وروى سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة (١). وقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم (٢)، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يقوم الإبل عند الحوادث *، وقصده كان لنصف دية المسلم. وقال السبعة (٣): دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين (٤). وهي عندنا: ستة آلاف (٥)،
стр. 912
وفي الوقت الذي جعلها عمر ﵁ أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار، ثم إن عمر ﵁ خطب فذكر غلاء الإبل ورخصها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفاً، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف (١)، ولما قيل: دية الكافر على النصف علم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط، ولا كفارة (٢)؛ لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر ما رأينا في أمره، إذ كان حكمنا عليه جائز، وإنما حقن دمه بالجزية التي جعلناها عليه (٣)،
стр. 913
وكل واحد من اليهود والنصارى والمجوس إذا قُتل أعطيناهم ديته التي جعلناها له، فهي دية مُسلمة إلى أهله؛ لأن كل دية الإنسان قلّت أو كثرت إذا أديت إلى مستحقها فهي دية مسلمة إلى أهله، كما أن المرأة المسلمة إذا قتلت خطأً فديتها نصف دية الرجل، وعلى قاتلها تحرير رقبة مؤمنة (١)، وهي دية مُسلمة إلى أهل المقتول، ذكراً كان أو أنثى؛ لأن لفظ: ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ (٢) نكرة، وإنما يجب فيها أن تؤدى دية المقتول ما كانت من شيء، فأما تحرير رقبة في قتل المعاهد خطأً فإنما يرى ذلك مالك ﵁ احتياطاً (٣)؛ لأن نسق الآية قد يمكن أن يكون معطوفاً على أن يكون المقتول * في الحالات كلها وهو مؤمن، كما قال المتقدمون، ويمكن أن يكون كافراً بيننا وبينه ميثاق، فالاحتياط أصوب، والله أعلم.
قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله عام واحد (٥) وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رحمك الله: الشهران جعلا بدل من الرقبة المؤمنة (٦)،
стр. 914
ولم يجعل الله ﵎ هاهنا إطعاماً (١).
وأما قوله : ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
فمعناه رحمة من الله، والتوبة عند العرب: الرجوع (٣)، فرجع الله بهم من الرقبة إلى الصيام رحمة منه، وبالله التوفيق.
قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٤) إلى آخر الآية.
стр. 915
قال زيد بن ثابت (١)، وابن عباس (٢)، ومن تابعهما من التابعين (٣): إن قاتل المؤمن لا توبة له، وشددوا في ذلك.
стр. 916
وقال علي بن أبي طالب (١)، ومن تابعه (٢): له توبة.
قال القاضي: والذي توجبه الآيات: التوبة؛ لأن الله ﵎ قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (٣)
стр. 917
فلما ذكر أن جزاءه الذي وصف عرف * أن هذه عقوبة فعله إن جازاه، وقد يجوز ... ألا يجازيه (١)،
стр. 918
وقال في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (١) فاستثنى في الجميع التوبة، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فأوجب على نفسه تفضلاً على من شاء، فينبغي لمن فعل هذه (٣) الأشياء - عصمنا الله عنها بمنه وعن جميع المآثم - أن يخاف ألا يكون فيمن يدخل في المشيئة، ويرجو عفوه ولا يقنط، فإن الله قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
كان ابن شهاب إذا سئل هل للقاتل توبة يتعرف من السائل، هل قتل أم لا؟ ويطاوله، فإن قال: لا، قال: لا توبة له، وإن قال: نعم، قد قتل، قال: له توبة (٥).
стр. 919
وإن هذا لحسن، ومع ذلك فهذه الآيات من أحكام الآخرة، مردودة إلى الباري سبحانه، وله أن يفعل ما شاء، لا يُسئل عما يفعل، وله الفضل على كل الأحوال (١).
стр. 920
قال الله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) الآية.
هذه الآية نزلت في ابن أم مكتوم (٢)،
стр. 921
وكان ضريراً، فلما نز لت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) *قال ابن أم مكتوم - وزيد بن ثابت يكتب -: ... يا رسول الله كيف بي وأنا ضرير؟ فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) فألحقت ... بين المؤمنين والمجاهدين، فكانت عذراً لمن عجز عن الجهاد، روى ذلك جماعة عن زيد بن ثابت (٢).
стр. 922
قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١).
قيل لعمر بن الخطاب ﵁: نرى قصر الصلاة في الخوف، ولا نرى قصر الصلاة في السفر، فقال عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته (٢). وقيل مثل ذلك لابن عمر، فقال: يا ابن أخي بعث محمد ﷺ إلينا ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل (٣). وقال ابن عباس ﵁: فرض الله ﵎ صلاة الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٤). وقالت عائشة ﵂: فرضت الصلاة في الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر (٥).
стр. 923
واختلفت الروايات في صلاة الخوف، فروى صالح بن خوات (١) عن سهل بن أبي حثمة (٢): أن صلاة الخوف - وقد صلى مع رسول ﷺ أن * يصلي الإمام بطائفة ركعة، وتقوم الطائفة الأخرى وجاه العدو، فإذا قام في الثانية قضوا لأنفسهم، ومضوا فكانوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فصلى بها الركعة الباقية عليه، ثم سلم، وأتموا لأنفسهم (٣).
стр. 924
رواه يزيد بن رومان (١) عن صالح عن من صلى مع رسول الله ﷺ وهو سهل بن أبي حثمة الأنصاري - وزاد فيه: وأقام حتى يقضون، ثم يسلم بهم (٢). وقال مالك ﵁ بالحديثين جميعاً، قال بالأول ثم رجع إلى الثاني (٣)،
стр. 925
وجميعاً صحيحان في معناها (١). وروي عن حذيفة في صلاة الخوف: أنها ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، ولا يقضون (٢). وعن زيد بن ثابت مثل ذلك (٣). وروي عن جابر بن عبد الله ضد ذلك، وأن الإمام يصلي ركعتين بكل طائفة، فيصير للإمام أربعاً، ولكل واحدة من الطائفتين ركعتين (٤). وروي مثل ذلك عن أبي بكرة (٥)
وروي عن ابن مسعود وابن عمر مثل صالح بن خوات، وخالفاه في قضاء الطائفتين، فجعلوا الأولى تجيء وتقضي، وتذهب الطائفة الذين صلوا الركعة الثانية مع الإمام فتقوم بإزاء العدو، فإذا قضت الأولى جاءت الثانية فقضت، إلا أنهم وافقوه على ركعتين للإمام، وركعتين للمأمومين (١).
стр. 928
قال القاضي: فهذه الأحاديث جملة ما روي من الاختلاف في صلاة الخوف.
وأما صلاة السفر فقول عمر ﵁: صدقة تصدق * الله بها عليكم (١). يريد لم يلزمكم الزيادة التي فرضها في الحضر، وكل رحمة ورفق يفعله الله ﵎ بنا فهو صدقة منه علينا، ألا ترى إلى قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢) ليس هذا عفو عن ذنب، إنما هو دعاء ابتدأه الله لنبيه ﷺ ، تشريفاً له ﵇ (٣)، وقال النبي ﷺ : عفي لكم عن صدقة الخيل، والرقيق (٤).
стр. 929
وما كان قبل ذلك أوجب، وإنما قال: لم تلزموه تفضلاً من الله عليكم، كذلك تصدق الله علينا بأن لم يوجب علينا الزيادة التي أوجبها في الحضر، وقول ابن عمر: بعث رسول الله ﵇ ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل ما كان يفعل (١). يحتمل أن يكون يريد صلاتنا في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعاً، وفي الخوف على ما وصف. وما قاله عمر وابن عمر لا يخالف ما روته عائشة ﵂، وما قال ابن عباس في صلاة الحضر والسفر (٢)؛ لأن الله قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) فيكون بهذا القول صلاة السفر وصلاة الحضر جميعاً، بقول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤) وبقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٥) وسائر الآيات المذكورة فيها الصلاة، ثم يكون جبريل ﵇ لما أقام لرسول الله ﷺ الأوقات، وصلى به الصلوات في يومين (٦)، أقام له في الحضر ما عرفه أنه موافق للسفر، ثم أتاه في وقت آخر بالزيادة في صلاة الحضر، وتكون صلاة الخوف بهذه الآية، وتعليم رسول الله ﷺ *، فيكون قول عمر، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس في السفر متفق كله، غير مختلف (٧).
стр. 930
وأما صلاة الخوف فالاضطراب في الروايات في صفتها ظاهر، وأصح ما في الباب ما رواه يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة (١)، وموافقة يزيد بن رومان (٢)، وموافقة ابن مسعود وابن عمر في العدد (٣).
стр. 931
فأما من قال: أربعاً للإمام، وركعتين لكل طائفة (١). فليس له وجه؛ لأن القرآن يدفعه والحجة؛ لأنه لو كان يجوز أن يصلي بقوم فريضة، وبآخرين تطوعاً، لكان ظالماً للآخرين، وقد كان يجوز أن يستخلف على إحدى الطائفتين من يصلي بهم فرضه، فتكون نيته ونياتهم غير مختلفة. فإن قال قائل: ذلك لفضل النبي ﷺ ، وفضل صلاته ودعائه. فيقال لهم: تقول: إن صلاة الخوف لا تجوز بعده لأحد، وإن الإمام في الجيش مستخلف على إحدى الطائفتين، وتكون صلاة الخوف منسوخة، ولم يقل ذلك أحد من المخالفين علمته، والذي عمل عليه الفقهاء والتبع بالعمل، مخالف للرواية أن النبي ﷺ : صلى أربعاً، وكل طائفة ركعتين (٢).
стр. 932
فأما الاختلاف الآن المروي في الركعتين، فإنه صلى بكل طائفة ركعة، ثم ما وقع من الترتيب فيشبه أن تكون الأفعال مختلفة لاختلاف الأحوال، واختلاف مواقع العدو من القبلة ومن غير القبلة، فحكي كل فعل منهما على قدر الحال التي كانت * عليه، والأمر في ذلك كله جائز؛ لأنه يرجع إلى أن الإمام ومن معه صلى كل فريق منهم ركعتين، ووقع الاختلاف في الترتيب.
فأما ما روي من ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه (١). فقد يجوز أن يكون الراوي أراد الركعة التي مع الإمام، وغفل عن ذكر ما قضي على الانفراد لمن خلفه (٢).
стр. 933
ومن [قال] (١) أربع ركعات للإمام، وركعتين ركعتين لمن معه، فليس عليه العمل، ... ولا يشبه ما أمر به الإمام من قسمة الصلاة بينهم، وقد يحتمل أيضاً أن يكون ذلك في حضر، فذكر ما صلوا مع الإمام، وأغفلوا ذكر ما قُضي (٢)، والله أعلم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٣) فعلم أنها صلاة بعينها مفترضة، ثم قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٤) فعلم أنه في تلك الصلاة ... ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٥) فعلم أنها تلك الصلاة بعينها التي أقيمت، وأن صلاة ... رسول الله ﷺ في نفسه لم تنقض حتى جاء الآخرون، فصلوا معه؛ لأن صلاة الخوف إنما قسمت للعدل بين الطائفتين، ولو كان الإمام يصلي بهؤلاء فرضه، وبهؤلاء تطوعاً لما كانت الصلاة مقسومة بينهم، ولو كان هذا مما يجوز لما سميت صلاة الخوف؛ لأنها إنما هي جماعة بعد جماعة، وما كان بالناس بعده ﷺ حاجة إلى صلاة الخوف.
стр. 934
وأما ركعة ركعة فأحسب أنهم * أرادوا ركعة ركعة مع الإمام، وأغفلوا ذكر القضاء في الرواية، لعلم المخاطبين إذ الآية نزلت في قصر الترتيب لا قصر العدد (١)، والله أعلم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢).
هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً (٣)، فأذن له في وضع السلاح رفقاً به، وإن كان العدو مواجهاً، إذ كان هناك من ينوب عنه ممن فيه كفاية (٤).
قال الله ﵎: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٥).
стр. 935
هذه الآية والتي في آل عمران (١) - والله أعلم - أريد بها المريض، والصلاة على حسب الطاقة قياماً، وقعوداً لمن لا يطيق القيام، مضطجعاً لمن لا يطيق القعود، ويحتمل أن يكون ذلك معنى التي في آل عمران، وتكون هذه للدعاء والذكر لله في سائر الأحوال؛ لأن في هذه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٢) فيكون التأويل التأخير (٣) أولى بها، ويجوز في اللغة فإذا قضيتم: إذا أردتم القضاء، كما قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٤) والله أعلم بما أراد من ذلك (٥).
стр. 936
فأماقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) يعني والله أعلم: إذا اطمأننتم في أمصاركم، ورجعتم من أسفاركم فأقيموا الصلاة على تمامها صلاة الحاضر (٢).
وأما قوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣).
فمعناه: حقاً واجباً، أو مكتوباً، أو موجوباً *، أو مفروضاً، كذلك قال عثمان بن عفان عن النبي ﷺ (٤)، وقاله المفسرون (٥). لا نعلم خلافاً، إلا قول الشافعي: موقوتاً مؤقتاً بأوقات (٦).
стр. 937
وهذا تفسير من لا يعرف اللغة، ويقصر عن معرفة كلام العرب؛ لأن التصريف في أوقات مؤقتاً، لا يجوز عندهم: موقوتاً، قال ذلك أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر (١) في آخرين (٢).
стр. 938
ولم تؤخذ أوقات الصلوات بهذه الآية، وإنما أخذت بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينٍ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٢) ... ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٣) فهذه أوقات الصلاة من القرآن، والله أعلم.
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (٤) وبصلاة النبي ﷺ في الوقتين، وقوله: بين هذين وقت (٥).
стр. 939
أخذه المسلمون عملاً وتلقاه الخلف عن السلف. قال القاضي: فهذه أوقات الصلاة من القرآن، والله أعلم.
стр. 940
قال الله : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ (١).
كانوا يشقون أذان الإبل، ويقولون: هذه بُحر (٢)، ويشقون جلودها ويقولون: هذه صُرم (٣)، فيحرمونها على أنفسهم وعلى أهليهم، ويجعلونها لطواغيتهم، فحرم الله ذلك عليهم، ونهوا عنه، رواه عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ وقال فيه: وإذا أتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك (٤).
стр. 941
قال الله : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١) *.
قال ابن عباس (٢)، وأنس بن مالك (٣)، وابن المسيب (٤)، وعكرمة (٥): الخصاء (٦).
وقال سعيد بن جبير: هو دين الله (٧). وقال زيد بن أسلم: دين الله، ثم قرأ: ... ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٨)(٩)، وتابع على التفسير الأول جماعة (١٠)، وعلى الثاني جماعة (١١).
стр. 942
فالخصاء تغيير للخلق، غير أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لتحريم ولا تحليل، ... وإنما يفعله الناس بالأنعام لتطيب لحومها، أو لغير ذلك مما يقصدون به صلاحهم (١)، وإنما كان تغيير الخلق الذي يأمرهم به الشيطان - فيما أرى والله أعلم - نحو ما كانوا يمنعون من البحائر وما أشبهها، فيبتكون (٢) الأذان، ويشقون الجلود، ويحرمون ... ما يفعلون به ذلك على أنفسهم، ويتقربون به إلى آلهتهم، قال الله ﵎: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٣).
стр. 943
وقال أبو الأحوص (١) عن أبيه (٢) أن رسول الله ﷺ قال له: هل تنتج إبل قومك صحاحاً آذانها، فتعمد إلى المُوسَى (٣) فتشق آذانها، وتقول: هذه بحر، وتشق جلودها، أو قال: تقطع جلودها، وتقول: هذه صرم، فتحرمها عليك وعلى أهلك (٤)؟ .
وأما قول من قال: دين الله. فلعله أراد تغيير خلق الله فيخالف دين الله، والله أعلم بما أراد من ذلك.
стр. 944
قال الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (١).
لما نزلت هذه الآية امتعض (٢) المسلمون منها، فقال أبو بكر ﵁: *يا رسول الله ... كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : يغفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب (٣)؟ أليست تصيبك ... اللأواء (٤)؟ قال: بلى، قال: فذلك مما تجزون به (٥).
وقالت عائشة ﵂: هو ما يصيبكم في الدنيا جزاءً بما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير (٦). وقال ذلك جماعة من المفسرين (٧)،
стр. 945
وقال بعضهم: هي في الكفار، ثم حض الله المؤمنين، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١)(٢)، وقال الحسن: هي في الكفار، وتلا: (وهل يجازى إلا الكفور) (٣).
وقال مسروق: تفاخر أهل الكتاب والمسلمون، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٤) ففلج (٥) المسلمون عليهم بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٦)(٧)، وقال الحسن: إنما المجازاة لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (٨).
وكل ذلك يقرب بعضه من بعض، فأما الكفار فالكفر أسوأ السوء، ومجازاته واقعة، وأما المسلمون فذنوبهم سوء، والله ﵎ يكفرها بأعمالهم، برحمته وفضله، ويكفرها بما يبتليهم به في الدنيا، والله أعلم.
стр. 946
قال الله ﵎: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ (١) قد فسرنا هذه الآية مع قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٢) *.
قال الله ﵎: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣).
стр. 947
هذه الآية نزلت في المرأة تكبر وتهرم، ويريد زوجها أن يستبدل بها، فتقول له: لا تطلقني - رغبة فيه -، وأنت في حل من شأني، وما يجب لي عليك (١). وقد فعل رسول الله ﷺ [ذلك] (٢) أراد أن يطلق سودة بنت زمعة (٣)، فقالت: يا رسول الله دعني في أزواجك، واقسم بيومي لعائشة، ففعل ذلك وكان يقسم بيومها لعائشة (٤).
стр. 948
وغضب رسول الله ﷺ يوماً على صفية (١)، فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله عني؟ وأهب لك يومي هذا، وكان يومها، فجاءت عائشة فقال لها رسول الله ﷺ : إليك يا عائشة، فليس هو يومك، قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأخبرته الخبر، فقبل، ورضي عن صفية (٢).
وقال علي بن أبي طالب، وسائر من انتهى إلينا تفسيره: إن المرأة إذا صالحت زوجها إذا خافت أن يطلقها على أن تدع حقها جاز له ذلك، وإن صالحته على بعض حقها من المبيت والنفقة جاز وحل له ذلك، فإن رجعت عن ذلك، وطالبته بحقها، كان عليه أن ينصفها بما كان يجب لها، أو يطلقها (٣).
стр. 949
قال الله ﵎: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (١).
أن يشح عليها بنفسه، وماله، ونفقته، وليس له ذلك، فإن أراد الاستبدال فصالحته على شيء من ذلك جاز، وإلا كان الذي يلزمه * العدل في القسم، والنفقة، والطلاق (٢).
قال الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٣).
أنا إسماعيل (٤) قال: نا حجاج (٥) قال: نا حماد بن سلمة (٦) عن أيوب (٧) عن أبي قلابة (٨) عن عبد الله بن يزيد (٩)
стр. 950
عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقسم فيعدل، ثم كان يقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١).