← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١). اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعاً (٢)، ومنهم من عدها سبعين (٣)، ومنهم من قال دون ذلك (٤)،

стр. 842

إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار، والسَّرِق (١)، والسعي في الأرض فساداً، والمحاربة. والفساد في الأرض فسادان (٢)،

стр. 843

أحدهما: إخافة السبيل، وهو الفساد في الأموال، والآخر: الفساد في الدين، وهو البدع والأهواء. قال مالك ﵁: ولا فساد في الأرض أضر من فساد الدين؛ لأنه شعبة * من الشرك (١). ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلاً فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات، ومن أعظمها سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور، وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٣) و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال في مخاطبة داود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٥)، ومن الكبائر اليمين الفاجرة، ومنها القنوط من رحمة الله، وقيل: الفرار من الزحف، هذا والله أعلم إذا لم يكن متحيزاً إلى فئة، وكان بفراره جان (٦) على الغزاة المجاهدين معه، كذلك عندي المجاهرون (٧)،

стр. 844

وكلما توعد الله عليه بالنار، أو توعد رسول الله ﷺ بالنار من أمر الخوارج وغيرهم فمن الكبائر، واللواط من الكبائر، وعلى فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن (١)، والإصرار على الصغائر من الكبائر. والندم توبة، والصغائر مغفورة تكفرها الطهارة، والصلاة، وسائر أعمال البر، قال النبي ﷺ : الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣)

стр. 845

* والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل الله، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء، قال أبو بكر الصديق ﵁: إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب بالصغير فلا تغتروا (٢). وقال عمر الفاروق ﵁: لا صغيرة مع إصرار. يريد أنها تصير بالإصرار كبيرة، قال: ولا كبيرة مع استغفار (٣). عصمنا الله وإياكم عن جميع معاصيه، ووفقنا وإياكم للعمل بما يرضيه. قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤).

стр. 846

قيل في ذلك: إن النساء قلن ليتنا رجالاً، فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك. فنزلت الآية إلى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (١) (٢)، وعليهن فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) وقيل: لا تتمنوا ما رُزقه غيركم بعينه، فيقول الرجل: ليت دار فلان لي، أو ماله لي، ولكن يسأل الله العبد من فضله، وإنه خير له (٤). وقيل: إن النساء قلن فُضل الرجال علينا، فجعل لنا في المواريث نصف ما جعل لهم. فنهوا عن الكلام في ذلك، وأمرن بما هو خير لهن (٥)،

стр. 847

والله أعلم بما أراد من ذلك. قال الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١). الموالي هم العصبات: الولد، والأب، والعمومة، والأخوة، وبنو الأخوة، وبنو العم، وموالي النعمة *، وهم الورثة (٢)، وكانوا يتوارثون بذلك وبالحلف، وكانوا إذا حالف الرجل رجلاً قال له: ترثني وأرثك (٣)، وقد كان أبو بكر ﵁ وَرَّثَ حليفاً له في صدر الإسلام بالحلف (٤)، ثم صارت المواريث بعد ذلك بالهجرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٥) وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٦) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) فاستقر الأمر على ذلك، ونسخ المواريث بالحلف

стр. 848

وبالهجرة وبالله التوفيق (١).

стр. 849

قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (١). المعنى في هذه الآية على ما تصرف من أقاويل المفسرين، وما يذهب إليه مالك: أن للرجل الحجر على المرأة في نفسها ومالها، وأنه ليس لها أن تفتات (٢) عليه بشيء تفعله في نفسها دون إذنه، إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له عليها في أداء الفرائض من: الصلوات الخمس، وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، وما عدا ذلك من الطاعات المتطوع بها (٣). فإن قيل في الحج: إنها تحتاج إلى محرم؛ لنهى رسول الله ﷺ أن تسافر إلا مع محرم (٤). قيل: نهيت المرأة أن تصوم إلا بإذن زوجها (٥)،

стр. 850

وأجمع العلماء أن لها أن تصوم الفروض، مثل رمضان، وصيام الحج، وقتل الخطأ، فخرجت الفروض من * النهي، كذلك الحج، وصار النهي في غير فرض، فما كان منها لا يضر به، ولا يمنعه (١) من واجباته، فلها فعله من غير إذنه، وما كان يقطعها عن واجباته عليها فليس لها فعله إلا بإذنه، فمن ذلك: الصوم المتطوع به، لا يجوز لها أن تصوم إلا بإذنه، وما لزمها من صوم غير رمضان حتى يجري مجرى الفرض فلا يجزئ عنه غيره، فليس له منعها منه. فقيل: هذا إلينا (٢)، ما يجوز لها من ذلك وأشباهه فما مالها فعله (٣)، فهو قوّام عليه، وله منعها من إتلافه، إلا ما كان من وجوه الثواب، فإن مالكاً: أباحها الثلث (٤)،

стр. 851

والحجة في ذلك نذكره إن شاء الله. وللرجل عندنا ومن فسر القرآن ممن انتهى إلينا تفسير (١) في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع (٢) من غير قصد، فلا قود فيه، إذا علم أنه لم يتعد ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجع تأديباً، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخل بيته إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحداً من ماله شيئاً، إلا ما كان على سبيل الصدقة، إذا علمت أنه لا يكره ... ذلك (٣). فأما قوله: ﴿يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ (٤) فليس ذلك الزنا، وإنما هو أن تفحش عليه بألفاظها، وقد يحتمل أن يكون النشوز. فأما قول من قال من المفسرين: لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، يعني الزنا. فهذا قد أغناك الله ﵎ عنه بتحريم الزنا على الرجال * والنساء، وإيجاب الحدود فيه (٥).

стр. 852

فإن قال قائل: بماذا حجرتم عليها في مالها لزوجها؟ قلنا: لقول الله : ... ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١)، فلما كان قواماً عليها في نفسها كان المال ... تبعاً، ولما رواه داود بن أبي هند (٢)، وحبيب بن الشهيد (٣) عن عمرو بن ... شعيب (٤) عن أبيه (٥)

стр. 853

عن جده عبد الله بن عمرو (١) أن النبي ﷺ قال: لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها. وهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطلقاً، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد الله جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب، فأخرجاه عن الصحيفة، بأن شعيباً رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل (٢)، وقال علي: كلما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح (٣). وعلى أن (٤) محمد بن عبد الله بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد الله، كذا كان علي يقول (٥).

стр. 854

قال القاضي (١) نا به محمد بن صالح (٢) قال: أنا يوسف بن موسى (٣) قال: نا حجاج (٤) عن حماد بن سلمة (٥) عن داود وحبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ . وله أسانيد كثيرة (٦)،

стр. 855

وداود من أهل الضبط والدين، بحيث لا خفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد، وإن كان دونه، ومع ذلك فإن النبي ﷺ قال: تنكح النساء لأربع: لمالهن، وجمالهن، وحسبهن، ودينهن، فعليك بذات الدين تربت يداك (١). ثم لا اختلاف * بين فقهاء الأمصار أن امرأتين أختين، إحداهما أجمل من الأخرى لو تزوجتا نكاح التفويض، ثم وقعت المنازعة في الصدقات، لكان الحكام جميعاً يحكمون للحسنى بزيادة في الصداق على صداق أختها، وكذلك لو كانت إحداهما موسرة والأخرى فقيرة، لكان صداق الغنية عند الجماعة فوق صداق الفقيرة وأضعاف ذلك، فلما كان يزداد عليه في صداقها لجمالها، وكان له أن يحجر على الجمال أن يتمتع به غيره، وكان له بهذه الحجة أن يحجر على المال الذي من أجله زيد في الصداق عليه؛ لأن المال، والجمال، والدين، والحسب في المرأة جمال لولدها، ولزوجها. وقد قالت امرأة سعد بن الربيع للنبي ﷺ : قتل سعد يوم أحد، وقد استفاء مالهما عمهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال (٢). فهذا أيضاً حجة في ذلك. قال أبو الأسود الديلي لبنيه: يا بني إني قد بررتكم صغاراً وكباراً، وقبل أن تولدوا، قالوا: يا أبانا صغاراً وكباراً قد عرفناه، فقبل أن نولد بماذا؟ قال: تخيرت لكم الأمهات لكي لا تعيروا بهن (٣).

стр. 856

فأما قول مالك في الثلث، وأنه مباح لها، فإنه رأى المريض محجوراً عليه من أجل ورثته، وقد أجازت السنة الثلث فقاسه عليه (١). فهذا حكم هذه الآية وما في مضمرها، والله أعلم. قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢). قوله ﵎: ﴿خِفْتُمْ﴾ (٣) يريد: تيقنتم (٤)، وهذا حكم من الله إذا وقع * الشقاق (٥)

стр. 857

لكي لا يترك الناس يتظالمون ويتضارون، وقد أنزل الله في الرجل يحلف على امرأته ألا يقربها ما أنزل (١)، ويمين الرجل لا يقرب المرأة خمسة أشهر أقل ضرراً مما يقع بين الرجل وامرأته من الشقاق، وقد حكم المسلمون في العنين بما حكموا (٢)، فكذلك إذا وقع بين الرجل وامرأته الشقاق عمل الحاكم في ذلك بما أمر الله (٣). فأما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شئ من أحكامها (٤).

стр. 858

وأما الشافعي فتكلم (١) فيها بكلام، السكوت أحسن منه، فقال: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٢) فالله أعلم بمعنى ما أراد من خوف الشقاق، الذي إذا بلغاه، أمره أن يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، والذي يشبه ظاهر الآية، فما عمّ الزوجين معاً حتى يشتبه فيه حالهما، وذلك أن الله أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وبين رسول الله ﷺ ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع، ودلت السنة أن ذلك برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئاً إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أَمرَ فيمن خفنا الشقاق بينه (٣) بالحكمين، دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج غيرهما (٤)، فإذا كان هكذا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين، وبرضا الزوجين (٥)، وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا * ذلك.

стр. 859

قال الشافعي: نا الثقفي (١) عن أيوب (٢) عن ابن سيرين (٣) عن عبيدة (٤) عن علي في هذه الآية، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله، فلا حتى تقر (٥) بمثل الذي أقرت به (٦).

стр. 860

قال: فقول علي يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة (١)، ليس للحكمين أن يحكما إلا أن يفوض الزوجان ذلك إليهما. قال الشافعي: وأنا مسلم بن خالد (٢)

стр. 861

عن ابن جريج (١) عن ابن أبي مليكة (٢) أنه سمعه يقول: تزوج عقيل بن أبي طالب (٣) فاطمة بنت عتبة بن ربيعة (٤)، فقالت: اصبر لي (٥) وأنا أنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: أين (٦) عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة (٧)؟ فيسكت حتى دخل عليها يوماً وهو برم (٨)، فقالت: أين عتبة بن ربيعة؟ أين (٩)

стр. 862

شيبة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية (١)، فقال ابن عباس: لأفرق (٢)

стр. 863

بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين * من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما (١)، وأصلحا أمرهما (٢). قال الشافعي ﵀: فهذا يشبه ما روي عن علي، ألا ترى أن ابن عباس قال: أفرق، ومعاوية قال: لا أفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما، فلما وجداهما قد اضطجعا رجعا. فدل ذلك على أنهما لو أحبا فسخا الوكالة (٣).

стр. 864

فزعم الشافعي أن الحكمين يبعثان على ظاهر كتاب الله، ثم قال من تلقاء نفسه: إن ذلك لا يكون إلا برضا الزوجين، وتوكيلهما إياهما بأن يجمعا أو يفرقا. وزعم أنه تأول في ذلك قول علي وعثمان ﵄. وفعلهما موافق لكتاب الله مباين لما ذهب إليه الشافعي، ولم يبين الشافعي كيف يوكل الزوجان؟ وهل هما وكيلان لكل واحد من الزوجين أو كل واحد وكيل لأحدهما؟ ولا بأي شيء يوكلاهما كل واحد؛ لأن الوكالة لا تجوز إلا في معلوم، فإن كانت الوكالة في الإصلاح بينهما فهذا شئ أمر الله به الخلق جميعاً، والحكمان هاهنا مخصوصان به، لا يُحتاج إلى التوكيل فيه، وإن كان التوكيل بالطلاق فأي شيء بيد المرأة من الطلاق حتى توكل فيه؟ . فإن قال الشافعي: وكيل الرجل في الطلاق. فوكيل المرأة بماذا؟ وإذا كانا وكيلين فليس إليهما حكم ولاهما مجتمعان؛ لأن كل واحد مباين للآخر ليس إليه ما إلى صاحبه، ولا إلى صاحبه ما إليه، واسم الوكيل غير اسم الحاكم، قال الله سبحانه في الصيد: ... ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) فهما حكمان على الاجتماع، كل واحد منهما إليه ما إلى الأخر، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢)

стр. 865

فأعلمنا أن الحكمين أمرهما واحد إن قصدا للحق، ووفقهما الله للصواب في الحكم، ثم تأول الشافعي فأخطأ * فيه، ونقله عن وجهه، فقال: لما قال علي ابعثوا حكماً من أهله. كان هذا مخاطبة للزوجين (١)، ولو كان للزوجين لقيل: فأمرهما، ولو كانت المخاطبة بين علي وبين الزوجين لم يقل: فابعثوا حكما من أهله، ولقال: ابعث حكماً من أهلك، فعلم أن المخاطبة بيد الزوج (٢)، وكذلك المرأة، وإنما قال لجلسائه وأصحابه وذوي الرأي عندهم لعلمهم بالأهلين والمختار منهم، كما يقول الحاكم لخاصته: اختاروا من يقوم بمال اليتيم، وإنما قال علي للزوج لما قال: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وإنما أقرت بالرضا بكتاب الله عليها ولها، فأنكر علي إباه لكتاب الله، فقال: كذبت، وليس يقال لمن قال: لا أوكل في الطلاق: كذبت (٣)،

стр. 866

وهذه الكلمة أسقطها الشافعي من حديث الثقفي، فلم يذكرها في احتجاجه كأفعاله؛ لتستوي له الحجة، وما تستوي لو لم تكن هذه الكلمة (١). أنا بذلك القاضي إسماعيل (٢) قال: نا نصر بن علي (٣) قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد عن عبيدة (٤)، وفي الحديث: فأمرهم علي، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها (٥). فعلم أن المأمورين غير الزوجين. ورواه سليمان بن حرب حدثنا به البرنكاني (٦) عن إسماعيل (٧) عن سليمان (٨) عن حماد بن زيد (٩) عن أيوب عن محمد عن عبيدة وقال فيه: فقال: كذبت، لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (١٠).

стр. 867

فهل يجبر أحد على أن يوكل وهو إن وكل فله أن يخرج الوكيل من الوكالة، ويجوز أن يجبر على الرضا * بكتاب الله، فبيّن علي أيضاً بقوله للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وإنما قالت المرأة بعد مضي هذا الخطاب من علي للحكمين: رضيت بكتاب الله عليّ وليّ، فكان امتناع الرجل من الرضا بكتاب الله يوجب جبره عليه وتكذيبه، كما جاء في حديث سليمان ونصر، وكان واجباً أن يؤدب إن أقام على ذلك، ولو كان الحكمان وكلا ما احتاج علي أن يقول للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إذ الوكالة ومعرفة ما جعل إليهما يغني عن ذلك. وأما قول الشافعي فيما رواه عن عثمان فقول من لم يتأمل الحديث الذي رواه ولا عرفه؛ لأن فيه أن عثمان وجه ابن عباس ومعاوية، وما عقيل حاضر، ووجّه الحكمين برأيه، ولم يستأمر الزوجين، فكان رأي ابن عباس أن يفرق، وكان رأي معاوية أن يؤلف، فعلم أن الفراق إليهما لو اجتمعا على ذلك، والزوجان مقيمان على التباعد، فإذا اضطجع الزوجان فقد زال ما إلى الحكمين؛ لأن الذي كان إليهما الإصلاح أولاً، فإن تعذر فرقا، فإذا كان الإصلاح فلا مدخل للحكمين، وإنما يكونا حكمين من قبل الإمام ما دام الشقاق، فإذا زال زالت ولا يتهما.

стр. 868

قال علي: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق (١). قال ابن عباس: ما قضيا من شيء فهو جائز (٢). وقاله ابن جبير (٣)، ومجاهد (٤)، وأبو سلمة (٥)، والشعبي (٦)، وإبراهيم (٧)،

стр. 869

والضحاك (١)، والحكم (٢)، وربيعة (٣)، وفي مخالفتهم بالرأي الذي ... لا يشده النظر قبح *. قال مالك بن أنس: الأمر الذي يكون فيه الحكمان إذا فتح ما بين الزوجين، ولم تثبت البينة، ولم يقدر على تعرف ذلك وصحته، بعث الحاكم عدلين أحدهما من أهل المرأة ومن يوثق به عليها، والآخر من أهل الزوج بهذه الصفة، فإن استطاعا الصلح اصلحا وإلا فرقا، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها شيئاً أخذا متى كان الفراق والامتناع من الصلح من قبلها، ما فعلا من ذلك جاز عليهما (٤). قال مالك: وبلغني أن علياً ﵀ قال للحكمين: إليكما أن تفرقا وأن تجمعا. قال مالك: وهذا أحسن ... ما سمعت (٥).

стр. 870

قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١). هذا كان قبل تحريم المسكر، وكانوا خلّطوا في القراءة (٢)، ثم نسخ هذا وسقط كله بتحريم الخمور (٣)، وقد ذكرنا هذا كله في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستُغنى عن شرح ذلك في هذا الكتاب (٤). قال الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٥).

стр. 871

روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا أحل المسجد لجنب ولا حائض. من طريق جسرة بنت دجاجة (١) عن عائشة (٢).

стр. 872

وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب، ولا كلب، ولا صورة (١). روى المطلب (٢) أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن بيته كان في المسجد (٣).

стр. 873

وقال عطاء: كان رجال من أصحاب رسول الله ﷺ يجنبون فيتوضؤون *، ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه (١). وقال جابر: كان أحدنا يجنب فيمر في المسجد مجتازاً (٢)، وقال زر (٣) عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٤) قال: إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (٥).

стр. 874

وقال ابن مسعود ﵁: هو اختراق المسجد (١). وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب، إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (٢). فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير (٣)، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة. فأما الذين ذهبوا إلى أنه المسجد؛ لأنه مصلى يصلى فيه، ومن قال: إنه المسافر لا يجد الماء، ذهبوا إلى أنها الصلاة بعينها، وأنه لا يقربها حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافراً ولا يجد الماء فيتيمم، ذهبوا إلى ظاهر الآية، وأنه قرن مع ذكر السكارى، وليس يختلف أهل العلم في أن الجنب لا يصلي حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافراً ولا يجد الماء فيتيمم ويصلي، إلا شئ رواه أهل الكوفة لا يعمل به (٤)،

стр. 875

والأقوى أن الآية نزلت في المسافر، وهو أصح المعنيين (١)، ومع ذلك فينبغي أن ينزه المسجد الجنب فلا يدخله (٢)، كما لا يقرأ القرآن (٣)، وبالله التوفيق. قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) المريض الذي يتيمم عند مالك وهو واجد للماء: الجريح، وصاحب القروح (٥) والجدري (٦)،

стр. 876

وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم، وإن كان جنباً أيضاً تيمم وصلى (١) *. قال نحواً من ذلك ابن عباس (٢) وجماعة من المفسرين، بل جلهم، ما هذا معناه (٣). وكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التوضؤ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله، وقد دخل آخر الوقت أنه يتيمم ويصلي (٤). ومما يقوي ذلك ما روي في المسح على الجبائر (٥)

стр. 877

وما أشبهها. قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). ملامسة النساء عند مالك التي توجب الوضوء اللمس لمن يحل وطؤه لشهوة الجماع والتلذذ بذلك دون الجماع، وقد يقع ذلك لشهوة فيمن لا يحل له، فهذا عاص لله، عليه الطهارة والاستغفار. فأما لغير شهوة فلا وضوء فيه (٢)، كان رسول الله ﷺ يقبل نساءه وهو صائم، ويصلي أيضاً ولا يتوضأ. روته عائشة وغيرها. وسئلت عائشة عن ذلك فأخبرت به، ثم قالت: وأيكم يملك (٣) إربه (٤) كرسول الله ﷺ ؟ (٥).

стр. 878

وعبّر (١) هذا القول أنه من كان يملك إربه فلا يلزمه الوضوء، وأن من لم يملك إربه فعليه الوضوء (٢). وقال ابن عباس ﵁: الملامسة الجماع (٣)، وأصحابه مثله (٤).

стр. 879

وقال ابن مسعود ﵁: القبلة والجسّة من الملامسة (١). وقال ابن عمر ﵁: القبلة والجسة هي الملامسة (٢). وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين (٣)، وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت (٤)،

стр. 880

ولكن ما روي عن ابن عباس ﵁، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود *، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية؛ لأن الملامسة ذكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)
следующие страницы →