← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

*فلما نزلت على نبينا ﷺ جزع أصحابه منها كجزع من تقدمهم، فاستكانوا لها مِنّة من الله عليهم، فقال النبي ﷺ : قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله ﵎: ... ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، ثم أنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٢) يريد ما عملت دون ما حدثت به أنفسها، ثم أمرهم فقال قولوا: ... ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) (٤). فالإصر هو: ما أتته الأمم وهو الخطأ والنسيان، وما أراده الإنسان بقلبه ولم يفعله، فألزموه (٥)، فقال الله لما دعا نبينا ﷺ : قد فعلت (٦). ورفع الإصر عنا، وذلك من نعم الله التي لا يؤدى شكرها، والحمد لله كما هو أهله.

стр. 702

وأما قوله : ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فإنه النصر بالحرب، والنصر بالحجة، وقد فعل الله تعالى ذلك وله الحمد. آخر سورة البقرة والحمد لله رب العالمين.

стр. 703

سورة آل عمران قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله : ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) * أخبرنا (٢) أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى (٣) وأربعين وثلاثمائة. قالت عائشة ﵂ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٤) فقال نبي الله ﷺ : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم. وقال أيوب السختياني: ولا أعلم أحداً من أصحاب الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه (٥). روى ذلك عن عائشة ﵂ عبدالله بن أبي مليكة (٦) (٧)،

стр. 704

ومن طرق كثيرة (١). وروى حماد بن زيد (٢) عن أبي غالب (٣) قال: كنت بالشام فبعث المهلب (٤) سبعين رأساً من الخوارج، فنصبوا على درج (٥)

стр. 705

دمشق، ومر أبو أمامة (١)، فنزلتُ فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه، وقال: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء - ثلاث مرات - طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي وقال: يا أبا غالب إنك بأرض هم بها كثير فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم، قال: بكيت رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (٢) حتى بلغ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ، فزيغَ بهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٤) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥) قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، قلت: من قِبلك تقول أم * شيء سمعته من النبي ﷺ ؟ قال: إني إذا لجرئ، بل سمعته لا مرة ولا مرتين، حتى عد سبعاً، ثم قال: إن بني إسرائيل تفرفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (٦).

стр. 706

وأما قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١)، فهو ابتداء الكلام: ... ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (٢)، وآخر الكلام الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) وقال طاوس: ذُكر الخوارج عند ابن عباس ﵁ فقال: يؤمنون بمحكمة ويهلكون عند متشابهه، وقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به) (٤). وكذلك فسرها من انتهى إلينا تفسيره (٥).

стр. 707

وأما قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) فقال يحيى بن يعمر (٢): هن الفرائض والحدود، والأوامر والنواهي، وهن عماد الدين كما أن عماد الباب أم الباب، وكما أن الرجل إذا كان مطاعاً يقال له: أم القوم، وكما أن مكة هي أم القرى، ومنها استخرجت القرى (٣). وقد روي عن ابن عباس ﵁ في المحكمات اللواتي هن أم الكتاب فقال: المحكمات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) ونحوها (٥). قال الله : ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٦) قال عمر بن الخطاب ﵁: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني في ثلاث، قلت: يارسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى قال فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٧) (٨).

стр. 708

وقال المفسرون: ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وعطاء (٤)، وعروة (٥): الحرم كله مسجد، ومقام إبراهيم كل مقام له من المقام الذي يصلي فيه، والمقام الذي يصلي إليه، ومن مقاماته في الحج، فأمروا أن يتخذوا من * كل مقام له مصلى، وقد يكون المصلى من الصلاة (٦).

стр. 709

وقوله : ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) يدل على مقام إبراهيم في كل شيء منه، من أمر الحج أو غيره مما وصفنا (٢)،

стр. 710

وكذلك هي في المصحف: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (١) وبها قرأ أهل المدينة وأهل العراق (٢). وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأها: (آية بينة) (٣)، ويجوز أن يكون أراد المقام نفسه، أو أراد تفسيراً (٤)، إلا أن العمل على ما في المصحف.

стр. 711

قال الله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) المعنى والله أعلم في تفسير هذه الآية: أن ذلك كان في الجاهلية، ثم نزل في القرآن ما نزل من إقامة الحدود وغير ذلك؛ لأنهم كانوا في الجاهلية مَنْ قتلَ أو سرق أو أتى الحدود ثم دخل مكة لم يعرض له حتى يخرج منها (٢)، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٣) فكانت العرب يغير بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون (٤).

стр. 712

وقد أنزل الله الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فليس يجوز أن يترك الآن حكم الله في حرم ولا غير حرم؛ لأن الذي حرّم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب، وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب. وإنما معنى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) أي: آمناً من العادة التي كانت بين القبائل (٢). قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) فقيل: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلتها لوجبت، الحج مرة واحدة فمن زاد فهو متطوع (٤).

стр. 713

وقال في بعض الروايات: ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم (١). فنهى عن* السؤال وقال: إنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم (٢). ولم يختلف أهل العلم باللسان أن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣): أن الحج القصد (٤). وقال النبي ﷺ : الحج مرة واحدة فإن زدت فهو تطوع (٥). وقال غيرنا (٦): على الناس قصدين، قصد للحج وقصد للعمرة (٧). وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن الحج والعمرة فقال: أن تأتي بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (٨). فكان هذا خطاباً لمن أراد التطوع بهما؛ لأن النبي ﷺ لم يوجب عليه القصد إلا مرة واحدة، فعلم أن العمرة أن يطوع بها كما يتطوع بالحج بعد الحجة الواجبة، كان على من دخل فيها إتمامها. وسئل النبي ﷺ : عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، ولأن تعتمر خير لك. روى ذلك جابر (٩)،

стр. 714

وروى في الحج مثله، فقال: مرة واحدة، وأن النبي ﷺ قال له: وإن زدت فهو خير لك (١). فبان بذلك أن قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) إنما هو المتطوع بهما والله تعالى أعلم بما أراد من ذلك (٣). قال الله ﵎: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤). روي عن النبي ﷺ أنه قال: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج، فلا عليه إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥) إلى آخر الآية. نا أبو مسلم (٦) قال: نا مسلم بن إبراهيم (٧) قال: نا هلال بن عبدالله (٨)

стр. 715

- مولى ربيعة بن عمروبن مسلم الباهلي - قال: نا أبو إسحاق الهمداني (١) عن الحارث (٢) عن * علي (٣). ورواه ابن عمر عن النبي ﷺ قال: الحاج الشعث (٤)

стр. 716

التفل (١)، وأفضل الحج: العج والثج (٢)، والسبيل الزاد والراحلة (٣).

стр. 717

وقال بعضهم السبيل: الصحة والقدرة إلى التوصل إلى إقامة الحج (١). فالسبيل عندنا: الزاد والراحلة لمن يمكنه أن يبلغ بالزاد والراحلة، ولا يُقدر على البلوغ إلا بذلك، وذلك مشروط مع الصحة، ولو أن رجلاً يمكنه المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة ويقدر على الزاد لوجب عليه الحج؛ لأنه يستطيع إليه سبيلاً (٢)؛ لأن قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) مفهوم غير مشكل، وكل من قال أو روى ذكر الزاد والراحلة فإنما أراد عندي التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان الحج، ألا ترى الله ﵎ قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٤) (٥)

стр. 718

ومعنى رجالاً ورجالاً واحد، هم: الرجالة (١). قال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) قال بعض المفسرين: من كفر بالله (٣)، وقال بعضهم: من كفر بالحج ولم يره واجباً (٤).

стр. 719

وقيل عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل رجل لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين (١). وروي عنه أيضاً أنه قال: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة (٢). وقال * ابن عباس ﵁: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا بعده (٣). وقال جماعة من المفسرين - منهم الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما - فيمن ترك الحج، هل يقال له كافر؟ قالوا: نعم (٤).

стр. 720

وقال عمر بن الخطاب ﵁: من مات ولم يحج وهو موسر فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً (١). وقال إبراهيم النخعي: قال الأسود (٢) في رجل موسر لم يحج: إنك إن مت على هذه الحال لم أصل عليك (٣). وقال علي بن أبي طالب (٤) وأبو أمامة (٥) ﵄ عن النبي ﷺ : من مات ولم يحج وهو قادر فليمت يهودياً أو نصرانياً. رواه الحسن بن علي (٦)،

стр. 721

وعلي بن سابط (١) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ (٢). قال الله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) (٤) القول في ذلك: أنه لا ينبغي أن يوالى الكافر، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة قرابة يرعاها، أو مخالقة في الدنيا لا يجد بداً منها، يبطن في نفسه ضد ما يظهر منها (٥).

стр. 722

وقد قرئ: تقاة، وتقية، ومعناهما واحد (١). قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢)

стр. 723

وحق تقاة الله : أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى (١)، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه الله بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي ﷺ وأمثاله، ولما علم الله جل وعز ذلك خفف * عن عباده رحمة لهم فقال ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٢) لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك؛ لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته، ثم يأتيهم برحمته، فنسخها وهون على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق (٤).

стр. 724

سورة النساء قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١). معنى خفتم: تيقنتم (٢).

стр. 725

قال الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ في قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (١) قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها، بغير (٢) أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٣)، قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)

стр. 726

*، قالت عائشة ﵂: وقول الله في الأخرى (١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢): رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا فيه من أجل مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، يعني: في الحال الأخرى (٣). قال القاضي: وفي هذه الآيات روايات يقرب بعضها من بعض، ويقرب مما ذكر عن عائشة ﵂ (٤).

стр. 727

والذي يراه مالك في ذلك: أن على ولي اليتيمة النظر لها، فإن كان غيره أصلح لها زوجها من غيره، وإن كان هو أصلح من غيره أحسن النظر لها في الصداق، وتجنب مالها إلى أن ترضى لنفسها، ويوثق بحسن تدبيرها لمالها، وليس له أن يؤثر نفسه بها والحظ لها في غيره (١). وقد روي عن عمر ﵁ نحواً من ذلك (٢)، وهذا أصح ما روي في تفسير هاتين الآيتين، ومن فعل غير ذلك كان خارجاً عن الولاية. وأما قوله : ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) يريد: قد أحللت لك أربعاً من اللواتي يلين أنفسهن فشأنك، ولا تعرض لليتيمة وأنت لا تنصفها في الصداق وغيره، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٤).

стр. 728

قال ابن عباس (١)، والشعبي (٢)، وعكرمة (٣)، ومجاهد (٤)، والحسن (٥)، وأبو مالك (٦)،

стр. 729

وإبراهيم (١)، والضحاك (٢)، وأبو رزين (٣) (٤): ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٥) ألا تميلوا، ألا تجوروا (٦). وقال زيد: ألا يكثر من تعولون (٧).

стр. 730

واحتج الذين قالوا: ألا تميلوا، بقول أبي طالب (١): * بميزان قسطٍ لا يُخِسُّ شعيرةً ... وَوَزانِ صدقٍ وزنه غير عائل (٢)

стр. 731

وقال الشافعي ﵁: ألا تعولوا ألا يكثر من تعولون. وقد غلط الشافعي في التفسير واللغة، وما يدل عليه الكلام، ثم جعل ذلك أصلاً من كتاب الله جل وعز فيما يجب من نفقة المرأة على زوجها (١). والعول مشهور في اللغة (٢)، وقد ذكرنا ما ذكرنا فيه من التفسير. وقال أبو عبيدة: عول الفرائض إنما أخذ من هذا، وإنما قيل: عالت الفريضة أي مالت عن وجهها لما حدث فيها (٣). فذهب عن الشافعي علم اللغة (٤)،

стр. 732

وعلم الكلام؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) أي: أدنى ألا يكون منكم عول، والرجل إذا كانت له امرأة واحدة أو ملك يمين فهو يعولها، فكيف يكون ذلك أدنى ألا تعولوا وهو في هذه الحال الموصوفة؟ يقول هذا (٢)، خطأ من الكلام قبيح. وإنما المعنى في قوله : ﴿ذَلِكَ يَاوَيْلَتَا أَنْ﴾ (٣): ألا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى؛ لأن الواحدة إذا كانت لم يلزمه عدل بينها وبين الأخرى في قسم الأيام بينهن والنفقة، فتؤثر بحسن المودة والمحبة، وإذا كانت واحدة وملك يمين لم يلزمه عدل في نفقة ولا قسمة مبيت، فأي شئ في هذا مما يدل على النفقة وكثرة العيال؟ بل ملك اليمين أدل على كثرة العيال؛ لأن الله إنما أباح من النساء أربعاً، وأباح من ملك اليمين ما شاء من العدد (٤)،

стр. 733

وقال الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (١) * فذكر الميل مع العدل، كما ذكر في الموضع الأول العول مع العدل (٢). وقال النبي ﷺ : اللهم إن هذا قسمي فيما أملك - يعني بين نسائه في المبيت وما إليه فعله - فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك (٣). يعني في المحبة وما يجعله الله في القلب، يريد أنه كان يحب عائشة ﵂ حباً شديداً دونهن، فهذا كله كلام بعضه من بعض، ولو لم يُدّعى للشافعي علم اللغة لما كان الغلط يبقى عليه، ويسطر في الكتب، فقد أخطأ غيره، فعدلت زلة من عالم، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٤). قال قوم منهم شريح: إن طابت نفسها بشيء منه إلى الممات فهو الهنيء المريء (٥). وقال غيره: إذا طابت نفسها بشيء منه فليس لها العودة فيه وإن طلقها. وهذا مما عليه

стр. 734

فقهاء الأمصار (١)، لقول النبي ﷺ : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه (٢) (٣). قال الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٤).

стр. 735

جاء في التفسير عن بعضهم: أنهم النساء والصبيان (١). وهذا ما لا وجه له؛ لأن السفه حال ذم، فكيف يخص النساء والصبيان بذلك، والصبيان غير مؤاخذين بالذنوب؟ وكيف يجوز أن يعم بهذا اللفظ النساء دون الرجال؟ وكيف يجوز أن يقال: إنه لا ينبغي أن يهب الناس للنساء والصبيان الهبات؟ وبشير بن سعد الأنصاري (٢) قد نحل (٣) ابنه النعمان، وهو صغير، فلم ينكر * ذلك عليه الرسول ﷺ ، إلا من أجل أنه لم يسوِّ بين ولده بالعدل (٤).

стр. 736

وعثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل ابناً له صغيراً (١) نحلاً فأعلن ذلك، وأشهد عليه، فهو جائز (٢). فالهبة للصبي جائزة، لا تحتاج إلى الحيز لها (٣)،

стр. 737

وكيف يجوز أن يخص النساء بالسفه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (١)؟ ، وقد فرض الله تعالى فرائض المواريث، وجعل للذكر نصيبه صغيراً كان أو كبيراً، سفيهاً كان أو رشيداً، وجعل للأنثى مثل ذلك وإن نقص سهمها عن سهمه، فإذا وقع الميراث وجب الملك لصاحبه، فإن كان رشيداً تولى ماله، وإن كان صغيراً أو سفيهاً ذكراً كان أو أنثى حفظ عليه ماله، وكذلك الهبة تصح، وإن كان الموهوب له رشيداً تولى القبض لنفسه، وإن كان صغيراً أو سفيهاً حفظ عليه ماله ذكراً كان أو أنثى. وإنما المعنى في قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢) أي: لا تدفعوا إليهم أموالهم، وإنما أضيف ذلك إلى الدافعين فقيل: ... ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣) يعني: ولاية، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤)، وكقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٦) (٧)،

стр. 738

فعلم أن السفهاء يرزقون من أموالهم، ويكسون منها، والسفيه هو البالغ الذي يستحق الحجر (١).

стр. 739

قال الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). قال ابن عباس (٢)، وشريح (٣)، والقاسم (٤)، والشعبي (٥)، ومجاهد (٦)، وعكرمة (٧)

стр. 740

*، وزيد بن أسلم (١)، ومالك بن أنس (٢)، والضحاك (٣)، وربيعة (٤)، وابن شهاب (٥)، ومن انتهى إلينا تفسيره لهذه الآية (٦): إن الابتلاء بعد البلوغ، وأنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس رشده، ويعرف منه الإصلاح في ماله، ولقد قال بعضهم: ولو بلغ مائة سنة (٧)، وقال بعضهم: وشمط (٨) ولم يؤنس رشده لم يدفع ماله (٩). وقال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ (١٠). وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى ولجملة المسلمين؛ لأن الله [قال] (١١): ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ (١٢) فدل على أنه من لم يؤنس منه رشد كان على الحجر، والله أعلم (١٣).
следующие страницы →