Полный текст (1 818 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وعمرو بن العاصي (١) (٢) وجماعة من التابعين (٣) : شوال وذو القعدة وذو الحجة. الحواشي
(١) كذا في الأصل: العاصي، بإثبات الياء، قال النووي وهو يتحدث عن والد حذيفة بن اليمان: واليمان لقب له، والمشهور في استعمال المحدثين أنه اليمان بالنون من غير ياء بعدها، وهي لغة قليلة، والصحيح اليماني بالياء، وكذا عمرو بن العاصي، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وشداد بن الهادي، والمشهور للمحدثين حذف الياء، والصحيح إثباتها. ... [شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٢/ ٢٠٠].
وهو: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله، وأبا محمد، أسلم قبل الفتح سنة ثمان، ولاه الرسول ﷺ على عمان، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام، ولي إمارة مصر في زمن عمر بن الخطاب، وهو الذي افتتحها، توفي سنة ٤٣ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ٢/ ٥٠٨، والإصابة: ٣/ ٢].(٢) لم أقف على الرواية عنه.(٣) يروى هذا القول عن: الحسن، وعطاء، والضحاك، والربيع، وقتادة، ومجاهد، وطاوس، والزهري، وعروة بن الزبير. انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٧، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٤، وتفسير ابن جرير: ... ٢/ ٢٥٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٢.
* لوحة: ٤٠/ب.стр. 527
والفصل بين أشهر الحج وغيرها أن من اعتمر من غير أهل مكة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحج في تلك السنة فهو متمتع، وعليه ما على المتمتع، فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فليس بمتمتع؛ لأنه أتى بالعمرة في موضعها الذي هو الأصل لها، وإذا أتى بها في أشهر الحج فقد أتى بها في غير أشهرها، في الأشهر التي جعلت لغيرها، وقد رخص في ذلك، وجعل * فيه الهدي أو الصيام، وأرخص للقارن أيضاً، وإنما كان الأصل أن لا تكون العمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج لا عمرة معه، فأرخص لهم على أن عليهم الهدي (١) ، الحواشي
(١) قد يُفهم من هذه الآية أن هذه الأشهر هي للحج فقط، لا أشهر للعمرة، وأن شهور العمرة سواهن من شهور السنة، وهذا غلط، فغاية ما في الآية تعريف الناس بميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة.
[انظر تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٠].
فالأصل في العمرة عملها في جميع السنة كما روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٣٣ العمرة باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ : من أحب أن يهل بعمرة فليفعل، ومن أحب أن يهل بحجة فليفعل، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة.
قال ابن عبد البر: وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلها، والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يأت في ذلك العام بحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به، ثم رخص الله في كتابه وعلى لسان رسوله في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع والقارن للحج معها ولمن شاء أن يفردها في أشهر الحج، كما فعل رسول الله ﷺ . [التمهيد: ٨/ ٣٤٧].стр. 528
وفي أشهر الحج أيضاً معنى آخر: أنه لا ينبغي لأحد على الاختيار أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل لزمه إذ شدد على نفسه وترك الرخصة؛ لأنه أرخص له وخفف عنه كما خفف بالميقات، فإن أحرم قبله لزمه ذلك، وإنما لزمه الإحرام في الحالين جميعاً؛ لأنه أوجب على نفسه عملاً يعمله في وقت بعينه وهو الوقوف بعرفة، والذي به يدرك الإنسان الحج فليس ينفك من ذلك حتى يأتي بما ألزمه نفسه من طاعة الله ، إذ لا فرق بين الشهور وتقدمها وبين الميقات وتقدمه؛ لأنه كان في الأصل على الناس جميعاً حين قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١) أن تكون الإجابة والتلبية من أوطانهم (٢) ، الحواشي
(١) [سورة الحج: الآية ٢٧](٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٦/ ٣٣٤ باب ما ذكر فيما أعطي إبراهيم كتاب الفضائل، وابن جرير في تفسيره: ١٧/ ١٤٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٨/ ٢٤٨٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٤٢١ التفسير سورة الحج، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٧٦ باب دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فأذن إبراهيم: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فحجوا. قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون.
قال ابن حجر أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية. [انظر فتح الباري: ٣/ ٥١٥].стр. 529
ومنهم من يكون سفره نحو السنة وأقل من ذلك وأكثر، فخفف عنهم بالشهور وبالميقات (١) ، فإذا أحرم قبل الميقات لزمه ذلك إذا أحرم قبل الشهور، وليس يشبه هذا الصلاة؛ لأنه لا سبيل إلى الدخول فيها حتى تجب، والحج هو: القصد (٢) ، ووجوبه من الأوطان على كل إنسان على قدر مسافته، وإنما يسر عليه وخفف عنه، فإن قبل ذلك واختاره وإلا كان على الأصل الذي كان الإيجاب به؛ إذ كان الله أوجب الحج، والحج القصد، فليس يشبه الصلاة التي أعمالها متصلة بها، والحج أعماله متباعد بعضها من بعض، فهو يخرج في أول شوال ثم لا عمل له إلى يوم عرفة إن شاء، وأعماله كلها بعد عرفة، إلا السعي * فإنه إن قدّمه في إثر الطواف أجزأه، والحج أيضاً مباين للصلاة في أشياء كثيرة، فليس تجوز الصلاة إلا بحضرة النية، ولو نوى إنسان بعرفة الحج ووقف لأجزأه ذلك من غير أن يلزمه نفسه قولاً (٣) ، وقد يشعر هديه يريد به إيجاب الحج فيجزئه ذلك من الفرض وإن كان قد نقص حظه بترك التلبية، والحج مجزء عنه، ولو أن رجلاً ركع للصلاة يريد بركوعه إيجاب الصلاة ولم يلفظ بالتكبير لما أجزأه.
وقد ألزم نفسه الحج جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ قبل الميقات وقبل الشهور ... فلزمهم ذلك، منهم عمران بن الحصين (٤) الحواشي
(١) قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقد سبق ذكر حديث رسول الله ﷺ في ذكر المواقيت ص: ٢٩٥.(٢) مقاييس اللغة: ٢٣٢.
* لوحة: ٤١/أ.(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من غير أن يلزم نفسه.(٤) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنى أبا نجيد، روى عن النبي ﷺ ، أسلم عام خيبر، كان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، سكن البصرة ومات بها سنة ثنتين وخمسين في خلافة معاوية.
[الاستيعاب: ٣/ ٢٢، والإصابة: ٣/ ٢٦].стр. 530
فكره له عمر ذلك (١) ، ولزمه الإحرام، وأحرم عبد الله بن عامر (٢) فكره ذلك عثمان (٣) ، الحواشي
(١) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣ باب من كره تعجيل الإحرام، عن الحسن أن عمران بن حصين أحرم من البصرة، فقدم على عمر، فأغلظ له، وقال: يتحدث الناس أن رجلاً أحرم من الكوفة.
ورواه الطبراني في الكبير: ١٨/ ١٠٧، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣١ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله.(٢) عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد مناف بن قصي القرشي، أبو عبد الرحمن، ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، قال ابن عبد البر: وقد روى عن النبي ﷺ ، وما أظنه سمع منه ولا حفظ. ولي البصرة وفارس لعثمان بن عفان، وهو الذي افتتح خراسان، توفي قبل معاوية سنة تسع ... وخمسين. ... [الاستيعاب: ٢/ ٣٥٩، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ١٨].(٣) رواه البخاري معلقاً في صحيحه: ٢/ ٥٦٥ الحج باب قول الله تعالى: الحج أشهر معلومات، قال: وكره عثمان ﵁ أن يحرم من خراسان أو كرمان.
قال ابن حجر: ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان، وإلا فظاهره يتعلق بكراهة الإحرام قبل الميقات، فيكون من متعلق الميقات المكاني لا الزماني. ... [فتح الباري: ٣/ ٥٣٠].
وقد وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٣، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٧٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣١، وقد ذكر ابن حجر أن سعيد بن منصور وصله، وكذلك عبد الرزاق، ثم قال: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضاً. ...
[فتح الباري: ٣/ ٥٣٠].стр. 531
ولزمه ذلك، وكان ابن ... أبي نعم (١) يحرم من السنة إلى السنة (٢) ، وإنما كُره ذلك لأن لا يحرج الإنسان إحرامه ويطول عليه فيفسده. الحواشي
(١) في الأصل: ابن أبي يعمر، والصواب هو ما أثبت، وهو: عبد الرحمن بن أبي نُعم بضم النون وسكون المهملة، البجلي أبو الحكم الكوفي العابد التابعي المشهور، قال ابن سعد: وهو الذي كان يحرم من السنة إلى السنة، وكان ثقة وله أحاديث. [الطبقات الكبرى: ٦/ ٢٩٨، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٦٢].(٢) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٣٢، وأبو نعيم في الحلية: ٥/ ٧٠. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٠٣ من كره أن يهل بالحج في غير أشهر الحج، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٦٥ عن أبي إسحاق السبيعي قال: كان ابن أبي نعم يهل بالحج في غير أشهر الحج، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرك هذا أصحاب محمد لرجموه.стр. 532
ولما وقت النبي ﷺ المواقيت قال: يستمتع المرء بأهله وثيابه (١) ، فعلم أن ذلك للرفق ... بهم (٢) . الحواشي
(١) روى الشافعي في الأم: ٢/ ١٣٨ عن عطاء أن رسول الله ﷺ لما وقت المواقيت قال: ليستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت، والبيهقي في سننه: ٥/ ٣٠ باب من استحب الإحرام من دويرة أهله، وقال: هذا مرسل، ثم روى سنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدري ما يعرض في إحرامه. هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث قاله البخاري وغيره، وروي فيه عن عمر، وعثمان ﵄، وهو عن عثمان ﵁ مشهور، وإن كان الإسناد منقطعاً.(٢) ذكر المؤلف هنا: أن من أحرم بالحج قبل أشهره لزمه الحج، وهذا ما ذهب إليه الجمهور، فقد ذهب ... أبو حنيفة، ومالك، والثوري، , وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والليث بن سعد: إلى صحة إحرام من أحرم بالحج قبل أشهره، وانعقاده، مستدلين بقول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ... [البقرة: ١٨٩] وقالوا: دلت هذه الآية على أن جميع الأشهر ميقات للحج.
ومع القول بصحة الإحرام إلا أن الإمام مالك وأحمد قد ذهبا إلى كراهية ذلك.
وذهب طائفة من السلف إلى عدم جواز الإحرام بالحج قبل أشهره، وأن الحج لا يصح، وممن قال بذلك: ابن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الشافعي، وداود وابن حزم، مع أن الشافعي ذهب إلى أنه إن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة.
[انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٠، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٤٦٢، والمحلى: ٧/ ٦٥، والمغني: ٥/ ٧٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٣، ٤٠٦، والمجموع للنووي: ٧/ ١٣٤].
ولعل الراجح هو عدم جواز الإحرام بالحج في غير أشهره، وعدم انعقاده، قال ابن كثير بعد ذكر ما روي عن ابن عباس من أنه قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول بن عباس تفسيراً للقرآن وهو ترجمانه، وقد ورد فيه حديث مرفوع قال ابن مردويه حدثنا عبد الباقي حدثنا نافع حدثنا الحسن بن المثنى حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وإسناده لا بأس به. ثم ذكر ابن كثير أن روي عن جابر موقوفاً، ثم قال: = وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره. [انظر: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٣٥].
وقد مال القرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٦ إلى ترجيح هذا القول، حيث قال: وما ذهب إليه الشافعي أصح؛ لأن تلك عامة وهذه الآية خاصة، ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم لفضل هذه الأشهر على غيرها، وعليه فيكون قول مالك صحيحاً، والله أعلم.
وممن رجح هذا أيضاً: الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢١٩، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٣٤٢، وابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٤١٧.стр. 533
وقال ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اذْهَبْ﴾ (١) فبقوله (٢) ، فمن يوجب فرضاً في غيرهن، والفرض: التلبية وهو الإهلال بالحج، لم يختلف الصحابة والتابعون في ذلك (٣) . ويستحب أن يكون فرض الحج في الشهور، فمن قدمه لزمه ما ألزم نفسه، وفرض الحج إيجابه، فمن أوجب على نفسه شيئاً فقد فرضه، واسم الفرائض مشتق من ذلك (٤) ، إلا أنا نستحب له أن يكون الإيجاب بالتلبية على ما مضى عليه العمل، على أن جماعة من العلماء قالوا: إذا أشعر وقلد هديه يريد الإحرام فقد أحرم، وهو مذهب مالك ﵁، ولا أعلم أحداً من أهل العلم * يخالف في ذلك (٥) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٧](٢) كذا في الأصل ولم أعرف معناها.(٣) لم يختلف الصحابة والتابعون في أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام، أما بما يكون فرض الحج، فقد اختلف الصحابة والتابعون في ذلك على قولين - وليس كما ذكر المؤلف أنهم لم يختلفوا - فذهب ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، والثوري، والنخعي، وطاوس إلى أن فرض الحج الإهلال. وذهب ابن عباس، وقتادة، وعطاء، والضحاك إلى أن فرض الحج الإحرام. [تفسير الطبري: ٢/ ٢٦١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٩].(٤) قال ابن فارس: الفاء والراء والضاد أصل صحيح يدل على تأثير في شيء من حز وغيره، ومن الباب اشتقاق الفرض الذي أوجبه الله تعالى، وسمي بذلك لأن له معالم وحدوداً. [مقاييس اللغة: ٨١٢].
* لوحة: ٤١/ب.(٥) انظر الاستذكار: ١١/ ١٨٠، والمجموع للنووي: ٨/ ٣٢٦.
ذكر المؤلف هنا حكم التلبية وأنها سنة من السنن، وقد اتفق أهل العلم جميعاً على استحباب التلبية اقتداء بالرسول ﷺ ، وبما ورد عنه في فضل التلبية، لكنهم اختلفوا في وجوب التلبية والنطق بها:
فذهب الإمام أحمد والشافعي في المشهور عنه إلى أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وأن الإحرام ينعقد بمجرد النية، وهذا ما رجحه الطبري.
وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى اشتراط التلبية، وعدم انعقاد الإحرام إلا بها، وهي رواية عند الشافعية، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، إلا أن الأخناف يجيزون ما يقوم مقام التلبية من تقليد الهدي وسوقه. =
وذهب المالكية إلى أن التلبية سنة مؤكدة، وليست ركناً، وأنه يكفي للدخول في الإحرام مجرد النية، ويرون أن على من لم يأت بها جملة، أي من أول الإحرام إلى آخر الحج أن عليه دماً، قال القاضي عبد الوهاب: يدخل في الإحرام بمجرد النية؛ لأن كل عبادة لم يكن في آخرها نطق واجب لم يفتقر الدخول فيها إلى نطق كالصوم، وعكسه الصلاة.
[انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤١٩، والتلقين للقاضي عبد الوهاب: ٦٥، والإشراف له: ١/ ٤٧١، والمحلى: ٧/ ٩٣، والاستذكار: ١١/ ٩٤، والمغني: ٥/ ٩١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦، والمجموع للنووي: ٧/ ٢٣٧، ٢٦١، وتنوير المقالة: ٣/ ٤٢٠، وأضواء البيان: ٥/ ٣٤٩]. =стр. 534
وإنما اختلفوا إذا أشعر هديه وهو لا يريد الإحرام، فالذي يذهب إليه مالك (١) ما جاء عن النبي ﷺ أنه وجه بهديه ثم لم يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم (٢) ، والذي لم يمسك عنه: النساء والطيب وما أشبهه، وقد روت أم سلمة: أنه أمسك عن أخذ الشعر وما أشبهه (٣) . الحواشي
(١) الموطأ: ١/ ٢٧٨ الحج رقم: ٥٣.(٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٨ الحج باب فتل القلائد للبدن والبقر عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم. ومسلم في صحيحه: ٢/ ٦٥٨ الحج حديث: ٣٦٦ بنحوه.(٣) يشير إلى ما رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥٦٥ كتاب الأضاحي حديث: ٣٩ عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: إذا دخلت العشر , وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً.
قال ابن عبد البر: وفي حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد حديث أم سلمة عن النبي ﵇ أنه قال: إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره؛ لأن في هذا الحديث النهي من أن يأخذ في العشر من ذي الحجة من ظفره أو من شعره كل من أراد أن يضحي، والهدي في حكم الضحية، وفي حديث عائشة أن رسول الله ﷺ بعد تقليده الهدي لم يجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم فهو معارض لأم سلمة، وهو أثبت منه وأصح. ثم حكى ابن عبد البر جمعاً بين الحديثين، فقال: قال أحمد: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث أم سلمة وحديث عائشة كان النبي ﷺ إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء. فبقي ساكتاً ولم يجب. =стр. 535
قال عمر (١) وابن عباس (٢) ﵄: إذا قلد الهدي فقد لزمه الإحرام، وقال مثل قولهما قيس بن سعد (٣) ، ومن شاء الله من التابعين (٤) ، وكل يقول: لزمه الإحرام، وما انتهى إلينا أن أحداً من الصحابة والتابعين قال غير ذلك (٥) . الحواشي
(١) لم أقف على قول عمر ﵁، ولعله ابن عمر فإن هذا القول مشهور عنه، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٥ في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام، عن ابن عمر قال: من قلد فقد أحرم.
والذي وقفت عليه عن عمر ﵁ في هذا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٦ من كان يمسك عما يمسك عنه المحرم، عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عمر وعلياً وابن عباس كانوا يقولون في الرجل يرسل بدنه: أن يمسك عما يمسك عنه المحرم.(٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٢٥ في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام.(٣) المرجع السابق.(٤) يروى هذا القول عن إبراهيم، والشعبي، وأبي الشعثاء، وعطاء، وابن جبير، ومجاهد، وميمون بن شبل، انظر المرجع السابق.(٥) إن كان يقصد أنه إذا قلد الهدي وهو يريد الإحرام فقد لزمه الإحرام، فهذا لا خلاف فيه، وإن كان يريد أن يصير محرماً بمجرد التقليد حتى وإن كان لا يريد الإحرام فهذا مختلف فيه كما في حديث عائشة السابق.
قال الجصاص: وهذا على أنه قلدها وساقها وهو يريد الإحرام؛ لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون محرماً. [أحكام القرآن: ١/ ٤١٩].стр. 536
ورأيت الشافعي قد قال في كتابه خلافاً لما قاله الصحابة والتابعون، فإن منهم من قال شهور الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة إلى انقضاء أيام الحج (١) ، ومنهم من قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (٢) ، فقال هو: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة (٣) .
وتسع تقع على الليالي دون الأيام، فأخرج يوم عرفة وليلة النحر من الحج، وهو معظم الحج (٤) ، الحواشي
(١) سبق تخريجه ص: ٢٩٩.(٢) سبق تخريجه ص: ٢٩٨.(٣) قال المزني في مختصره: ٦٣: قال الشافعي: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج.
وقد ذكر البيهقي في أحكام القرآن: ١/ ١١٤، ١١٥ قال: قال الشافعي: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، ولا يفرض الحج إلا في شوال كله وذي القعدة كله وتسع من ذي الحجة، ولا يفرض إذا خلت عشر ذي الحجة، فهو من شهور الحج، والحج بعضه من بعض.(٤) قال النووي: قال الشافعي في مختصر المزني: أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدرك إلى الفجر من يوم النحر , فقد فاته الحج , هذا نصه بحرفه واعترض عليه أبو بكر الطاهري فقال: قوله: إن أراد به الليالي , فهو خطأ ; لأن الليالي عشر وإن أراد الأيام , فهو خطأ في اللغة , فإن الأيام مذكرة , فالصواب تسعة، وأجاب الأصحاب عن هذا: بأن المراد الأيام والليالي وغلب لفظ التأنيث على عادة العرب، فإن العرب تغلب لفظ التأنيث في اسم العدد يقولون: صمنا عشراً ويريدون الليالي والأيام، ويقولون: صمنا خمساً ويريدون الأيام , قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب: إنما أفرد الشافعي ليلة النحر بالذكر وذكرها بعد التسع ; لأن الإحرام يستحب تقديمه عليها قالوا: ويحتمل أنه أفردها ; لأنها تنفرد عن اليوم الذي بعدها , ويحتمل أنه أفردها لتعلق الفوات بها. ... [انظر المجموع: ٧/ ١٣٤].стр. 537
قال النبي ﷺ : الحج عرفة (١) . يريد أن الوقوف بعرفة لا بمزدلفة، يقول هذا، [] (٢) بأن يقول من أحرم قبل الشهور لم يلزمه، والله المستعان (٣) . الحواشي
(١) رواه أبو داود في سننه: ٢/ ١٩٦ باب من لم يدرك عرفة كتاب المناسك، والترمذي في سننه، باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج من أبواب الحج، وقال: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، انظر تحفة الأحوذي: ٣/ ٦٣٣، والنسائي في سننه: ٥/ ٢٨٢ باب فرض الوقوف بعرفة من كتاب المناسك، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٨٠ باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع من أبواب المناسك، وأحمد في مسنده: ٤/ ٣٠٩، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٤٠ باب المواقيت حديث: ١٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٥ التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه.(٢) في الأصل كلمة لم أستطع قراءتها.(٣) ذكر المؤلف خلاف السلف في أشهر الحج ما هي؟ وذكر قول الشافعي، وهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على قولين، هما:
الأول: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك في رواية عنه، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود الظاهري، ورجحه ابن جرير.
وقد ذهب الشافعي إلى عدم دخول يوم النحر في أشهر الحج؛ لأنه بنهاية ليلة يوم النحر ينتهي جواز الإحرام بالحج.
الثاني: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وهو مروي عن: عمر، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس، والمشهور من مذهب مالك.
انظر: تفسير ابن جرير: ٢/ ٢٥٧، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠٩، والمغني: ٥/ ١١٠، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٨٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٥، والمجموع للنووي: ٧/ ١٣٤.
ولعل القول الثاني هو الأقرب للصواب، قال القاضي عبد الوهاب البغدادي: فدليلنا قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وأقلها ثلاثة كاملة؛ ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج فكذلك آخره، أصله شوال، وفائدة ذلك تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه. [الإشراف: ١/ ٤٦٢].
وهذا ما رجحه ابن حزم في المحلى: ٧/ ٦٩، وابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٤١٥.
مع أن من ذهب إلى القول الأول مستدلاً بأنه لا يمكن فرض الحج بعد ليلة يوم النحر استنتاج صحيح مجمع عليه، يقول الشنقيطي بعد ذكره للخلاف في هذه المسألة: مع الإجماع على فوات الحج بعد الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر. [أضواء البيان: ٥/ ٣١٨].стр. 538
قال الله ﵎: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١)
قال ابن عمر (٢) ، وابن عباس (٣) ، وخلق من التابعين (٤) الرفث: الجماع، واختلفوا في الفسوق، فقال بعضهم: المعاصي (٥) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٧](٢) روى سعيد بن منصور في سنه: ٣/ ٨٠٣ عن ابن عمر قال: الرفث الجماع، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٤ باب قوله (فلا رفث ولا فسوق)، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٦، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٠٤ التفسير سورة البقرة، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧ باب لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.(٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٧٠ الحج باب قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وسعيد ابن منصور في سننه: ٣/ ٧٩٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٣، وأبو يعلى في مسنده: ٢/ ٥٥٢، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٥، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٦، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧.(٤) ممن قال بأن الرفث: الجماع: إبراهيم، والضحاك، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، ومجاهد، وقتادة، وابن جبير، انظر سنن سعيد: ٣/ ٨٠٠، ٨٠٢، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٦٥، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٤، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٢٦.(٥) يروى هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جبير، ,وإبراهيم، والربيع، وعكرمة، انظر سنن سعيد: ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٣، وابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير: ٢/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢٦ ..стр. 539
وقال بعضهم: السباب (١) ، وقال بعضهم الجدال: أن تماري صاحبك (٢) ، الحواشي
(١) يروى هذا عن: ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم، وعطاء بن يسار، والحسن، انظر: ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٤، وابن جرير: ٢/ ٢٧٠، والبيهقي في سننه: ٥/ ٦٧، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٧، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٣٧.(٢) يروى هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وجابر بن زيد، ,وإبراهيم، والضحاك، وعطاء، وابن جبير، وعمرو بن دينار، انظر سنن سعيد: ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٣، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٣، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٧١، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤٨، وسنن البيهقي: ٥/ ٦٧، وتفسير البغوي: ١/ ٢٢٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٨.
* لوحة: ٤٢/أ.стр. 540
وقال بعضهم الرفث: الجماع، والفسوق: السباب * والمعاصي (١) ، والجدال: أن يقول قائل إن الحج في غير ذي الحجة، قد استقر الأمر على أن الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه (٢) ؛ لقول رسول الله ﷺ وقد وقف بعرفة: إلا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا حج إلا في ذي ... الحجة (٣) . الحواشي
(١) في الأصل: والفسوق: والسباب والمعاصي، والصواب ما أثبت.(٢) يروى هذا القول عن مجاهد، فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٧٧، وسعيد في سننه: ٣/ ٧٩٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٧٣، ١٧٤، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٤٨، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٦٦ باب من كره أن يقال للمحرم صفر وأن النسيء من أمر الجاهلية.(٣) حزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١١٦٨ بدء الخلق باب ما جاء في سبع أرضين، و ٤/ ١٥٩٩ المغازي باب حجة الوداع، و ٤/ ١٧١٢ التفسير سورة التوبة قوله: إن عدة الشهور، و ٥/ ٢١١٠ الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر، و ٦/ ٢٧١٠ التوحيد باب قوله: وجوه يومئذ ناضرة، ومسلم في صحيحه: ... ٣/ ١٣٠٥ كتاب القسامة حديث: ٢٩. وليس فيه: لا حج إلا في ذي الحجة.
وقد ذكر هـ النحاس فقال: قال النبي ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض وإن الحج في ذي الحجة. معاني القرآن: ١/ ١٣٤، والأزرقي في أخبار مكة: ١/ ١٨٦.
قلت: ولعل الراوي وهم في هذه الزيادة، فإن المشهور أن هذه الزيادة من قول مجاهد، فقد روى عبد الرزاق في تفسيره: ٢/ ٢٧٥ عن مجاهد قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وسعيد في سننه: ٣/ ٧٩٣ عن مجاهد قال: ليس في الحج جدال ولا شك ولا نسيان في الحج، الحج في ذي الحجة، وابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٣ عن مجاهد قال: قد صار الحج في ذي الحجة، فلا شهر ينسأ، ولا شك في الحج.стр. 541
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن مجرى الجدال مجرى الرفث والفسوق، وإلى أن النهي قد وقع على ذلك كله، فكأنه قد قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا (١) ، وذهب بعضهم إلى: أن النهي وقع على الرفث والفسوق خاصة، وأخبروا أن الحج ... لا جدال فيه، فكأنه قد قيل لهم: لا ترفثوا ولا تفسقوا، ثم اعلموا أن الحج لا جدال فيه، وأن ذلك قد انقطع (٢) ؛ الحواشي
(١) كل من فسر الجدال في الحج بأنه النهي أن تماري صاحبك، فالمعنى عنده: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.(٢) وهذا تفسير مجاهد.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (فلا رفث ولا فسوق) بالضم فيهما والتنوين، وقرأ الباقون: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالنصب بغير تنوين، وقرأ أبو جعفر بالرفع والتنوين كذلك في قوله: (ولا جدال)، وأما الباقون فبنصب اللام في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ [السبعة: ١٨٠، والنشر: ٢/ ١٥٩].
قال النحاس: قال أبو عمرو: أراد فلا يكونن رفث ولا فسوق في شيء يخرج من الحج، ثم ابتدأ النفي فقال: ... ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فأخبر أن الأول نهي. [معاني القرآن: ١/ ١٣٤، وإعراب القرآن: ١/ ١٠١].
= وقال ابن زنجلة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) رفع منون، (ولا جدالَ) نصباً، قال ... أبو عبيد: وإنما افترقت الحروف عندهم؛ لأنهم جعلوا قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بمعنى النهي أي: لا يكون فيه ذاك، وتأولوا في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ أنه لا شك في الحج ولا اختلاف فيه أنه في ذي الحجة.
وقرأ الباقون جميع ذلك بالنصب وحجتهم قول ابن عباس: ولا جدال في الحج، قال: لا تمار صاحبك حتى تغضبه، فلم يذهب بها ابن عباس ذلك المذهب، ولكنه جعله نهياً كالحرفين الأولين، وأن حرف النهي دخل في الثلاثة وحجة من فتح أن يقول إنه أبلغ للمعنى المقصود، ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق.
وحجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس النفي وقتاً واحداً، ولكنه بجميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحداً والمراد جميعاً.
[حجة القراءات: ١٢٨، ١٢٩].стр. 542
لأن بعضهم كان يقف بعرفات وبعضهم بمزدلفة، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب (١) ، وكانوا يغيّرون الشهور ويسمونها بغير أسمائها فيحجون في كل سنتين في شهر حتى يدور الحج في أربع وعشرين سنة، وكانوا يسمونه النسيء (٢) وهو الذي قال الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٣) (٤)
وقال شاعرهم: الحواشي
(١) روى ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٧٤ عن ابن زيد قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه ﷺ بمناسكهم.(٢) النسء: تأخير في الوقت، ومنه النسيء الذي كانت العرب تفعله وهو تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر. ... [مقاييس اللغة: ٩٨٨، ولسان العرب: ١/ ١٦٦](٣) [سورة التوبة: الآية ٣٧](٤) روى عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٢٧٥ عن مجاهد: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمون الأشهر: ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة، ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعدون
فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادي الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ثم يسمون ذا القعدة شوالاً، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا كمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافق حجة أبي بكر الآخرة من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ حجته التي حج فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض.стр. 543
وَمِنَّا مُنْسيءُ الشهور القلمس (١) فانقطع الجدال بقول رسول الله ﷺ : لا حج إلا في ذي الحجة (٢) ، ولم يؤمر بالحج حتى دار الزمان، ووقف بعرفة حيث كانت تقف العرب دون الحُمس (٣) . الحواشي
(١) البيت عند البغوي في تفسيره: ٤/ ٤٧: وفينا ناسيء الشهر القَلَمّسْ، وعند ابن عطية في المحرر: ٨/ ١٨٠ ومنا منسيء الشهر القلمس، وعند القرطبي في تفسيره: ٨/ ١٣٨ ومنا ناسيء الشهر القلمس، وهو كذلك عند أبي السعود في تفسيره: ٤/ ٦٤.
قال ابن منظور: القَلَمّسُ الكناني: أحد نسأة الشهور على العرب في الجاهلية. [لسان العرب: ٦/ ١٨٢].
وقد اختلف في اسمه، وفيمن أول من نسأ الشهور عند العرب، انظر أخبار مكة للأزرقي: ١/ ١٨٣، وأخبار مكة للفاكهي: ٥/ ٢٠٥، وتفسير البغوي: ٤/ ٤٧، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.
وقد ذكر المؤلف اسمه عند تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] حيث قال القاضي بكر بن العلاء: وأصل النسيء إنما كان رجل من بني كنانة، ثم من بني فقيم، يعرف بالقَلَمّس، واسمه حذيفة، وهو من بني فقيم، وكان ملكاً فيهم.
ثم قال: فكان حذيفة على ذلك، ثم خلفه ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، فحج رسول الله ﷺ حجة الوداع وجنادة صاحب ذلك، فأبطل رسول الله ﷺ ما كان جنادة يفعله. انظر لوحة ١٦٤/ب، ١٦٥/أبتصرف.(٢) في الأصل: لا حج في ذي الحجة، والصواب ما أثبت.(٣) الحُمْس: الحاء والميم والسين أصل واحد يدل على: الشدة، فالأحمس الشجاع، والحُمس جمع الأحمس، وهم: قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، سموا حمساً لتحمسهم في دينهم أي: تشددهم فيه، أو لالتجائهم بالحَمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد.
[مقاييس اللغة: ٢٦٤، والنهاية لابن الأثير: ١/ ٤٤٠، والقاموس المحيط: ٦٩٥].стр. 544
وقال النبي ﷺ : من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه (١) . ولم يذكر الجدال فدل على أنه لا رفث * ولا فسوق نهوا عن ذلك، ولا جدال في الحج أي: قد انقطع الجدال وجرى مجرى الخبر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم (٢) . الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٥٣ الحج باب فضل الحج، و ٢/ ٦٤٥ الإحصار وجزاء الصيد باب قوله: فلا رفث، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٨٣ الحج حديث: ٤٣٨.
* لوحة: ٤٢/ب.(٢) ذكر الزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٧١ كلاماً قريباً مما ذكر المؤلف هنا حيث قال: وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع، والآخر بالنصب؛ لأنهما حملا الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ : من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه.
= وقد أجاب عما ذكره المؤلف هنا وما ذكره الزمخشري أبو حيان حيث قال بعد ذكره لكلام الزمخشري: وفيه تعقبات: الأول: تأويله على أبي عمرو وابن كثير أنهما حملا الأولين علة معنى النهي بسبب الرفع، والثالث على الإخبار بسبب البناء، والرفع والبناء لا يقتضيان شيئاً من ذلك.
ثم قال: وقوله واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال إلى آخر كلامه، ولا دليل في ذلك؛ لأن الجدال إن كان من باب المحظور فقد اندرج في قوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ لعمومه، وإن كان من باب المكروه وترك الأولى، فلا يجعل ذلك شرطاً في غفران الذنوب، فلذلك رتب ﷺ غفران الذنوب على النهي عن ما يفسد الحج من المحظور فيه، الجائز في غير الحج، وهو الجماع المكنى عنه بالرفث، ومن المحظور الممنوع منه مطلقاً في الحج وفي غيره، وهو معصية الله المعبر عنها بالفسوق، وجاء قوله: ولا جدال من باب التتميم لما ينبغي أن يكون عليه الحاج من إفراغ أعماله للحج، وعدم المخاصمة والمجادلة، فمقصد الآية غير مقصد الحديث، فلذلك جمع في الآية بين الثلاثة، وفي الحديث اقتصر على الاثنين.
[انظر البحر المحيط: ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦].стр. 545
قال الشاعر (١)
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (٢)
قال الله ﵎: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣) الحواشي
(١) اختلف في قائل هذا البيت، قال السيوطي: قال سيبويه: هو لرجل من مذحج، وقال أبو رياش: هو الهمام اخي حسان بن مرة، وقال الأصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة، وقال الآمدي: أحمر بن الحارث. ...
[شرح شواهد المغني: ٢/ ٩٢١].(٢) البيت عند الفراء في معاني القرآن: ١/ ١٢١، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ٤٠٩، وفي رواية: هذا لعمركم، لسان العرب: ٦/ ٦١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٦.
وجه الشاهد منه، قال السيوطي: واستشهد به على رفع اسم الثاني مع تكرر لا، مع فتح الأول.
[شرح شواهد المغني: ٢/ ٩٢١].
قلت: وما ذكره المؤلف هنا لا يدل إلى ما ذهب إليه من القراءة برفع الرفث والفسوق، وفتح الجدال، فهذا البيت عكس ما ذهب إليه من جواز فتح الثاني، ورفع الأول.
قال ابن هشام: ولك في نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله) خمسة أوجه، أحدها: فتحهما، وهو الأصل، الثاني: رفعهما، الثالث: فتح الأول ورفع الثاني كقوله: لا أم لي عن كان ذاك ولا أب، الرابع: عكس الثالث: كقوله: فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها، الخامس: فتح الأول ونصب الثاني.
[انظر أوضح المسالك: ٢/ ١٥].(٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٧]стр. 546
قال المفسرون جميعاً ممن انتهى إلينا قوله، وهم من شُهر بالتفسير من التابعين: أنهم كانوا لا يتزودون (١) ، فأمروا بالزاد، وأخبروا مع ذلك أن خير الزاد التقوى، أي: فاصحبوا حجكم مع اتخاذ الزاد التقوى، لا أعلم خلافاً في ذلك (٢) .
قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) الحواشي
(١) في الأصل: يتزودون، والصواب ما أثبت.(٢) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٥٤ الحج باب قوله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وهذا يروى عن قتادة، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، انظر تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٧، وسنن سعيد بن منصور: ٣/ ٨١١، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٧٨، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٩.(٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]стр. 547
سئل ابن عمر عن التجارة في الحج فقال: لا بأس بذلك وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وعزاه إلى النبي ﷺ وأنه سئل عن ذلك فنزلت الآية (٢) ، وقال من فسر القرآن كلهم: لا بأس بالتجارة في الحج، وفسروا الآية بذلك عن ابن عباس (٣) الحواشي
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ١٨٧ التجارة في الحج، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٣ عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن كثير: وهذا موقوف وهو قوي جيد. [تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٤٠].(٢) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٤٢ المناسك باب الكَرِيِّ، وأحمد في مسنده: ٥/ ١٥٥، والطيالسي في مسنده: ٣/ ٤٤٢، وسعيد في سننه: ٣/ ٨٢٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٦٣ في الكري تجزئه حجته، وابن حرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٢، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٣٥٠، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٩٢ المواقيت: ٢٥٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٦١٨ المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: ٤/ ٣٣٣ الرجل يواجر نفسه من رجل يخدمه، والواحدي في أسباب النزول: ٦٢.(٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٢٨ الحج باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية، عن ابن عباس ﵄: قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.
وكذلك رواه عنه: سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٨١٨، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٣٥١، والبهقي في سننه: ٤/ ٣٣٣ باب التجارة في الحج.стр. 548
وغيره (١) ، وقالوا لأنهم كانوا يتحرجون من التجارة في أيام الحج حتى نزلت الآية.
قال الله ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (٢) الحواشي
(١) يروى هذا عن مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، انظر تفسير عبدالرزاق: ١/ ٧٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ١٨٧، وتفسير ابن جرير: ٢/ ٢٨٢، وأحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ٣٧، قال الجصاص: بعد ذكره للرواية عن ابن عباس في ذلك قال: وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين منهم: الحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، ولا نعلم أحداً روي عنه خلاف ذلك. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨]
* لوحة: ٤٣/أ.стр. 549
قيل: إنه لم يكن نبي إلا أُمر بالصلاة إلى البيت، فلما أمر إبراهيم ﷺ ببناء البيت سارت السكينة بين يديه، كأنها قبة فكانت إذا سارت سار، وإذا * نزلت نزل (١) ، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم معه جبريل ﵉ فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فرماه، ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة فعرض له فرماه، ثم انتهى إلى عرفة فقال له جبريل ﵇: عرفت. فلذلك سميت عرفة، ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة (٢) . وقال عطاء (٣) ، والحسن (٤) : سميت عرفات؛ لأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك ويقول عرفت، فيقول: قد عرفت. فسميت عرفات، وسمي الموسم (٥) لتوسم الناس بعضهم بعضاً (٦) ، وسمي التشريق لتشريق الشمس (٧) ، قال الشاعر: الحواشي
(١) في الأصل: فنزل، والصواب ما أثبت.(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن روى نحوه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٦ عن السدي.(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٦٢ لم سميت عرفة؟ ، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٧، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٨، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٤١.(٤) ذكره النحاس في معاني القرآن: ١/ ١٣٧، والرازي في تفسيره: ٤/ ٥٧.(٥) الموسم: موسم الحج والسوق مجتمعها، سميت مواسم لاجتماع الناس فيها، فكل مجمع من الناس كثير هو موسم، ووسَّمَ الناس: شهدوا الموسم. [مقاييس اللغة: ١٠٥٣، ولسان العرب: ١٢/ ٦٣٦].(٦) روى الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٦١ عن أبي بشر قال: إنما سمي الموسم الموسم لأن الناس يتوسم بعضهم فيه بعضاً.(٧) قال ابن الأثير: التشريق من تشريق اللحم، وهو تقديده وبسطه في الشمس ليجف؛ لأن لحوم الأضحى كانت تشرق فيها بمنى، وقيل: سميت به لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع.
[النهاية: ٢/ ٤٦٤].стр. 550
موقوفة ينظر التشريق راكبها (١)
وقال علي (٢) وجابر (٣) الحواشي
(١) روى الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٦١ عن أبي بشر قال: كان القسري خالد بن عبد الله يسأل قتادة عن أيام التشريق لأي شيء به سميت أيام التشريق، فقال: كانوا يشرقون القديد فسألوني عن ذلك فأنشدتهم قول عباس بن مرداس السلمي: ... موقوفة ينظر التشريق راكبها ... كأنها في حبال الرمل مسلوس(٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: وقف رسول ﷺ بعرفة، فقال: هذه عرفة وهذا هو الموقف، وعرفة كلها موقف، ثم أفاض حين غربت الشمس، وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته، والناس يضربون يميناً وشمالاً يلتفت إليهم ويقول: يا أيها الناس عليكم السكينة، ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف، وجمع كلها موقف. [جزء من حديث سبق تخريجه ص: ٢٦٢](٣) رواه أبوداود في سننه: ٢/ ١٩٣ المناسك باب الصلاة بجمع، وابن ماجة في سننه: ٢/ ١٧٩ الموقف بعرفة من أبواب المناسك واللفظ له، والدارمي في سننه: ٢/ ٧٩ باب عرفة كلها موقف كتاب المناسك، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٢٢ باب من حيث وقف من المزدلفة أجزأه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف وارفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة.
وأصله في صحيح مسلم: ٢/ ٨٩٣ الحج حديث: ١٤٩ من حديث جابر.стр. 551
عن النبي ﷺ : عرفة كلها موقف، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن محسر. فرواه جماعة (١) ، وقال ابن عباس: من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فلا حج له (٢) .
وقيل في المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر (٣) . والمسجد الذي يصلي فيه الإمام يوم عرفة هو في بطن عرنة، فإذا خرج الإنسان من البطن يريد الموقف بعرفة فقد صار بعرفة من حين يخرج من البطن، والمزدلفة من حين يدخل الإنسان من ناحية عرفة، فيخرج من الحل ويصير إلى الحرم، ويصير بين جبلين حين يخرج من المأزمين (٤) الحواشي
(١) وقد روى الإمام أحمد في مسنده: ٤/ ٨٢، وابن حبان في صحيحه: ٩/ ١٦٦ عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر وكل أيام التشريق ذبح.(٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٠٥ في رمي جمرة العقبة، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٣١ عن ابن عباس قال: من أفاض من عرفة فلا حج له. هكذا دون تقيده بغروب الشمس.
= قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال، وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل، إلا مالك بن أنس فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه. ...
[الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤١٥].(٣) سبق تخريجه ص: ٣١٥.(٤) الهمزة والراء والميم أصل واحد وهو: الضيق وتداني الشيء من الشيء بشدة والتفاف، والمأزم المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه.
[مقاييس اللغة: ٥٨، والنهاية لابن الأثير: ٤/ ٢٨٨].
قال الحموي: وهو موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة، وهو شعب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرنة، وهو إلى ما أقبل على الصخرات التي يكون بها موقف الإمام إلى طريق يفضي إلى حصن وحائط بني عامر عند عرفة، وبه المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين الصلاتين الظهر والعصر، وهو حائط نخيل وبه عين تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم وإنما حد الحرم من المأزمين فإذا جزتهما إلى العلمين المضروبين فما وراء العلمين من الحل. ... [معجم البلدان: ٥/ ٤٠].
* لوحة: ٤٣/ب.стр. 552
فقد دخل في مزدلفة إلى بطن محسر، وبطن محسر بين مزدلفة وبين منى، إذا خرج الإنسان من منى يريد مزدلفة لقد هبط في * بطن محسر، فإذا خرج منه يريد مزدلفة فهو في مزدلفة (١) .
قال الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢)
المشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام (٣) ، ومزدلفة كلها المشعر، كذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ وسائر من انتهى إلينا تفسيره: أن كل الذي بين الجبلين من المشعر (٤) . الحواشي
(١) قال البكري: محسر بضم أوله وفتح ثانيه بعده سين مهملة مشددة مكسورة ثم راء مهملة: واد بجمع وهي مزدلفة قال عبد الملك ابن حبيب: عرنة ليست من عرفة إنما هي من الحرم، وعرفة خارجة من الحرم، والموقف خارج من الحرم وداخل في الحل، وبطن عرنة هو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة، وهي مسايل يسيل فيها الماء إذا كان المطر، يقال لها: الحبال وهي ثلاثة أقصاها مما يلي الموقف أمر رسول الله ﷺ بالارتفاع عن تلك الحبال إلى سفح جبل عرفة أي أسفله، قال ابن المواز: حائط مسجد عرفة القبلي على حد عرنة، ولو سقط ما سقط إلا فيها. ... [معجم ما استعجم: ٤/ ١١٩٠].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨](٣) قزح: بضم أوله وفتح ثانيه وحاء مهملة: هو القرن الذي يقف الإمام عنده بالمزدلفة، عن يمين الإمام، وهو الميقدة، وهو الموضع الذي كانت توقد فيه النيران في الجاهلية، وهو موقف قريش في الجاهلية إذ كانت لا تقف بعرفة. [معجم البلدان: ٤/ ٣٤١].(٤) قال ابن جرير: المشعر الحرام هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر، بهذا القول قال أهل التأويل. [جامع البيان: ٢/ ٢٨٧].
ولم أقف على رواية عمر ﵁، ولعله ابن عمر، فإن هذا القول قد اشتهر عنه، فرواه عنه: عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٨، وسعيد في سننه: ٣/ ٨٢٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٣٧ من قال المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٨٧ والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٦٩، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٢٥٣، والبغوي في تفسيره: ١/ ٢٢٩، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٤٢.
وهذا القول في المشعر الحرام هو قول أهل التفسير والسير، وأما الفقهاء فيرون أن المشعر الحرام المذكور في هذه الآية هو قزح، قال النووي وهو يشرح ما رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩١ الحج حديث: ١٤٧ وفيه: حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس.
قال النووي: وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضاً بكسر الميم، والمراد به هنا: قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث المشعر الحرام: جميع المزدلفة. [شرح النووي على صحيح مسلم: ٨/ ٢٥٩]. =стр. 553
وكان النبي ﷺ (١) ، وأبو بكر (٢) ، وعمر (٣) يقفون على قزح حذا ثبير (٤) ، والناس بعدهم على ذلك. وذِكرُ الله هناك واجب بالندب وليس بفرض؛ لأنه ﵇ قدم ضعفاء بني عبد المطلب بليل (٥) . الحواشي
(١) سبق تخريجه ص: ٢٦٢، ٣١٥ من حديث علي بن أبي طالب ﵁.(٢) رواه الشافعي في الأم: ٢/ ٢١٣، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٢٣٧، والطبري في تفسيره: ٢/ ٢٩٠، والطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ١٧١، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٢٥ باب الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس.(٣) روى البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٤ الحج باب متى يدفع من جمع؟ عن عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس.(٤) ثبير: بفتح أوله وكسر ثانيه بعده ياء وراء مهملة: جبل بمكة، وهي أربعة أثبرة بالحجاز، وثبير من أعظم جبال مكة، بينها وبين عرفة، وهو جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، سمي ثبيراً برجل من هذيل مات في ذلك الجبل فعرف الجبل به. [معجم ما استعجم: ١/ ٣٣٥، ومعجم البلدان: ٢/ ٧٢، وفتح الباري: ٣/ ٦٧١].(٥) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦٠٢ باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤١ الحج حديث: ٣٠١ - ٣٠٤.
ذكر المؤلف حكم المبيت بمزدلفة وأنه ليس بفرض، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في المشهور عنه، وغيرهم من جماهير السلف والخلف إلى أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً من أركان الحج، فمن تركه لم يفسد حجه، ويجبره بدم، إلا من استثني من ذلك كالضعفة، فلا دم عليهم.
وذهب بعض التابعين إلى أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج من تركه فقد فاته الحج، ولعل القول بأنه واجب يجبر بدم هو الأقرب للصواب، مع التأكيد على أهمية اتباع الرسول ﷺ في مناسك الحج كلها دون تفريق بين ما كان سنة أو كان واجباً، قال الجصاص: بعد ذكره لحديث أن الرسول ﷺ قدم ضعفة أهله بليل، قال: فلو كان الوقوف بها فرضاً لما رخص لهم في تركه للضعف، كما لا يرخص في الوقوف بعرفة لأجل الضعف.
[انظر أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٢٨، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٥].стр. 554
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١) قال جبير بن مطعم (٢) : خرجت في نظر بعير لي بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفة مع الناس فقلت: والله إن هذا من الحمس، فما شأنه واقفاً هاهنا؟ . (٣)
وقالت عائشة ﵂ وسائر من فسر ذلك: كانت قريش في الجاهلية وأهل الحرم ومن ولدته قريش يسمون الحُمس، وكانوا يقفون بالمشعر الحرام وبجمع، وكانت سائر العرب تقف بعرفات، وإنما وقف النبي ﷺ قبل البعث بعرفة مع العرب وترك قومه بهداية الله إياه، فلم تزل قريش على ذلك إلى أن حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وأنزل الله ﵎ عليه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٤) * فوقف بعرفة وأفاض منها (٥) ، الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ١٩٩](٢) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي، يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا عدي، كان من حلماء قريش، وساداتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، فسمعه يقرأ الطور، وقال: فكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي، أسلم بين الحديبية والفتح، مات في خلافة معاوية سنة ٥٧ هـ، وقيل غير ذلك. [الاستيعاب: ١/ ٢٣٠، والإصابة: ١/ ٢٢٥].(٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٥٩٩ باب الوقوف بعرفة كتاب الحج، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩٤ الحج حديث: ١٥٣.(٤) [سورة البقرة: الآية ١٩٩]
* لوحة: ٤٤/أ.(٥) رواه البخاري عن عائشة في صحيحه: ٤/ ١٦٤٣ التفسير سورة البقرة باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨٩٣ الحج حديث: ١٥١.
وهو مروي عن عروة، انظر المرجعين السابقين، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، والربيع، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، انظر: أحكام القرآن للطحاوي: ٢/ ١٧٣، وتفسير الطبري: ٢/ ٢٩٢، وتفسير البغوي: ١/ ٢٣٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٢.стр. 555
فصار الوقوف بعرفة بغير جدال ولا خلاف حيث كانت العرب تقف، وهو موقف إبراهيم ﵇ (١) ، فقال الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٢) يعني من الضالين عن الوقوف بعرفة، ثم أكد ذلك فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٣) يعني العرب، لا من حيث كانت قريش تفيض (٤) . الحواشي
(١) قال قتادة: فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات، وأخبرهم أن سنة إبراهيم وإسماعيل هكذا الإفاضة من عرفات. [تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٢].(٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٨](٣) [سورة البقرة: الآية ١٩٩](٤) ذكر الطبري عن الضحاك أن المخاطبين بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: المسلمون كلهم، والمعني بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من جمع، وبالناس إبراهيم خليل الرحمن ﵇.
ثم قال ابن جرير: والذي نراه صواباً من تأويل هذه الآية أنه عنى بهذه الآية: قريش ومن كان متحمساً معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.
وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وهذا إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم على نحو ما تقدم بياننا في مثله، ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله لقلت: أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك: من أن الله عنى بقوله ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من حيث أفاض إبراهيم؛ لأن الإفاضة من عرفات لا شك أنها قبل الإفاضة من جمع وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وإذ كان ذلك لا شك كذلك، وكان الله إنما أمر بالإفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإفاضة من عرفات وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ كان معلوماً بذلك أنه لم يأمر بالإفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون الموضع الذي قد أفاضوا منه، وكان الموضع الذي قد أفاضوا منه فانقضى وقت الإفاضة منه لا وجه لأن يقال أفض منه، فإذا كان لا وجه لذلك وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك، وفساد ما خالفه لولا الإجماع الذي وصفناه وتظاهر الأخبار بالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويل. [جامع البيان: ٢/ ٢٩٣، ٢٩٤].
قال النحاس: وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام، وفي هذا جوابان، أحدهما: أن ثم بمعنى الواو، والجواب الثاني وهو المختار: أن ثم على بابها، والمعنى: ثم أمرتم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفي هذا معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام، وأفاضوا من عرفات، ثم وكدت عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس، لا من حيث كانت قريش تفيض. [معاني القرآن: ١/ ١٣٩].стр. 556
قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (١) .
كانت العرب إذا قضوا مناسكهم في الجاهلية اجتمعوا بمنى بالموسم فتذاكروا أفعال آبائهم، وأنسابهم فتفاخروا بذلك، فقال الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٢) فأمروا بذلك، والاشتغال به عن المفاخر، إذ قال ذلك مجاهد (٣) ،
وقتادة (٤) ، وعطاء (٥) ، وجماعة (٦) .
قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٧) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ٢٠٠](٢) [سورة البقرة: الآية ٢٠٠](٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٩٦، وذكره الواحدي في أسباب النزول: ٦٥، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٥، وعزاه السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٢ إلى ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر.(٤) رواه عبدالرزاق في تفسيره: ١/ ٧٩، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٢٩٦.(٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٥، والسيوطي في الدر: ١/ ٢٣٢ وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد.(٦) يروى هذا عن: ابن عباس، وأنس، وأبي وائل، وأبي بكر بن عياش، وابن جبير، وعكرمة، والحسن، انظر تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٦، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٥٥، وزاد المسير: ١/ ٢١٥ وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٣.(٧) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣]стр. 557
اختلف ابن عمر وابن عباس وسائر من فسر هذه الآية فيها، فقال ابن عمر: الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده، وقال: المعلومات يوم النحر ويومان بعده (١) ، وروى مقسم (٢) عن ابن عباس ﵁: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام التشريق (٣) ، وقال علي بن أبي طالب ﵁: المعدودات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت *، وأفضلها أولها (٤) ، وكذا قال ابن عمر (٥) . الحواشي
(١) قال ابن حزم في المحلى: وروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن عبد الله، نا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن زر ونافع، قال زر: عن علي بن أبي طالب، وقال نافع عن ابن عمر: ثم اتفق علي وابن عمر قالا جميعاً: الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها.(٢) مقسم بن بُجرة، أو ابن نجدة، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، عن: ابن عباس، وعائشة، وعنه: الحكم، وخصيف، صدوق وكان يرسل، مات سنة ١٠١ هـ. [الكاشف: ٢/ ٢٩٠، والتقريب: ٩٦٩].(٣) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢، ورواه ابن حزم في المحلى: ٢/ ٢٧٥، ٣٧٧، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٥/ ٤٢٥، وابن كثير في تفسيره: ٣/ ٢١٧.
* لوحة: ٤٤/ب.(٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٦٠، وابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٧٥، وابن عبد البر في التمهيد: ... ٢٣/ ١٩٧.(٥) ينظر تخريجه: حاشية ٦ من هذه الصفحة.стр. 558
وأحسب أن الراوي غلط، أراد أن يقول: المعلومات فقال المعدودات؛ لأنهما قالا: اذبح في أيهما شئت، والذبح إنما ذكر في المعلومات، فقال ﵎: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) ، وقال في المعدودات: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) (٣) . الحواشي
(١) [سورة الحج: الآية ٢٨](٢) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣](٣) قال الجصاص: وقد قيل: هذا وهم، والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات، وظاهر الآية ينفي ذلك أيضاً؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وذلك لا يتعلق بالنحر، وإنما يتعلق برمي الجمار، والمفعول في أيام التشريق. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣١]
قلت: ومما يدل على أنه قد يكون وهم: أن الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٠١ قد رواه عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها. قال الطحاوي: ولم يذكر في حديثه هذا الأيام المعدودات.
وأيضاً فقد قال السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٤: أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام، يوم الأضحى ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها.
ولعله وهم أيضاً فيما يتعلق برواية ابن عمر، فقد روى الطحاوي في أحكام القرآن: ٢/ ٢٠٢ عن نافع عن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده من أيام التشريق، والأيام المعدودات في الأيام الثلاثة، ليس منها يوم النحر.
وروى ابن حزم في المحلى: ٧/ ٢٧٦ قال: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان نا ابن عجلان نا نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات ثلاثة أيام بعد النحر فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه.
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره: ٣/ ٢١٧ عن ابن أبي حاتم أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر. قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إليه.
وقال السيوطي في الدر: ١/ ٢٣٤ وأخرج الفريابي وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، قال: ثلاثة أيام، أيام التشريق، وفي لفظ هي: الثلاثة الأيام بعد يوم النحر.стр. 559
وروى مجاهد عن ابن عباس: أن المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر (١) . وروي مثل ذلك عن جماعة من المفسرين (٢) ، فأما قولهم: المعلومات أيام النحر، فهو موافق لظاهر كتاب الله تعالى لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣) فعلم أنها أيام النحر، وهو موافق لقول علي وابن عمر، وأما قولهم في المعدودات: إنها أيام العشر، فغلط من الرواة (٤) ؛ الحواشي
(١) ذكره الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢ فقال: وروى عبد الله بن موسى أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٣: وحكى مكي والمهداوي عن ابن عباس أنه قال: المعدودات هي أيام العشر.(٢) ذكره القرطبي في تفسيره: ٣/ ١ عن إبراهيم.(٣) [سورة الحج: الآية ٢٨](٤) قال الجصاص: فقوله: المعدودات إنها أيام العشر، لا شك في أنه خطأ، ولم يقل به أحد، وهو خلاف كتاب الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث، وقد روي عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق.
[أحكام القرآن: ١/ ٤٣٢].
وقال ابن عطية: وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد.
[المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٣].стр. 560
لأن الله قد وصف المعدودات بأنه يتعجل في يومين منها، فعلم أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إذ كان النفر الأول يقع في اليوم الثاني من هذه الثلاثة، وهذه الأحاديث المروية عن علي وعن ابن عباس مما يخالف ما روي عن علي، موافق لقول ابن عمر، يدل شواهدها على أن المعنى فيها ما قال ابن عمر، والصحيح الذي لا يشكل (١) على ذي لب أن المعدودات والمعلومات يجمعهما أربعة أيام، فالمعلومات منها: يوم النحر ويومان بعده، وهذه للضحايا فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٢) فكان الذبح فيها والإطعام (٣) ، والمعدودات: يوم النفر وهو ثاني العيد * ويومان بعده، فيها يقع التعجيل والتأخير، فالأضاحي في المعلومات والهدايا فيها؛ لأن يوم النفر الثاني ترمى فيه الجمار، فيجوز فيه نحر الهدي، وبالله التوفيق (٤) . الحواشي
(١) في الأصل: الذي يشكل، والصواب ما أثبت.(٢) [سورة الحج: الآية ٣٦](٣) في الأصل: وبالإطعام، والصواب ما أثبت.
* لوحة: ٤٥/أ.(٤) ما ذكره المؤلف هنا هو الراجح إن شاء الله، وقد نقل الجصاص عدم الخلاف بين أهل العلم في الأيام المعدودات قائلاً: ولا خلاف بين أهل العلم أن المعدودات: أيام التشريق. [أحكام القرآن: ١/ ٤٣١].
وأما الأيام المعلومات فهي أيام النحر على اختلاف فيما بين أهل العلم في دخول اليوم الرابع في النحر، قال ابن كثير بعد ذكره لأقوال أهل العلم في تفسير الأيام المعلومات، وهي: الأول: عشر ذي الحجة، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد، الثاني: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وهو رواية عن أحمد، الثالث: يوم النحر ويومان بعده، وهو مذهب مالك، قال ابن كثير: ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] يعني به ذكر الله عند ذبحها، الرابع: أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة. [انظر تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢١٦، ٢١٧].стр. 561
فأما قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١)
فمعنى فلا إثم عليه: أن يرجع مغفوراً له لم يبق عليه من ذنوبه المتقدمة شئ، وهذا قول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وغيرهما من الصحابة (٤) ، وقال مثل ذلك جماعة من ... التابعين (٥) ، وقال بعض التابعين: لا إثم عليه في تعجيله (٦) . الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ٢٠٣](٢) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٥٢ باب من تعجل في يومين بعد يوم النحر.(٣) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، والبيهقي في سننه: ٥/ ١٥٢.(٤) يروى هذا عن: ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، فرواه عن علي ابن جرير: ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، ورواه عن ابن مسعود: ابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٩٨ قوله: فمن تعجل في يومين، وابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره: ٢/ ٣٦١، والطبراني في الكبير: ٩/ ٢١١.(٥) يروى عن: مجاهد، وقتادة، وإبراهيم، انظر تفسير عبدالرزاق: ١/ ٨١، وسنن سعيد: ٣/ ٨٢٧، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٧.(٦) يروى هذا عن: الحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، وإبراهيم، انظر: سنن سعيد: ٣/ ٨٢٦ - ٨٢٨، ومصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٩٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٥.
وهو رواية عن ابن عباس من الصحابة، انظر مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣٩٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٦.стр. 562
وهذا خطأ؛ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه المأثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر؛ لأن المتأخر قد بلغ أيضاً ما حد له، والمعنى فيه ما قاله ابن عمر وابن عباس: إن اتقى الله عبدٌ في حجته فتعجل أو تأخر فلا إثم عليه في شيء من أعماله (١) ، الحواشي
(١) وهذا ما رجحه ابن جرير في تفسيره: ٢/ ٣٠٩، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ١٤٦، والشنقيطي في أضواء البيان: ٥/ ٤٩٢، حيث قال: وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي ﷺ فقوله في آية البقرة هذه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ هو معنى قوله ﷺ : رجع كيوم ولدته أمه، وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هو معنى قوله ﷺ : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ لأن من لم يرفث ولم يفسق هو الذي اتقى.
وهناك من أهل العلم من ذهب إلى أن معنى الآية: فلا إثم عليه في تعجله، ولا إثم عليه في تأخره، قال أبو حيان: والذي يظهر أن المعنى: فلا إثم عليه في التعجل، ولا إثم عليه في التأخير؛ لأن الجزاء مرتب على الشرط، فنفى بقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الحرج عن من خفف المقام إلى اليوم الثالث، فينفر فيه، وسوى بينه في الإباحة وعدم الحرج، وبين من تأخر فعم الأيام الثلاثة بالذكر، وهذا التقسيم يدل على التخيير بين التعجيل والتأخر، والتخيير = قد يقع بيت الفاضل والأفضل، فقيل: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لأجل مقابلة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقيل: فلا إثم عليه في ترك الرخصة. [انظر البحر المحيط: ٢/ ٣٢٢].стр. 563
فقد روى منصور (١) عن أبي حازم (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه (٣) . الحواشي
(١) منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: منصور بن المعتمر بن عتاب بن عبدالله بن ربيعة، أبو عتّاب الكوفي، عن: سلمان أبو حازم الأشجعي، وسعيد بن جبير، وعنه: السفيانين، وشعبة، ثقة ثبت وكان ... لا يدلس، مات سنة: ١٣٢ هـ. [تهذيب الكمال: ٢٨/ ٥٤٦، والنقريب: ٩٧٣](٢) سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية، روى عن: الحسم بن علي، وأبي هريرة، وعنه: منصور بن المعتمر، وأبي الحكم، ثقة، مات سنة ١٠١ هـ. [تهذيب الكمال: ١١/ ٢٥٩، والتقريب: ٣٩٨].(٣) سبق تخريجه ص: ٣١١.стр. 564
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (١)
معناه والله أعلم: شديد عليكم (٢) ؛ لأن النبي ﷺ أيام مقامه بمكة قبل الهجرة كان ينزل عليه الآيات التي فيها لين وحسن معاشرة، فلما أُذن له في الهجرة وصار إلى المدينة أُذن له في قتال المشركين وجهادهم والغلظة عليهم؛ لأنهم ظلموه وأخرجوه عن دياره ... فقال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (٣) الحواشي
(١) [سورة البقرة: الآية ٢١٦](٢) قيل: عن الكُره - بالضم - والكَره - بالفتح - لغتان، فتأويل الآية: ذو كره، وهو خلاف الرضا والمحبة، ومعنى كراهتهم القتال إنما هو كراهية القتال لما فيه من المشقة والتعب، لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله وأمره.
وقيل: إن الكُره - بالضم - هو: المشقة، والكَره - بالفتح -: أن تكلف الشيء فتعمله كارهاً، فيكون معناها بالفتح الإجبار. [معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٨، تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٥، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٦٧، ومقاييس اللغة: ٨٩٠](٣) [سورة الحج: الآيتان ٣٩ - ٤٠]
* لوحة: ٤٥/ب.стр. 565
* يعني: لقولهم ربنا الله، وقال تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (١) ، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢) ، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣) ، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٤) فنسخ الجهاد كل آية لينة، وكان بين رسول الله ﷺ وبين طوائف من العرب حين قدم المدينة هدنة وصلح، فأمره الله أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وذلك قوله عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٥) يقول بعهدهم إلى مدتهم (٦) ، الحواشي
(١) [سورة الأنفال: الآية ٦٥](٢) [سورة البقرة: الآية ٢١٦](٣) [سورة الأنفال: الآية ٦٠](٤) [سورة محمد: الآية ٤](٥) [سورة النساء: الآية ٩٠](٦) قلت: الآية التي أوردها المؤلف هنا لا تدل على ما ذهب إليه من أمر الله أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وإنما الذي يدل على هذا الأمر قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ..следующие страницы →