← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فأما قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) فمعنى فلا إثم عليه: أن يرجع مغفوراً له لم يبق عليه من ذنوبه المتقدمة شئ، وهذا قول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وغيرهما من الصحابة (٤)، وقال مثل ذلك جماعة من ... التابعين (٥)، وقال بعض التابعين: لا إثم عليه في تعجيله (٦).

стр. 562

وهذا خطأ؛ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه المأثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر؛ لأن المتأخر قد بلغ أيضاً ما حد له، والمعنى فيه ما قاله ابن عمر وابن عباس: إن اتقى الله عبدٌ في حجته فتعجل أو تأخر فلا إثم عليه في شيء من أعماله (١)،

стр. 563

فقد روى منصور (١) عن أبي حازم (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه (٣).

стр. 564

قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (١) معناه والله أعلم: شديد عليكم (٢)؛ لأن النبي ﷺ أيام مقامه بمكة قبل الهجرة كان ينزل عليه الآيات التي فيها لين وحسن معاشرة، فلما أُذن له في الهجرة وصار إلى المدينة أُذن له في قتال المشركين وجهادهم والغلظة عليهم؛ لأنهم ظلموه وأخرجوه عن دياره ... فقال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (٣)

стр. 565

* يعني: لقولهم ربنا الله، وقال تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (١)، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٤) فنسخ الجهاد كل آية لينة، وكان بين رسول الله ﷺ وبين طوائف من العرب حين قدم المدينة هدنة وصلح، فأمره الله أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وذلك قوله عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٥) يقول بعهدهم إلى مدتهم (٦)،

стр. 566

وقال: ﴿* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤) يقول بسبب العهد الذي بينكم، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٥) وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) وقال: ... ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧) وقال: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ (٨) يريد أقمتم، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٩)،

стр. 567

والخفيف الذي ليس له عيال، والثقيل الذي * له عيال (١)، وقال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٢) وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٣) وهذا إذ كان الإسلام قليلاً فرض على الجميع، فلما كثر الإسلام فقيل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٤) (٥)

стр. 568

ففرض الجهاد الآن على الكافة، ينوب بعضهم عن بعض، ولا تتعطل مساجدهم وجمعاتهم وصلواتهم، فكان الجهاد واجباً على كل مسلم يطيق الجهاد، ولم يكن يجوز لأحد أن يتخلف إلا بأمر رسول الله ﷺ ، وكذلك كانت الهجرة واجبة فلما فتحت مكة سقطت الهجرة؛ لأن النبي ﷺ قال: لا هجرة بعد الفتح (١). وكان الناس بعد ذلك يغزون ويرجعون إلى مواضعهم فأنزل الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) (٣) فصارت الجماعة مندوبة، وينوب بعضهم عن بعض، فسقط الفرض الذي على الجملة، وصار ندباً للكافة، فإن هجم أمر يحتاج فيه إلى الجملة وجب عليهم ذلك، والله أعلم (٤).

стр. 569

قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (١) كانوا قد نهوا عن القتال في الشهور الحرم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٢) وإنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وكان ينزل عليه الأمر بعد الأمر (٣)، وكان سبب نزول هذه الآية: أن رجلين من بني كلاب (٤) لقيا عمرو بن أمية الضمري (٥)

стр. 570

فقتلهما وهو لا يعلم أنهما كانا عند رسول الله ﷺ *، وذلك في أول يوم من رجب، فقالت قريش: قتلهم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) (٢) ثم قال: ما تفعلونه من صد عن سبيل الله وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم أهله منه أكبر عند الله، مخاطبة لهم بذلك وتوبيخاً، والرجلان هما اللذان مضى رسول الله ﷺ في ديتهما إلى بني النضير (٣) قتلهما عمرو بن أمية الضمري (٤).

стр. 571

قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١) الميسر: القمار، قومر فيه فهو من الميسر، قال مالك ﵁: فقد حرمه الله على عباده (٢) وشرحه في سورة المائدة (٣). قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٤) والعفو ههنا: ما كان من صدقة عن ظهر غنى (٥)؛ لأن النبي ﷺ قال: أفضل الصدقة ما تصدق به عن ظهر غنى (٦)، وقال الله في موضع آخر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٧) فالعرف (٨)

стр. 572

هاهنا من محاسن الأخلاق، أي: استعمل محاسنها وأعرض عن الجاهلين، ويجوز خذ ما عفي لك من محاسن * أخلاق الناس (١)، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٢). قال مالك ﵁: كان جل طعامهم التمر، فيكون لليتيم التمر يجذه (٣) من حائطه (٤)،

стр. 573

ولوليه تمر يجذه من حائطه فيختلط فيؤكل، فيكون اليتيم الذي يأكل منه اليسير؛ لضعف أكله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (١) امتنعوا من مخالطتهم حتى أنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢) (٣) من يريد الإرتفاق (٤) بمال اليتيم، فأباح الله لهم المخالطة بصحة النية والاجتهاد.

стр. 574

وليس في القرآن (ويسألونك) إلا ثلاثة عشر موضعاً (١)؛ لقلة سؤالهم (٢)،

стр. 575

ولنهيه إياهم عن السؤال عما لم يكن (١). والمخالطة ليست الشركة، أخص الأسماء بالشركة الشركة، وإن كان قد يجوز أن يقال للشريك خليط (٢)،

стр. 576

والخلطة التي أراد الله ﵎ هاهنا: جمع الطعام والراعي ... وما أشبه هذا، ومال كل واحد معروف كخلطة الغنم في الراعي والدلو والمراح ومال كل واحد معروف (١)، وكقوله: خليط البسر (٢) والتمر وهما متمران، وكما تقول الناس: اختلط الناس وهم متميزون، والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣) قال بعض من فسر هذه الآية: إنها نزلت في كل الكفار ثم استثنى منها أهل الكتاب (٤)، وقال * بعضهم: نزلت في قريش والعرب وسائر عبدة الأ وثان، وأفرد أهل الكتاب بإحلال نسائهم (٥).

стр. 577

وذلك والله أعلم عندنا: إنما كان إكراماً للكتاب الذي في أيديهم، وإن كانوا قد حرفوا بعضه وبدلوه، وكذلك أحل لنا ما يطعمون من ذبائحهم؛ ولأنهم أقروا بالله وألحقوا به شيئاً لا يلحق، وعبدة الأوثان تخلوا من ذكر الله وعبادته إلا ما يدعوهم إليه اضطرار العقول بغير اعتقاد، وهذا قول مالك. وقال: إن الجزية تؤخذ من كل كافر وثني كان أو غير ذلك؛ لأن الجزية لم يقصد بها ما قصدنا بالنكاح والطعام؛ لأن هذين أُحلا تشريفاً لكتابهم، والجزية صغار وذلة وقد يلزمها كل كافر وإذا كان الصغار يلزمه أهل الكتاب فعبدة الأوثان أولى (١)، وقد قال رسول الله ﷺ : سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٢).

стр. 578

فقال قائلون: لهم كتاب (١). وهذه غفلة، لو كان لهم كتاب لعرف ولقال ﵇ لهم كتاب، فإنه عالم بالكتب، ولم يقل سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٢)، ويحتمل أن يكون الله لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (٣) أن يكون هذا وصفاً (٤) لكل كافر، فكنا لو تركنا وذلك، أخذناها من الكفار الذين هذا وصفهم سوى أهل الكتاب، ولم نقبلها من أهل الكتاب؛ لأنهم يؤمنون بكتاب فيه نعت رسول الله ﷺ والأمر باتباعه فلا تقبل الجزية منهم، ويقتلون بينما يقتل المرتد * الذي قد قامت عليه حجة القرآن ولا يقر، فبين الله ﵎ أخذها من أهل الكتاب تخفيفاً عنهم في الدنيا، فيكون معناها وأهل الكتاب أيضاً. وقال الشافعي في كتاب الرسالة: بعث النبي ﷺ والناس كلهم على دينين وهم اليهود والنصارى أهل كتاب، وعبدة الأوثان (٥).

стр. 579

فإذا كان المجوس من عبدة الأوثان فأمرنا فيهم بشيء فهو في كل عابد وثن والله أعلم. ومما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب أن النبي ﷺ بعث والحرب بين فارس والروم، والروم أهل كتاب وفارس مجوس، فكانت كفار قريش والعرب تحب ظهور كسرى (١)، وكان المؤمنون يحبون ظهور الروم، فنصر الروم حتى بلغوا الأنبار (٢)، وأنزل ... الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) (٥) قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٦) الآية.

стр. 580

قد أخبر الله تعالى بالعلة في تحريم وطء الحائض، والحيض يزيد وينقص قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (١) وأخبر (٢) بنقصانه وزيادته (٣)،

стр. 581

فأقله عند مالك دفعة من دم، وأكثره خمس عشرة ليلة (١)، فليس يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل (٢)، فأما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) فإيجاب الفرض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٤) فندب عند بعض أصحابنا وإيجاب عند بعضهم؛ لأن الأذى الذي هو العلة قد زال (٥)، ولو أن حائضاً طهرت فلم تجد الماء لتيممت * ووطئها زوجها (٦).

стр. 582

وقال مالك في الكتابية: إن زوجها المسلم يجبرها على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة؛ لأنه يحل له وطء الجنب، ولا يحل له وطء الحائض حتى ... تغتسل (١). وعلى أن الاغتسال لا يكون إلا بنية، والكتابية إذا أجبرت على ذلك فإنما تغتسل بغير نية، ولكنه لما كان له أن يطأ المسلمة بظاهر الاغتسال وهو لا يدري حضرت النية أم لا، كان له أن يطأ الكتابية بظاهر الاغتسال، وهذا عندي أصح في المعنى والله أعلم. وزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة (٢)، وقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها (٣). وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس، وذلك أن الحيض إنما هو ظهور الدم، وقد قالت الجماعة: إن الدم من الفرج حيض حتى يعلم أنه ... استحاضة (٤)، والطهر عندنا وعندهم النقاء (٥)، فإذا كان ذلك كذلك فانقطاعه يوجب الطهر وإن كان ساعة من النهار.

стр. 583

فأما غيرنا فزعم أنها (١) إذا طلقت فطعنت في الدم من الحيضة الثالثة فقد ... حلت للأزواج (٢)، وهو مع ذلك يقول أقل الحيض يوم وليلة، ويزعم أن النهي عن وطء الحائض كالنهي عن القران بين التمرتين (٣)،

стр. 584

والتعريس (١) على قارعة الطريق (٢)، فجعل ما نهى الله عنه وذكر العلة فيه وأكد النهي غاية التأكيد كالنهي عن القران، والقران إنما نهي عنه لعلة الشيء، فأما الآن فلا بأس بالقران (٣).

стр. 585

فدل هذا القول منه على معرفته (١) بالفرض والندب، والخاص والعام، وحسن وصفه للرسالة.

стр. 586

وكل من وقت * في الحيض وقتاً فلا برهان له فيه (١)، وإنما هو ظهور الدم وانقطاعه، ألا ترى مالكاً قال في النفساء: ثم رد آخر الأمر إلى الموجود وعلم النساء (٢).

стр. 587

وأما قوله : ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) يعني في الموضع الذي وقع فيه (٢) التحريم والنهي عنه (٣). وأما قوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤) فإنه ينبغي للمتطهر بالماء أن يستغفر الله، ويتوب إليه بنية صحيحة يستحق بها من الله المحبة. وأما قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥) فقال قوم أي: وقت شئتم (٦)، وقال آخرون: أنى شئتم منها، لم يحرم الله منها ... شيئاً (٧)،

стр. 588

وقيل إن ذلك نزل لقول اليهود: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء ولدها أحول، فأنزل الله ذلك. رواه مالك عن ابن المنكدر (١) عن جابر عن النبي ﷺ (٢).

стр. 589

قال مالك ﵁: وسمى الله ﵎ المرأة حرثاً؛ لأن الولد يكون منها (١). واعلموا أنه لا بأس أن يأتي فرجها كيف شاء على ما روى جابر في ذلك، خلافاً لليهود (٢)، والنبات إنما سمي حرثاً؛ لأنه تحرث (٣) الأرض له، وسميت المرأة حرثاً؛ لأن زوجها يغشاها فيكون منه الولد، (٤) والله أعلم.

стр. 590

قال الله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) هو أن يحلف الرجل ألا يبر قرابته، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وما أشبه هذا مما هو قربة إلى الله ، فأمر ألا يحلف على هذه الأشياء، فإن حلف فليحنث (٢) وليكفر * عن يمينه، هذا معنى ما فسره المفسرون جميعاً (٣). قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). قالت عائشة ﵂: هو قول الإنسان لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ولا يعقد يميناً بقلبه (٥).

стр. 591

وقال غيرها: هو الرجل يحلف على الشيء عنده فلا يكون كما كان عنده، فلا حنث عليه (١)؛ لأنه لم يقصد إلى الحلف على كذب، وإنما حلف على ما عنده، فكذلك قال مالك (٢)، من حلف على طائر أنه حمام فكان فاختة (٣) عند قربه منه فلا حنث عليه (٤). والأيمان على ثلاثة أقسام: فقسم هو اللغو، قال جميل العذري (٥): حلفت لها أني لها غير سائم فما ... قبلت في الحلف لغوي ولا جدي (٦) فصار لغواً؛ إذ لا نية فيه.

стр. 592

والثاني: بالقصد وهو في معناه كقصد الحالف للحق الذي كان يعتقده وإن كان بخلاف ما ظن، كقول النبي ﷺ في قصة ذي اليدين (١): كل ذلك لم يكن (٢). يريد عندي، وقد كان أحدهما (٣)، وهو النسيان الذي قال ﵇: إني أنسى لأَسُن (٤).

стр. 593

ويمين على ماضي هو فيه كاذب فاجر (١)، فهو قول الله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٢) فهذا لا كفارة فيه. ويمين على المستقبل (٣)، فإذا حلف الحالف على شئ فكان الحنث فيه أقرب إلى الله أمره رسول الله ﷺ أن يأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وإن كان أقرب إلى * الله الإقامة على اليمين، فهذا فيما لو لم يكن يمين لكان مأموراً به، والله أعلم وسيأتي في سورة المائدة كشف منه هاهنا إن شاء الله (٤).

стр. 594

قال الله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) قال مالك بن أنس ﵁: إذا انقضت الأربعة الأشهر قيل للمولي إذا وقفه الحاكم إما أن تفيء وإما أن تطلق، فإن امتنع منهما طلق الإمام عليه (٢). وقال النعمان (٣) وأصحابه: يقع الطلاق بمضي الأربعة الأشهر، وقالوا: عزيمة الطلاق وقوعه (٤).

стр. 595

وهذا خطأ قال الله عز من قائل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١) والعزيمة هاهنا: إيقاع عقدة النكاح (٢)، وقلنا لهم: لا يخلو وقوع الطلاق أن يكون في الأربعة أو بعد تقضي الأربعة، فإن كان في الأربعة فقد نقصوا الزوج مما جعله الله له، وإن كان بعد الأربعة فقد وقع في الخامس، وقد قالوا: إن الإيلاء لا يكون إلا بيمين، فإن حلف الإنسان ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، قالوا: يقع الطلاق بتقضيها، فإن هذا لا يخلوا من أن يكون في الأربعة أو في الخامس فإن كان في الرابع فقد جعل الله له الأربعة لا مقال عليه فيها، وإن كان في الخامس فقد وقع الطلاق وهو غير مولي ومع ذلك فإن الله قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وإنما يُسمع الكلام *، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٤) ويقال: سمع الله قولك، ورأى فعلك (٥). ومالك ﵁ لا يرى من حلف على أربعة أشهر مولياً؛ لأن تقضيها يخرجه عن الحكم، ومع ذلك فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ (٦) لا يكون إلا لمستقبل بعد تقضي الكلام في المدة، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ مثله، هذا لسان العرب لا يعرف خلافه (٧)،

стр. 596

ولا أعلم خلافاً أن الله إذا جعل أجلاً لم يَزُل حكمه إلا بخروجه، ألا تراه قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) فلا يجوز عقد إلا في الحادي عشر، وأن الديون إذا قيل إلى شهر لم يكن لصاحب الحق مطالبة حتى يمضي الشهر ويدخل الثاني. ويأتي تقصي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات (٢).

стр. 597

قال الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) قال مالك وأهل المدينة: الأقراء الأطهار (٢)، وقال العراقيون: الحيض (٣). وهو شيء قد اختلف الناس فيه قديماً، واللغة تحتمل معنيين جميعاً، وهو انتقال الشيء إلى الشيء، وإن كان أحدهما أكثر وأظهر على لسان العرب، وهو الطهر قال ذلك أبو عبيدة، وأنشد من قال إنه الطهر قول الأعشى: وفي كل عام أنت جاشمُ (٤) غزوة ... تشدُّ لأقصاها عزيم (٥) عزائكا (٦) مؤرَّثةٍ مالاً وفي المجد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا (٧) قال أبو عبيدة: وهو من قولهم قيل أقرأت النجوم إذا غابت (٨). والمغيب في أيام الطهر، ويظهر في أيام الحيض، والطهر أظهر * في المعنى، وقال الله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٩)

стр. 598

يعني لقُبُل عدتهن (١) ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٢) فعلمنا أنه لهذا الوقت، وقال النبي ﷺ لعمر ﵁ في قصة ابنه لما طلق: مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (٣).

стр. 599

فبان بالكتاب والسنة أنه أمر أن يطلق فيما تعتد به وهو الطهر؛ لأنه لو طلق وهي حائض لم يعد ذلك من عدتها. فقال (١): فإذا طلقها في بعض الطهر فاحتسبت به، وقد قال الله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) فالذي حصل بعض هذه القروء (٣). قلنا لهم: المعنى ما قال أهل اللغة أنه خروج من شيء إلى شيء، ومع ذلك فقد قال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤) وهو شهران وأيام، فليس بمنكر ذلك في الأطهار (٥)، ومع ذلك فالغرض سلامة الرحم، والطهر لا يعلم به سلامة الرحم وإنما يعلم بالحيض، فإذا كان يعلم بالحيض فأول الدم من الثالثة يبرئها. والقروء (٦) مأخوذ من المقراة (٧) وهي التي يجتمع فيها الماء، فأيام اجتماع الدم هي أيام الطهر (٨)،

стр. 600

والمبتغى عندنا من الطهر آخره؛ لأنها به تخرج إلى الحيض المبريء للرحم، وأول الحيض هو المبريء؛ لأن آخره لا يبريء لو أذن لهم في الطلاق في الحيض؛ لأن المرأة قد تحمل في آخر الحيض (١)، ولذلك قال أبو كبير الهذلي (٢): ومبرإٍ من كل غُبَّر (٣) حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل (٤)
следующие страницы →