← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وعلى أن حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ *: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة في حجة الوداع (١). غلط من يونس؛ لأن يحيى بن سعيد رواه عن عمرة (٢) (٣)، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة (٤)، ومالك (٥) وحماد (٦) عن عبد الرحمن (٧) قال: ذبح عن نسائه البقر وكان ذلك في حجة الوداع. وهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما يحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون (٨).

стр. 492

وهو أيضاً خطأ على قول من يزعم أن البقرة عن سبعة؛ لأن أزواج رسول الله ﷺ كن تسعاً فكيف يجزئ عنهن بقرة؟ (١)

стр. 493

وليس يجوز عندنا الاشتراك في الهدايا؛ لإجماع الصحابة لما سئلوا عما استيسر من الهدي فذكروا رأساً عن كل رأس، فقالوا: البقرة، والبدنة، والشاة (١)، وتجوز في الضحايا في أهل البيت وإن كثروا إذا كان المضحي عنهم واحد، ولا يجوز ذلك في المتباينين ... لما روي عن رسول الله ﷺ أنه ضحى عن أمته، ولما ذكره أبو أيوب الأنصاري: أنه كان يفعل (٢)، وليس سبيل الضحايا سبيل الهدي. قال الله ﵎: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) فجعله مثلاً ليكون على القاتل مثل المقتول من النعم، وهو واحد من الهدي ولم يجز أن يكون بعض واحد، وقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤) فهو واحد وقد يكون من الإبل، ويكون من البقر، ويكون من الشاء، فأي ذلك استيسر (٥)، فالهدي اسم للجميع، ... وواحده هدية (٦)، قال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٧) فعلم أنهم صدوه *، ولما قيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٨) علم أنه عن الشيء الواحد: واحد من الإبل؛ لأن الآية على العموم ولم يقصد بها لإنسان بعينه، ولا في صيد واحد، وهو اسم لجميع الهدي،

стр. 494

وأهل اللغة تقول: إن واحد الهدي هديّة، مثل: تمرة وتمر، وجمرة وجمر، وطلحة وطلح، ثتبت الهاء في الواحد وتسقطها في الجمع (١)، فلما قيل: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) وقد عرفوا أجناس الهدي علم أنه واحد من هذه الأجناس أنها ما استيسر؛ لأنها كلها تكون لها واحد وجميع، فأما بعض الواحد فهو جزء من الأجزاء يعرف بتقدير الاهلاك (٣) من غير أن يكون لها معانيه يعرف بها، كما تعرف الشاة بعينها، والبعير بعينه لأن الإيجاب يقع على كل شئ يختاره الإنسان فيوجبه بعينه، وقد كان معروفاً بالنعت قبل أن يوجبه، والإجزاء لا يكون بعينه ولا يوقف على حدودها، وقد قيل: في الجنين غرة (٤) (٥)،

стр. 495

فوقع الإيجاب على شئ يعرف بالنعت، فكانت الأمة غرة، وكان العبد غرة، وكان الفرس غرة، فأي ذلك أخرجه الرجل فقد أخرج شيئاً نعت له، ولو قال إنسان: ائتني بما استيسر من الإبل أو الغنم لما وقع على بعض شاة؛ لأنه إذا أتاه ببعض البعير فإنما يأتيه به لحماً ولا يقع عليه اسم بعير، وإنما يقال لحم بعير ولحم شاة، كذلك إذا قال له: سق ما استيسر من الهدي لم يقع على بعض بعير، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١) *فإذا وجبت بدناً قبل أن تنحر ولم يقصد بها اللحم الذي يتصدق به، ألا ترى أنها قد وصفت بأنها من شعائر الله كما قيل في الصفا والمروة إنها من شعائر الله (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣) فإذا وصفت بأنها من شعائر الله فليس يعلم قدر ثوابها إلا الله ، ولو كان الهدي إنما يبتغى به مقدار لحمه لكان أوفر للمساكين أن يجتمع عن الهدي والنفقة عليه والكلفة لبلاغه، ثم يشترى بذلك لحم ويقسم، ولم يكلف الناس سوقه وما فيه من التعب والعزر (٤)،

стр. 496

ولعل هدياً واحداً يساق أفضل عند الله من مائة جزور تنحر ويقسم لحمها، وكيف يمكن أن يشبه هذا بهذا وقد سماه الله من الشعائر؟ قال زيد بن أسلم الشعائر: ست الصفا والمروة، والجمار والمشعر الحرام، والبدن، وعرفة، والركن (١). فإذا جعلت البدن إحدى الشعائر فكيف يعرف قدرها؟ وأصحاب اللغة جميعاً قالوا: الشعائر مأخوذة من الشيء الذي قد أشعر ليعرف، ومما يدل على ذلك إشعار الهدي وتقليده فيصير ذلك علامة له، إذا كانت الشعائر سوى البدن مواضع معروفة وأوقات معلومة فهذا علامة لها، والهدي إنما يصير هدياً بعد الإيجاب فجعلت له علامة، وكان الإشعار والشعائر مشتقاً بعضها من بعض، والله أعلم (٢)،

стр. 497

فلما سميت البدن في كتاب الله من الشعائر وجعل فيها الإشعار * فكيف يفعل الإنسان بنصيبه من الجزور إذا كانت بينه وبين آخر؟ فكيف يشعرها؟ وقد يمكن أن يكون شريكه كافراً لا يريد أن ينحر الجزور إن تابعه الشريك على النحر، وإنما يصير حامل نصيب المهدي لحماً يقسمه ويأكل منه لأنه هو الذي يمكن أن يقسم بينه وبين شريكه، ويبطل المعنى الذي وصفه الله ﵎ فيها بأنه من الشعائر، وبأنهم يذكرون اسم الله عليها صواف؛ لأن الذكر الذي يذكر عليها لا ينقسم كما ينقسم اللحم، ويبطل المعنى في المهدى، وتصير البدن التي وصفها الله تعالى بما وصفها له تنحر بأمر مسلم وكافر لا يخلص لله في نحرها، وقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم من القرون المذمومة، وقد روى أبو جمرة (١) عن ابن عباس: شركة في دم وهو شح (٢)،

стр. 498

وخالفه أيوب (١) عن محمد (٢) عن ابن عباس (٣)، وثقات أصحاب ابن عباس (٤)، فوها ما رواه، والمعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط (٥).

стр. 499

وقد كان مالك ﵁ يستحب أن يكون الهدي جزوراً أو بقرة، ويرى أن الشاة تجزء ويحتج بقول الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) (٢). وقد روى الكوفيون بأجود أسانيدهم عن عائشة ﵂ أنها قالت: كأني انظر إليّ أفتل (٣) قلائد هدي رسول الله ﷺ من الغنم (٤). فإنه خطأ ذكر الغنم منه؛ لأن أهل المدينة رووه بالإسناد الجيد من أسانيدهم ولم يذكروا فيه هذه الكلمة (٥)،

стр. 500

وما سمعنا في حديث ولا سيرة ولا في خبر * أن الغنم سيقت في الهدي من المدينة في زمن رسول الله ﷺ ولا بعده، وهذا لو كان لكان أمراً مشهوداً لبعده من قلوب الناس (١)،

стр. 501

ولولا أن ثقات الكوفيين يدلسون فيمسكون عن ذكر من لو ذكر في الخبر لبطل لكان هذا الحديث في القلب منه شك، ولكن لا شك في بطلانه (١).

стр. 502

قال عبد الرحمن بن مهدي (١) مثله، من أجل التدليس لا تشاء أن ترى في حديث أهل الكوفة (٢) جيد الإسناد لا أصل له إلا وجدته (٣). نا الفريابي (٤) قال: نا نصر بن علي (٥)

стр. 503

قال: نا الأصمعي (١) قال: قال سفيان بن عيينة: إذا أردت ما لا يعرف حقه من باطله فعليك بأهل العراق (٢). وقال ابن المبارك (٣): أفسد التدليس حديث أهل الكوفة (٤).

стр. 504

وقال القاضي: ومما يذهب على مخالفنا ممن يجيز الشرك في الدم وخفي عليه، وضل عن علمه: قول النبي ﷺ وقد سئل ما أفضل الحج؟ فقال: العج والثج (١). والعج التلبية إجابة الله إلى ما دعا إليه (٢)، والثج إراقة الدماء (٣)، وفي هذا دليل واضح أن المُتقرب إلى الله به إراقة الدماء لا اللحم الذي يقسم، والله أعلم (٤).

стр. 505

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، في منزله بمصر قراءة عليه، وأنا أسمع قيل له: قلتَ رضي الله عنك، قال جماعة من المفسرين ومن الفقهاء الذين تكلموا في هذه الآية: ... الثلث (٢) آخرها يوم عرفة (٣)، وأجاز بعضهم تفرقتها في شوال وذي القعدة وذي الحجة (٤)، وقال بعضهم: فإن تأخر عن ذلك أهراق * دماً (٥)،

стр. 506

قالوا: إن شاء فرقها ... في هذه الشهور (١)، وقال بعضهم: لا تجوز إلا متتابعة (٢)، وروي نحو ذلك عن ... عمر (٣)، وعلي (٤)،

стр. 507

وروي عن عائشة (١) وابن عمر (٢) وجماعة من التابعين (٣): أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى مضى العشر، أنه يصوم أيام التشريق. واختلفوا أيضاً في السبعة فقال بعضهم: يصومها بمكة وقال آخرون: يصومها في ... بلده (٤).

стр. 508

قال القاضي: فنظرنا في ذلك فوجدنا قول من يقول يصوم في العشر ومن أباحه في شوال وذي القعدة يدور في ذلك على أن يقع الصوم بعد أن يهل بالحج؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) فإذا اعتمر في أشهر الحج فليس بمتمتع حتى يهل بالحج؛ لأنه قد يعتمر في أشهر الحج ثم لا يحج، فإن أهل بالحج صار حينئذ متمتعاً، وجاء موضع الهدي أو الصيام إن لم يجد هدياً، ولا يبالي حينئذ أن يقع صومه في ذي الحجة أو في ذي القعدة أو في شوال؛ لأنه قد أهل بالحج بعد أن اعتمر في أشهر الحج، فوضع (٢) صومه في الحج إذ قد كان أحرم به، فإن لم يصم حتى يمضي يوم عرفة فقد ذكرنا ما روي عن عائشة وابن عمر وبعض التابعين: أنه يصوم التشريق (٣)، وهو قول مالك (٤)، وإنما أرخص هؤلاء في صيام أيام التشريق؛ لأنها بقية من الحج، فلما لم يجد الهدي وكانت من أيام الحج أمرناه بصومها.

стр. 509

وقد روي عن النبي ﷺ الإرخاص في صومها من طريق ابن عمر، ولعله قاله: اتباعاً. ... نا أبو الضحاك بن أبي عاصم (١) وأحمد بن عبيد الله الجبيري (٢) قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٣) قال: نا يحيى بن سلام (٤) عن شعبة (٥) عن * ابن أبي ليلى (٦)

стр. 510

عن الزهري (١) عن سالم (٢) عن أبيه (٣) أن النبي ﷺ : أرخص لمن لم يجد الهدي ولم يصم في العشر وكان متمتعاً أن يصوم أيام التشريق (٤).

стр. 511

والقرآن مؤيد لهذا الخبر؛ لأن الله قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) وهذه أيام من أيام الحج. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ نهى عن صيامها، وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر لله (٢). فهذا والله أعلم أريد به من لم يجب لله عليه صيام فليس له صومها، وإذا كان من وجب عليه الصوم وجب عليه صيامها، كما جاء أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح (٣)، وقد قال النبي ﷺ : من نسي صلاة فليصلها (٤) إذا ذكرها (٥). فأنزل الأول في المتطوعين، ولم يمنع المفترضين من الصلاة في ذلك الوقت، ولا من دخل المسجد وقد صلى في رحله أن يعيد، كذلك منع من الصيام المتطوع في أيام التشريق وجاز للمفترض عليه الصيام في الحج صومها. فإن أخر إنسان صلاة ذكرها بعد العصر فقد أخطأ، وصارت عليه في وقت ثان، كما أنه إن أخر هذا الصوم في أيام التشريق كان له قضاؤها ثم السبعة، وعلى أن النبي ﷺ لم يحرم صيام أيام التشريق، وإنما حرم يومين: الفطر والأضحى (٦). وقال في أيام التشريق: أيام أكل وشرب.

стр. 512

ويقال: وذكر لله (١). فخصها بالترفية، وقد ذكرنا من قال ذلك (٢)، ومن قال ينتقل إلى ... الدم (٣)، وقد قال مالك ﵁: إنه يصوم (٤). ولو كان الصوم إذا فات في الحج لم يجز أن يقضى كان (٥) موضعه قد فات، لقد كان الهدي أيضاً لا يجوز * أن يقضى؛ لأن موضعه قد فات؛ إذ كل واحد من الهدي والصوم إنما أمر به في الحج.

стр. 513

والوجه عندنا والله أعلم: أن يعمل فيما يقضى من ذلك بعد وقته ما كان يفعل في وقته، فلو أن مُظاهراً غشي قبل أن يُكفر، وعتق الرقبة ممكن فذهب ماله، لوجب عليه ... ما كان وجب في الأصل: عتق رقبة وإلا صام، فإن لم يقدر أطعم، يفعل في ذلك بعد الغشيان (١) ما كان يفعل قبله. ونظائر هذا كثير، فإن قيل: فلم جوزتم للذي يقضي شهر رمضان أن يقضيه متفرقاً وقد كان في الأصل متتابعاً؟ قلنا: الذي يختار في كل الصيام أن يكون متتابعاً، فإن قضي متفرقاً دون ما شرط اللهُ فيه التتابع جاز؛ لأنه قد أتى في القضاء من العدد مثل ما كان عليه في الأصل، وإنما وجبت المواصلة في شهر رمضان؛ لأنه مفترض بعينه فلما زالت العين وجب العدد؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) فقام العدد في كل يوم من القضاء مقام كل يوم من الشهر، ألا ترى لو أن رجلاً أسلم في بعض رمضان لوجب عليه عندنا صيام ما بقي فيه دون ما مضى (٣)، ولو أفطر إنسان متعمداً يوماً لما أفسد ذلك عليه غير يومه، وليس مجرى الشهرين المتتابعين هذا المجرى؛ لأن الشهرين لم يكونا في الأصل بأعيانهما وإنما يعنى بالتتابع (٤)، فصار بعضه مضمن ببعض، فإن تعمد إنسان إفساد يوم من الشهرين فسد عليه ما مضى منهما، وفي جميع ما وصفنا دليل على ما ذكرناه * من أمر الهدي والصوم في المتمتع.

стр. 514

فأما التفريق بين الثلاثة والسبعة فإنه إن تابع كان أحب إلينا، وإن فرق أجزأه؛ لأنه لم يشرط علينا فيه التتابع (١). فأما الذي يصوم في تمتعه ثم يوسر قبل أن يفرغ من صيامه فقد روي في ذلك اختلاف عن التابعين (٢)، والنظر يدل على ما قلناه من أنه يمضي على صومه (٣)؛ لأن المتمتع إذا لم يجد الهدي، والمظاهر إذا لم يجد الرقبة، والمتيمم إذا لم يجد الماء، والمطلقة التي لم تحض ثم حاضت، لكل صنف مما وصفنا وجه. فأما المتمتع والمظاهر والقاتل فقد جعل عليهم الصيام عند العدم (٤)، وإذا دخلوا في الصيام فقد دخل بأمر الله ومضى بعض عمله (٥) فلا ينتقض ذلك، وكذلك دخل (٦)

стр. 515

في الصلاة بأمر الله وزال فرض الوضوء عنه لهذه الصلاة فلا تنتقض صلاته برؤية الماء. وأما المعتدة فإنها أمرت بشيء ليس الأمر فيه إليها، فكان ظاهر الأمر أنها أمرت أن تنتظر أن تمضي الشهور أو تمضي الأقراء، فكانت العدة أحد هذين الأمرين، وكأنه لا تعلمه إلا بانقضائه؛ إذ كان غيباً من غيب الله ، لا فعل لمخلوق فيه؛ لأن المرأة لا تعلم حقيقة عدتها، إذ لا تدري هل تحيض قبل مضي الشهر أم لا. وكذلك التي تحيض ... لا تدري هل يدوم حيضها أم ينقطع، فتنتقل إلى الشهور فتصير يائسة، وإنما تدري ما عدتها عند تقضيها، فالمطلقة للعدة هي في عدة منذ يوم طلقت؛ لأن أيام طهرها قصرت أم طالت * قربتها إلى الحيض إن حاضت، وهو قرء من الأقراء، فالطهر يؤدي إلى الحيض، والحيض يؤدي إلى الطهر. والصيام والعتق في الكفارة ليس يؤدي أحدهما إلى صاحبه، ولم يكن المكفر منذ يوم وجبت عليه الكفارة مكفراً، كما كانت المرأة منذ يوم طلقت معتدة؛ لأن المكفر إنما أمر أن يستأنف فعلاً يفعله إما عتقاً وإما صياماً فكل واحد منهما مباين للآخر، فإن اختار الصائم في أول صيامه العتق بعد أن قدر عليه فقد رأى ذلك مالك (١)، وإنما هو أبطل فعلاً فعله ثم استأنف فعلاً آخر خفف به عن نفسه. والمتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة فإن الوضوء واجب عليه؛ لأن التيمم وقع في غير موضعه؛ إذ كان إنما أبيح له التيمم للدخول في الصلاة موصولاً بها، فإذا وجد الماء قبل الدخول فهو وقت للصلاة ووقت للوضوء؛ لأن التيمم لا يقصد به الإنسان نفسه، إنما يقصد به الإنسان الصلاة، فإذا دخل فيها لم تنتقض عليه صلاته، إلا بحدث نفسه الصلاة (٢)

стр. 516

من غير طريق التيمم. وليس التيمم بإزاء الصيام للكفارة؛ لأن التيمم لا يزيل الحدث، وإنما أمر به للدخول في الصلاة، فإذا وصلت بالدخول فقد فعل ما أمره الله به وزال ذلك الفرض إلى فرض الصلاة، وإنما بإزاء الدخول في صيام الكفارة الدخول في الصلاة بعد التيمم. وأما المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً يملك فيه رجعتها ثم يموت عنها فإن عدتها تنتقل؛ لأن حكمها حكم المرأة التي لم تطلق في الأمور التي تحدث ما دامت في عدتها من ملاعنة أو ميراث * أو نفقة، من أجل أن زوجها يملك رجعتها فلذلك ما جعلت أحكامها أحكام الزوجات، فأما الأمة إذا أعتقت بعد أن طلقها زوجها فإن العدة لا تنتقل؛ لأن العدة وجبت يوم وقع الطلاق، والله أعلم (١).

стр. 517

قال الله : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك (٢). وقال بعضهم - أعني التابعين -: إن شاء صام في الطريق وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله (٣)، وقال عطاء: إذا رجع من منى (٤).

стр. 518

وكل ذلك جائز إن صام عند رجوعه من منى أجزأه، وإن صام في طريقه أجزأه، وإن أخره إلى بلده أجزأه (١). وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢) ومعنى كاملة أحد وجهين: إما كاملة من الهدي كافية عنه (٣)، وإما مجزئة عنه لا شيء عليه بعدها، ألا ترى أنه يقال في العدد: فذلك، ليعلم به انقطاع العدد (٤)،

стр. 519

وقوله والله أعلم: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (١) على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢) في كمال العدد (٣). قال الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤).

стр. 520

اختلف الناس في هذه الآية، فقال بعضهم: أهل مكة (١)، وقال آخرون: من كان مَنْ أَهَلَّ (٢) دون المواقيت (٣). فأما داخلٌ دخل مكة بحج أو عمرة أو لحاجة وهو لا يريد إيطانها ولا أن يتخذها منزلاً فلا نعلم أحداً منهم قال ذلك فيه، والمعنى الظاهر والله أعلم: أي من لم يكن من أهل ذلك الموضع. ولو * أن مكياً خرج لحاجة ثم رجع في أشهر الحج فاعتمر ثم حج لما كان عليه هدي؛ لأنه من أهل مكة، وكذلك من لم يكن من أهل مكة ثم دخل مكة لحاجة لم يكن من أهلها وكان عليه الهدي، وذلك قول مالك ﵁، وقال أيضاً في الذي يأتي مكة يريد الإقامة بها وعدّها منزلاً ثم يتمتع: فلا هدي عليه، وهو كأهل مكة بالنية (٤)،

стр. 521

فإن دخلها معتمراً في أشهر الحج يريد الإقامة بها ثم حج فهو متمتع، وليس بمنزلة أهل مكة في هذا الموضع؛ لأنه حين دخل مكة ونوى الإقامة بمكة لم يسقط عنه الهدي؛ لأنه نوى وإنما يسقط الهدي إذا نوى وفعل (١)، ومذهب مالك في هذه الآية: أنهم أهل مكة وما اتصل بها من البيوت (٢)، مثل ذي طوى (٣) وما أشبهها، وهؤلاء حاضروا المسجد الحرام؛ لأنهم أهل القرية التي فيها المسجد الحرام، وليس كل أهل الحرم كذلك؛ لأن أهل منى ليسوا أهل مكة، كما أن أهل مكة ليسوا أهل منى، ومنى من الحرم. ولو أن رجلاً من أهل مكة ثم خرج مسافراً لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من بيوت مكة وما اتصل بها، فهو حاضر وليس بمسافر، فإذا خرج عن البيوت صار مسافراً، ولو كان حكم الحرم كله كحكم أهل مكة في أنهم حاضروا المسجد الحرام لما جاز له أن يقصر حتى يخرج عن الحرم. وأما قول من قال: فمن كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت لم تجعل للناس لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثماني ليال، ومنها ليلتين، أفيكون من كان دون ذي الحليفة من حاضري المسجد؟ ومن * كان منزله من وراء قرن (٤)

стр. 522

مما يلي نجد من حاضري المسجد الحرام؟ وإنما الحاضر للشيء من هو معه، ولم توقت المواقيت ليكون إحرام الناس من حضرة المسجد الحرام، وإنما هو رخصة من الله ورحمة لخلقه إذ استجابوا لما دعوا له، وكان عليهم أن يقولوا: لبيك من منازلهم، فوقعت الإباحة لمن دعا (١) فقال: لبيك وخرج أن يأتي حلالاً في رخصة الله إلى أن يبلغ ميقاته؛ إذ كان عليه أن يحرم من الموضع الذي خرج منه مستجيب للأذان والدعوة يقول لبيك، فلما كان الأصل هذا وُسع عليهم ووقت لهم المواقيت على لسان نبيه محمد ﷺ (٢)، وبعضها أبعد من بعض، وليس هذا من باب التمتع في شئ، وكان على كل من وجب عليه الحج أن يلبي من بلده ويجيب، فيكون إحرام بعضهم السنة والعشرة أشهر وما أشبه ذلك، فخفف عنهم بقوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) كما خفف في المواقيت، وكذلك من أحرم قبل الشهور لزمه، ومن أحرم قبل المواقيت لزمه؛ لتركه الترخيص من الله جل ثناؤه، وعمله بالتشديد والله أعلم (٤).

стр. 523

ومما يدل أيضاً على أن حاضري المسجد الحرام أهل مكة ما جاء من الأحاديث أن العمرة واجبة بالسنّة على الناس كلهم (١) إذ كانوا لا هدي عليهم، ولم يجروا مجرى غيرهم من المتمتعين، فكذلك لم تجب عليهم العمرة؛ لأنهم يطوفون في كل وقت. قال عطاء وطاوس: ليس على أهل مكة عمرة (٢). وقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك (٣)، وقال ... ابن عمر ﵁ مثله * وزاد: إنما هم في عمرة كل يوم (٤).

стр. 524

فإن قال قائل: فإن الحرم كله مسجد، فليس كما قال؛ لأن الله ﵎ ... قد ذكر المسجد الحرام في غير موضع فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)، وقال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٣) (٤)، وقال ﵎: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥) فكل هذا يدل على أنه المسجد الحرام بعينه، وإنما صد المشركون النبي ﷺ عن المسجد والبيت، فأما الحرم فقد كان النبي ﷺ غير ممنوع منه؛ لأن الحديبية تلي الحرم وهي من الحل، فحاضروا المسجد الحرام الذين هم دهرهم في متعة هم الذين عليهم الجمعة، وهي مكة وما اتصل بها من البيوت ومن يبلغه النداء، والله أعلم (٦).

стр. 525

قال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) قال ابن عباس (٢) وابن مسعود (٣) وجماعة من التابعين (٤): شوال وذو القعدة ... وعشرة (٥) من ذي الحجة. وقال ابن عمر (٦)

стр. 526

وعمرو بن العاصي (١) (٢) وجماعة من التابعين (٣): شوال وذو القعدة وذو الحجة.

стр. 527

والفصل بين أشهر الحج وغيرها أن من اعتمر من غير أهل مكة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحج في تلك السنة فهو متمتع، وعليه ما على المتمتع، فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فليس بمتمتع؛ لأنه أتى بالعمرة في موضعها الذي هو الأصل لها، وإذا أتى بها في أشهر الحج فقد أتى بها في غير أشهرها، في الأشهر التي جعلت لغيرها، وقد رخص في ذلك، وجعل * فيه الهدي أو الصيام، وأرخص للقارن أيضاً، وإنما كان الأصل أن لا تكون العمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج لا عمرة معه، فأرخص لهم على أن عليهم الهدي (١)،

стр. 528

وفي أشهر الحج أيضاً معنى آخر: أنه لا ينبغي لأحد على الاختيار أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل لزمه إذ شدد على نفسه وترك الرخصة؛ لأنه أرخص له وخفف عنه كما خفف بالميقات، فإن أحرم قبله لزمه ذلك، وإنما لزمه الإحرام في الحالين جميعاً؛ لأنه أوجب على نفسه عملاً يعمله في وقت بعينه وهو الوقوف بعرفة، والذي به يدرك الإنسان الحج فليس ينفك من ذلك حتى يأتي بما ألزمه نفسه من طاعة الله ، إذ لا فرق بين الشهور وتقدمها وبين الميقات وتقدمه؛ لأنه كان في الأصل على الناس جميعاً حين قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١) أن تكون الإجابة والتلبية من أوطانهم (٢)،

стр. 529

ومنهم من يكون سفره نحو السنة وأقل من ذلك وأكثر، فخفف عنهم بالشهور وبالميقات (١)، فإذا أحرم قبل الميقات لزمه ذلك إذا أحرم قبل الشهور، وليس يشبه هذا الصلاة؛ لأنه لا سبيل إلى الدخول فيها حتى تجب، والحج هو: القصد (٢)، ووجوبه من الأوطان على كل إنسان على قدر مسافته، وإنما يسر عليه وخفف عنه، فإن قبل ذلك واختاره وإلا كان على الأصل الذي كان الإيجاب به؛ إذ كان الله أوجب الحج، والحج القصد، فليس يشبه الصلاة التي أعمالها متصلة بها، والحج أعماله متباعد بعضها من بعض، فهو يخرج في أول شوال ثم لا عمل له إلى يوم عرفة إن شاء، وأعماله كلها بعد عرفة، إلا السعي * فإنه إن قدّمه في إثر الطواف أجزأه، والحج أيضاً مباين للصلاة في أشياء كثيرة، فليس تجوز الصلاة إلا بحضرة النية، ولو نوى إنسان بعرفة الحج ووقف لأجزأه ذلك من غير أن يلزمه نفسه قولاً (٣)، وقد يشعر هديه يريد به إيجاب الحج فيجزئه ذلك من الفرض وإن كان قد نقص حظه بترك التلبية، والحج مجزء عنه، ولو أن رجلاً ركع للصلاة يريد بركوعه إيجاب الصلاة ولم يلفظ بالتكبير لما أجزأه. وقد ألزم نفسه الحج جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ قبل الميقات وقبل الشهور ... فلزمهم ذلك، منهم عمران بن الحصين (٤)

стр. 530

فكره له عمر ذلك (١)، ولزمه الإحرام، وأحرم عبد الله بن عامر (٢) فكره ذلك عثمان (٣)،
следующие страницы →