فأمره بابتياع الجيد للمساكين، وبهذا الذي ذكرناه جاء تفسير المفسرين لهذه الآية (١).
قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) تكلم المفسرون في هذه الآية واختلفوا اختلافاً كثيراً، فقال بعضهم: يتحرجون من الصدقة (٣) على أهل الكتاب وعلى سائر الكفرة فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخر الآية، فكانوا يتصدقون عليهم (٤)، فقال بعضهم: من زكاة الأموال (٥)،
стр. 667
وقال بعضهم: من زكاة الفطر * (١)، وقال بعضهم: من الصدقة التطوع دون الفريضة (٢).
стр. 668
قال القاضي ﵀: فتأملت ذلك فوجدت اضطراب الأقاويل واختلافها، ووهى أكثر أسانيدها، ووجدت بعضهم يقول: لا يُتصدق على يهودي ولا على نصراني (١)، ومنهم من كره الصدقة عليهم (٢)، فكان التوسط في ذلك أولى، وهو قول مالك ﵁: أنه يُتصدق عليهم من التطوع، ولا يعطون من الواجبات من الزكاة وصدقة الفطر وما أشبه ذلك، فأما زكاة الأموال فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣) إلى آخر الآية، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤) والصدقة لا تطهر الكافرين، فلا تؤخذ منهم، كذلك لا يعطون منها؛ لقول رسول الله ﷺ لمعاذ: خذها من أغنيائهم وارددها على فقرائهم (٥). وأما صدقة الفطر فإن النبي ﷺ قال - رواه نافع عن ابن عمر - أن النبي ﷺ : أمر بصدقة الفطر، وقال على الصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين. رواه أبو معشر (٦)،
стр. 669
وقال فيه: فكانوا يخرجونها قبل الخروج إلى الصلاة. وقال النبي ﷺ : أغنوهم عن طواف هذا اليوم (١).
стр. 670
فدل قوله ﵇: أغنوهم عن طواف هذا اليوم. أنهم فقراء المسلمين لتشاغلهم بعيدهم، وإنما قيل: إن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين ولا تؤخذ من الكافرين، وقد قال ﵇ لمعاذ ﵁ *: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم خمس صلوات، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم زكاة. وقال: ارددها على فقرائهم (١). لم تدفع إلا إلى فقراء المسلمين، ولم تدفع إلى الكافرين. فأما الصدقة المتطوع بها فهي التي أريدت بالآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢)، ولا بأس أيضاً بالعتق أن يوضع في الكافرين من أهل الكتاب، ولا يجوز ذلك من الواجبات، وقد قال رسول الله ﷺ : من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار، كان كل عظم فيه بعظم منه (٣).
стр. 671
ولم يقل ذلك في الكافرة، وكنا نعلم أن عتق المؤمنة أفضل من عتق الكافرة، وإن كان في ذلك كله ثواب كما أن السليمة أعظم ثواباً من المعيبة، فالصدقة الواجبة لا توضع إلا فيما يكون أعظم ثواباً وأفضل، وكذلك الصدقة على المؤمنين أفضل من الصدقة على الكافرين، وبالله التوفيق.
قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) معنى هذه الآية والله أعلم: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ اذْهَبْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) * وإلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥) فعلم أن ذلك فيمن أسلم وله ربا (٦)،
стр. 672
لم يعتضد بقوله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١)، فأما ما قد كان وقبض فهو مما سلف، وهو مما لم يبق من الربا (٢)،
стр. 673
وقد قال النبي ﷺ يوم النحر: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه. الحديث بطوله، وقال فيه: وكل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (١).
وأما قوله ﴿: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ اذْهَبْ﴾ (٢) فإن ذلك حين يبعث من قبره فإنه يقوم كالذي (٣) يتخبطه الشيطان من الجنون (٤). ولعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه (٥). وهذان لُعنا لأنهما أعانا على محاربة الله وعصيانه (٦)، والله أعلم.
قال الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٧)
стр. 674
وقال قوم من المفسرين منهم شريح: إن هذه الآية في الربا (١)، وقال آخرون: إنها في كل ذي عسرة (٢). فأما شريح ومن قال بقوله: قالوا ذلك؛ لأنه يعقب ذكر الربا، فظنوا أنه فيه. قال سيبويه (٣): الربا قد أسقطه الله وأنظره، فكيف يكون فيه نظرة؟ وإنما النطرة في رأس المال (٤)، والله ﵎ يقول *: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٥).
والقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٦) إنما تقع هي بالرفع (٧)،
стр. 675
فلما كانت كذلك عُلم أنه لم يعن بها صاحب الربا؛ لأنه لو كان عُني بها صاحب الربا لقيل: (وإن ... كان ذا عسرة) أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (١) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان (٢)، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (٣) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة (٤)، وقال الشاعر:
стр. 676
فدا لبني شيبان أمي وخالتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب (١)
أي إذا وقع يوم بهذه الصفة.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) يريد من رؤوس أموالكم (٣). ولو قال الذي قال: إن العسرة معطوفة على رأس مال المرء كان جائزاً، ولا فرق بين رأس المال (٤) وبين غيره، والدين إذا قُدر على أدائه من الأمانات كالوديعة وما أشبه ذلك، الواجب الخروج منه؛ لأن مطل (٥) الغني ظلم (٦)، وإذا ثبت الإعسار فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، ولا خطاب إلى الميسرة (٧).
стр. 677
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١).
قال * ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أذن الله فيه، فهو مسمى في كتابه، وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) الآية (٣)، وقالت عائشة ﵂: لما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأ هن، ثم حرم التجارة في الخمر (٤). وهذا والله أعلم قبل نزول تحريمها، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد الناس يسلفون في التمر السنتين والثلاثة، فقال: من سلف في تمر فليسلفه في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٥).
стр. 678
وقال عبد الله بن أبي أوفى (١): كنا نسلم على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر إلى قوم ما هو عندهم (٢).
стр. 679
وقال ابن عباس (١)، وابن عمر (٢)، وعبد الله بن معقل (٣)(٤)، وجماعة من التابعين (٥): إنه لا بأس بالسلم.
قال إسماعيل بن إسحاق: المداينة إلى أجل مسمى كل عاجل يباع بآجل، أو آجل يباع بعاجل، مثل: أن يبيع الرجل ثوباً أو عبداً أو داراً أو ما أشبه ذلك من العروض (٦)
стр. 680
بدنانير إلى أجل، أو بدراهم إلى أجل، أو بطعام موصوف مسمى مبلغه إلى أجل، أو بعض ذلك من العروض إذا كان مخالفاً للعرض المبيع، أو قبل أن تشتري بدراهم عاجله أو بدنانير عاجله، أو بطعام عاجل عرضاً موصوفاً إلى أجل، إذا كان مخالفاً للعرض الأول، فهذا الذي ذكر الله في الآية، وتسميه الناس السلم (١)،
وقال ابن عباس ﵁ فيه: أن الله أباحه بالآية (٢).
قال الله *: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (٣).
стр. 681
قال مالك بن أنس ﵁: لا ينبغي أن يكتب الكتب بين الناس في مدايناتهم، ... ومبايعاتهم، وشروطهم إلا عارفاً بها، عدلاً في نفسه، مأموناً على ما يكتبه لقوله : ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (١)، وروى عبد الملك (٢) عن مالك (٣)، وقال المفسرون: ليس بواجب على الناس إذا دُعي الكاتب ليكتب فليس بواجب أن يفعل؛ إذ الكُتاب كثير، فإن كتب فلا يكتب إلا بالعدل، وكذا إذا دُعي الشهود للشهادة فليس يلزمهم، فإن شهدوا فلا يأب الشهداء إذا ما دعوا، فإذا أوقع شهادته لزمه إقامتها إذا دعي لإقامتها، فهذا موضع الفرض عليه.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ (٤). وهذا على قسمين إن كان لا يوجد غيره، وإذا كان يوجد غيره، ومعناه: أن يكتب فلا يأب أن يكتب بالعدل (٥)،
стр. 682
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ (١) وهو المسيء الفعال في ماله: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ (٢) وهو: المختل العقل الذي يولى عليه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٣) معناه: فليقر وليه بما عليه، وليشهد بما أشهد الولي به في مال المولى عليه إذا كان مأموناً فهو لازم له، فظاهر قول الله : ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (٤) يدل على أن القول قول من عليه الشيء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٥) وعظه لما جعل القول قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٦) فالسفيه هاهنا المستحق للحجر عليه في ماله، والضعيف في عقله، والمجنون، والمعتوه، والذي لا يستطيع أن يمل الصغير، وهذا القول هو الذي يعمل به دون الذي قدمنا ذكره؛ لأن هؤلاء جميعاً يُولى عليهم، فلما قيل: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٧)
стр. 683
عُلم أنه يُولى عليه للعلة * التي وصفنا، وقد ذكر السفيه في غير موضع آخر من القرآن، ودلت مواضعه على أن بعض ذلك أريد به السفه في الدين خاصة، وبعضه أريد به المال، قال الله : ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (١)، وقال : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٢) فعلم أن السفه هاهنا في الدين، وقال : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣) فعلم أن القصد في هذا الموضع المال، والسفيه يُولى عليه، ومعنى: ... ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (٤) وهي أموال السفهاء يريد: في أيديكم لتولونها لهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٥)، وإنما قيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦) كما قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٧) أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وقال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٨) أي: فليقتل بعضكم بعضاً، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٩).
стр. 684
والسفه - والله أعلم، وإن كان في موضع أريد به الدين، وموضع أريد به المال - يرجع إلى معنى واحد وهو الجهل في الشيء الذي قصد له، فالسفيه في الدين هو الجاهل فيه، والسفيه في المال هو الجاهل فيه، والسفيه في عقله هو الجاهل فيه، يقول الشاعر:
نخاف أن تسفه أحلامنا ... ونخمل الدهر مع الخامل (١)
وقد روي في تفسير: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢) عن التابعين، فقال بعضهم: النساء والصبيان. وقال بعضهم: اليتامى. وسنذكر ذلك في سورة النساء إن شاء الله ، فإنه غلط عظيم.
قال الله *: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣)
قال مالك ﵁: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار (٤)،
стр. 685
وقال ذلك مجاهد (١)، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فالظاهر أنه أريد به الأحرار الذكور (٣)، وكذا قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤) فـ (منكم) معطوف على الرجال الأحرار، فهن الحرائر؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٥) فسموا بالعبيد والإماء , ولم يدخلوا في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (٦)، وكذلك يسمون في سائر القرآن. قال الله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (٧)،
стр. 686
وقال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) فلذلك تجيء أسماؤهم في المعاملة بين الناس , والشاهد إنما هو قوّام بعدل , قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢) فذكر الشهادة مع القيام بالعدل فجرت الشهادة مجرى الحكم , وعلم أن هذه المخاطبة أريد بها الأحرار؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) فعلم أنه القسط بين الناس وأنها الحقوق بينهم، وقال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤) فكان إقرار الحر على نفسه بالمال جائزاً، ولم يكن إقرار العبد على نفسه بالمال جائزاً (٥). وقال جل وعز: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (٦) فدل ذكر الغنى والفقر في الوالدين والأقربين على أنه أريد به الأحرار , وأنها في الأحرار؛ لأنهم الذين * ينفق بعضهم على بعض , ويوارث بعضهم بعضاً , فأمروا ألا يميلوا إليهم بغير الحق. فلما لم يجز أن يكون العبد حاكماً لم يجز أن يكون شاهداً , ولم يجز أن تكون المرأة حاكماً وإن كانت تجوز شهادتها مع شهادة أخرى؛ لأن أحداهما قد ضمت الأخرى للشهادة. ولا يجوز أن تضم الواحدة إلى الأخرى فتكونا بمنزلة حاكم فيكون أحدهما نصف حاكم.
стр. 687
وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) فالعبد لا يجوز له أن يشهد إلا بإذن سيده , فخرج ممن خوطب بالشهادة وإقامتها , والشهادة مفترضة على الناس في الجملة ,وليست على كل إنسان؛ لأن الناس يكفي بعضهم بعضاً كالجهاد , ولا يجوز أن تكون هذه الجملة مفترضة على من لا يقدر أن يفعلها إلا بأمر غيره , فخرج العبد عن أن يكون داخلاً في المخاطبة بالشهادة والحكم (٢) والجهاد , ولو كان مخاطباً بالغزو لكان له سهم. وقد قال ابن عباس ﵁: أن النساء والعبيد كانوا يحضرون الجهاد مع رسول الله ﷺ فلم يكن يضرب لهم بسهم، وكان يرضخ (٣) لهم (٤).
стр. 688
أنا إسماعيل (١) قال: نا علي بن المديني (٢) قال: نا عبدالله بن وهب (٣) قال: نايونس بن يزيد الأيلي (٤) عن الزهري (٥) عن سعيد بن المسيب (٦) قال: قضى عثمان بن عفان ﵁ في الصغير يشهد بعد كبره , والنصراني بعد إسلامه , والعبد بعد عتقه , أنها جائزة إن ... لم تكن ردت عليهم قبل ذلك (٧). وهذا قول إمام بإسناد جيد، والروايات * في هذا تكثر.
قال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٨).
стр. 689
قرأها بعضهم: (فَتُذْكِرَ إحداهما) بالتخفيف. وقرأها آخرون بالتثقيل , وهما لغتان مستعملتان والمعنى فيهما واحد، تقول: ذكرّت فلاناً وأذكرت فلاناً , ومعناهما إن نسيت إحداهما أذكرتها الأخرى (١).
стр. 690
وإذا دعي الشاهد لإقامة الشهادة وقد كان شهد فكل أهل العلم ألزموا الشاهد إقامتها إذا دعي لها وقد كانت شهادته تقدمت , هذا غير مختلف فيه أنه قد لزمه (١) الإقامة , وقبل أن يشهد فليس عليه أن يشهد؛ لأنه شيء على الجملة، وليس بهم ضرورة إلى إنسان بعينه والله أعلم (٢).
قال الله : ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣).
стр. 691
قول مالك في هذا: أن الإنسان مخير في أن يكتب على غريمه، ومخير في أن يأتمنه فيدع ماله في ذمته بغير شهادة، وأن ما أمروا به من الكتاب والشهادة على (١) سبيل الاحتياط لهم إن اختاروا ذلك، وقد اختلف المفسرون في تفسير ذلك فقال بعضهم: الإشهاد واجب (٢)، وقال بعضهم: ليس بواجب (٣)، وقال بعضهم: إن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٤) ناسخ (٥) لما مضى من أمر الشهادة (٦)،
стр. 692
والله أعلم بما أراد من ذلك. وليس يحرم على الإنسان بإجماع الجماعة * أن يهب الرجل ماله وأن يودعه (١)، فلما كانا جائز ين كان للإنسان أن يأمن على ماله من شاء في الأمانة والذمة، لا يحرم ذلك عليه؛ لأن الذي حرم الله عليهم في البيوع الربا (٢)، وأبواب الغرر (٣) إذ كان ذلك كله في الأثمان نفسها إلى بعضها، عوض من بعض، فأما الثمن إذا ملكه إنسان فسواء ائتمن عليه مبايعة، أو إنسان غيره، وكذلك أمروا بالرهن احتياطاً كما أمروا بالشهادة احتياطاً ووثيقة بالمال، وذكر الرهن إذا لم تمكن الشهادة ليعلم أن الرهن يكون وثيقة إلى منتهى مبلغه كما تكون الشهادة وثيقة لمبلغ الشيء لمن أراد تركهما ثقة بمعاملته وسكوناً إليه، كان له ذلك، كما له أن يودع ماله من شاء، فإن أراد الاستيثاق لماله فقد جعل الله الشهادة والرهن وثيقة، فإذا أخذ الرهن وأشهد على أنه رهن فقد توثق لماله، وإذا أشهد شاهدين فقد توثق لماله.
وقد قال العراقيون - مخالفة لباطن الآية ومخالفة للسنة - بترك إجازة الشاهد واليمين (٤)،
стр. 693
ولما جعل الله الشاهدين - مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه ويبقيه - لم يجز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم الله ذلك، وكانت اليمين للمدعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد (١) المدعى عليه، كان المدّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد؛ إذ كانت يده بياناً منه، وشهادة الشاهد بياناً للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين * له، فيكون ما أمر الله به وثيقة صحيحة منا، إذا بطل (٢) بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله الله وثيقة متى تلف تلفاً ظاهراً كان المال ثابتاً على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي ﷺ من الشاهد واليمين (٣) مستخرجاً من باطن الآية.
стр. 694
وزعم غيرنا أنه يقضى بالشاهد مع اليمين، وهو مع ذلك يدعي من علم القرآن ما لم نر أحداً ادعاه، ثم يقول مع ذلك: إنه لا يحكم بالمرأتين واليمين (١)، فكأنه جعل ما أمر الله به وثيقة لا وثيقة، وقد قال ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٢) ولم يختلف الفقهاء أن ذلك ليس على عدم الرجلين فتُشهد المرأتين عند عدم أحد الرجلين (٣)، وإنما هو إن لم يحضر رجلان وحضر رجل وامرأتان فأشهدهم (٤)، فإن كانت المرأتان تقومان مقام رجل فاليمين معهما واجبة كوجوبها مع الرجل، وإن كانتا تنقصان عن الرجل فقد صار الرجل مع المرأتين شهادته شهادة رجل وبعض رجل آخر، وهذا ما لا وجه له، ولا يقوله أحد من أهل العلم، ولا يسوغ في عقل (٥).
وقد اختلف أيضاً في الرهن (٦)
стр. 695
إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين. فقال أكثر المفسرين: القول قول المرتهن (١)، وقال بعضهم: القول قول الراهن (٢)، وقال بعضهم: القول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وهذا الأخير هو قول مالك ﵁ وأهل المدينة (٣)، وهو أشبه بظاهر القرآن؛ لأن الله يقول *: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٤)
стр. 696
فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن؛ لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقة لحقه، كالشهادة وثيقة لحقه، فكل من كان القول قوله موعوظاً، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ يُدَبِّرُ﴾ (١) ولم يقل ذلك عن الشهادة والرهن (وليتق الله ربه)؛ لأنه قد توثق منه فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن، فإن ادعى مرتهن فوق قيمة الرهن لم يحكم له إلا بقيمة الرهن، وكان فيما ادعاه من الفضل بمنزلة من ادعى على رجل حقاً لا وثيقة بيده منه، فكانت اليمين فيه على الراهن (٢)، وإنما نقول هذا في الرهن إذا ثبت أنه رهن، أو تقاررا على الرهن، فأما إذا قال صاحبه: إنه وديعة، وادعى الذي هو في يده: الرهن، فالقول قول مالك السلعة، واليمين له، فيستحق بها (٣).
стр. 697
وأما قوله : ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (١) يقول ألا تشكوا في الشهادة، يعني إذا كان الشهود ممن يرضاه الحاكم الذي يستحق أن يكون حاكماً، ألا تراه قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) وهذه مخاطبة للحكام (٣).
وأما قوله : ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (٤) فهذا مما لا ينبغي أن يكتبوه؛ لأنه شيء يتعاطونه في اليوم مراراً.
стр. 698
وأما قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١) فمعناه - والله أعلم، وإن كان التفسير فيه اختلاف (٢) فإن أحسنه -: ولا يضار كاتب فيكتب ما ليس بحق، أو يفسد ما يكتبه ليبطل به الحق، ولا يضار * الشهيد بالامتناع من إقامة الشهادة في الوقت الذي يرجو به وصول الحق إلى مستحقه (٣)، ولا يكتب الكاتب غير الذي أملي عليه، ولا يُحول الشاهد شهادته من كتاب إلى كتاب ليصير الحق حقين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (٤) والفسوق الكذب والعدول عن الواجب (٥)، فيفسق الكاتب فيفسد كتابه، ويفسق الشاهد فيحول شهادته، وقال
стр. 699
أبو الأسود الديلي (١):
وتركك بر الوالدين تجنياً ... لحقهما عند الإله فسوق (٢)
وأما قوله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣).
فقد اختلف الناس فقال قوم: لا يكون رهناً حتى يكون مقبوضاً (٤)، وقال آخرون: يكون رهناً، ولا يصح إلا بالقبض (٥). وقال آخرون: إذا كان الرهن على يد عدل فليس بمقبوض (٦)،
стр. 700
وقال آخرون: وهو مقبوض، قول مالك؛ لأن القبض إنما يكون على مالك الرهن، فإذا كان مقبوضاً على مالكه فسواء كان على يدي المرتهن أو على يد عدل (١).
قال الله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) إلى قوله : ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣) قال النبي ﷺ : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (٤). وقال ﵇: تجاوز الله لأمتي عن ثلاث عن: الخطأ والنسيان والكره (٥). ولما نزلت هذه الآية وقد كانت نزلت على من قبلنا من الأمم فأبوها فألزموها، وهو قوله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦)
стр. 701
*فلما نزلت على نبينا ﷺ جزع أصحابه منها كجزع من تقدمهم، فاستكانوا لها مِنّة من الله عليهم، فقال النبي ﷺ : قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله ﵎: ... ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، ثم أنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٢) يريد ما عملت دون ما حدثت به أنفسها، ثم أمرهم فقال قولوا: ... ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)(٤). فالإصر هو: ما أتته الأمم وهو الخطأ والنسيان، وما أراده الإنسان بقلبه ولم يفعله، فألزموه (٥)، فقال الله لما دعا نبينا ﷺ : قد فعلت (٦). ورفع الإصر عنا، وذلك من نعم الله التي لا يؤدى شكرها، والحمد لله كما هو أهله.
стр. 702
وأما قوله : ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فإنه النصر بالحرب، والنصر بالحجة، وقد فعل الله تعالى ذلك وله الحمد.
آخر سورة البقرة والحمد لله رب العالمين.
стр. 703
سورة آل عمران
قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله : ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) *
أخبرنا (٢) أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى (٣) وأربعين وثلاثمائة. قالت عائشة ﵂ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٤) فقال نبي الله ﷺ : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم. وقال أيوب السختياني: ولا أعلم أحداً من أصحاب الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه (٥). روى ذلك عن عائشة ﵂ عبدالله بن أبي مليكة (٦)(٧)،
стр. 704
ومن طرق كثيرة (١).
وروى حماد بن زيد (٢) عن أبي غالب (٣) قال: كنت بالشام فبعث المهلب (٤) سبعين رأساً من الخوارج، فنصبوا على درج (٥)
стр. 705
دمشق، ومر أبو أمامة (١)، فنزلتُ فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه، وقال: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء - ثلاث مرات - طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي وقال: يا أبا غالب إنك بأرض هم بها كثير فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم، قال: بكيت رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (٢) حتى بلغ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ، فزيغَ بهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٤) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥) قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، قلت: من قِبلك تقول أم * شيء سمعته من النبي ﷺ ؟ قال: إني إذا لجرئ، بل سمعته لا مرة ولا مرتين، حتى عد سبعاً، ثم قال: إن بني إسرائيل تفرفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (٦).