وكلام ابن حجر - غفر الله له - المتقدم في تقرير كونها أول واجب يفهم منه القول بأنها كسبية نظرية لا فطرية ضرورية؛ إذ لو كانت فطرية ضرورية لما كان تحصيلها واجبًا على المكلف لتحققها أصلًا، فضلًا عن أن تكون أول الواجبات.
والصحيح: ما ذهب إليه عامة السلف ﵏ من أن معرفة الله تعالى في الأصل فطرية ضرورية، والاكتساب والنظر طارئان عليها؛ إذ قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذٍ إلى الاكتساب والنظر.
والمراد بالنظر الذي قد يُحتاج إليه في تقريرها هو مطلق النظر لا النظر العقلي الذي أوجبه المتكلمون - كما سيأتي -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير ذلك: "الصحيح أنها فطرية ... ولكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها، فتحتاج حينئذٍ إلى النظر، فهي في الأصل ضرورية، وقد تكون نظرية، ثم المعرفة الواجبة لا تتعلق بنظر خاص، بل قد تحصل ضرورية" (١).
ويقول أيضًا: "المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطرة السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال، ويحتاج إليه في حال" (٢).
والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فالله تعالى أشهد ذرية آدم على ربوبيته سبحانه فأقروا له بذلك واعترفوا ثم أشهدهم على هذا الاعتراف، وسواء كان هذا العهد قبل الخروج إلى الدنيا في عالم الذر أو كان عهد الفطرة - على خلاف بين أهل العلم - فإن ذلك لا يؤثر في دلالة الآية على المقصود (٣).
стр. 107
وقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وقد أجمع المفسرون من السلف على أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام، ودين الإسلام متضمن لمعرفة الله تعالى والإقرار به (١).
وقوله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالرسل دعوا أقوامهم ابتداءً إلى توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولو لم يكن الإقرار بالله تعالى وربوبيته أمرًا فطريًا لابتدأوا أقوامهم بذلك؛ لأن الأمر بتوحيده تعالى في عبادته فرع عن الإقرار به وبربوبيته (٢)، ولصح لأعداء الرسل عند دعوتهم لهم أن يقولوا نحن لم نعرفه أصلًا فكيف تأمروننا بعبادته؟ ولما لم يحدث ذلك منهم دل على أن معرفتهم بالله مستقرة في فطرهم (٣).
ولهذا احتج عليهم بما أقروا به - وهو الربوبية - على ما أنكروه - وهو الألوهية - في آيات كثيرة كقوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (٤).
ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". ثم يقول أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: "فطرة الله التي
стр. 108
فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" (١).
فالحديث دل على أن كل مولود يولد على الفطرة، والفطرة هي الإسلام - كما سيأتي (٢) - والإسلام متضمن لمعرفة الله والإقرار به.
وقوله ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل من نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (٣).
فالحديث دل على أن الله تعالى خلق الخلق على الحنيفية، والحنيفية هي الإسلام، ومن مقتضياته أن الله تعالى خلق الخلق مقرين به معترفين بربوبيته (٤).
وأما الفطرة: فإن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يلجؤون إلى الله تعالى حال الشدة والكرب، وذلك يدل على أن الخلق كلهم على اختلاف أديانهم مفطورون على معرفة الله سبحانه والإقرار به (٥).
وأما العقل: فمن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومعلوم أن مجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو عَلَّم أحدٌ البهائم والجمادات وحضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن السبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.
стр. 109
ومعلوم أن إقرار النفس بالخالق ممكن من غير سبب منفصل من خارجها، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي لذلك قائمًا في النفس وقُدّر عدم المعارض، فإن المقتضى السالم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالخالق عابدة له (١).
وبما سبق يظهر بطلان ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - من كون المعرفة كسبية نظرية لا فطرية ضرورية.
وأما قوله - عفا الله عنه - بأن المعرفة والطريق المؤدي إليها أول الواجبات العينية، فهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، بأن يقال:
أولًا: أن قوله بذلك مبني على قوله بأن المعرفة كسبية لا فطرية ضرورية، وهو باطل - كما سبق - فكذلك ما بني عليه.
ثانيًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (٢) - جواز التقليد في العقائد - ومنها المعرفة - وصحة إيمان المقلد، والقول بذلك يقتضي عدم وجوب النظر على كل أحد؛ إذ يلزم من القول بوجوب النظر على كل مكلف تأثيم من قلد ولم ينظر، وذلك يناقض القول بجواز التقليد في العقائد.
ولهذا يقول أبو جعفر السمناني (٣) - وهو من رؤوس الأشاعرة -: "إيجاب الأشعري النظر لحصول المعرفة بقية بقيت عنده من الاعتزال، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يُكتفى بالتقليد في ذلك" (٤).
стр. 110
وعلى هذا فالقول بجواز التقليد في العقائد يناقض القول بوجوب النظر على أحد.
ثالثًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (١) - أن التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان، وهذا يناقض قوله إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر، وتناقض ابن حجر في ذلك ليس مختصًا به بل شأنه في ذلك شأن الأشاعرة الذين يوافقهم وينهج نهجهم.
يقول شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا" (٢).
وعليه فإن تناقض ابن حجر هنا فرع عن تناقض الأشاعرة أنفسهم الذين تابعوا المعتزلة في قولهم بوجوب النظر لحصول المعرفة وخالفوهم في طريق الوجوب فقالوا هو الشرع لا العقل مما أوقعهم في التناقض.
ثانيهما: المعارضة: بأن الأدلة متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على أن أول واجب على المكلف الشهادتان، لا المعرفة ولا النظر ولا القصد إليه.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 111
فالرسل جميعًا أول ما دعوا أقوامهم إلى إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، وهذا يدل على أنه أول واجب على المكلفين؛ لأن من تمام البلاع أن يأمروا أقوامهم بأول ما أوجبه الله عليهم.
ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : في وصيته لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... " الحديث (١).
وأما الاجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن أول ما يؤمر به العبد إفراد الله بالعبادة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ" (٢).
كما أجمعوا على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات.
يقول الإمام ابن المنذر (٣) ﵀: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل أنه مسلم" (٤).
ويقول العلامة ابن القيم ﵀: "أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام" (٥).
стр. 112
فالقول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة أو النظر أو القصد إليه قول مُبتدَع حادث بعد القرون الفاضلة.
يقول العلامة ابن حزم (١) ﵀: "ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئًا من السير ... في أن رسول الله ﷺ مذ بُعث لم يزل يدعو الناس الجماء الغفير إلى الإيمان بالله تعالى، وبما أتى به ويقاتل من أهل الأرض من قاتله ... ويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام ...
فما منهم من أحد ... قال له ﵇: إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه ... لسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه ﵇ قال ذلك لأحد، بل نقطع نحن وجميع أهل الأرض قطعًا كقطعنا على ما شاهدناه أنه ﵇ لم يقل قط هذا لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة رضى الله عنهم أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر، ثم جميع أهل الأرض إلى يومنا هذا ...
فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله تعالى ورسوله ﷺ وجميع أهل الإسلام قاطبة" (٢).
ويقول العلامة أبو المظفر السمعاني ﵀: "هذا القول - يعني: وجوب النظر وكونه أول واجب - مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة وكذلك من التابعين بعدهم، وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض، وهم صدر الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله ﷺ ؟ " (٣).
стр. 113
وعليه فما زعمه ابن حجر - غفر الله له - من قيام الإجماع على أن أول واجب المعرفة والطريق إليها من النظر أو القصد إليه ونفي الخلاف عنه، منقوض بأن الإجماع مستقر على خلافه، وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، وابن تيمية وابن القيم ﵏ جميعًا - كما سبق.
بل إن من الأشاعرة أنفسهم من أنكر هذا القول وقال بخلافه كالشهرستاني (١)(٢)، والرازي (٣)(٤)، والآمدي (٥)(٦)، وغيرهم.
ثانيًا: دلائل معرفة الله تعالى:
يرى ابن حجر ﵀ أن أفضل الطرق إلى اكتساب معرفة الله تعالى هو النظر في مخلوقاته سبحانه والاستدلال بها عليه، ويعلل ذلك بكونها لو أمكن تحصيلها بطريق أسهل من ذلك لورد به النقل.
يقول في ذلك: "لو كان الإسلام لا يتم إلّا على القوانين العقلية التي رتبها الأصوليون لبيّنها ﷺ للناس وبلّغها إليهم كما أمر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، فلما تيقنا أنه لم يدع
стр. 114
لذلك ولا تكلم به أحد من الصحابة بكلمة واحدة فما فوقها من هذا النمط من طريق تواتر ولا آحاد من طريق صحيح ولا سقيم؟ علم أنه ﷺ وأصحابه عدلوا إلى ما هو أبين للفهم ليستبقوا إليه بأوائل العقل وهو ما أمر الله به من الاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية" (١).
ويؤكد ﵀ ذلك بقوله: "لا حجة في إثبات التوحيد وما يجب له تعالى أو يجوز أو يستحيل بما سوى ما أنزل في كتابه وبيّنه على لسان نبيه ﷺ وما نبّه عليه من الاعتبار، فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ [الواقعة: ٥٨]، الآيات.
وشبه ذلك من المجادلة الواضحة التي يدركها كافة العقلاء وعامة المخاطبين، وهي أكثر من أن تحصى، فيتعين بها وجوده، ثم يتيقن وحدانيته وعلمه وقدرته ... " (٢).
ويصرح ﵀ بأن الاستدلال بما عليه المخلوقات من تمام الخلقة وبديع الصنعة أصح وأوفق في الدلالة على وجود الله تعالى وربوبيته من الاستدلال عليها بالنظر العقلي الذي سلكه المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم.
حيث يقول: "فالاستدلال بهذا [يعني: الاستدلال بالمخلوقات على الخالق] أصح وأوضح في التوصل إلى المقصود، وعليه عوَّل سلف الأمة؛ لأنه نظر عقلي بديهي مركب على مقدمات من العقل والعلم، والتوصل إليه بطريق الأشاعرة فهو وإن صح إلا أنه لا يؤمن على صاحبه الفتنة؛ ولهذا تركها السلف لا لعجزهم عنها فهم أعقل وأفهم ممن بعدهم، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها" (٣).
стр. 115
التقويم:
اختلف الناس في دلائل معرفة الله تعالى:
فذهب عامة السلف ﵏ إلى أن معرفة الله تحصل بمطلق النظر المؤدي إليها، وهو كل ما يتوصل به إلى الاستدلال على وجود الله تعالى والإقرار بربوبيته من الأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، والمشاهدة (١)، ومنها: الاستدلال بالمخلوق على الخالق وبالصنعة على الصانع (٢).
وذهب جمهور المتكلمين إلى أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر العقلي المؤدي إليها، وهو نظر خاص في أدلة حادثة ابتدعوها، أهمها: دليل الحدوث، ودليل الإمكان (٣).
وبما سبق يتضح أن ابن حجر ﵀ وإن وافق جمهور المتكلمين في القول بأن المعرفة كسبية نظرية، وأن الطريق إليها هو النظر إلا أنه خالفهم في دلائلها، وأنكر عليهم سلوكهم فيها غير مسلك السلف.
وهو بهذا يوافق بعض أصحابه الأشاعرة في تقريرهم لدلائل المعرفة بمطلق النظر الدال عليها، وذمهم لما عليه جمهور أصحابهم المتكلمين من تقريرها بالنظر العقلي، على اختلاف بينهم وبين السلف في سبب ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "والذامون لها [يعنى: دلائل المتكلمين] نوعان:
منهم من يذمها؛ لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي ﷺ لم يدع الناس بها ولا الصحابة، لأنها طويلة خطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة
стр. 116
الأشعري في ذمه لها والخطابي (١) والغزالي (٢) وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها.
ومنهم من ذمها؛ لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل المقصود بل تناقضه، وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف" (٣).
وعليه فقول ابن حجر - غفر الله له - في كلامه المتقدم: "بأن طريق الأشاعرة وإن صح ... " متعقب بأنه غير صحيح أصلًا؛ وذلك لما يلي:
١ - أن هذا الطريق حادث بعد أن لم يكن، فلم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعين ولا أتباعهم ولا عرفوه، وهذا مما يقر به ابن حجر - كما في كلامه المتقدم - ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها (٤).
٢ - أن هذا الطريق التزم أصحابه باطلًا من القول، منه: نفي الصفات الاختيارية بدعوى أنها أعراض (٥)، والأعراض حادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ومن ثم قالوا بأنه يلزم نفيها عن الله تعالى؛ لأن ثبوتها بزعمهم يلزم منه قيام الحوادث به، وهذا يؤدي إلى تعطيل وجوده الذي تم بإثبات أن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث،
стр. 117
ولا شك أن ما أدى إلى باطل يكون باطلًا كذلك (١).
٣ - أن هذا الطريق طريق غامض طويل، وهذا مما يعترف به أئمة الأشاعرة أنفسهم (٢)، حتى عد بعضهم أكثر المتكلمين مقلدين في عقائدهم لعدم تحصيلهم له فضلًا عن غيرهم (٣)، فالقول بوجوبه على كل مكلف وتأثيم من لم يسلكه، يلزم منه تكليف ما لا يطاق، والأشاعرة من أشد الناس إنكارًا له.
٤ - أن هذا الطريق لا يؤمن على صاحبه الفتنة - كما في كلام ابن حجر المتقدم -.
يقول الرازي - وهو من أئمتهم -: "إن الدلائل التي ذكرها المتكلمون - وإن كانت كاملة قوية - إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أقرب إلى الحق والصواب؛ وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة، وبسبب ما فيها من الدقة، انفتحت أبواب الشبهات وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق والاحتراز عن فتح القيل والقال ... ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته" (٤).
ولهذا كله يقول العلامة أبو المظفر السمعاني ﵀: "فليتدبر المسلم المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين كيف تحيّروا في نظرهم، وارتكسوا فيه، فلئن نجا واحد بنظره فقد هلك فيه الألوف من الناس ... أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم، ويجعله سبيل منجاتهم ... وكيف له المنجاة من أودية الكفر وعامتها بل جميعها إنما يهبط عليها من هذه المرقاة، أعني: طلب الحق من النظر" (٥).
стр. 118
المبحث الثاني الفطرة
ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في الفطرة، وتعدد أقوالهم في المراد بها، فقال:
"اختلف في المراد في الفطرة:
فقيل: هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم فتقع الولادة عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين.
وقيل: ما قضي على المولود من سعادة أو شقاوة فمن علم الله أنه يصير مسلمًا ولد على فطرة الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا ولد على الكفر.
وقيل: معرفة الله تعالى والإقرار به وإن عبد معه غيره.
والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر عليه في أحكام الدنيا والآخرة، وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: فيهودانه وينصرانه ويمجسانه أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمرًا على الكفر حكم له به" (١).
التقويم:
الفطرة في اللغة: مصدر فَطَرَ يَفْطُرُ فَطْرًا.
والفطر: يطلق ويراد به معان عدة، هي: الشق، والابتداءُ،
стр. 119
والاختراع، والخلق (١).
وأما في الشرع: فقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، والخلاف في ذلك جار بين أهل السنة والجماعة.
وجملة هذه الأقوال ستة، هي:
الأول: أن الفطرة هي الخلقة التي خلقوا عليها من المعرفة بربهم.
الثاني: أن الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها.
الثالث: أن الفطرة هي ما فطروا عليه من الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان.
الرابع: أن الفطرة هي ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا.
الخامس: أن الفطرة هي ما يقلب الله عليه قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء.
السادس: أن الفطرة هي الإسلام (٢).
والراجح -والله أعلم- أن الفطرة هي الإسلام والقول بذلك هو ما عليه أكثر الصحابة والتابعين وغيرهم.
يقول الإمام ابن عبد البر (٣) ﵀: "هو المعروف عند عامة السلف من
стр. 120
أهل العلم بالتأويل" (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول" (٢).
والأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الاسلام متظافرة من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فقد أجمع أهل التأويل من السلف أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام (٣).
ومن السنة: قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء". يقول أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: "اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ".
وفي رواية: "ما من مولود إلا وهو على الملة".
وفي أخرى: "إلا على هذه الملة" (٤).
ودلالة هذا الحديث على أن المراد بالفطرة الإسلام من وجوه كثيرة، منها:
١ - روايات الحديث المختلفة التي تدل بمجموعها على أن المراد بالفطرة الإسلام.
٢ - قول أبي هريرة ﵁ في آخر الحديث: "اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ "حيث فسر الحديث بالآية، وقد سبق أن أهل التأويل من السلف مجمعون على أن المراد بفطرة الله في الآية دين
стр. 121
الإسلام، وأبو هريرة ﵁ أعلم بمعنى ما سمع (١).
٣ - أن النبي ﷺ ذكر ملل الكفر دون الإسلام فقال: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل يسلمانه؛ فدل ذلك على أن الفطرة هي الإسلام وأنه يتحول منه إلى غيره بفعل الأبوين أو غيره (٢).
وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... " (٣).
"والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام" (٤).
والمراد بتفسير الفطرة بالإسلام أن الفطرة فيها قوة موجبة ومستلزمة للإقرار بالله ، ومحبته سبحانه، والذل والخضوع له، والإخلاص إليه، لا أن المولود يولد عالمًا بالإسلام عاملًا به.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ومما ينبغي أن يُعلم أنه إذا قيل إنه يولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو على هذه الملة، أو خلق حنيفًا، فليس المراد به أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].
ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقربه، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض ...
وليس المراد أيضًا مجرد قبول الفطرة لذلك ... بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره ... " (٥).
стр. 122
وما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من أن الفطرة هي التهيؤ للإسلام والقابلية للتوحيد هو بمعنى قول من قال من أهل العلم بأن الفطرة هي الخلقة.
والفرق بين القول بأن الفطرة هي الخلقة والقول بأن الفطرة هي الإسلام:
أن الفطرة على قول من يفسرها بالإسلام موجبة ومستلزمة ومقتضية للإسلام، وأما على قول من يفسرها بالخلقة فإنها ليست كذلك وإنما هي مجرد قابلة له ومتمكنة منه.
فالمولود - على قول من يقول بأن الفطرة هي الخلقة - يولد على السلامة بحيث يمكن أن يوحد أو يشرك باختياره دون أن يكون في خلقته ما يقتضي ترجيح التوحيد على الشرك، بل تكون نفسه قابلة لأي منهما على السواء، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّز.
وترجيح ابن حجر ﵀ لهذا القول يوافقه عليه جماعة من أهل العلم (١)، ويمكن الجواب عنه من طريقين:
أحدهما: النقض؛ وذلك بأن يقال:
أولًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ - في أصل الجِبِلّة - لا يسمى فطرة، ولا دينًا، ولا إسلامًا، ولا ملة، بل الفطرة قدر زائد على مجرد التمكن والتهيؤ (٢) كما سبق-.
ثانيًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ لا يتغير بفعل الأبوين، بل البالغ الكافر عنده من التمكن والتهيؤ لقبول الإسلام ما ليس عند الصغير.
ثالثًا: أن النصوص وردت بتشبيه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أن الأبوين لم يغيروا قبول المولود، ولو تغير القبول وزال التهيؤ لم
стр. 123
تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ متعقبًا هذا القول: "صاحب هذا القول:
إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف؛ لأن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا ولا على الملة ...
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان" (٢).
وثانيهما: المعارضة: وذلك بما تقدم من الأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الإسلام.
ولعل الذي حمل ابن حجر ﵀ على ترجيح القول بأن الفطرة هي الخلقة ومجرد التهيؤ والتمكن مع أنه قول مرجوح في نفسه هو قوله بأن معرفة الله تعالى نظرية كسبية لا ضرورية فطرية - كما سبق - ومن ثم فإنه فسر الفطرة بالتهيؤ للإسلام والتمكن منه لا الإسلام نفسه.
* * *
стр. 124
المبحث الثالث حكم إيمان الْمُقَلّد
عرف ابن حجر ﵀ التقليد بقوله: "التقليد أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم" (١).
وسئل عن المراد بالمقلد الذي لا يصح إيمانه عند كثير من المتكلمين؟
فأجاب بقوله: "المراد من نشأ بقمة جبل ولم يرزق فطنة حتى يستدل بهذا العالم على أن له موجدًا ومدبرًا فمر عليه شخص فقال له ذلك فاعتقده وجزم به تقليدًا له من غير أن يتفطن لذلك الاستدلال وهذا نادر جدًّا.
وأما من قال يلزم على القول بعدم صحة إيمان المقلد تكفير العوام فإنه يتمشى كلامه على أن المراد بالمقلد من لم يتقن الدليل على قواعد الاستدلال، وهذا بعيد جدًّا فإنه ﷺ اكتفى من كثيرين من أجلاف الأعراب والنساء بما هو طبع كل أحد حتى العجائز والصبيان من الاستدلال بالنجوم والسماء والأرض والأنهار والأشجار والزروع على أن لها خالقًا ومدبرًا، وعلى هذا لا تجد عاميًا مقلدًا أصلًا" (٢).
وأنكر ﵀ نسبة القول بمنع التقليد في أصول الدين إلى أبي الحسن الأشعري، ورد على من قال به من أصحابه، حيث قال:
стр. 125
"نقل المنع [يعني: المنع من التقليد في أصول الدين] عن إمام السنة (١) الشيخ أبي الحسن الأشعري كذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري ...
وخلاف الباقلاني (٢) والإسفراييني (٣) وأبي المعالي في أول قوليه تبعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة، وأحدثوا القول به بعد انقضاء أئمة السلف" (٤).
التقويم:
التقليد في اللغة: مصدر قَلَدَ، يُقَلِّدُ، تَقلِيدًا.
يقول ابن فارس: "القاف واللام والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء وليّه به، والآخر على حظٍّ ونصيب.
فالأول: التقليد: تقليد البدنة، وذلك أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي ...
والآخر: القلِد: الحظ من الماء، سقينا أرضنا قلِدها، أي: حظها" (٥).
ويطلق التقليد على معان عدة، منها: اللزوم، والتعليق، والتحمل (٦).
стр. 126
وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات أهل العلم في التعبير عنه (١)، وهي في جملتها لا تخرج عما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كونه "أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم".
وقد شرح العلامة ابن علان المكي ﵀ تعريف ابن حجر هذا فقال: " [قوله]: (هو أخذ قول الغير) أي رأيه واعتقاده ... (من غير معرفة دليله) فخرج أخذ قول لا يختص بالغير كالمعلوم من الدين بالضرورة، وأخذ قول الغير مع معرفة دليله فليس بتقليد بل اجتهاد وافق اجتهاد القائل ... " (٢).
وتعريف ابن حجر ﵀ التقليد بذلك مما وافق فيه بعض أهل العلم (٣).
والتقليد تارة يكون في أصول الدين وتارة يكون في فروعه، والكلام هنا عن الأول دون الثاني، وجملة القول فيه أن يقال:
اتفق الناس على أن التقليد في أصول الدين إن كان عن غير جزم فإنه لا يجوز، واختلفوا فيما إذا كان عن جزم على ثلاثة أقوال:
الأول: القول بجوازه، وجواز النظر.
الثاني: القول بوجوبه، وتحريم النظر.
الثالث: القول بتحريمه، ووجوب النظر.
واختلف القائلون بتحريمه في صحة إيمان المقلد على قولين:
أحدهما: عدم صحة إيمانه.
وثانيهما: صحة إيمانه مع إثمه (٤).
стр. 127
والخلاف في ذلك كله فرع عن الخلاف في حقيقة التقليد ومعنى النظر.
يقول العلامة المعلمي (١) ﵀: "والحاصل أن علماء السلف لما حرموا النظر في علم الكلام، عارضهم المخالفون بادّعاء وجوبه، ولما قال بعض علماء السلف إن النظر في علم الكلام كفر أو مظنة الكفر؛ عارضهم المخالفون بزعم أن من لم يعرف علم الكلام فهو مقلد ولا إيمان لمقلد وأشاعوا هذه المقالة حتى استقر في كثير من الأذهان أن التقليد مرادف لعدم النظر في علم الكلام.
وبهذا صار التقليد يطلق على معنيين، كما أن النظر كذلك:
فعامة القائلين بوجوب النظر إنما يعنون النظر على طريقة السلف، وهو أمر متيسر لكل أحد حتى العامة، والقائلون بأن النظر لا يجب وهو حرام، إنما يعنون النظر على طريقة المتكلمين.
والقائلون بأنه لا يكفي التقليد، إنما يعنون التقليد بمعناه الحقيقي، وهو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، والقائلون بأنه يكفي التقليد، إنما عنوا به التقليد بمعناه المخترع، وهو الاقتصار على النظر على طريقة السلف بدون نظر في علم الكلام" (٢).
والراجح - والله أعلم - أن التقليد في أصول الدين يختلف حكمه باختلاف المراد بالتقليد، ومعنى النظر، وحال المقلد من حيث سلامته من
стр. 128
الشبهات من جهة وتمكنه من النظر والاستدلال من جهة أخرى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض، منهم من يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة، أصولها وفروعها على كل أحد، ومنهم من يحرِّم الاستدلال في الدقيق على كل أحد، وهذا في الأصول والفروع، وخير الأمور أوسطها" (١).
ويقول أيضًا: "فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحًا، ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحًا" (٢).
ويقول العلامة الشنقيطي (٣) ﵀: "التحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز" (٤).
وما قرره ابن حجر ﵀ من القول بندرة من هو مقلد في أصول الدين وأن الغالب على العامة الاستدلال، وحكمه بصحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا إذا لم يتمكن من النظر والاستدلال موافق لما عليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة.
يقول العلامة ابن حزم ﵀: "قال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه وقال بلسانه: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك ...
ونحن لا ننكر الاستدلال بل هو فعل حسن مندوب إليه محضوض عليه كل من أطاقه؛ لأنه تزود من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، نعوذ بالله من البلاء، وإنما ننكر كونه فرضًا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، هذا هو الباطل المحض" (٥).
стр. 129
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد .... وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها" (١).
ويقول العلامة السفاريني ﵀: "الحق الذي لا محيد عنه ولا انفكاك لأحد منه صحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا صحيحًا، وأن النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأن التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة، نعم يجب النظر على من لا يحصل له التصديق الجازم أول ما تبلغه الدعوة" (٢).
وأما ما ذكره من أن القول بمنع التقليد في أصول الدين كذب على أبي الحسن الأشعري، فهو مما اختلف فيه أصحابه من بعده:
فمنهم: من أثبت ذلك عنه، وتابعه عليه (٣).
ومنهم: من أثبت ذلك عنه، وشنع به عليه (٤).
ومنهم: من أثبت ذلك عنه، وتأوله بالمقلد الشاك دون الجازم (٥)، وهو مردود بأن الخلاف فيمن كان تقليده جازمًا، وأما الشاك فمتفق على عدم صحة إيمانه (٦).
ومنهم: من أنكر ذلك عنه، وعده من الكذب عليه، ومن هؤلاء القشيري الذي نقل ابن حجر عنه تكذيبه لذلك وارتضاه لنفسه.
ونص كلامه: "وأما ما قالوا إن الأشعري يقول بتكفير العوام، فهو كذب وزور، وقصد من يتعنت بذلك تحريش الجهلة، والذين لا تحصيل لهم عليه، كعادة من لا تحصيل له في تقوّله بما لا أصل له، وهذا أيضًا
стр. 130
من تلبيسات الكرامية (١) ... " (٢)، وقد تُعقِّب قوله هذا بكون ذلك مشتهرًا عنه فلا وجه لتكذيبه (٣).
وقد بحثت في كتب الأشعري ﵀ وكتب المحققين من أهل المقالات كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لَعلّي أظفر بشيء، فلم أجد شيئًا يدل على نسبة ذلك له أو نفيه عنه، والأشاعرة أنفسهم مختلفون في هذه المسألة على ستة أقوال (٤)؛ مما يجعل كلامهم في ذلك غير معتمد.
وقول ابن حجر ﵀ إن خلاف الباقلاني والإسفراييني وأبي المعالي في أول قوليه، وقولهم بمنع التقليد في أصول الدين وعدم صحة إيمان المقلد مما تابعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة وأحدثوه بعد انقضاء أئمة السلف قول صحيح، إلا أن تأثرهم في ذلك بالمعتزلة فرع عن تأثرهم بهم في قولهم بأن معرفة الله نظرية كسبية لا ضرورية فطرية وأن أول واجب على المكلف النظر أو القصد إليه وهو ما يوافقهم عليه ابن حجر - كما سبق (٥) - فهم طردوا قولهم وتابعوا المعتزلة في الجميع، وأما ابن حجر فقد تابع المعتزلة في القول بأن معرفة الله نظرية كسبية وأنها والطريق المؤدي إليها من النظر أو القصد إليه أول واجب على المكلف وخالفهم في إيمان المقلد فوقع في التناقض.
وهذا التناقض لا يخص ابن حجر وحده بل يصدق عليه وعلى من
стр. 131
وافقه من الأشاعرة في الجمع بين القولين، غير أن ذلك خير من قول من طرد قول المعتزلة في المسألتين؛ لأن القول ببعض الحق خير من تركه كله.
* * *
стр. 132
الفصل الثاني آراؤه في توحيد الألوهية
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد: في تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الأول: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها.
المبحث الثاني: معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها.
المبحث الثالث: موقفه مما ينافي التوحيد أو يقدح فيه.
стр. 133
تمهيد في تعريف توحيد الألوهية
الألوهية مصدر أَلَه يألَه أُلُوهة وألوهية (١).
يقول ابن فارس: "الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد" (٢).
وقد ذكر الفيروزآبادي (٣) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولًا (٤).
وقد ساق ابن حجر ﵀ بعض هذه الأقوال (٥)، وفسر الإله في مواضع عدة من كتبه بالمعبود الحق (٦).
يقول في ذلك: "الإله اسم جنس لكل معبود ثم استعمل في المعبود بحق" (٧).
стр. 134
وما ذكره في معنى الإله هو الذي يدل عليه القرآن والسنة (١) وأقوال أئمة اللغة (٢).
إذا تقرر ذلك فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة وإخلاص الدين له وحده (٣).
ومعنى ذلك أن يتوجه العبد بأعماله التعبديّة كلها، باطنها وظاهرها لله تعالى وحده بحيث لا يكون شيء منها لغيره سبحانه.
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وأول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله (٤).
* * *
стр. 135
المبحث الأول معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها
تحدث ابن حجر ﵀ عن كلمة التوحيد وعُني بتقرير معناها، والكلام في إعرابها، وبيان فضلها، وفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه:
أولًا: معنى لا إله إلا الله:
يرى ابن حجر ﵀ أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وصرح بذلك في مواضع من كتبه (١)، ومنها قوله:
"لا إله إلا الله ... معناها: لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق" (٢).
وزاد في بيانه لمعناها في مواضع أخرى قيد الوجود فقال إن معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله (٣)، منها قوله:
" (أشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) " (٤).
التقويم:
لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد، ولا يتم إسلام عبد دون تحقيق معناها، والعمل بمدلولها.
стр. 136
وهي تعني إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله (١).
وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه دعوة المرسلين وشرائع النبيين، فما من رسول أرسله الله إلا دعا قومه إليه، وحذرهم مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
يقول العلامة الصنعاني (٢) ﵀ في تقرير ذلك: "إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة ... وهذا الذي تضمنه قول: (لا إله إلا الله) فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة، واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان.
ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِمَا يعبد من دونه والبراءة منه.
وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه" (٣).
وبما سبق تتضح موافقة ابن حجر ﵀ أهل السنة والجماعة في معنى لا إله إلا الله.
стр. 137
ثانيًا: إعراب لا إله إلا الله:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن الخبر في لا إله إلا الله مقدر بموجود، وأن تقديره بذلك لا ينافي التوحيد بل يثبته، حيث وجه إليه سؤال عن الخبر في لا إله إلا الله هل يقدر بممكن أو موجود؛ وذلك لكون تقدير الخبر بممكن لا يلزم منه إثبات وجود الله إذ الإمكان لا يستلزم الوجود، وتقديره بموجود لا يلزم منه نفي الإمكان عن غير الله، وعلى كلا التقديرين فلا يلزم التوحيد الكامل؟
فأجاب بقوله: "لا شك أن المراد تقدير موجود لا مطلقًا، بل مع ملاحظة وجوب اتصاف وجوده بأنه واجب لذاته، أي: لا موجود وجوده واجب لذاته إلا الله، وهذا لا يرد عليه شيء.
وبفرض الغفلة عن هذا، والاقتصار على تقدير موجود فقط، يمكن توجيهه بأن يقال إن الممكن يسمى موجودًا بالقوة، فإذا قدر موجودًا انتفى وجود الألوهية بسائر اعتباراته عن غير الله، وإثباته بسائر اعتباراته لله تعالى، وحينئذ فتقديره لا ينافي التوحيد الكامل بل يثبته كما هو جلي والله أعلم" (١).
التقويم:
لَمّا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل؛ كان الاعتناء بمعرفة إعراب لا إله إلا الله أمر مهم، وصلة ذلك بالبحث العقدي شيء متحتم.
ولهذا اعتنى العلماء بإعراب هذه الكلمة، وأفردوا المصنفات في ذلك (٢).
стр. 138
وحاصل ما ذكروه أن:
لا: نافية للجنس.
وإله: اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مفرد نكرة تضمن معنى الحرف.
واختلفوا في خبرها هل هو مذكور أم محذوف؟
فقال بعضهم: خبرها مذكور، وهو جملة الاستثناء (إلا الله).
وقال آخرون: خبرها محذوف، وهو الصواب، ثم اختلف هؤلاء في تقديره:
فقدره بعضهم بكلمة (موجود).
وبعضهم بكلمة (ممكن).
وبعضهم بكلمة (لنا).
وبعضهم بكلمة (معبود).
وبعضهم بكلمة (حق).
والصواب تقديره بكلمة (حق)؛ لأن المعبود بحق هو الله وحده أما غيره من المعبودات فهي موجودة لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وإلا: أداة استثناء.
والله: لفظ الجلالة بدل من لفظ الإله، بدل بعض من كل (١).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - عفا الله عنه - من كون الخبر في لا إله إلا الله مقدر بكلمة موجود باطل من وجوه، منها:
١ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) لا ينفي إمكان وجود إله دونه سبحانه فيما يستقبل (٢)، وجوابه عن ذلك وإن كان ينفي هذا الاعتراض فإنه لا ينفي الاعتراض الآخر بعده، كما أن ورود الاعتراض بحد ذاته وإن
стр. 139
أجيب عنه يضعف هذا القول ويوهيه.
٢ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) يلزم منه أن يكون كل معبود بحق أو باطل هو الله ؛ إذ الآلهة الموجودة المعبودة من دون الله كثيرة، وهذا هو مذهب أهل الاتحاد (١)(٢).
٣ - أن تقدير ابن حجر الخبر بكلمة (موجود) يناقض ما ذكره في معنى لا إله إلا الله من كون معناها: لا معبود بحق إلا الله.
وعليه فإن الصواب هو تقدير الخبر بكلمة (حق)، وأما تقديره بكلمة (موجود) فلا يكفي إلا إذا ذكر قيد الاستحقاق بحيث ينعت اسم لا بحق، ويكون التقدير لا إله حقًّا موجودٌ إلا الله وحينئذ يزول المحذور (٣).
ثالثًا: فضل لا إله إلا الله:
قرر ابن حجر فضل لا إله إلا الله، وذكر أنه "ورد في فضلها أحاديث كثيرة" (٤).
وبيّن أن "أفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن وبعده التهليل" (٥).
وذكر أن التهليل أفضل من التحميد، حيث سئل عن المفاضلة بينهما فأجاب بقوله: "ظاهر كلام الأئمة وصريحه أن الأول أفضل ... " (٦).
стр. 140
ولكن ابن حجر مع تقريره ما سبق في فضل لا إله إلا الله، وقوله بأفضلية التهليل على التحميد، عقد مقارنة بين الذكر بالتهليل والذكر بلفظ الجلالة فقط فقال: "ذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا هذا بلسان أئمة الظاهر، وأما أهل الباطن فالحال يختلف باختلاف أحوال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إرادته وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجاذب الحق المرتبة على ذلك، فإذا استولت عليه تلك الجواذب حتى أخرجته عن شهواته وإرادته وحظوظه وجميع أغراض نفسه صار بعيدًا عن شهود الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط؛ لأن ذلك فيه تمام لذاته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أربه ومحبته ... " (١).
التقويم:
فضل كلمة التوحيد مغروس في الفطر، ومتقرر في العقول، والإحاطة ببيانه هنا متعذر.
يقول العلامة ابن رجب (٢) ﵀: "كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها: فهي كلمة التقوى ... وكلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق ... " (٣).
وقد أفرد غير واحد من أهل العلم الكلام على فضائلها في مصنفات خاصة (٤)،
стр. 141
وعدّها بعضهم فأوصلها إلى نحو مئتي فضيلة (١).
وأما المفاضلة بين الذكر بها والذكر بالتحميد فهو محل خلاف بين أهل العلم، والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة منهم.
يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀: "اختلف العلماء في أفضل الذكر: فقال منهم قوم: أفضل الكلام لا إله إلا الله ...
وقال آخرون: أفضل الذكر الحمد لله رب العالمين ...
ولكل واحد من القولين وجه وآثار تدل على ما ذهب إليه من قال به ... " ثم ساق أدلة كل قول منها (٢).
والقول: بتفضيل التهليل على التحميد هو قول جماعة من المحققين كابن رجب (٣) وابن عبد الهادي (٤)(٥) وغيرهما.
ومما سبق يتضح أن ما ذكره ابن حجر في فضل لا إله إلا الله موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة، وأن قوله: بتفضيل التهليل على التحميد موافق لقول المحققين منهم.
وأما تقريره تفضيل الذكر بالاسم المفرد على الذكر بلا إله إلا الله فهو مما وافق به الصوفية (٦)، وخالف فيه أهل السنة والجماعة، ويرد عليه بما يلي:
١ - أن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا هو مأثور عن أحد من سلف الأمة، وإنما
стр. 142
لهج به قوم من ضلال المتأخرين (١).
٢ - أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلامًا تامًا مفيدًا، والذكر بالاسم المفرد لا يعد كلامًا تامًا مفيدًا؛ إذ لا يدل على ذكر أو مدح أو تعظيم ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر عقد الإسلام، وأبعد من ذلك ذكر الاسم المضمر فإنه لا يدل على معين أصلًا، وإنما هو بحسب قصد المتكلم ونيته (٢).
٣ - أن القول بتفضيل الذكر بالاسم المفرد على التهليل وتفضيل الذكر بالاسم المضمر على الاسم المفرد جر كثيرًا ممن يقول بذلك إلى القول بأن التهليل هو ذكر العامة، والذكر بالاسم المفرد هو ذكر الخاصة، والذكر بالاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة (٣).
ومعلوم أن التهليل هو ذكر الأنبياء الذين هم خاصة الخاصة بل هو أفضل قولهم؛ لِمَا روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (٤).
стр. 143
فالقول بأن التهليل هو ذكر العامة طعن في الأنبياء والمرسلين ﵇.
كما أن القول بذلك جر بعضهم إلى الوقوع في الأحوال الشيطانية والقول بوحدة الوجود (١) وأن كل موجود هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - (٢).
٤ - أن ما استَدَلَّ به مَنْ فضَّل الذكر بالاسم المفرد والاسم المضمر على التهليل لا يخرج عن أمرين: إما دليل مطعون في ثبوته أو في دلالته، وإما ذوق (٣) أو وجد لا يعارض بهما الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على أن أفضل الذكر بعد القرآن التهليل (٤).
وما ذكره ابن حجر في تعليل قوله والاستدلال له لا يخرج عن ذلك؛ إذ هو قائم على الذوق والوجد الصوفيين وهما نسبيان فكل إنسان له اعتقاداته وإراداته، وتطلب نفسه تذوقها، والأذواق مختلفة والمواجيد
стр. 144
متباينة، وما كان كذلك فليس حجة في نفسه، فضلًا عن أن يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة (١).
وعليه فإن ما علل به ابن حجر قوله لا يرقى لمعارضة النصوص الدالة على تفضيل التهليل على غيره من الأذكار المشروعة فضلًا عن الأذكار البدعية الممنوعة.
* * *
стр. 145
المبحث الثاني معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها
تحدث ابن حجر ﵀ عن العبادة مبينًا معناها، وبعض أنواعها، ووجوب صرفها لله تعالى دون كل من سواه، وفيما يلي بيان آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
أولًا: معنى العبادة:
يرى ابن حجر ﵀ أن العبادة هي توحيد الله تعالى والإخلاص له، يقول في ذلك: " [العبادة] أن تعبد الله أي: توحده في حال كونك لا تشرك به شيئًا، أو تأتي بجميع أنواع العبادة في حال كونك مخلصًا له بأن تقصد بها وجهه تعالى وحده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] " (١).
التقويم:
العبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يَعبُدُ عبادَةً.
يقول ابن فارس: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان:
والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل.
والآخر على شدة وغلظ" (٢).
والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة،