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٤٦ في الرجل يريد العمرة وهو بمكة من أين يعتمر؟ ، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٤٥، وذكره ابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٥.
قلت: وغاية ما في هذين الأثرين عن علي وعمر ﵄ _ دلالتهما على أن الإتمام في هذه الآية يراد به إنشاء الحج والعمرة من أهلك، ولعل فيه دليل لمن قال بوجوب العمرة، قال ابن عبدالبر بعد ذكره لهذا الأثر عن علي بن أبي طالب ﵁: وهذا في معنى قول من قال: الإتمام يقع على الابتداء [التمهيد: ٢٠/ ١٦].
وعلى كل فهذا التفسير بعيد، قال ابن العربي: أما قوله: أحرم بها من دويرة أهلك فإنها مشقة رفعها الشرع، وهدمتها السنة بما وقت النبي ﷺ من المواقيت. ... [أحكام القرآن: ١/ ١٦٨]стр. 435
واختلف التابعون فمنهم من لم يرها واجبة، ومنهم من رآها واجبة (١) .
قال القاضي: والذي توجبه الآية إتمام ما دخل فيه منهما؛ لأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) ليس هو من خطاب الإيجاب ولا ألفاظ الفروض، فأما الحج فليس بهذه الآية وجب، وإنما وجب فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٤) فأمر أن يدعوهم إلى الحج الذي لا اسم له غير الحج، وإن كان هذا الاسم يقتضي القصد فهاتان الآيتان نزلتا بفرض الحج، كما قيل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥) فكان دعاؤهم إليها موجباً لفرضها.
فأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦) الحواشي
(١) الاختلاف في هذه المسألة وقع بين الصحابة كما وقع بين من بعدهم [انظر في أقاويلهم: مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٥ - ٢١٧، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٠، والاستذكار: ١١/ ٢٤١، والمغني: ٥/ ١٣٥](٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧](٤) [سورة الحج: الآية ٢٧](٥) [سورة الجمعة: الآية ٩](٦) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
* لوحة: ٢٥/أ.стр. 436
فإنما قصد به لمن تطوع بالحج، فأمر أن يتممه لله كما يتم الفرض، وكذلك أُمر في العمرة إذا اختار الدخول فيها فدخل أُمر بالإتمام، إنما يقال للإنسان إذا دخل في الشيء ومضى بعضه * تَمَمْهُ، وليس هكذا إيجاب الفرائض، وإنما إيجابها أن يؤمر بها قبل أن يدخل فيها، قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) فأما العمرة فسنة لا ينبغي تركها (٤) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ٤٣](٢) [سورة البقرة: الآية ١٨٥](٣) [سورة آل عمران: الآية ٩٧](٤) قال الإمام مالك: العمرة سنة، ولا نعلم أحداً من المسلمين أرخص في تركها. [الموطأ: ٢/ ٢٨٢ الحج].
قال ابن عبدالبر: هذا اللفظ يدل ظاهره على وجوب العمرة، وقد جهل بعض الناس مذهب مالك فظن أنه يوجب العمرة بقوله: ولا نعلم أحداً من المسلمين أرخص في تركها. وقال: هذا سبيل الفرائض، وليس كذلك عند جماعة أصحابه، ولا يختلفون عنه أنها سنة مؤكدة. [الاستذكار: ١١/ ٢٤١].
وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات: ٢/ ٣٢١، قول ابن القاسم: قال مالك: العمرة سنة واجبة كالوتر لا ينبغي تركها.стр. 437
ولا حجة لمن جعلها فرضاً، ألا ترى علياً قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (١) ، وسئل النبي ﷺ لما نزل فرض الحج: أفي كل عام يارسول الله؟ قال: لا، ولو قلتها لوجبت، ولكن مرة واحدة فإن عدت فهو أفضل (٢) ، وقال النبي ﷺ : ولأن تعتمر خير لك (٣) .
وقد زعم بعض الناس (٤) الحواشي
(١) سبق تخريجه ص: ٢٣٥.(٢) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٣٩ الحج باب فرض الحج عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة، أو مرة واحدة، قال: بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع. وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٥٤ باب فرض الحج من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ١/ ٢٥٥، ٢٩٠، والحاكم في المستدرك: ... ٢/ ٣٢١ التفسير سورة آل عمران، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٧٩ الحج حديث: ١٩٧، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٢٦ باب وجوب الحج مرة واحدة من كتاب الحج، وأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٩٧٥ الحج حديث: ٤١٢ عن أبي هريرة.(٣) سبق تخريجه ص: ٢٣٤.(٤) لعله يشير إلى استدلال الشافعي بتسمية الرسول ﷺ للعمرة بالحج الأصغر [انظر الأم: ٢/ ١٣٣]. فقد روى الحاكم في المستدرك: ١/ ٥٣٣ كتاب الزكاة، وابن حبان في صحيحه: ١٤/ ٣٥٢، والدارقطني في سننه: ... ٢/ ٢٨٥ كتاب الحج حديث: ١٢٢، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٢ باب من قال بوجوب العمرة: أن في الكتاب الذي بعث به رسول الله ﷺ عمرو بن حزم إلى أهل اليمن أن فيه: إن العمرة الحج الأصغر.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢١٦ باب من كان يرى العمرة فريضة، عن ابن عباس أنه قال: العمرة الحج الأصغر. وكذلك رواه الدارقطني في سننه: ٢/ ٢٨٥، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٥٢.
وروى البيهقي في سننه أيضاً: ٤/ ٣٥١ عن ابن مسعود ﵁: الحج الحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر.стр. 438
أنها واجبة بقول الله : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (١) فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشاً؛ لأن كل من فسر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجاً أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة (٢) ، ومنهم من قال: يوم النحر (٣) ، وسئل النبي ﷺ عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر (٤) . الحواشي
(١) [سورة التوبة: الآية ٣](٢) انظر تفسير عبدالرزاق: ٢/ ٢٦٦، وتفسير ابن جرير: ١٠/ ٦٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ٦/ ١٧٤٨.(٣) انظر المراجع السابقة.(٤) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر. رواه الترمذي في سننه كتاب الحج باب ١٠٧ انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٠، وفي أبواب تفسير القرآن سورة التوبة، انظر تحفة الأحوذي: ٨/ ٤٨٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٦/ ١٧٤٧. =
والصحيح وقف هذا الحديث على علي ﵁، قال الترمذي بعد أن ساق هذا الأثر موقوفاً على علي قال: وهذا أصح من الحديث الأول، ورواية ابن عيينة موقوفٌ أصح من رواية محمد بن إسحاق مرفوعٌ، وهكذا روى غير واحد من الحفاظ عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفاً. [انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٣٠].
وسواء كان الحديث مرفوعاً أم موقوفاً، فكلاهما ضعيف؛ لأن مدار الحديث على الحارث بن عبدالله الأعور، قال ابن حجر فيه: كذّبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف. ... [التقريب: ٢١١].
وله شاهد من حديث ابن عمر ﵄ قال: وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي بهذا، وقال: هذا يوم الحج الأكبر. رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٢١ كتاب الحج باب الخطبة أيام منى.стр. 439
وقال: أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر (١) . الحواشي
(١) كذا في الأصل (النفر)، ويوم النفر الأول هو: اليوم الثاني من أيام التشريق، والنفر الآخر: اليوم الثالث، ويقال: يوم وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من منى.
[انظر النهاية غي غريب الحديث: ٥/ ٩١، ولسان العرب: ٥/ ٢٢٥].
ولم أجد من رواه بهذا اللفظ إلا الإمام احمد في مسنده: ٤/ ٣٥٠ عن يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن عبدالله بن نجي عن عبدالله بن قرط أن رسول الله ﷺ قال: (أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر).
ولعله تحرف من يوم القر إلى يوم النفر، فقد رواه الحافظ المزي في تهذيب الكمال: ١٥/ ٤٤٥ عند ترجمة ... عبدالله بن قرط من طريق الإمام أحمد بنفس السند بلفظ (ثم يوم القر).
وقد رواه بلفظ (يوم القر) أبوداود في سننه: ٢/ ١٤٨ الحج باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ عن ثور به، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٢٩٤ عن يحيى بن سعيد به، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٤٦ كتاب الأضاحي من طريق يحيى به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في سننه: ٥/ ٢٣٧ باب نحر الإبل قياماً غير معقولة أو معقولة يدها اليسرى كتاب الحج، من طريق ثور به.
ويوم القر هو: اليوم الثاني بعد يوم النحر، قال ابن الأثير: هو الغد من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى، أي: يسكنون ويقيمون.
[النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٣٧].стр. 440
وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافاً للصحابة الذين ذكروا أن الله قصد يوم الحج الأكبر، لاسيما مع بيان النبي ﷺ ، ولا نعلم خلافاً أن فرضاً لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض، ثم رأينا هذا القائل يجمع الحج والعمرة، فيسقط عمل العمرة عنده ويجزي عنهما (١) عمل الحج، ولم نر فرضاً يدخل على فرض فيسقط حكمه، ومن رآها من الصدر الأول فإنما أوجبها * بوجوب السنة؛ ولأن النبي ﷺ اعتمر، وهو
عمل من أعمال البر (٢) . الحواشي
(١) كذا في الأصل، ولعله: عنها عوداً على العمرة.
* لوحة: ٢٥/ب.(٢) ذكر المؤلف هنا حكم العمرة: ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، قال ابن العربي: وأما إتمامهما إذا دخل فيهما _ أي الحج والعمرة _ فلا خلاف بين الأمة فيهما، حتى بالغوا فقالوا: يلزمه إتمامهما وإن أفسدهما. ... [أحكام القرآن: ١/ ١٦٨].
وإنما وقع الخلاف في حكم الابتداء بالعمرة على قولين:
الأول: وجوب العمرة مرة في العمر كالحج، وهذا القول هو الأظهر والجديد من مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وممن قال بذلك: عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي، والثوري، وخلق كثير.
القول الثاني: أن العمرة تطوع، وليست فريضة، فقد ذهب مالك وأصحابه إلى أنها سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة وأصحابه إنها تطوع، وهذا القديم من مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال: أبو ثور، والنخعي.
[انظر في هذه المسألة: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٦٢، والاستذكار: ١١/ ٢٤١، والمغني: ... ٥/ ١٣، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٦٨، وروضة الطالبين: ٣/ ١٧].
وممن رجح القول الأول: ابن حزم في المحلى: ٧/ ٤٢، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٦٥٧
ورجح القول الثاني: ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٢٦/ ٥، والشوكاني في نيل الأوطار: ٤/ ٣٣٣.
ولعل القول بالوجوب هو الراجح _ إن شاء الله _ لما فيه من إبراء الذمة؛ ولإجماع الصحابة على ذلك حيث ... لا يعرف لهم مخالف، قال ابن عبدالبر: وأما الصحابة فروي عن ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت إيجاب العمرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، إلا ما روي عن ابن مسعود، على اختلاف عنه، واختلف التابعون في هذه المسألة: فأوجبها بعضهم، وهم الأكثر، ولم يوجبها بعضهم. ...
[التمهيد: ٢٠/ ١٥].стр. 441
قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)
الإحصار في اللغة هو: المرض الذي يحبس. والحصر بالعدو يقال فيه: حصر فهو محصور، ومعناه: منع فهو ممنوع. والمرض يقال فيه: أُحصر فهو محصر، أي: أُمرض فهو ممرض، قال الكسائي (٢) وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور (٣) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٢) علي بن حمزة الكسائي، أبو الحسن الأسدي مولاهم الكوفي، المقريء النحوي، ولد في حدود سنة عشرين ومائة، أخذ القراءة عن حمزة الزيات، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، واختار لنفسه قراءة، رحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، له من التصانيف: كتاب القراءات، وكتاب معاني القرآن، ولكنها من المفقودات.
[وفيات الأعيان: ٢/ ١٤٠، ومعرفة القراء الكبار: ١/ ١٢٠].(٣) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٦٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٦٨، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٧١.стр. 442
وقال ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو (١) ، ولم يقل لا إحصار، وهو ثبت اللغة هذا التعلم (٢) أن ما كان من حبس العدو يقال فيه حصُر بغير ألف، وهذا النحو من الكلام يجري هذا المجرى. قال إسماعيل: فإذا حبس الرجلُ الرجل قيل: حبسه، وإذا فعل به فعلاً عرضه به لأن يحبس قيل: أحبسه (٣) ، وإذا قتله، قيل: قتله، وإذا عرضه للقتل قيل: أقتله، وسقاه إذا أعطاه إناء فشربه، وإذا جعل له سقياً قيل: أسقاه، وقبره إذا تولى دفنه، وأقبره إذا جعل له قبراً (٤) ، قال الله : ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٥) وقالت بنو تميم (٦) الحواشي
(١) رواه الشافعي في الأم: ٢/ ١٦٣، ٢١٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢١٤، ٢٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٣٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩ باب من لم ير الإحلال بالإحصار بالمرض، وقد صححه ابن حجر في تلخيص الحبير: ٢/ ٢٩٢، وقال النووي: رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري ... ومسلم. ... [المجموع: ٨/ ٣٠١].(٢) كذا في الأصل، ولعلها: وهو يثبت اللغة بهذا التعليم أن.(٣) كذا في الأصل وهو الصواب، وفي النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٣: فإن فعل به فعلاً عرضه للحبس، قيل: احتبسه.(٤) انظر كلام القاضي إسماعيل في المرجع السابق.(٥) [سورة عبس: الآية ٢١](٦) بنو تميم قاعدة من أكبر قواعد العرب، وهم: بنو تميم بن مر بن أُدبن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، لهم بطون كثيرة، كانت منازلهم بأرض نجد، دائرة من هنالك على البصرة واليمامة، حتى يتصلوا بالبحرين، وانتشرت إلى العذيب من أرض الكوفة، ثم تفرقوا في الحواضر.
[جمهرة أنساب العرب: ٢٠٧، ومعجم قبائل العرب: ١/ ١٢٥].стр. 443
لابن هبيرة (١) حين صلب صالح بن عبد الرحمن (٢) : أقبرنا صالحاً، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلت (٣) . فهذا على أقبرت، ومما جاء على قبرت ... قول الأعشى (٤) :
لو أسندت ميتاً إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر (٥) الحواشي
(١) عمر بن هبيرة بن سكين الأمير، أبو المثنى الفزاري الشامي، كان أمير العراق من قبل يزيد بن عبدالملك، فلما ولي هشام بن عبدالملك عزله بخالد القسري، مات سنة ١٠٧ هـ.
[تاريخ دمشق: ٤٥/ ٣٧٣، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٦٢].(٢) لعله: صالح بن عبدالرحمن أبي صالح، أبو الوليد الكاتب، من أهل البصرة، وهو أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، قال ابن عساكر في ترجمته: لما ولي يزيد بن عبدالملك كان صالح عنده بالشام، فكتب عمر ابن هبيرة إلى يزيد في إنفاذ صالح إليه يسأله عن الخراج، فبعث إليه به وأوصاه به، فبعثه وقتله.
[تاريخ دمشق: ٢٣/ ٣٤٣](٣) انظر النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٤ وقد ذكر أن الذي قتل صالح هو الحجاج، ومجاز القرآن: ٢/ ٢٨٦، وتفسير القرطبي: ١٩/ ٢١٦.(٤) الأعشى: ميمون بن قيس، كان أعمى، يكنى: أبا بصير، أدرك الإسلام في آخر عمره، رحل إلى النبي ﷺ ، فقيل: إنه مات بالطريق، وقيل: إنه رجع قبل أن يصله، ثم مات في الطريق، ويسمى صناجة العرب، وقد عده ابن سلام في الطبقة الأولى من فحول شعراء الجاهلية.
[طبقات فحول الشعراء: ١/ ٦٥، والشعر والشعراء: ١/ ٢٥٧](٥) ديوان الأعشى: ٩٣، ومجاز القرآن: ٢/ ٢٨٦، وتفسير ابن جرير: ٣٠/ ٥٦. قال أبو عبيدة: والقابر هو الذي يدفن بيده.
* لوحة: ٢٦/أ.стр. 444
* فهذا على قبرت، فعلى هذا المجرى يكون: فإن أحصرتم أي: أصابكم شيء كان سبباً لأن فاتكم الحج، وقد جاءت أحاديث في المحصر بمرض، وقد جاءت أحاديث في المحصر بعدو، ونحن ذاكروا بعضها كي لا يطول الكتاب، فمن ذلك: أن ابن عمر أراد العمرة، فقال له ابنه (١) : الحواشي
(١) كذا في الأصل، وقد وقع في طرق هذا الحديث اختلاف في من كلم ابن عمر من أبنائه، فقيل: هم عبدالله، وسالم، كما ورد عند البخاري ومسلم، وعبيدالله وسالم في بعض طرق البخاري، وفي بعض طرقه أيضاً: أن بعض بني عبدالله، وفي بعض الطرق عنه أيضاً: عبدالله بن عبدالله.
قال ابن حجر: ووقع في رواية جويرة المذكورة: عبيدالله بن عبدالله ـ بالتصغير ـ، وفي رواية يحيى القطان المذكورة: عبدالله ـ بالتكبير ـ، وكذا في رواية عمر بن محمد عن نافع. قال البيهقي: عبدالله ـ يعني مكبراً ـ أصح. قلت: وليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك، ولعل نافعاً حضر كلام عبدالله ـ المكبر ـ مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيدالله ـ المصغر ـ مع أخيه سالم أيضاً، بل أخبره بذلك، فقص عن كل ما انتهى إليه علمه. ... [فتح الباري: ٤/ ٨]
قلت: فأما سالم بن عبدالله بن عمر، فكان ثبتاً عابداً فاضلاً، تقدمت ترجمته.
وأما عبدالله: فهو عبدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، أبو عبدالرحمن المدني، ثقة مات سنة ١٠٥ هـ.
[التقريب: ٥١٩]
وأما عبيدالله: فهو عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، أبو بكر، شقيق سالم، ثقة، مات سنة ١٠٦ هـ. ... [المرجع السابق: ٦٤١]стр. 445
سيكون بين الناس أمر يصد عن البيت، فقال: إذاً أفعل كما فعل رسول الله ﷺ بالحديبية (١) حين صده المشركون فنحر، وحلق، وحل، فأحرم بعمرة، ثم أدخل الحج عليها. روي ذلك عنه من طرق (٢) ، رواه موسى بن عقبة (٣) الحواشي
(١) الحديبية بضم الحاء، وفتح الدال، وياء ساكنة، وباء موحدة مكسورة، وياء اختلفوا فيها، فمنهم من شددها، ومنهم من خففها، وقيل: كل صواب، أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخففونها، وهي قرية ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ تحتها، وقيل: بل سميت بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبينها وبين مكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، قيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وقيل: جميعها من الحرم، وقد كانت عمرة الحديبية، وما حصل من صد المشركين للرسول ﷺ شهر ذي القعدة، سنة ست من الهجرة. [معجم البلدان: ٢/ ٢٢٩، والبداية والنهاية: ٤/ ٥٥٢].(٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٠ باب طواف القارن، و ٢/ ٦٤١ - ٦٤٤ باب إذا أحصر المعتمر، وباب النحر قبل الحلق في الحصر، وباب من قال ليس على المحصر بدل، من كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ... ٢/ ٩٠٣، ٩٠٤ كتاب الحج، حديث: ١٨٠ - ١٨٣.(٣) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، أدرك ابن عمر وغيره، عن: الأعرج، ونافع مولى ابن عمر، وعنه: مالك، وأبي ضمرة أنس بن عياض، ثقة فقيه إمام في المغازي، مات سنة ١٤١ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٣٠٦، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٣٢١، والتقريب: ٩٨٣].стр. 446
عن نافع (١) عن ابن عمر (٢) ، ومالك (٣) عن ابن شهاب (٤) عن سالم (٥) عن أبيه: أن المحصر ... لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لابد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى (٦) . الحواشي
(١) نافع مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور تقدم.(٢) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١١ باب من اشترى هديه من الطريق وقلده من كتاب الحج عن إبراهيم بن المنذر حدثتا أبي ضمرة حدثنا موسى بن عفبة به.(٣) مالك بن أنس إمام دار الهجرة رأس المفتين وكبير المتثبتين، تقدم.(٤) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الفقيه الحافظ المتقن، تقدم.(٥) سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب ثبت عابد فاضل، تقدم.(٦) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢ كتاب الحج حديث: ١٠٠ بلفظ: المحصر بمرض لا يحل. وفي الموطأ برواية أبي مصعب الزهري: ١/ ٤٥٧ دون لفظة (مرض)، وكذلك في الموطأ برواية سويد بن سعيد: ٤٢٨، والشافعي في الأم: ٢/ ١٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٥١، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٢٥، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩ باب من لم ير الإحلال بالإحصار بالمرض. كلهم من هذا الطريق دون لفظة ... (مرض).
وقد روي بهذا السند بلفظ (من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢ كتاب الحج حديث: ١٠٣، والشافعي في الأم: ١/ ١٦٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٥٢، والبيهقي في سننه: ٥/ ٢١٩.стр. 447
وزاد موسى بن عقبة: فإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، ثم رجع حلالاً من حجه حتى يحج عاماً قابلاً ويهدي (١) . الحواشي
(١) روى البيهقي في معرفة السنن والآثار: ٧/ ٤٩٣ بسنده عن الشافعي عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول: لا يحل محرم بحج ولا عمرة حبسه بلاء حتى يطوف بالبيت، إلا من حبسه عدو فإنه يحل حيث حبس، ومن حبس في عمرة ببلاء مكث على إحرامه حتى يطوف بالبيت العتيق، ثم يحل من عمرته، فإن منعه عدو في عمرته ـ قال أبو جعفر: يعني حل حيث حبسه ـ قال: ثم رجع حلالاً، ثم اعنمر بعد إذا أمن كما صنع رسول الله ﷺ ، وإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ البيت وبين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، ثم رجع حلالاً من حجه، حتى يحج عاماً قابلاً، ويهدي، فإن لم يجد هدياً صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ورواه ابن عبدالبر في الاستذكار: ١٢/ ١٠٦ بسنده من طريق محمد بن عبدالحكم عن أنس بن عياض بنحوه.стр. 448
فهذا ابن عمر قد فرق بين العدو وبين المرض؛ لأنه قال في حديث موسى بن عقبة: وإن حبسه عدو حلق وحل (١) ، وقد روي في أمر العدو عن رسول الله ﷺ ، والأسانيد عنه في ذلك أحاديث صحاح لا يدخلها وهن (٢) ، وقد روى حجاج الصواف (٣) عن يحيى بن أبي كثير (٤) عن عكرمة (٥) عن الحجاج بن عمرو (٦) الحواشي
(١) انظر الأثر السابق.(٢) لعله يشير إلى ما فعله الرسول ﷺ حين صُد عام الحديبية، وقد سبق ذكر ذلك عن ابن عمر ص: ٢٤٢.(٣) حجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت، ويقال: أبو عثمان، الكندي مولاهم البصري، واسم أبي عثمان: ميسرة، وقيل: سالم، عن: حميد بن هلال، ويحيى بن أبي كثير، وعنه: القطان، وهشيم، ثقة حافظ، مات سنة ١٤٣ هـ. [الكاشف: ١/ ٣١٣، وتهذيب التهذيب: ٢/ ١٨٨، والتقريب: ٢٢٤].(٤) يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، روى عن أنس، وعكرمة، وعنه: حجاج بن أبي عثمان الصواف، وحرب بن شداد، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، مات سنة ١٢٩ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٣٧٣، وتهذيب التهذيب: ١١/ ٢٣٤، والتقريب: ١٠٦٥].(٥) عكرمة مولى ابن عباس ثقة ثبت، تقدم.(٦) الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني المدني، له صحبة، روى عن النبي ﷺ حديثين، روى عنه عكرمة حديث: من كسر أو عرج، شهد صفين مع علي ﵁. [الاستيعاب: ١/ ٣٤٦، والإصابة: ١/ ٣١٣].
* لوحة: ٢٦/ب.стр. 449
أن رسول الله ﷺ قال: من كسر أو عرج فقد حل * وعليه حجة أخرى. قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس ولأبي هريرة ﵄ فقالا: صدق (١) . الحواشي
(١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٧٣ باب الإحصار من كتاب المناسك، والترمذي في سننه باب ما جاء في الذي يهل بالحج ثم يكسر أو يعرج من كتاب الحج، وقال: هذا حديث حسن، انظر تحفة الأحوذي: ٤/ ٨، والنسائي في سننه: ٥/ ٢١٨ باب فيمن أحصر بعدو كتاب المناسك، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٩٤ باب المحصر من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ٣/ ٤٥٠، والدارمي في سننه: ٢/ ٨٥ باب في المحصر بعدو، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٧٧ كتاب الحج حديث: ١٩١، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦٥٧ المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في سننه: ٥/ ٢٢٠ باب من رأى الإحلال بالإحصار بالمرض.
وهذا حديث صحيح، وإن كان يحيى بن أبي كثير يدلس ويرسل فقد عده ابن حجر في المرتبة الثانية من الموصوفين بالتدليس الذين احتمل الأئمة تدليسهم. [تعريف أهل التقديس: ١٢٧]، وقد صرح بالتحديث عن عكرمة كما عند البيهقي والحاكم. قال الترمذي: وروى معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبدالله بن رافع عن الحجاج عن عمرو عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث، وسمعت محمداً ـ يقصد البخاري ـ يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح. [تحفة الأحوذي: ٤/ ١٠].
وقال ابن حجر: فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلا فالواسطة بينهما ـ وهو عبدالله بن رافع ـ ثقة، وإن كان البخاري لم يخرج له. [فتح الباري: ٤/ ١١].
وقال النووي: رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي بأسانيد صحيحة [المجموع: ٨/ ٣٠٢].стр. 450
وهذا من أسانيد الشيوخ، وقد يحتمل مع ذلك أن يكون المعنى: ففاته الحج أن له أن يتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل (١) . وأحاديث الثقات تضعف هذا الحديث، فمن ذلك ما رواه سليمان بن حرب (٢) عن حماد بن زيد (٣) عن أيوب (٤) عن عكرمة أنه قال في المحصر: يبعث بالهدي فإذا بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل، وقال: رضي الله بالقصاص بين عباده، ويأخذ منهم العدوان، عليه حج مكان حج، وإحرام مكان إحرام (٥) . فدل حديث أيوب على أن عكرمة قال هذا برأيه، وأنه لو كان عنده عن النبي ﷺ في ذلك حكم لما احتاج أن يحتج بما احتج به (٦) . الحواشي
(١) قد ذكر أهل العلم وجوهاً أخرى في معنى هذا الحديث، انظر تأويل مختلف الحديث: ٢٢٠، وسنن البيهقي: ٥/ ٢٢٠، والاستذكار: ١٢/ ٩٧.(٢) سليمان بن حرب الأزدي ثقة إمام حافظ، تقدم.(٣) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.(٤) ايوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.(٥) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٩ عن حماد به، وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٨ باب في الرجل يهل بالحج فيحصر ما عليه؟ ، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ١٩٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٢٩ من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس: رضي الله بالقصاص من عباده، ويأخذ منكم العدوان، حجة بحجة، وعمرة بعمرة.(٦) سبق بيان صحة هذا الحديث، بل قد ذكر المؤلف أن هذا الحديث من أسانيد الشيوخ، فكيف يقال: إن عكرمة قال هذا الحديث من رأيه، وقد أورد هذا الاعتراض، وأجاب عنه الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٦٩ حيث قال: فزعم هذا القائل أنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما كان قال: (يبعث الهدي) ولقال: (يحل) كما روي في الخبر، وهذا القائل إنما غلط حين ظن أن المعنى في قوله: (حل) وقوع الإحلال بنفس الإحصار، وليس هو كما ظن، وإنما معناه: أنه جاز له أن يحل.стр. 451
وقال علي بن المديني (١) : نا سفيان (٢) عن عمرو بن دينار (٣) أن ابن عباس ﵁ قال:
لاحصر إلا حصر العدو (٤) ، وقال ابن طاوس (٥) عن أبيه (٦) عن ابن عباس مثل ... ذلك (٧) . فتبين ماروى الثقات عن ابن عباس في هذا الباب خلاف رواية حجاج الصواف، وإنما يفعل من أحصر ما يفعل من فاته الحج، والذي يذهب إليه مالك: المحصر بالمر ض بمنزلة من فاته الحج يقيمان على إحرامهما حتى يأتيا البيت ويتحللا بعمرة ويكون عليهما الحج من قابل، والهدي (٨) . على ماروي عن ابن عمر (٩) وغيره في ذلك (١٠) ، وعلى ماروي عن عمر فيمن فاته الحج (١١) ، وقد قال عبد الله بن الزبير (١٢) : الحواشي
(١) علي بن عبدالله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.(٢) سفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه، تقدم.(٣) عمرو بن دينار المكي ثقة ثبت، تقدم.(٤) سبق تخريجه ص: ٢٤٠.(٥) عبدالله بن طاوس، عن: أبيه، وعكرمة، وعنه: معمر، والسفيانان، ثقة فاضل عابد، مات سنة ... ١٣٢ هـ. ... [الكاشف: ١/ ٥٦٣، والتقريب: ٥١٦].(٦) طاوس بن كيسان، ثقة فقيه فاضل، تقدم.(٧) سبق تخريجه ص: ٢٤٢.(٨) انظر الموطأ: ١/ ٢٩٢، والنوادر والزيادات: : ٢/ ٤٢٨.(٩) سبق تخريجه ص: ٢٤٣.(١٠) كابن عباس وعائشة، انظر المغني: ٥/ ٢٠٣، والاستذكار: ١٢/ ٩٦.(١١) رواه مالك في الموطأ: ١/ ٢٩٢، ٣٠٨ كتاب الحج، والشافعي في الأم: ٢/ ١٦٦، والبيهقي في سننه: ... ٥/ ١٧٥ باب ما يفعل من فاته الحج.(١٢) عبدالله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد عام الهجرة، يكنى: أبا بكر، وقيل: أبو خبيب، حفظ عن النبي ﷺ وهو صغير وحدث عنه، بويع بالخلافة سنة ٦٤ هـ، ومات شهيداً في حصر الحجاج له بالبيت العتيق سنة ٧٣ هـ. [الاستيعاب: ٢/ ٣٠٠، والإصابة: ٢/ ٣١١].
* لوحة: ٢٧/أ.стр. 452
يا أيها الناس التمتع ليس بالذي * تصنعون يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج، ولكن الحاج إذا فاته الحج، أو ضلت رواحله، أو كسر حتى يفوته الحج فإنه يجعلها عمرة، ويحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي (١) (٢) . الحواشي
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٥٨ الرجل يهل بالحج فيحصر ما عليه؟ ، وابن جرير في تفسيره: ... ٢/ ٢٤٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ١٥٦، وفي أحكام القرآن: ٢/ ٢٧٠، وابن حزم في المحلى: ... ٧/ ١٥٨.(٢) معنى الإحصار لغة: ذهب أكثر علماء العربية إلى أن الإحصار هو ما كان عن مرض ونحوه، وأن ما كان من عدو فهو محصر، وعكس البعض، ودهب آخرون إلى أنه لا فرق بينهما، قال ابن فارس: والكلام في حصره وأحصره مشتبه عندي غاية الاشتباه؛ لأن ناساً يجمعون بينهما، وآخرون يفرقون، وليس فرقُ من فرقَ بين ذلك، ولا جمع من جمع ناقضاً القياس الذي ذكرناه، بل الأمر كله دال على الحبس.
[انظر في ذلك: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٧، ومقاييس اللغة: ٢٥٠، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٠٩، والدر المصون: ٢/ ٣١٣].
وأما المراد بالإحصار في هذه الآية، فقد اختلف أهل العلم فيه أيضاً، وقبل ذكر خلافهم يجب أن يعلم أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه كما في هذه الآية، وكما فعل رسول الله ﷺ يوم حصر هو وأصحابه عام الحديبية، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره عدو من المشركين أو غيرهم، فمنعوه من الوصول إلى البيت، ولم يجد طريقاً آمناً، فله التحلل. [المغني: ٥/ ١٩٤].
وإنما وقع الخلاف في المحصر بغير المرض بماذا يكون تحلله.
القول الأول: أن المراد به في هذه الآية حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، والمشهور من مذهب أحمد، فعلى هذا القول: من تعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو، من مرض، أو عرج، أو ذهاب نفقة ونحوه، فإنه لا يجوز له التحلل بذلك، بل ينتظر حتى يبرأ، ثم يتحلل بعمرة.
القول الثاني: أن المحصر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدو، أو غير ذلك، وهو مروي عن ابن مسعود، وقول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأبي ثور، ورجحه ابن جرير، وعلى هذا القول فمن أحصر بمرض، أو عدو، أو غيره فإنه يبعث بدم، ويحل به إذا نحر في الحرم.
[انظر في هذه المسألة: الأم: ٢/ ١٥٨ - ١٦٣، تفسير ابن جرير: ٢/ ٢١٢، والجصاص في أحكام القرآن: ... ١/ ٣٦٨، والاستذكار: ١٢/ ٩٦، والمغني: ٥/ ٢٠٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٢، وأضواء البيان: ١/ ١٨٦].
ولعل الراجح ـ إن شاء الله ـ هو قول من قال: إن الإحصار يكون بالعدو وبغيره، وأن الإنسان إذا أحصر بعدو أو غيره، وكان اشترط فليحل ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يحل وعليه دم؛ لأن الآية مطلقة، وإن كان سبب نزولها في حصر الرسول ﷺ وأصحابه عام الحديبية، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعلة في جواز التحلل بحصر العدو هي: عدم القدرة على إتمام النسك، وهذا حاصل بالحصر بغير العدو.стр. 453
قال القاضي: فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل محرم أصابه أذى من رأسه لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما أنزل في المحصر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحر هديه، وهذا النحو يأتي في القرآن كثير يذكر القصة ثم يذكر بعدها أمور أخرى ثم يعاد إلى القصة الأول (٣) ، قال الله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٤) ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٥) . وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) ﴾ (٦) إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (٧) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكرتم (٨) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأولى.(٤) [سورة البروج: الآيات ١ - ٣](٥) [سورة البروج: الآية ١٢](٦) [سورة الفجر: الآيتان ١ - ٢](٧) [سورة الفجر: الآية ٥](٨) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر ..стр. 454
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١) هذا هو القسم (٢) .
وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) فعلم أنه عما (٤) الحواشي
(١) [سورة الفجر: الآية ١٤](٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: هذا هو جواب القسم، قال العكبري: جواب القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، وقد رجح الشوكاني أن الجواب محذوف لدلالة السياق عليه: أي ليجازين كل أحد بعمله، وأن هذه الجملة تعليل لما قبلها. [إملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٢٨٦، فتح القدير: ٥/ ٥٠٥، ٥١٠].(٣) [سورة النساء: الآية ٨٣](٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: عنا.
* لوحة: ٢٧/ب.стр. 455
بقوله (إلا قليلاً) عطفاً على (لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً) *، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم (١) . فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر، ثم قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْبَعْثِ﴾ (٣) أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي وللكلام الذي وقع بين ذلك، وقال ابن عباس: المتعة للمحصر، ولمن خليت سبيله (٤) . وكان ابن الزبير يقول: هي للمحصر وليست لمن خليت سبيله (٥) . الحواشي
(١) انظر الخلاف في القليل الذين استثناهم الله في هذه الآية في تفسير ابن جرير: ٥/ ١٨٣ - ١٨٥، والنكت والعيون: ١/ ٥١١.(٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٤) تفسير ابن جرير: ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤١.(٥) انظر المرجعين السابقين.стр. 456
قال إسماعيل: ولولا أن الأحاديث التي وصفناها إنما فيها هدي واحد إذا مضى من وجهه فاعتمر، وإذا فاته الحج، لكان الظاهر في القرآن يدل على هديين، هدي للفوات وهدي للتحلل، ولكن لما جاءت الأحاديث (١) وكان جائزاً فى الكلام، وما يدل عليه النظر كان القول به أولى، وقد كان مالك ﵁ يقول: إذا أقام المحصر على إحرامه إلى السنة الأخرى ولم يتحلل لم يجب عليه هدي، وإنما التحلل بالعمرة أوجب عليه الهدي؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْبَعْثِ﴾ (٢) فمن تخير كان الظاهر أنه إن شاء تمتع، وإن شاء لم يفعل؛ إذ التحلل رحمة من الله لعباده ورفقاً بهم، فمن صبر على الشدة ولم يختر الرخصة فلا هدي عليه (٣) . وقال ابن مسعود وعلقمة: إنه إن شاء أقام على إحرامه (٤) ، فهو مخير، والاستحباب له التحلل وأن يدخل في رحمة الله ولا يشدد على نفسه.
قال القاضي: والذي يشبه قول مالك ويزكو به أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٥) الحواشي
(١) يشير إلى ما أثر عن ابن عمر في المحصر، وقد سبق تخريجه ص: ٢٤٢.(٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٣) انظر مذهب مالك في ذلك: المدونة: ١/ ٤٩١، والاستذكار: ١٢/ ٣٠٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٧٤.(٤) ذكرالجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣٨٩ عن ابن مسعود وعلقمة نحوه، قال ابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٠٤: روينا عن ابن مسعود: أنه أفتى في محرم بحج مرض فلم يقدر على النهوض: أنه يبعث بهدي , فإذا بلغ محله حل، فإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ , ثم حج من قابل فليس عليه هدي , فإن لم يزر البيت حتى يحج ويجعلهما سفراً واحداً فعليه هدي آخر: سفران وهدي أو هديان وسفر - وهذا عنه منقطع لا يصح.(٥) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
* لوحة ٢٨/أ.стр. 457
للناس كلهم على ما روي * عن ابن عباس ﵁ (١) : أنه عنى بهذا من ابتدأ عمرة فتمتع بها إلى الحج من غير أن يكون أحصر، ويكون الهدي الأول للمحصر خاصة إذا حل بعمرة ثم حجّ، والله أعلم بما أراد من ذلك (٢) . الحواشي
(١) سبق تخريجه ص: ٢٤٩.(٢) حاول المؤلف ﵀ أن يرجح غير ما ذهب إليه الإمام مالك، ولكن بنوع من الأدب، حيث لم يجزم بأنه مذهب مالك، بل جعل هذا القول هو الذي يزكو أن يكون من كلامه.
وهذا مارجحه ابن رشد حيث قال: وكل من تأول قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه خطاب للمحصر، وجب عليه أن يعتقد على ظاهر الآية أن عليه هديين هدياً لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء، وهدياً لتمتعه بالعمرة إلى الحج، وإن حل في أشهر الحج من العمرة وجب عليه هدي ثالث وهو هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج.
وأما مالك ﵀ فكان يتأول لمكان هذا: أن المحصر إنما عليه هدي واحد، وكان يقول: إن الهدي الذي في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هو بعينه الهدي الذي في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وفيه بعد في التأويل، والأظهر أن قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه في غير المحصر، بل هو في التمتع الحقيقي فكأنه قال: فإذا لم تكونوا خائفين لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع. [بداية المجتهد: ١/ ٤٣٧].стр. 458
قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)
أنا إسماعيل (٢) قال: نا سليمان بن حرب (٣) قال: نا حماد بن زيد (٤) عن أيوب (٥) عن مجاهد (٦) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٧) عن كعب بن عجرة (٨) قال: أتى علي النبي ﷺ زمن الحديببية، وأنا أوقد برمة (٩) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٦](٢) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٣) سليمان بن حرب الأزدي ثقة إمام حافظ، تقدم.(٤) حماد بن زيد بن درهم ثقة ثبت فقيه، تقدم.(٥) أيوب السختياني ثقة ثبت حجة، تقدم.(٦) مجاهد بن جبر ثقة إمام في التفسير والعلم، تقدم.(٧) عبدالرحمن بن أبي ليلى، واسمه: يسار، ويقال: بلال، الأنصاري عالم الكوفة، أبو عيسى الكوفي، عن: أبيه، وعمر، وكعب بن عجرة، وعنه: مجاهد، والمنهال بن عمرو، ثقة، مات سنة ٨٣ هـ.
[الكاشف: ١/ ٦٤١، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٢٣٣، والتقريب: ٥٩٧].(٨) كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي، حليف الأنصار، أبو محمد، وقيل: ... أبو إسحاق، روى عن النبي ﷺ أحاديث، شهد عمرة الحديبية، وفيه نزلت قصة الفدية، مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين. [الاستيعاب: ٣/ ٢٩١، والإصابة: ٣/ ٢٩٧].(٩) البُرْمَةُ: القدر مطلقاً، وجمعها برم، وهي في الأصل: المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن.
[النهاية في غريب الحديث: ١/ ١٢١].стр. 459
لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام (١) رأسك؟ قلت: نعم، قال: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة (٢) . قال أيوب: لاندري بأيه بدأ (٣) .
وطرق هذا الحديث كثيرة (٤) .
وأما أين تكون النسيكة فقد اختلف فيه، قال إسماعيل (٥) : نا علي بن المديني (٦) ... قال: نا سفيان (٧) قال: قصه علينا يحيى بن سعيد (٨) ، الحواشي
(١) قال ابن الأثير: قد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عجرة: أتؤذيك هوام رأسك؟ أراد القمل. ... [النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٢٧٤].(٢) النسيكة هي: الذبيحة، وجمعها نسك. ... [المرجع السابق: ٥/ ٤٧].(٣) رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١٥٣٤ كتاب المغازي باب غزوة الحديبية عن سليمان بن حرب بمثله، و ... ٥/ ٢١٥٧ كتاب الطب باب الحلق من الأذى عن حماد به، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٥٩ كتاب الحج حديث: ٨٠ عن حماد به.(٤) طرق هذا الحديث كثيرة، وألفاظه مختلفة، وقد أتى على جملة منها الطحاوي في أحكام القرآن: ... ٢/ ٢٥٦ - ٢٦٥، وهذا الحديث روي من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى من خمس طرق عنه، فرواه مجاهد، وله عن مجاهد ثلاثة عشر طريقاً، ومن طريق أبي قلابة، ومن طريق الحكم بن عتبة، ومن طريق ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومن طريق عطاء الخرساني.
وقد ذكر جميع طرق هذا الحديث وخرجها الدكتور / سعد آل حميد، محقق سنن سعيد بن منصور، فليرجع إليه: ٢/ ٧٢٤ - ٧٣٨.(٥) إسماعيل بن إسحاق ثقة صدوق، تقدم.(٦) علي بن عبدالله المديني ثقة ثبت إمام، تقدم.(٧) سفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه، تقدم.(٨) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري النجاري، أبو سعيد المدني القاضي، عن: أنس بن مالك، وعمرة بنت عبدالرحمن، وعنه: مالك، والسفيانان، وهشيم، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ.
[الكاشف: ٢/ ٣٦٦، وتهذيب التهذيب: ١١/ ١٩٣، والتقريب: ١٠٥٦]стр. 460
وهو أول شيء حفظناه من ... يحيى، قال: سمعت يعقوب بن خالد بن المسيب (١) يقول: حدثنا أبو أسماء (٢) مولى ... عبد الله بن جعفر (٣) قال: خرج عثمان معتمراً، وخرج معه حسين بن علي (٤) ، فلما
كان بالعرج (٥) الحواشي
(١) يعقوب بن خالد بن المسيب المخزومي، عن إسماعيل بن إبراهيم، وأبي أسماء مولى عبدالله بن جعفر، وعنه: يحيى بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع.
[الثقات: ٧/ ٦٤٢، وتعجيل المنفعة: ٤٥٦].(٢) أبو أسماء، مولى عبدالله بن جعفر، عن: علي، وعثمان، وعنه: زيد بن الحباب، ويعقوب بن خالد، ذكره ابن حبان في الثقات. ... [الثقات: ٥/ ٥٧٥، وتعجيل المنفعة: ٤٦٣].(٣) عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب، أبو جعفر، ولد بأرض الحبشة، وهو أول مولد بها من المسلمين، حفظ عن النبي ﷺ وروى عنه، وعن أبي بكر، وعثمان، وعمه علي بن أبي طالب، مات سنة ... ٨٠ هـ، وقيل غير ذلك. ... [الاستيعاب: ٢/ ٢٧٥، والإصابة: ٢/ ٢٨٩].(٤) الحسين بن علي بن أبي طالب، أمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، سبط رسول الله وريحانته، ولد سنة أربع، وقيل: ست، حفظ عن النبي ﷺ وروى عنه، وعن أبيه، وعمر، شهد مع أبيه الجمل، ثم صفين، ثم قتال الخوارج، استشهد يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين. [الاستيعاب: ١/ ٣٧٨، والإصابة: ١/ ٣٣٢].(٥) العرج: بفتح أوله، وإسكان ثانيه، بعده جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة.
[معجم ما استعجم: ٣/ ٩٣٠، ومعجم البلدان: ٤/ ٩٩].следующие страницы →