← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم، وإن كان جنباً أيضاً تيمم وصلى (١) *. قال نحواً من ذلك ابن عباس (٢) وجماعة من المفسرين، بل جلهم، ما هذا معناه (٣). وكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التوضؤ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله، وقد دخل آخر الوقت أنه يتيمم ويصلي (٤). ومما يقوي ذلك ما روي في المسح على الجبائر (٥)

стр. 877

وما أشبهها. قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). ملامسة النساء عند مالك التي توجب الوضوء اللمس لمن يحل وطؤه لشهوة الجماع والتلذذ بذلك دون الجماع، وقد يقع ذلك لشهوة فيمن لا يحل له، فهذا عاص لله، عليه الطهارة والاستغفار. فأما لغير شهوة فلا وضوء فيه (٢)، كان رسول الله ﷺ يقبل نساءه وهو صائم، ويصلي أيضاً ولا يتوضأ. روته عائشة وغيرها. وسئلت عائشة عن ذلك فأخبرت به، ثم قالت: وأيكم يملك (٣) إربه (٤) كرسول الله ﷺ ؟ (٥).

стр. 878

وعبّر (١) هذا القول أنه من كان يملك إربه فلا يلزمه الوضوء، وأن من لم يملك إربه فعليه الوضوء (٢). وقال ابن عباس ﵁: الملامسة الجماع (٣)، وأصحابه مثله (٤).

стр. 879

وقال ابن مسعود ﵁: القبلة والجسّة من الملامسة (١). وقال ابن عمر ﵁: القبلة والجسة هي الملامسة (٢). وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين (٣)، وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت (٤)،

стр. 880

ولكن ما روي عن ابن عباس ﵁، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود *، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية؛ لأن الملامسة ذكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)

стр. 881

والمرض والسفر لا ينقضان الوضوء، فذَكَرهما مع الغائط الذي يوجب الوضوء، وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، وإنما حكمها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) من المضاجع ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) الملامسة التي هي صغير الجماع ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤) اغتسلوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٥) في هذه الأحوال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٦) فكانت الآية مستوعبة لجميع من يجب عليه الطهور، ومن يجب عليه الغسل، ومن يجوز له أن يتيمم من جنب أو غيره، ولو كان حكم الآية على تلاوتها لكان على المسافر والمريض التيمم والوضوء، كان طاهراً أو غير طاهر، وفي القرآن تقديم وتأخير كثير لا ينكره أهل العلم بالقرآن، فعلم بذلك أن الملامسة ليست الجماع؛ إذ كان الجماع قد ذكر بقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٧) (٨)،

стр. 882

والذي قلناه في معنى الآية * أوضح وأبين مما يخالفه، بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه (١)؛ لأن الذين قالوا: إنه الغشيان، جعلوه كناية، ومن قال: إنه اللمس الذي دون الجماع قاله بنص القرآن (٢). وخالفنا الشافعي في الشهوة، ووافق في اللمس أنه دون الجماع بفعل الرسول ﷺ ، وأنه كان يقبل نساءه (٣)، راداً لقوله؛ لأن رسول الله ﷺ كان يقبل ولا يتؤضأ، وكان يملك إربه فلا تدخله الشهوة، فلا يكون عليه الوضوء. فهذا حجة على الشافعي وعلى العراقي؛ لأن عائشة ﵂ قد أعلمت بأنه من لم يملك إربه فعليه الوضوء، وكذلك قالت في الصوم (٤).

стр. 883

والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (١). التيمم: الطلب (٢)، والصعيد: ما يصعد الرجل عليه من الأرض (٣)، والطيب: الطاهر من الأنجاس (٤).

стр. 884

والمسح فقد اختلف فيه، فقال بعضهم: ضربة للوجه والكفين (١).

стр. 885

وقال بعضهم: ضربة للوجه واليدين، ولم يبين (١). وقال بعضهم: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى الكوعين (٢). وقال آخرون: ضربتين واحدة للوجه وأخرى إلى اليدين إلى المنكبين (٣).

стр. 886

وقال بعضهم - وهم الأكثر من الصحابة -: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى المرفقين (١).

стр. 887

والصحيح عندنا: هذا الأخير؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٢) فوجب بالآية مسح ما كان عليه غسله (٣).

стр. 888

*فإن قال قائل: فقد يجوز أن يكون الذراعان أسقطتا في التيمم كما أسقط الرأس والرجلان. قيل له: هذا غير سائغ؛ لأن الرأس أصله مسح فرضه فخفف، فلما أبدلتا لم يجعل الخفيف بدلاً من خفيف، وأسقط، والرجلان وإن كان فرضهما الغسل فقد خفف بالمسح على الخفين، فلم يجز أن ينقل إلى خفيف، ثم ينقل من الخفيف إلى خفيف، والوجه واليدان أصلهما الغسل، فلما نقل إلى خفيف بقي الحكم على حاله، وكان التخفيف في المسح دون إسقاط العضو، والله أعلم بما أراد من ذلك (١). والرواية في ضربتين في الذراعين، ومسحهما صحيحة غير مدفوعة (٢)، وقال مالك ﵁ فمن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت وأعاد الصلاة (٣). وأما قوله في الوقت فاستحباب، وأظنه أجاز صلاة من فعل ذلك إذا خرج الوقت، إجلالاً للصحابة، والقائلين به، وألا ينحلهم أنهم ما صلوا، والله واسع الرحمة.

стр. 889

والتيمم عندنا لكل صلاة (١)، وقد زعم العراقيون أنهم يتيممون لخمس صلوات، وفرقوا بين الخمس والستة (٢)، فإن كان التيمم يقوم مقام الوضوء فلا فرق بين خمسة وستة، وإن كان إنما عمل بالقرآن فلا اختلاف بيننا أن المتيمم إذا لم يجد الماء وتيمم أن عليه أن يطلب الماء للصلاة الأخرى إذا دخل وقتها، فإذا كان لفرض الله يطلب فيصير غير واجد، فقد قال الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣)

стр. 890

فصار التيمم واجباً على كل طالب لم يجد، ومع ذلك فلا اختلاف أن التيمم يبيح الصلاة، ولا يرفع الحدث كما يرفعه * الوضوء؛ لأن الوضوء لا يبطل إلا بحدث ينقض الطهارة، والتيمم يبطله وجود الماء، ولا يزيل حكم الجنابة، فالإنسان جنب وهو يصلي، إنما تفضل الله بالتيمم لإدراك الصلاة في وقتها وهو على حال حدثه (١)،

стр. 891

ولا بأس عندنا أن يتيمم الرجل، ويقرأ حزبه من القرآن (١). وقد زعم العراقي: أنه إن وجد الماء وهو في الصلاة بطل تيممه (٢). وهذا مخالف لما أصلوه؛ لأن التيمم إنما أبيح للدخول في الصلاة، فإذا دخل فيها فليس يخرج من فرضه، أو كان فرض الوضوء قد مضى حكمه، إلا بحدث ينقض الوضوء (٣)، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). الرواية في هذه الآية كثيرة، وأنها توجب الغفران لكل من لم يشرك، وأن الله ﵎ يغفر الكبائر مع الصغائر لمن يشاء، ويعذب من يشاء في الدنيا والآخرة، فضله يؤتيه من يشاء. ولا أعلم اختلافاً بين أهل العلم في ذلك، إلا من قال بالوعيد، وليس هم من أهل العلم بحمد الله، فإنهم زعموا: أن الله لا يغفر الكبائر إلا للتائب. ولو كان كما قالوا لخلت الآية من الفائدة؛ لأن الشرك أيضاً مغفور للتائب قبل أن يغرغر، فلا فائدة في قوله ونعوذ بالله من أن نقول ذلك -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)؛

стр. 892

لأن التائب من الشرك والكبائر مغفور له، وغير التائب منها غير مغفور له، فما الفرق الذي أوجبته الآية بين الشرك وسائر الكبائر؟ وهم قوم أعمى الله قلوبهم، وأصمهم *، وأعمى أبصارهم، وأغنى عن الحجة عليهم، وينبغي للعبد أن يكون خائفاً راجياً، مقدماً للتوبة والندم (١).

стр. 893

قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). كل مؤتمن على نفس، ومال، وسر، وعرض، مخاطب بأداء الأمانة فيما أؤتمن عليه، والدين، والوديعة، والرهن، والعارية سواء، وكلما جرى هذا المجرى، على كل يد أن تؤدي ما قبضت على حكم قبضها إياه. قال عبد الله بن مسعود ﵁: القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدَين والأمانة، والأمانة أشد ذلك وأعظم (٢).

стр. 894

وأما قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١) فهذا في ولاة الأمر ومن قام مقامهم من الحكام، وسائر الولاة. والعدل: الاقتداء بالكتاب والسنة واتباع السلف (٢)، وفقنا الله وجميع المسلمين لمراشد الأمور بمنه. قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣).

стр. 895

قال النبي ﷺ : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري (١) فقد أطاعني، ومن عصى أميري (٢) فقد عصاني (٣). فطاعة الرسول ﷺ فرض على من آمن به، وطاعة من أمر بطاعته كذلك، وقد قال النبي ﷺ : مالكم ولأمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره (٤).

стр. 896

وطاعة الله: اتباع كتابه جليه وخفيه، وطلب علم الخفي من الراسخين فيه يبتغي *. وطاعة رسول الله ﷺ في حياته: الرجوع إليه في كل مشكل من القرآن والسنة، وبعد وفاته صلوات الله عليه: الرجوع إلى سنته المعمول بها، وهذا معنى قوله : ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). وأما قوله : ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) ففيه اختلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: السلطان (٣). ومنهم من قال: الفقهاء والعلماء العقلاء (٤).

стр. 897

وطاعة السلطان واجبة في كل طاعة لله، وكل شئ لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما (١) فيما نيط بهم يوجب رضوان الله، ويلزم أهل طاعة الله، فإن قوام الدين بهاتين الطائفتين (٢)، قال النبي ﷺ : لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم (٣).

стр. 898

والهداة: العلماء العاملون بعلمهم، فإن الله أنزلهم أجل المنازل فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) قرنهم بنفسه، والمعنى: قضى الله أنه لا إله إلا هو، حكم الله ألا يُعبد سواه، وشهدت الملائكة، وأولوا العلم بما قضى الله به من التوحيد، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) هذه حال العالم إذا تمسك به، وإذا أخلد إلى الأرض، واتبع هواه فقد مثله بالكلب وبالحمار (٤)، نسأل * الله ألا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يستعملنا به، ويجبلنا عليه برأفته إنه جواد كريم.

стр. 899

قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلىقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (١). ليس لمؤمن أن يقتل مؤمناً، ولا أن يقتل معاهداً بحال، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ (٢) ليس بالاستثناء (٣)، وقد تستثني العرب الشيء من الشيء وليس منه، والمعنى: لكن من قَتَل خطأً، أو لكن قد يقع الخطأ غير العمد، أو سوى الخطأ فإنه قد يكون، تفعل العرب هذا على اختصار وضمير، هذا كلام الأصمعي، وأبي عبيدة قالا: ومعناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً على حال إلا أن يقتله مخطئاً، فإن قتله خطأً فعليه ما قال الله ، ومثل هذا قوله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٤) واللمم ليس من الكبائر، ولا من الفواحش، ومعناه: إلا أن يلموا بغير الكبائر، (٥) قال جرير:

стр. 900

من البِيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ ... على الأرض إلا ذيل برد مُرَحَّلِ (١) المرحل: الموشى في طرفيه (٢)، وذيل البرد ليس من الأرض، وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيسُ (٣) وأما قوله عز من قائل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٤) الدية في الخطأ على العاقلة إذا ثبت ذلك (٥)،

стр. 901

وليس عليهم إقرار ولا عمد ولا عبد، وإنما على العاقلة * ما ثبت أنه خطأ من غير قوله، وقول أولياء الدم (١)، والرقبة المؤمنة على القاتل في نفسه (٢)، ولا يجوز في الرقبة إلا مؤمنة كما شرط الله تعالى، ولا يجوز فيها الطفل، ولا من لا يستقل بنفسه ويتصرف في معاشه، ولا تجوز العيوب القاطعة عن ذلك، ولا من لا يعقل الإسلام والصلاة، والله أعلم (٣). وقد قال ابن القاسم (٤): إن الصغير يجزئ إذا كان حكمه حكم الإيمان (٥). والذي أختار: أن يكون يعقل الإيمان (٦).

стр. 902

وأما الدية فإنها عندنا على أهل البادية: مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب: ألف دينار، وعلى أهل الورق: اثنا عشر ألف درهم، وترد الإبل في الجراح إلى هذه القسم على كل قوم (١)، وقد روي عن النبي ﷺ أنه دفع بالمدينة دية اثني عشر ألف درهم، رواه عمرو بن دينار (٢) عن عكرمة (٣) عن ابن عباس ﵁: أن رجلاً من الأنصار قُتل، فوداه رسول الله ﷺ اثني عشر ألفاً، فنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) (٥)

стр. 903

وأما الروايات عن عمر فمختلفة، جعلها في وقت ثمانية آلاف (١)، وفي وقت عشرة آلاف (٢)، وفي وقت اثنا عشر ألفاً (٣)، وجعل دية الكتابي في الوقت الذي جعلها ثمانية آلاف أربعة آلاف (٤).

стр. 904

وأحسبه كان يفعل ذلك في الأوقات، يقوم الإبل لاختلاف الصرف. فجعل الشافعي دية الكتابي: أربعة آلاف، ولم ينقلها بنقل عمر ﵀ دية المسلم بالصرف، وإنما جعلها عمر ﵁ نصف دية المسلم *، ونحن نتكلم هذا في موضعه إن شاء الله عند ذكر الديات والقصاص في الجراح، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت (١)، وقال أهل العراق: الدية عشرة آلاف (٢). وأصح الروايات عن عمر ﵁: اثنا عشر ألفاً، وعن عائشة مع ما قدمنا ذكره عن النبي ﷺ (٣). وولد العبد الصغير إذا عقل الإسلام يجري مجرى أبيه، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤). قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) إذ ليس هناك مستحق الدية، إذ كان أولياؤه كفاراً (٦)،

стр. 905

ومعنى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) لأنه مؤمن بين قوم لهم ميثاق، فالكفارة من أجل أنه مؤمن (٢)، والدية كانت تدفع من أجل الميثاق، والميراث للمسلمين، وهذا الأخير منسوخ؛ لأن المهادنات والمواثيق كانت بين رسول الله ﷺ وبين طوائف من المشركين، فنسخ ذلك كله بسورة براءة (٣)،

стр. 906

وهي آخر سورة نزلت، فقال ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١) وقال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)

стр. 907

* ويقال في هذه الأشهر: هي الأربعة الأشهر التي أُجلوا في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٢) وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) فنسخ ذلك كلما كان قبله، وأنزل في براءة أيضاً أمرُ أهل الذمة في قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤) فاستقر الأمر في مشركي العرب بعد الأربعة الأشهر التي ضربت لهم على الدخول في الإسلام، أو القتال، وفي أهل الكتاب ومن جرى مجراهم من المجوس، وعبدة الأوثان على الدخول في الإسلام، أو إعطاء الجزية، أو القتال، فكان هذا ناسخاً لما مضى قبله، فلا دية؛ لأن المسلم منهم يقتل في الحرب إذا كان في جملتهم، إذ لا ميثاق (٥).

стр. 908

ألا تراه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) وقال : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (٢)، والسلام ليس من اللغو، قال الأعشى: إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم (٣) وقال زيد الخيل (٤): إذا اتصلت تنادي يا لقيس ... وخصت بالدعاء بني كلاب (٥) وقد قيل في بعض الحديث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٦): إن من توصل إليهم فله مثل عهدهم (٧).

стр. 909

وأحسب أن هذه الآيات نزلت فيما يقال: في قوم من أشجع (١) (٢)، وقد قيل: في قوم من بني مدلج (٣)، كان بينهم وبين * النبي ﷺ عهد (٤)، فقال تبارك اسمه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٥) وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٦) الآيات، فهذا كله يدل على ما ذكرنا، وكان الناسخ لأمر المواثيق ما وصفنا، والله أعلم.

стр. 910

وليس يجب أن تقاس دية المعاهد على دية من كان بينه وبين رسول الله ﷺ ميثاق؛ لأنهم لم يكونوا ذمة للنبي ﷺ ، ولا أوطأهم يومئذ عليه، ولما قيل: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) دل على التساوي بينهم في الديات، وغيرها من الأمور التي تحدث، إلا أن يشترطوا في ذلك شرطاً فيه خصوص لبعضهم، وما لم يُشترط الخصوص فهو على التساوي، وليس يشبه هؤلاء أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة إنما قهرهم المسلمون حتى أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فدياتهم تجري على ما أعطاه المسلمون، فمن ذلك أنهم جعلوا دية المجوس أقل من دية اليهود والنصارى، فروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: عقل الكافر نصف عقل المؤمن (٢).

стр. 911

وروى سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة (١). وقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم (٢)، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يقوم الإبل عند الحوادث *، وقصده كان لنصف دية المسلم. وقال السبعة (٣): دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين (٤). وهي عندنا: ستة آلاف (٥)،

стр. 912

وفي الوقت الذي جعلها عمر ﵁ أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار، ثم إن عمر ﵁ خطب فذكر غلاء الإبل ورخصها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفاً، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف (١)، ولما قيل: دية الكافر على النصف علم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط، ولا كفارة (٢)؛ لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر ما رأينا في أمره، إذ كان حكمنا عليه جائز، وإنما حقن دمه بالجزية التي جعلناها عليه (٣)،

стр. 913

وكل واحد من اليهود والنصارى والمجوس إذا قُتل أعطيناهم ديته التي جعلناها له، فهي دية مُسلمة إلى أهله؛ لأن كل دية الإنسان قلّت أو كثرت إذا أديت إلى مستحقها فهي دية مسلمة إلى أهله، كما أن المرأة المسلمة إذا قتلت خطأً فديتها نصف دية الرجل، وعلى قاتلها تحرير رقبة مؤمنة (١)، وهي دية مُسلمة إلى أهل المقتول، ذكراً كان أو أنثى؛ لأن لفظ: ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ (٢) نكرة، وإنما يجب فيها أن تؤدى دية المقتول ما كانت من شيء، فأما تحرير رقبة في قتل المعاهد خطأً فإنما يرى ذلك مالك ﵁ احتياطاً (٣)؛ لأن نسق الآية قد يمكن أن يكون معطوفاً على أن يكون المقتول * في الحالات كلها وهو مؤمن، كما قال المتقدمون، ويمكن أن يكون كافراً بيننا وبينه ميثاق، فالاحتياط أصوب، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله عام واحد (٥) وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رحمك الله: الشهران جعلا بدل من الرقبة المؤمنة (٦)،

стр. 914

ولم يجعل الله ﵎ هاهنا إطعاماً (١). وأما قوله : ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢). فمعناه رحمة من الله، والتوبة عند العرب: الرجوع (٣)، فرجع الله بهم من الرقبة إلى الصيام رحمة منه، وبالله التوفيق. قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٤) إلى آخر الآية.

стр. 915

قال زيد بن ثابت (١)، وابن عباس (٢)، ومن تابعهما من التابعين (٣): إن قاتل المؤمن لا توبة له، وشددوا في ذلك.
следующие страницы →