← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وفيما روي من قصة بريرة (١)، وأن النبي ﷺ خيرها بعد ما اُشتريت وعتقت (٢) بيانٌ أن بيعها ما كان طلاقاً، ولو كان البيع طلاقاً لكانت الفرقة قد وقعت قبل العتق، واستغنى عن التخيير، والله أعلم (٣).

стр. 807

قال الله : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١). معنى كتاب الله عليكم عند أهل اللغة، أي: كتب الله ذلك عليكم، وأوجبه (٢)، يعني كتب عليكم تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل بعد (٣) النساء إلى أربع من الحرائر، وما شئت من الإماء سواهن، دخل في معنى ما صرح التحريم به، فإنه يحرم من الإماء الأم، وما دخل * في معناها من الجدات، وكذلك إلى آخر الآية، وبالرضاع ما يحرم من النسب، ويحرم أيضاً من ملك اليمين الجمع بين الأختين، فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة: بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين (٤)،

стр. 808

مع قوله: إن الأخت بملك اليمين تحرم، وابنة الأخ من تعتق عنده ومن لا تعتق (١). ولا فرق بين هذه الأشياء وبين الجمع بين الأختين، وتعلق أيضاً بشيء روي عن علي (٢) وعثمان (٣)

стр. 809

- رضوان الله عليهما- أنهما قالا: حرمتهما آية، وأحللتهما آية. فذكرا أنهما لم يحرما الجمع بين الأختين بملك اليمين، ولم يفهم عنهما، ونحلهما (١) ما هما بريئان منه؛ لأن جوابهما بالتحريم صراحاً؛ لأن قولهما: أحلتهما، أنهما عنيا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) وهذه في الحرائر، أو عنيا قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) وفيما وقع عليه هذا الاسم مما يحل ملكه، ولا يحل وطؤه كثير، فهذه آية مجملة، ولا اختلاف بين أهل العلم أن المفسر يقضي على المجمل (٤)،

стр. 810

وقولهما: وحرمتهما آية. إنما هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) وهذه مفسرة، وأهل العلم جميعاً قد استقر رأيهم، ووقع اتفاقهم على أن الأختين بملك اليمين في الوطء غير حلال (٢)، وإنما يخالف هؤلاء المتأخر ون، ويطلبون الشاذ من الأخبار ليُعرفوا. قال الله جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣). قال مالك بن أنس ﵁: إن ذلك في الصداق الذي يعقد به النكاح (٤).

стр. 811

وقال قوم: إنه المتعة حين كانت حلالاً قبل أن ينزل تحريمها، ويحرمها * رسول الله ﷺ (١). والطرق في تحريمها كثيرة فمنها: ما رواه مالك عن الزهري عن عبد الله (٢) والحسن (٣) ابني محمد بن علي عن أبيهما (٤) عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء (٥)

стр. 812

يوم خيبر (١) (٢). كذا رواه الناس عن مالك، خلا يحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك فإنه قال فيه: يوم حنين (٣) (٤). رواه عبد الوهاب الثقفي (٥)

стр. 813

عن يحيى (١). والذي نزل عن الله في التحريم للمتعة قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ دُونَ أَنْزَلْنَا﴾ (٢). قال القاضي ﵀: فلا نعلم أن الله ﵎ أحل فرجاً إلا بتزويج يقع فيه الطلاق، وتكون فيه الموارثات، أو بملك يمين، فهذه الآية نسخت كل ما سوى الزوجة، وملك اليمين، فلا حلال إلا ما كان من هذين الوجهين، وبالله التوفيق.

стр. 814

قال الله جل وعز: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) هن الإماء إذ أُحل للحر أن يتزوجهن بكمال الشرطين فيه: ألا يجد الطول، ويخشى العنت، فهو الذي قال الله : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) وهو الصداق، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٤) فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، والله أعلم (٥).

стр. 815

قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) * قال علي بن أبي طالب ﵁: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد طولاً إلى حرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر (٢). وقال جابر بن عبد الله (٣)، وابن عباس (٤)، وسعيد بن جبير (٥)،

стр. 816

والحسن (١)، ومجاهد (٢) ،

стр. 817

وعطاء (١)، وجابر بن زيد (٢)، والشعبي (٣)، والحكم (٤)، وحماد (٥)، ... ومكحول (٦) (٧)، وابن شهاب (٨)،

стр. 818

وابن قسيط (١) (٢)، وقتادة (٣)، ومالك بن ... أنس (٤)، وزيد بن أسلم (٥)، كلهم بما أوجبته الآية: أنه لا يجز لحر يجد الطول، ولا يخشى العنت، ومنهم من قال: يجد الطول، ولم يذكر العنت، وقرأ مع ذلك الآية أنه لا يجوز، إلا مع خوف العنت، أن ينكح أمة. ومنهم من قال عقيب قوله: لا يجوز، مع ذكر الشرطين اللذين شرطهما الله ﵎: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦).

стр. 819

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يتزوج الحر المسلم الأمة، وهو يجد الطول إلى الحرة، ولا يخشى على نفسه العنت (١). وهذا قول يجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل؛ لأنه شيء حظره الله في كتابه، إلا على الجهة التي أباحها (٢). فإن قيل: قد يمكن أن يكون في ذلك على الاختيار لهم، لا على جهة التحريم. قيل: قد جاء الاختيار بعد التحريم لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لم يحتاجوا إلى اختيار ثاني، ولا أعلم أحداً ممن تكلم في تفسير القرآن قال ما قالوه، وقوله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٤) دليل على أنه إن لم يخش العنت فليس ذلك له، فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، علم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار.

стр. 820

قال القاضي: وبلغني أن محتجاً من أصحاب أبي حنيفة * احتج في جواز نكاح الأمة الكافرة (١)، ونكاح الأمة، وإن كان يجد الطول، ولا يخاف العنت، بقول الله تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢)، وأنا نجيز نكاح من كانت هذه صفته، وإن كان قد شرط (٣)،

стр. 821

قال: فلذلك نجيز نكاح الكافرة مع وجود الطول. فقيل له: ليس يجوز أن يتكلم الله ﵎ بما لا فائدة فيه؛ لأنه ، وما قبل الآية وبعدها ففيه بيان ما قلنا؛ لأنه قال جل ثناؤه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، ثم قال جل وعز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٢) فكان هذا الشرط مخاطبة في الرجال ولهم، ثم أجمعنا جميعاً: أن غير المحصن والمسافح، يحل له النكاح، وجرى هذا عند العلماء مجرى وعظ، فكذلك هو في الإماء محصنات غير مسافحات وعظاً لهن، لأن أفعالهن في ذلك أكثر، لا يعلمه إلا الله ، وأجمعت العلماء على أنه: ليس لأحد أن يكشف عن ذلك إلا أن يعلنه فاعله من الرجال والنساء، وجرى ذلك مجرى الاختيار للعباد إذا عرفوا ذلك أن ينتهوا عنه، ولم يجز أن يجري مجرى الشروط؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣)،

стр. 822

وهذا حرف شرط، ثم لم يرض بهذا الشرط ﵎ حتى ثنَّى بشرط ثاني، وهو ... خوف العنت وارتكاب المحارم، ثم أتى بعده بالاختيار والتنزه، فقال * عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) فهذا موضع الاختيار، كذلك: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ (٢) معناه والله أعلم: أمراً لمن عقد على أمة، إذ كن متبذلات (٣) في الطرق، والحظر عليهن، والضبط لهن، حفظاً للنسب الذي لا يؤمن كونه وحدوثه، فلما اتفقنا على أنه في الرجال والنساء وعظ، جرى في الإماء مجرى الوعظ لهن، والحفظ منا لهن، وهي أفعال لا تدوم، وقد يترك عند القدرة على الحلال، والعقود تدوم بين المتناكحين، وفي هذا بيان لمن نصح نفسه، وبالله التوفيق. والمعنى الذي لأجله نهينا عن الإماء أن نجعل أولادنا عبيداً، والكافر لا يجوز أن يملك أولاد المسلمين، فإن قيل: فقد توطأ الكافرة بملك اليمين. فذلك لأن الولد حر، فهذا مما يأتي منهم، ولو أجزنا نكاح الأمة الكافرة لكان الولد عنده إلى أن يظهر فيباع عليه، وهذا نظراً من الله ﵎ لعباده، فخرج هذا لذلك، وبقي الشرطان على حالهما. قال ابن زيد (٤)، ومجاهد (٥): خوف العنت الزنا، وقال طاوس مثل ذلك (٦).

стр. 823

وقال مسروق: إن الرجل إذا تزوج أمة، ثم تزوج حرة، حرمت عليه الأمة، أجراها مجرى الميتة، بل قال: هي كالميتة يضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغنه (١). وكيف يسوغ لذي فهم إباحة ما حظر الله؟ يقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) فكان قوله: ﴿طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٣) دليلاً على الاستئناف، وأنه مطلق لكل من أراد أن يتزوج وكانت له امرأة، أو لم تكن * له امرأة، ولو كان ذلك لمن لا زوجة له لكان من له زوجة غير مأمور ولا منهي بالآية، ولو كان منهياً بأنه قد كان استطاع الطول وتزوج، لكان منهياً إذا بانت زوجته منه؛ لأنه قد استطاع الطول وتزوج، واستطاعة الطول: التزويج إنما يكون لوقوع النكاح، فأما إذا وقع فمحال أن يقال بعد وقوعه: هو مستطيع الطول لأن يتزوج؛ إذ كان التزويج قد مضى، فإن قيل: لم لا يكون معنى من يريد أن يتزوج أمة، وهو يجد الطول إلى حرة، بمعنى من عنده حرة وهو يريد أن يتزوج أمة.

стр. 824

قيل له: فظاهر القرآن الذي وجب علينا اتباعه على ما وصفنا، ومن بعد فإن بين هذين المعنيين فرق؛ لأن الحر إنما أرخص له أن يتزوج الأمة إذا لم يجد الطول لحرة، وخاف العنت، ولو لم يجد الطول لحرة، ولم يخف العنت لما حلت له الأمة، وكذلك إذا كان عنده حرة وأمة، وهو لا يجد الطول لأن يتزوج حرة، ويخاف العنت حلت له الأمة، واستوت حاله في مخافة العنت إذا كانت عنده حرة أو لم تكن، وليس حاله في حرة قد تزوجها كحاله في حرة يريد أن يتزوجها؛ لأن الذي عنده حرة قد تزوجها قد تبين له بعد الامتحان أنه يخاف العنت، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول لا يدري لعله إذا تزوج حرة ألا يخاف العنت، وألا يحتاج إلى غيرها، فما لم يقع الأمر فهو شاك لا يدري، أيخاف أم لا، فإذا وقع فهو متيقن أنه قد خاف، وهذا الموضع الذي أبيح له، والله أعلم *. فإن قيل: فلم لم ينفسخ نكاحه إذا تزوج أمة، ثم وجد الطول لحرة؟ إذ كان إنما جاز له حين لم يجد الطول، فإذا وجد الطول انبغى أن يفسخ نكاحه، كما ينفسخ نكاحه إذا ارتد. قيل: لو انفسخ نكاحه بأنه وجد الطول لا ينفسخ نكاحه إذا لم يخش العنت، فليس ينفسخ من هذا النكاح؛ إذ قد مضى على صحة، ولا يشبه هذا المرتد، ولا التحريم الذي يقع بالرضاع؛ لأن المسلم تحرم عليه الكافرة من غير أهل الكتاب بقوله عز من قائل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١) وليس يجوز أن يتزوج أمة، وأخته من الرضاع، ولا أن يبتدئ نكاح كافرة، ويجوز له أن يستأنف نكاح الأمة في وقت، ولا يجوز له في وقت، والأم، والأخت، وزوجة الأب، والمرتدة، لا يجوز ابتداؤه، وإذا حدث بطل النكاح؛ إذ لا يجوز أن يُبتدأ.

стр. 825

فإن قيل: المسلم يجوز له تزويج المسلمة (١). قلنا له: الأمة إنما حرمت لأن متزوجها يرق ولده، فإذا أوقعت الإباحة بوجود الشرطين، فقد زال حكم التحريم، وصارت في نفسها حلالاً، كما أن الفقير يجوز له أخذ الزكاة، فإذا ملكها ثم أيسر بعد ذلك لم تحرم عليه. ومن شبّه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله ﵎ جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالاً، وأجمع المسلمون على تحليله، وقد سماه الله طيباً فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)

стр. 826

يعني ما حلل لكم، والميتة حرام قبل الاضطرار، وحرام بعد الاضطرار عينها، لا تنتقل عن التحريم، وإنما وقعت الإباحة لاجتماع أمرين كلاهما حرام، إلا أن أحدهما أعظم من الآخر، فأحدهما يُسلي نفسه * بالصبر عنها، والآخر أكلها وإن كانت محرمة ليُحيي بها نفسه، فكان إحياء النفس أولى، فأباحها الله ، وأسقط المآثم فيها، وغفر الذنب، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) ومع ذلك فإن أحداً لا يُملكُ الميتة وقت أكلها، ولا بعد ذلك، ولا قبله. والأمة قد مُلك بضعها المتزوج بها ملكاً صحيحاً، وزال حكم الحظر. والحجة في هذه المسألة من وجوه كثيرة. قال الله : ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢) فلم يجز التفريق بين زوجين قد صارا بهذه الصفة، وليس العلة في الأمة من قِبَلِ نفسها، وعلة المرتدة من قِبَلِ نفسها، فلم يقو أمر الولد الذي كُرهت الأمة من أجله الذي هو غيرها، على أن يفسخ به ما مضى من نكاحها الصحيح، والله أعلم. قال الله : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣).

стр. 827

حكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق (١). وهذا (٢) مخالف لكتاب الله ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) وقال في سائر النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) فوجب أن تكون الأجور لهن، حرائر كن أو إماء، وليس يجوز لأحد أن يخالف كتاب الله (٥).

стр. 828

فإنه لا ينقاس (١) عنده أن العبد لا يملك، وينقاس عنده أن يكون الصداق فرضاً من فروض الله، لا يجوز للنساء أن يُملكن * إلا به، ثم يكون الصداق الذي وجب بالغشيان لعين المرأة التي تغشى، ونحن نعلم أن الغشيان إذا وقع فلابد من وجوب الصداق فيه، وما لم يقع فقد يمكن أن لا يجب صداق، مثل: أن يتزوج الرجل على غير تسمية، ثم يطلق قبل الدخول، فإذا وقع الدخول فلا بد من وجوب الصداق، فكيف يجوز للسيد أن يزيل ما أوجبه الله بالغشيان؟ ولو كان يجوز للسيد أن يزوج عبده من أمته بغير صداق كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه، وله أن يبطله، فيلزمهم أن يقولوا: إنه يجوز له أن يزوج أمته من عبد غيره، أو من حر على ألا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج. وهذا ما لا يجوز لأحد؛ إذ خص به النبي ﷺ في الحرائر (٢)، فهذا نكاح لا يجوز لأحد. فإن قالوا: الصداق هناك يصير من نفسه إلى نفسه. قلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لكنها تملك الصداق، ويكون له انتزاعه بعد أن ملكته، ألا تراه جل وعز قال للحر إذا تزوج الأمة: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) فلو كانت لا تملكه لقيل: وآتوهم أجورهن، ولم يكن يأمرنا بدفع ما يملكه السيد إلى غير مالكه، وكان الأمر يخرج باللفظ الذي لا يشكل أولاً.

стр. 829

قال القاضي: وقد كان ابن سريج (١) عارضني في هذه الآية بأن قال: قال الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢) فقد يكون فيهن من لا يجوز قبضه فيدفع إلى غيره، كذا قيل هاهنا في الأمة، والدفع إلى غيرها. فقلت له: الآيتان عليك، وذلك أن قوله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣) قد علمنا جميعاً أنهن المالكات القابضات *، فإذا كان فيهن الصغيرة التي لا تقبض بنفسها قبض لها أبوها، أو من يقوم مقامه بأمره، والملك لها، وجنس الإماء عندك لا يملك، فلو كان كما تقول، لكان الميم أولى من النون، وليس لك في الآيتين حجة، وكذلك نقول في الإماء: إنهن المالكات القابضات بنص الكتاب، وقد يكون أيضاً منهن الصغيرة التي لا يجوز قبضها فيقبض لها سيدها، والملك لها ما لم يشهد على انتزاعه منها. وقد زعم أهل العراق: أنه لو وهب رجل لعبده هبة وقبضها العبد، لكانت الهبة جائزة، وكان القبض جائزاً، وهم في الأصل يقولون: إن الهبة لا تكون جائزة بأمة حتى يقبضها الموهوب له، أو وكيله (٤)، ثم حاروا في هذا الموضع: قبض العبد للهبة وهو لا يملكها عندهم، ولا وكّله سيده في قبضها.

стр. 830

قال الله : ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). الإحصان عندنا من وجوه أربعة: فالحرية إحصان، والإسلام إحصان، والعفاف إحصان، والزوجة إحصان، إذا دخل بزوجته إحصان. وهو مأخوذ من الحصن والتحصن (٢)، والإحصان الذي أراد الله ﵎ هاهنا بقوله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٣) يعني أسلمن؛ لأن العبودية أوجبها الكفر، فملكناهم كفاراً بالقدرة عليهم، فقيل: فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب بالحرية والإسلام، وليس المراد هاهنا بالمحصنات المتزوجات؛ إذ كان ما عليهن وهو الرجم * لا يتنصف، فعلم أنه أريد المحصنات بالحرية والإسلام، لما كان الإحصان هاهنا غير الزوجية كان قوله: ... ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٤) غير الزوجية، وهن يحصن بالإسلام.

стр. 831

فقد روى زيد بن خالد (١) وأبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها، ولو بضفير (٢). والضفير الحبل (٣). وكان أصحاب رسول الله ﷺ يضربون إماءهم إذا ... زنين (٤).

стр. 832

قال زيد بن أسلم عن أبيه (١) قال: كنت أجلد عند عمر بن الخطاب ولائد (٢) زنين ولم يحصن، حد المملوكة خمسين سوطاً (٣). أراد زيد لم يتزوجن. وقد قال قوم، وقرأوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٤) يريد تزوجن (٥).

стр. 833

وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي ﷺ : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم. وقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) فاستُغني بذلك (٢). وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله : ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥) وفي هذا كفاية، ثم قال: ... ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦).

стр. 834

وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة * الحديث دون الآية (١) والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك (٢) (٣).

стр. 835

وقد بلغني أن بعض المتأخرين لا يرى حد العبد في الزنا، ويراه على الأمة، فينبغي له أن يقول: إن قاذف المحصن لا حد عليه، إذ كان الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (١) فإن قال: إنه حدَ قاذف الحر بالإجماع، فالإجماع في حد العبد الزاني قد تقدمه قبل أن يولد، إلا شئ يروى لا تثبت بروايته حجة، وإنما هو عن بعض التابعين، وإنما تتبع الشاذَ من القول الشاذُ من الناس (٢). قال الله ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).

стр. 836

كان ابن عباس ﵁ يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه إن كرهته فرد معه درهماً، يقول هذا مما قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ بِالْبَاطِلِ (١) (٢) ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) يريد عن موافقة منكم لما أحله الله لكم، وكلما حرمه الله من القمار، والبيوع الفاسدة فهو من أكل المال بالباطل؛ لأن المقامر يقول لصاحبه: إن كان كذا فلي كذا، وإن كان كذا فلك كذا. والبيع الفاسد من الغرر؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذي فيه الغرر، وهو لا يعلم به، فإن سَلِمَ كان المشتري، وإن لم يسلم فمن البائع (٤). وأما الربا فإن فساده من أخذ الأجرة للتأخير الذي لم يجعل الله له ثمناً، أو القرض الذي يجر منفعة، وما أشبه ذلك، وكل هذا قول مالك ﵁ *. قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥).

стр. 837

معنى هذه الآية والله أعلم ما قال النبي ﷺ : لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض (١). وقوله ﷺ : إذا التقى المسلمان بسيفيهما (٢).

стр. 838

وقد قال سهل بن حنيف (١) في يوم صفين (٢) قولاً عظيماً (٣).

стр. 839

فأما إذا كانت إحداهما باغية فقد أمر الله بقتالهم (١). وقال مسروق في ذلك قولاً في يوم صفين (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (٤)،

стр. 840

وقال النبي ﷺ في حجة الوداع: فإن دماءكم عليكم (١). يريد بعضكم على بعض. (٢)

стр. 841

قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١). اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعاً (٢)، ومنهم من عدها سبعين (٣)، ومنهم من قال دون ذلك (٤)،

стр. 842

إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار، والسَّرِق (١)، والسعي في الأرض فساداً، والمحاربة. والفساد في الأرض فسادان (٢)،

стр. 843

أحدهما: إخافة السبيل، وهو الفساد في الأموال، والآخر: الفساد في الدين، وهو البدع والأهواء. قال مالك ﵁: ولا فساد في الأرض أضر من فساد الدين؛ لأنه شعبة * من الشرك (١). ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلاً فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات، ومن أعظمها سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور، وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٣) و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال في مخاطبة داود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٥)، ومن الكبائر اليمين الفاجرة، ومنها القنوط من رحمة الله، وقيل: الفرار من الزحف، هذا والله أعلم إذا لم يكن متحيزاً إلى فئة، وكان بفراره جان (٦) على الغزاة المجاهدين معه، كذلك عندي المجاهرون (٧)،

стр. 844

وكلما توعد الله عليه بالنار، أو توعد رسول الله ﷺ بالنار من أمر الخوارج وغيرهم فمن الكبائر، واللواط من الكبائر، وعلى فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن (١)، والإصرار على الصغائر من الكبائر. والندم توبة، والصغائر مغفورة تكفرها الطهارة، والصلاة، وسائر أعمال البر، قال النبي ﷺ : الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣)

стр. 845

* والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل الله، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء، قال أبو بكر الصديق ﵁: إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب بالصغير فلا تغتروا (٢). وقال عمر الفاروق ﵁: لا صغيرة مع إصرار. يريد أنها تصير بالإصرار كبيرة، قال: ولا كبيرة مع استغفار (٣). عصمنا الله وإياكم عن جميع معاصيه، ووفقنا وإياكم للعمل بما يرضيه. قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤).
следующие страницы →