← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعدّها بعضهم فأوصلها إلى نحو مئتي فضيلة (١). وأما المفاضلة بين الذكر بها والذكر بالتحميد فهو محل خلاف بين أهل العلم، والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة منهم. يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀: "اختلف العلماء في أفضل الذكر: فقال منهم قوم: أفضل الكلام لا إله إلا الله ... وقال آخرون: أفضل الذكر الحمد لله رب العالمين ... ولكل واحد من القولين وجه وآثار تدل على ما ذهب إليه من قال به ... " ثم ساق أدلة كل قول منها (٢). والقول: بتفضيل التهليل على التحميد هو قول جماعة من المحققين كابن رجب (٣) وابن عبد الهادي (٤) (٥) وغيرهما. ومما سبق يتضح أن ما ذكره ابن حجر في فضل لا إله إلا الله موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة، وأن قوله: بتفضيل التهليل على التحميد موافق لقول المحققين منهم. وأما تقريره تفضيل الذكر بالاسم المفرد على الذكر بلا إله إلا الله فهو مما وافق به الصوفية (٦)، وخالف فيه أهل السنة والجماعة، ويرد عليه بما يلي: ١ - أن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا هو مأثور عن أحد من سلف الأمة، وإنما

стр. 142

لهج به قوم من ضلال المتأخرين (١). ٢ - أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلامًا تامًا مفيدًا، والذكر بالاسم المفرد لا يعد كلامًا تامًا مفيدًا؛ إذ لا يدل على ذكر أو مدح أو تعظيم ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر عقد الإسلام، وأبعد من ذلك ذكر الاسم المضمر فإنه لا يدل على معين أصلًا، وإنما هو بحسب قصد المتكلم ونيته (٢). ٣ - أن القول بتفضيل الذكر بالاسم المفرد على التهليل وتفضيل الذكر بالاسم المضمر على الاسم المفرد جر كثيرًا ممن يقول بذلك إلى القول بأن التهليل هو ذكر العامة، والذكر بالاسم المفرد هو ذكر الخاصة، والذكر بالاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة (٣). ومعلوم أن التهليل هو ذكر الأنبياء الذين هم خاصة الخاصة بل هو أفضل قولهم؛ لِمَا روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (٤).

стр. 143

فالقول بأن التهليل هو ذكر العامة طعن في الأنبياء والمرسلين ﵇. كما أن القول بذلك جر بعضهم إلى الوقوع في الأحوال الشيطانية والقول بوحدة الوجود (١) وأن كل موجود هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - (٢). ٤ - أن ما استَدَلَّ به مَنْ فضَّل الذكر بالاسم المفرد والاسم المضمر على التهليل لا يخرج عن أمرين: إما دليل مطعون في ثبوته أو في دلالته، وإما ذوق (٣) أو وجد لا يعارض بهما الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على أن أفضل الذكر بعد القرآن التهليل (٤). وما ذكره ابن حجر في تعليل قوله والاستدلال له لا يخرج عن ذلك؛ إذ هو قائم على الذوق والوجد الصوفيين وهما نسبيان فكل إنسان له اعتقاداته وإراداته، وتطلب نفسه تذوقها، والأذواق مختلفة والمواجيد

стр. 144

متباينة، وما كان كذلك فليس حجة في نفسه، فضلًا عن أن يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة (١). وعليه فإن ما علل به ابن حجر قوله لا يرقى لمعارضة النصوص الدالة على تفضيل التهليل على غيره من الأذكار المشروعة فضلًا عن الأذكار البدعية الممنوعة. * * *

стр. 145

المبحث الثاني معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها تحدث ابن حجر ﵀ عن العبادة مبينًا معناها، وبعض أنواعها، ووجوب صرفها لله تعالى دون كل من سواه، وفيما يلي بيان آرائه في هذه المسائل وتقويمها. أولًا: معنى العبادة: يرى ابن حجر ﵀ أن العبادة هي توحيد الله تعالى والإخلاص له، يقول في ذلك: " [العبادة] أن تعبد الله أي: توحده في حال كونك لا تشرك به شيئًا، أو تأتي بجميع أنواع العبادة في حال كونك مخلصًا له بأن تقصد بها وجهه تعالى وحده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] " (١). التقويم: العبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يَعبُدُ عبادَةً. يقول ابن فارس: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان: والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل. والآخر على شدة وغلظ" (٢). والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة،

стр. 146

والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية (١). والمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس ولا تخرج عنهما. وأما العبادة في الشرع: فإن معانيها تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها. فالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التّعبّد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم. والعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المتعبد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (٢). وعبارات أهل العلم في تعريف العبادة وبيان معناها وإن تعددت فهي لا تخرج عما سبق (٣). وتعريف ابن حجر العبادة بأنها توحيد الله والإخلاص له هو مقتضى نصوص الوحيين؛ إذ العبادة المأمور بها هى المتضمنة لتوحيد الله تعالى والإخلاص له. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال ﷺ لمعاذ رضى الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وفي رواية: "فادعهم إلى عبادة الله"، وفي رواية: "فادعهم إلى أن يوحدوا الله" (٤). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "وجه الجمع بينها: أن المراد

стр. 147

بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين" (١). وتعريف العبادة بالتوحيد مروي عن ابن عباس رضى الله عنهما فقد ورد عنه في معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] أنه قال: "قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ " (٢)، ونقل السمعاني ﵀ عنه أنه قال: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد" (٣). ثانيًا: أنواع العبادة: عرض ابن حجر ﵀ لنوعين من أنواع العبادة هما الخوف والرجاء وبين تلازمهما، وذكر أقوال الناس في تغليب أحدهما على الآخر، ورجح ما يراه منها. حيث قال: "الرجاء والخوف متلازمان، فإن كل من رجا محبوبًا فلا بد وأن يخاف فوته وإلا فهو لا يحبه، فاستحال انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن أمكن غفلة القلب عن استشعار أحدهما" (٤). وقال: "الراجح عند أئمتنا أن الإنسان ما دام صحيحًا فليكن رجاؤه وخوفه مستويين. وقيل: يغلب الرجاء لئلا يغلب عليه داء اليأس من رحمة الله تعالى. وقيل: يغلب الخوف لئلا يغلب عليه داء الأمن من مكر الله. ويرد بأنهما إذا استويا أُمِنَتْ غلبة أحدهما، فلا محذور يخشى حينئذ؛ بخلاف غلبة أحدهما فإنه يخشى من المحذور الذي في مقابله. أما المريض فيغلب الرجاء، لقوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو

стр. 148

محسن الظن بالله" (١) أي: يظن أنه يغفر له ويرحمه" (٢). التقويم: الخوف والرجاء من العبادات القلبية العظيمة الباعثة على ما سواها من العبادات. يقول الحافظ ابن كثير (٣) ﵀: "لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكفّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات" (٤). ولهذا وصف الله بها خواص عباده، وأثنى عليهم بتحقيقها. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. والخوف والرجاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ إذ الخوف بلا رجاء يأس وقنوط، والرجاء بلا خوف أمن من مكر الله، وكلاهما من كبائر الذنوب (٥).

стр. 149

ولهذا قال ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" (١). وقد قرر أهل السنة والجماعة ذلك، وذكروه في عقائدهم. يقول الإمام الطحاوي (٢) ﵀: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة" (٣). ومثلوا حال العبد معهما بحال الطائر مع جناحيه، فقالوا: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا، صار الطائر في حد الموت" (٤). ومن مشهور قولهم في الرد على من ضل في هذا الباب: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (٥)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد" (٦). وقد اختلف أهل العلم ﵏ هل يغلب العبد جانب الرجاء أو جانب الخوف؟ فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقًا.

стр. 150

ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقًا. ومنهم من قال: إن كان في طاعة فليغلب الرجاء، وإن هم بمعصية فليغلب الخوف. ومنهم من قال: إن أمن داء القنوط فالرجاء أولى، وإن أمن داء المكر فالخوف أولى. ومنهم من قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا. ومنهم من قال: في حال الصحة يغلب جانب الخوف، وفي حال المرض يغلب جانب الرجاء. ومنهم من قال: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحدًا، وفي حال المرض يغلب الرجاء أو يمحضه (١). والذي عليه جمهور السلف ﵏ ضرورة استوائهما بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر" (٢). والقول بذلك هو القول المختار الذي تعضده النصوص الشرعية وتدل عليه. يقول العلامة النووي ﵀: "اعلم أن المختار للعبد حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء ... وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك" (٣). وما رجحه ابن حجر ﵀ هو بمعنى هذا القول، إلا أنه استثنى المريض من ذلك للحديث المذكور.

стр. 151

ثالثًا: موقفه من صرف العبادة لغير الله: ذكر ابن حجر ﵀ بعض أنواع العبادة التي تضمنها حديث ابن عباس ﵁ وفيه يقول النبي ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" (١). وشرح -غفر الله له- الحديث مبينًا وجوب إفراد الله تعالى بهذه العبادات وعدم جواز صرف شيء منها لغير الله: حيث قال في شرحه لقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله": "أي: أردت سؤاله فاسأل الله أن يعطيك إياه ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا تسأل غيره فإن خزائن الجود بيده وأزمتها إليه، إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد سيما وقد قسم الرزق وقدره لكل بحسب

стр. 152

ما أراد له ... فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم ... فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه ... فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبتعد عن مولاه، لضعف يقينه، ووقوعه في هُوّة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين" (١). وقال في شرحه لقوله ﷺ : "وإذا استعنت فاستعن بالله": "وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لما علمت أنه القادر على كل شيء وغيره عاجز عن كل شيء حتى جلب مصالح نفسه ودفع مضارها، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره فكيف يؤهل للاستعانة به أو يتمسك بسببه؟ قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، قدّم المعمول ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" (٢). وقال في شرحه لقوله ﷺ : "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك": "المعنى وَحِّد الله تعالى في لحوق الضرر والنفع، فهو الضار النافع، ليس لأحد معه في ذلك شيء ... فعلم أن هذا تقرير وتأكيد لِمَا قبله من الإيمان بالقدر خيره وشره، وتوحيده تعالى في لحوق الضرر والنفع على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحث على التوكل والاعتماد على الله في جميع الأمور، وعلى شهود أنه وحده المؤثر في الوجود، النافع الضار، وغيره ليس له من النفع ولا من الضرر شيء، وعلى الإعراض عما سواه إذ من تيقن ذلك لم يشهد ضره ونفعه إلا من مولاه ولم ينزل حاجته إلا به " (٣).

стр. 153

وختم شرحه لهذا الحديث بقوله: "ثم مدار هذه الوصية كلها على هذا الأصل [يعني: التوكل] إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه؛ فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا البتة، علم أن الله تعالى وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأفرده بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه ورجاه، وأحبه وقدم طاعته على طاعة خلقه كلهم، وأفرده بالاستعانة به، والسؤال له، والتضرع إليه، والرضا بقضائه في حال الشدة والرخاء" (١). ومع تقرير ابن حجر -غفر الله له- ما سبق فإنه يرى أن من رجا النبي ﷺ أو دعاه أو استعاذ أو استغاث به إنما رجا الله تعالى ودعاه واستعاذ واستغاث به على الحقيقة؛ لأن النبي ﷺ إنما هو واسطة بين الراجي والمرجو والداعي والمدعو والمستعيذ والمعيذ والمستغيث والمغيث، وحصول الإجابة والمرجو والإعاذة والغوث منه ﷺ سببًا وكسبًا لا خلقًا وإيجادًا. يقول في تقرير ذلك: "الاستغاثة طلب الغوث، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك ... والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي ﷺ مستغاث والغوث منه سببًا وكسبًا" (٢). وقد وقع ابن حجر -عفا الله عنه- في مزالق خطيرة، وطوام كبيرة، بسبب تقريره ذلك اعتمادًا على هذه الحجة الفاسدة، والشبهة الباطلة، منها: دعاؤه النبي ﷺ ، وتوسله إليه، وطلب الشفاعة منه، ورجاؤه مغفرة الذنوب وستر العيوب، والاستعاذة به من كل مكروه، والاستغاثة به في المهالك (٣)! ! !

стр. 154

يقول مخاطبًا الرسول ﷺ داعيًا له، طالبًا شفاعته: "أقسم عليك ... أن تنيلني من حضرتك، بواسطة شفاعتك فيّ إلى من لا يخيب شفاعتك" (١)، "والمعلوم والمستقر من أخلاقك الجميلة والذي دلت عليها آثارك الجليلة، أن من لجأ إليك، لا تخيبه من شفاعتك، ولا يحرمه ربك من فضله مسارعة إلى رضاك" (٢). ويقول في رجائه للرسول ﷺ : "قد رجوناك معشر محبيك، وخدامك، أيها النبي الكريم .. للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب والمخالفات والغفلات والشهوات" (٣). ويقول مستعيذًا به ﷺ : "أتينا إليك بقلوبنا، أي: وجهناها إلى الاستعاذة بك من كل مكروه، أو إلى قبرك المكرم حال كوننا أنضاء ... أي: مهازيل" (٤). ويقول شارحًا قول البوصيري (٥) في همزيته: يا نبي الهدى استغاثة ملهوف ... أضرت بحاله الحوباء (٦) "أي: أناديك نداء ملهوف أي: مضطر، متحسر، محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه" (٧). بل إن ابن حجر تجاوز ذلك إلى التصريح برجائه للنبي ﷺ دون غيره، وبث شكواه إليه دون سواه، حيث قال في شرح قول البوصيري: وانطوت في الصدور حاجات نفس ... ما لها عن ندى يديك انطواء (٨)

стр. 155

"أي: استترت في الصدور، أي: القلوب حاجات نفس ... ما لها عن ... عطاء يديك الكريمتين انطواء، أي: استتار، واستغناء، بل لا يقضيها غير جاهك الواسع، ولا يمن بها غير عطائك الهامع، فلا ارتحال لنا عن واسع جودك، ولا انصراف عن ساحة كرمك، بل لا نزال مقيمين بجوارك، مستطهرين لندى آثارك، طامعين في حصول كل ما أملناه بشفاعتك، التي هي مطمع المذنبين، ووسيلة المقصرين" (١). ويقول في شرحه لقوله: ومن الفوز أن أبثك شكوى ... هي شكوى إليك وهي اقتضاء (٢) "هي شكوى ... إليك لا إلى غيرك، أي: أنشر وأظهر بين يديك في ضمن مدحي لك ما كاد أن يهلكني من عظيم ذنوبي، وقبيح عيوبي، رجاء أن تلمحني بنظرة تزيل عني كل وصمة، وتوجب لي منك كل رحمة، لأن رجائي فيك واسع، ومحبتي لك متزايدة، وهي أي: تلك الشكوى ... اقتضاءُ أي: أطلب من كرمك الواسع وفيضك الهامع، أن أتخلص من تلك الفرطات، وأنجو من بوائق سائر الورطات، وأن يحصل لي الشفاء من جميع الأدواء، فإن جاهك متكفل بكل مطلوب، ومحقق لكل مسؤول ومرغوب، لا سيما لخادم حضرتك، الفاني في محبتك" (٣). التقويم: كل ما صح إطلاق مسمى العبادة عليه من الاعتقادات والأقوال والأعمال يجب صرفه لله تعالى وحده، ويحرم صرفه لغيره. يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] الآية. وفي الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا

стр. 156

أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). وما ذكره ابن حجر -غفر الله له- في كلامه المتقدم من تأكيد اختصاص الله تعالى بالدعاء والاستعانة والتوكل ونحوها من العبادات يناقض صرفه بعضها الآخر لغير الله؛ إذ كلها يصدق عليها مسمى العبادة ويحرم صرفها لغيره سبحانه، فالتفريق بينها تفريق بين المتماثلات. وابن حجر -عفا الله عنه- بصنيعه هذا لا ينكر كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله، وإنما يدعي أنه بفعله هذا لم يصرفها لغيره، متمسكًا بما ذكره من شبهة المجاز العقلي (٢) والتي أشار إليها بقوله المتقدم: "والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره ... والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث"، وشبهة الكسب والتسبب والتي أشار إليها أيضًا بقوله السابق: "فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه سببًا وكسبًا". ولَمّا كان الأمر كذلك فسأكتفي بمناقشته فيما تمسك به من شبهات، متجاوزًا تقرير كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من العبادات، وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله؛ لأن ذلك محل اتفاق لا نزاع. وعليه فإن ما تمسك به ابن حجر من شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب هو في الحقيقة شبهة واحدة مركبة؛ ذلك أن من يقول بأن إسناد الفعل إلى غير الله مما لا يصح إسناده إلا إلى الله مجاز لا حقيقة، ويستدل بذلك على جواز صرف بعض العبادات لغير الله، يجعل القرينة كون الفاعل مسلمًا موحدًا، والعلاقة في ذلك الكسب والتسبب (٣)؛ فرجع الأمر حينئذ إلى كونهما شبهة واحدة مركبة.

стр. 157

وبناء على ذلك فإنه يمكن الرد عليه من طريقين: أحدهما: المنع من ذلك على قول من يقول بنفي وقوع المجاز في اللغة: فإن العلماء اختلفوا في وقوع المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار في المجاز العقلي (١). فقال قوم بعدم وقوعه مطلقًا، وقال آخرون بوقوعه مطلقًا، وفرق قوم فقالوا بوقوعه في اللغة دون القرآن (٢). وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية عدم وقوع المجاز مطلقًا لا في القرآن ولا في اللغة (٣)، وانتصر له العلامة ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا (٤). وهو القول الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، ومما يستدل به عليه ما يلي: ١ - أن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو (٥). ٢ - أن الذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع (٦).

стр. 158

٣ - أن العرب نطقت بالحقيقة والمجاز -عند من يدعيهما- على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقة، وهذا مجازًا ضرب من التحكم لأن اسم الأسد وضع للسبع كما وضع للرجل الشجاع (١). ٤ - أن من زعم أن الكلمة استخدمت حقيقة في الدلالة على معنى، ثم استخدمت مجازًا في الدلالة على معنىً آخر فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى (٢). ٥ - أن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقرء يدل على الطهر وعلى الحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟ (٣). هذا ومما ينبغي الإشارة إليه أن الذين أنكروا وجود المجاز لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي حقيقة أيضًا، والذي يحدد المعنى المراد منها هو السياق، ولا يمكن أن نقول إنها في هذا الأسلوب حقيقة وفي الآخر مجازية (٤). ثانيهما: التسليم بذلك على قول من يقول بثبوت وقوع المجاز في اللغة، وبناء عليه يمكن الجواب عنه بجوابين: ١ - أن دعوى كون دعاء غير الله والتوسل به واللجوء إليه مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح لغة؛ وذلك لما يلي: أ- أن العلماء الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز (٥)، والحقيقة

стр. 159

أنه لا دليل قوي، ولا صارف واضح، يمكن الاعتماد عليه للقول بأن دعاء غير الله والتوسل به مجاز عقلي، بل الدليل على خلافه (١) -كما سيأتي-. ب- أن حد المجاز العقلي لا ينطبق على دعاء الأموات، وندائهم، والاستغاثة بهم، إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلامهم إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازًا عقليًا أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازًا (٢). وبناء على ذلك فإن كثيرًا ممن يدعون الأموات والغائبين الإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازًا عقليًا، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون ومما يؤيد ذلك سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية (٣). جـ - أن العلماء القائلين بالمجاز اشترطوا تعقيبه بما يدل عليه ويدفع الحقيقة عنه، والمجاز العقلي القرينة المدعاة فيه ليست متصلة بالكلام حتى يؤول به (٤). ٢ - أن دعوى ابن حجر كون دعاء غير الله، والتوسل به، واللجوء إليه، مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح شرعًا؛ وذلك لِمَا يلي: أ- أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذه هي حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى. فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله

стр. 160

تعالى على المجاز العقلي، ويمنع الحكم عليه بالشرك، لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بكفر من يعتقد الاستقلال فقط (١). ب- أن دعوى كون دعاء غير الله والتوسل به واللجوء إليه مجازًا عقليًا بزعمه سببًا في حصول المقصود ونيل المطلوب دعوى باطلة وزعم فاسد؛ لأن ذلك يحتاج إلى إثبات أمرين هما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، وأن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها وكلاهما غير متحقق في هذه الصورة (٢). جـ - أن هذا يناقض قول ابن حجر -غفر الله له- بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر دون البواطن، وأنه لا نظر إلى المقاصد والنيات وقرائن الأحوال -كما سيأتي- (٣). وبما سبق يتضح بطلان ما تمسك به ابن حجر -عفا الله عنه- من شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب (٤).

стр. 161

المبحث الثالث موقفه مما يُنافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه تحدث ابن حجر ﵀ عن كثير من الأعمال والأقوال التي تنافي توحيد الألوهية أو تقدح فيه، وبيّن رأيه فيها، ويمكن تقسيم ما ذكره منها إلى قسمين: الأول: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأعمال: ١ - الذبح لغير الله أو بغير اسمه: يرى ابن حجر تحريم الذبح لغير الله والذبح على غير اسمه، يقول في ذلك: "وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول: باسم الله واسم محمد، أو محمد رسول الله بجر اسم الثاني، أو محمد إذا عرف النحو فيما يظهر، أو أن يذبح كتابيّ لكنيسة أو لصليب أو لموسى أو لعيسى، ومسلم للكعبة أو لمحمد ﷺ أو تقربًا لسلطان أو غيره أو للجن، فهذا كله يحرم المذبوح وهو كبيرة ... بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه، أو شكر الله عليه، أو قصد إرضاء ساخط، أو التقرب إلى الله ليدفع عنه شر الجن" (١). وذكر أن ذلك كله مما فُسِّرَ به قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] حيث قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وما ذبح للطواغيت والأصنام قاله جمع، وقال آخرون: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله" (٢). وظاهر كلامه يوحي بأنه يفرق بين ما كان بقصد التعظيم بالعبادة

стр. 162

فيكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة، وبين ما كان بقصد التعظيم الذي هو دون التعظيم بالعبادة فيكون حينئذ أمرًا محرمًا وكبيرة لا تخرج من الملة. حيث عد من الكبائر "الذبح باسم غير الله على وجه لا يكفر به بأن لم يقصد تعظيم المذبوح له كنحو التعظيم بالعبادة والسجود" (١). التقويم: الذبح لغة: مصدر ذبح يذبح ذبحًا. يقول ابن فارس: "الذال والباء والحاء أصل واحد، وهو يدل على الشق، فالذبح مصدر ذبحت الشاة ذبحًا" (٢). واصطلاحًا: قتل حيوان، مقدور عليه، مباح أكله، بقطع الحلقوم أو المريء (٣). وهو ضربان: الأول: عبادة: وهو ما كان بقصد التقرب. والثاني: عادة: وهو ما كان بقصد اللحم. والذبح الذي يقصد به التقرب من أنواع العبادة التي يجب صرفها لله، ويحرم صرفها لغيره (٤). قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].

стр. 163

يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "يأمر الله رسوله ﷺ أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته ونسكه على اسمه وحده لا شريك له. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى" (١). ولهذا وردت السنة بلعن من ذبح لغير الله والتغليظ عليه. يقول ﷺ : "لعن الله من ذبح لغير الله" (٢). وقد أجمع أهل العلم على تحريم ذبيحة من ذبح لغير الله أو ذكر عليها غير اسمه، وأن ذلك كله داخل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله : ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (٣). ومما تقدم يتبيّن صحة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم الذبح لغير الله أو على غير اسمه، وأن ذلك مما يحرم الذبيحة. وأما ما يوحي به ظاهر كلامه من التفريق بين الذبِح لغير الله بقصد التعظيم بالعبادة وبين ما هو دون ذلك، وكون الأول كفرًا مخرجًا من الملة دون الثاني، فهو متعقب بما يلي: ١ - أن الذبح لمعظم والاستعانة بذكر اسمه لا يمكن أن يقعا إلا بقصد التعظيم بالعبادة؛ إذ لا معنى لهما غيره، فلو لم يكن يعظمه تعظيم عبادة وخوف ورجاء ومحبة لِمَا ذبح له أو استعان بذكر اسمه، فلا يتخيل في الذبح والاستعانة تعظيم لا يكون عبادة (٤).

стр. 164

ولا يرد على ذلك كون الذبح قد يكون بقصد الإكرام فإن هذا جائز لا محرم، وابن حجر -غفر الله له- لا يريد ذلك قطعًا، بدليل قوله المتقدم: "بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه، أو شكر الله عليه، أو قصد إرضاء ساخط ... ". ٢ - أن تعليق الحكم بكون الذبح لغير الله أو على غير اسمه لا يكون كفرًا إلا إذا وقع بقصد التعظيم، فرع عن القول بأن العمل لا يكفر به صاحبه إلا إذا قارنه اعتقاد أو دل عليه، وهو قول باطل -كما سيأتي- (١). ٢ - النذر لغير الله: عرف ابن حجر ﵀ النذر بقوله: "النذر لغة: الوعد بشرط، أو التزام ما ليس بلازم، أو الوعد بخير أو شر. وشرعًا: التزام مسلم مكلف ... ما لا في ذمته" (٢). وذكر -غفر الله له- أن النذر لغير الله تعالى كالنذر للأولياء والأموات يكون صحيحًا تارة وفاسدًا أخرى؛ وذلك بحسب إرادة الناذر ونيته، حيث قال: "النذر للولي إنما يقصد به غالبًا التصدق عنه لخدَّام قبره وأقاربه وفقرائه، فإن قصد الناذر شيئًا من ذلك أو أطلق صح، وإن قصد التقرب لذات الميت كما يفعله أكثر الجهلة لم يصح ... لأن القُرَب إنما يُتَقرَّب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه" (٣). وبيّن ﵀ أن الناذر إن قصد بنذره تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو من نسبت إليه فلا يصح نذره، حيث قال: "الذي يتجه أن الناذر إن قصد تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيه أو من تنسب إليه، وهو الغالب من العامة؛ لأنهم يعتقدون أن لهذه

стр. 165

الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء، فلا يصح النذر في صورة من هذه الصور" (١). التقويم: النذر لغة: مصدر نَذَرَ يَنْذُرُ نَذْرًا. وهو الوعد بخير أو شر (٢). واصطلاحًا: هو التزام قربة لم تتعين (٣). وما ذكره ابن حجر في تعريفه المتقدم في معناه. والنذر من أنواع العبادة التي يجب صرفها لله، ويحرم صرفها لغيره (٤). قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]. وقال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. وقال ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٥). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الميت فإن نذره غير صحيح، لكون القُرَب لا تكون إلا لله حقًّا، إلا أنه يؤخذ عليه عدم تصريحه بكون ذلك شركًا أكبر مخرجًا من الملة. وأما ما ذكره من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الله بالتصدق على خدَّام القبر وأقاربه وفقرائه صح نذره وانعقد فلا يسلم له؛ وذلك لِمَا يلي:

стр. 166

١ - أن الغالب على من ينذر للأولياء والأموات بقصد الصدقة إن لم يكن كلهم أنهم إنما ينذرون لاعتقادهم وجود خصوصية قبول النذر عند مشاهدهم وقبورهم، وإلا فما معنى تخصيص تلك الأماكن والبقاع بذلك؟ وهذا ما يشهد به الواقع المعلوم من حالهم (١) - وقد تقدم في كلام ابن حجر ما يدل عليه- ولهذا فإن نذرهم غير صحيح. ٢ - أن النذر للميت بقصد الصدقة على فقرائه وخدامه فيه إعانة لهم على العكوف على القبور وإقرار لهم على ذلك، وهذا العكوف منكر لا يصح أن يُقرُّوا عليه، فضلًا عن أن يعانوا عليه بالنذر (٢). وبناء على ذلك فإن الحق الذي لا محيد عنه منع النذر للميت مطلقًا والحكم بعدم صحته، لأن التقرب بذلك لا يتصور إلا بارتكاب أحد محذورين، إما الشرك بصاحب القبر وإما إقرار العاكف عنده على عكوفه وإعانته. ٣ - السحر: عرف ابن حجر ﵀ السحر بقوله: "السحر لغة: كل ما لَطُفَ ودَقَّ، من سَحَره إذا أبدى له أمرًا فدق عليه وخفي ... وشرعًا: يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع ... " (٣). وذكر أن السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو تخييل، خلافًا لمن زعم أنه مجرد تخييل وأنه لا حقيقة له مطلقًا، حيث قال: "اختلف العلماء في أن السحر له حقيقة أم لا؟ فقال بعض العلماء: إنه تخييل لا حقيقة له؛ لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وقال الأكثرون -وهو الأصح الذي دلت عليه السنة- له حقيقة؛ لأن

стр. 167

اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي (١) الذي سحر رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ بإخراج سحره من بئر ذي أروان بدلالة الوحي له على ذلك، فأخرج منها فكان ذا عقد فحلت عقده، فكان كلما حلت منه عقدة خف عنه ﷺ إلى أن فرغت فصار رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال .. (٢). والجواب عن الآية أنا لا نمنع أن من السحر ما هو تخييل بل منه ذلك، وما له حقيقة" (٣). ويرى ابن حجر ﵀ تحريم السحر وتعلمه وتعليمه بكل أنواعه، وأنه إن تضمن كفرًا أو شركًا كان حكمه كذلك. حيث عد من الكبائر: "السحر الذي لا كفر فيه وتعليمه كتعلمه وطلب عمله" (٤)، ثم أورد الأدلة على ذلك وعقب عليها بقوله: "في هذه الآيات دلالات ظاهرة على قبح السحر وأنه إما كفر وإما كبيرة" (٥). وذكر ﵀ خلاف العلماء في حكم الساحر -بعد أن بين أنواع السحر نقلًا عن الرازي- فقال: "اختلف العلماء في الساحر هل يكفر أو لا؟ وليس من محل الخلاف النوعان الأولان [يعني: سحر من يعتقد تأثير الكواكب، وسحر من يعتقد أن من النفوس ما هو مؤثر بقوته في الإيجاد والإعداد] إذ لا نزاع في كفر من

стр. 168

اعتقد أن الكواكب مؤثرة في هذا العالم أو أن الإنسان يصل بالتصفية إلى أن تصير نفسه مؤثرة في إيجاد جسم أو حياة أو تغيير شكل ... وأما بقية أنواعه: فقال جماعة: إنها كفر مطلقًا؛ لأن اليهود لَمّا أضافوا السحر لسليمان -صلى الله على نبينا وعليه وسلم- قال تعالى تنزيهًا له عنه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فظاهر هذا أنهم إنما كفروا بتعليمهم السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلِّيته وتعليم ما لا يكون كفرًا لا يوجب الكفر، وهذا يقتضي أن السحر على الإطلاق كفر، وكذا يقتضي ذلك قوله تعالى عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وأجاب القائلون بعدم الكفر كالشافعي ﵁ وأصحابه بأن حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة، فيحمل على سحر من اعتقد إلهية النجوم، وأيضًا فلا نسلم أن ذلك فيه ترتيب حكم على وصف يقتضي إشعاره بالعلّية؛ لأن المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر" (١). وبيّن ابن حجر بعد ذلك مذهبه في السحر ورأيه في فاعله فقال: "مذهبنا في السحر حاصله أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظم الله سبحانه، أو اعتقاد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردة فيستتاب الساحر فإن تاب وإلا قتل" (٢)، "فإن خلا عن ذلك كان حرامًا لا كفرًا فهو بمجرده لا يكون كفرًا ما لم ينضم إليه مكفر" (٣). التقويم: السحر في اللغة: مصدر سَحَرَ، يَسْحَرُ، سِحْرًا. يقول ابن فارس: "السين والحاء والراء أصول ثلاثة متباينة:

стр. 169

أحدها: عضو من الأعضاء. والآخر: خَدْع وشبهة. والثالث: وقت من الأوقات" (١). ويطلق السحر على كل ما لطف ودق وخفي سببه (٢)، وهو بهذا موافق لِمَا ذكره ابن حجر. وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في إمكان تعريفه (٣)، والقائلون بإمكانه اختلفوا في التعبير عنه (٤). وأجود ما وقفت عليه من تعريفاتهم، تعريف الإمام موفق الدين بن قدامة (٥) ﵀ حيث عرف السحر بقوله: "السحر: عزائم، ورقى، وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه" (٦). فقوله: "يؤثر في الأبدان" يدخل فيه سحر الحقيقة. وقوله: "والقلوب" يدخل فيه سحر التخييل. والتعريف الذي ذكره ابن حجر في كلامه المتقدم موافق لتعريف جماعة من أهل العلم (٧)، ويؤخذ عليه اقتصاره على ذكر سحر التخييل دون

стр. 170

سحر الحقيقة، مما يوهم قصر السحر على التخييل كما هو قول المعتزلة ومن وافقهم. وأما ما قرره من كون السحر له حقيقة وأنه ليس مجرد تخييل لا حقيقة له مطلقًا فهو موافق لقول أهل السنة والجماعة (١) ومن وافقهم (٢)، وهو الحق الذي لا محيد عنه. والقول بذلك هو ما عليه عامة أهل العلم من أتباع المذاهب الفقهية (٣)، ولهذا أدخلوا جنايات السحرة في كتبهم، وبينوا ما يترتب عليها من الأحكام (٤). ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة (٥)، وتبعهم عليه بعض أهل العلم كأبي جعفر الأستراباذي (٦) وابن حزم (٧) وغيرهما (٨)، وهم المشار إليهم في كلام ابن حجر ﵀ المتقدم في قوله: "قال بعض العلماء: إنه تخييل لا حقيقة له".

стр. 171

وقولهم هذا مجانب للصواب، ومخالف للحس؛ ولهذا يقول الإمام ابن قتيبة ﵀ في الرد عليه: "ونحن نقول: إن الذي يذهب هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب ومخالف للأمم كلها" (١). وما أجاب به ابن حجر ﵀ عن استدلالهم بقول تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦]، موافق لجواب جمع من المفسرين (٢). وقول ابن حجر -غفر الله له- بأن السحر منه ما هو كفر وفاعله كافر، ومنه ما هو كبيرة وفاعله عاصٍ موافق لِمَا عليه أصحابه الشافعية (٣)، خلافًا للجمهور القائلين بأن السحر كفر مطلقًا وأن الساحر كافر خارج من الملة (٤). والحق أنه لا منافاة بين القولين؛ إذ الجمهور حينما حكموا على السحر بأنه كفر وقالوا بكفر الساحر مطلقا دون تفصيل نظروا إلى السحر بمعناه الشرعي، والشافعية حينما فصلوا في حكم السحر وجعلوا منه ما هو كفر ومنه ما هو كبيرة وفصلوا في حكم الساحر بناء على ذلك نظروا إلى السحر بمعناه اللغوي. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله (٥) ﵀: "عند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشياطين

стр. 172

والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته، يعزر من فعله تعزيرًا بليغًا" (١). ٤ - الأوفاق: يُعرّف ابن حجر ﵀ الأوفاق بقوله: "علم الأوفاق يرجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون بشكل من تسعة بيوت مبلغ العدد من كل جهة خمسة عشر، وهو ينفع للحوائج وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى، وضابطه: بطد زهج واح" (٢). ويرى -غفر الله له- أن علم الأوفاق جائز لا محذور فيه إن استعمل في غرض مباح، بخلاف ما إذا استعين به في غرض محرم فإنه يكون حينئذ حرامًا. يقول في ذلك: "علم الأوفاق لا محذور فيه إن استعمل لمباح ... أما إذا استعين به على حرام فإنه يكون حرامًا؛ إذ للوسائل حكم المقاصد" (٣). ويرى أن من جعل علم الأوفاق من السحر إنما أراد بذلك ما استعمل منه لغرض محرم دون ما استعمل لغرض مباح (٤). التقويم: علم الأوفاق: هو علم يتوصل به إلى توفيق الأعداد والحروف،

стр. 173

واستوائها في الأقطار والأضلاع، وعدم التكرار (١). والأوفاق هي أشكال هندسية مختلفة، مقسمة إلى مربعات صغيرة متساوية، بخطوط مستقيمة متقابلة، أو قد تكون شكلًا هندسيًا بداخل أشكال هندسية أخرى (٢). وأصل الأوفاق الحروف، ثم من بعدها الأعداد، فإن لكل حرف عندهم عددًا يقابله، ولكل منهما خاصية تناسبه ليست لغيرهما (٣). يقول العلامة ابن خلدون (٤) ﵀: "حدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات" (٥). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن يجلس في الطرق والحوانيت للناس ليخبرهم عن الأمور المغيبة، معتمدين في ذلك على صناعة التنجيم، وكتابة الأوفاق والطلاسم؟ فأجاب بقوله: "لا يحل شيء من ذلك ... والأجرة المأخوذة على ذلك والهبة والكرامة حرام على الدافع والآخذ ... ويجب على ولي الأمر وكل قادر السعي في إزالة ذلك" (٦). وبناء على ذلك فعلم الأوفاق علم حادث بعد صدر الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو والسحر والطلسمات والشعبذة كلها باب واحد،

стр. 174

فقول ابن حجر بجواز ما استعمل منه لغرض مباح دون ما استعمل لغرض محرم مردود بكونه حرامًا مطلقًا سواء استعمل في غرض مباح أو غرض محرم، إذ هو مبني على الشعبذة والخرافة. وكتابة الحروف والأعداد على الأوفاق لم يجعلها الله سببًا للشفا وحصول المنافع لا شرعًا ولا قدرًا، وكون الانتفاعٍ بها قد يحصل أحيانًا لا يقضي بجوازها؛ إذ قد يقع ذلك مصادفة واتفاقا، أو استدراجًا وفتنة من الشياطين. ٥ - الكهانة والعرافة وما ألحق بهما: عرف ابن حجر ﵀ الكهانة بقوله: " [الكَهَانَة] بالفتح مصدر كَهُنَ بضم الهاء، إذا صار كاهنًا، أي: مخبرًا بالأمور الخفية، والمغيبات البعيدة -أي: علاماتها- وهي ما كانت تأتي من الكهان وتذكره من المغيبات التي تلقيها إليهم الشياطين بواسطة استراقهم لبعض كلام الملائكة، ثم إلقائه إليهم مع ما يضمونه إليه من الكذب" (١). كما عرف الكاهن والعراف بقوله: "الكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضًا ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك ... والعَرّاف: بفتح المهملة وتشديد الراء ... هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك" (٢). وقال في الفرق بينهما: "الكاهن هو المخبر عن مستقبل أو ماضٍ أو عن نحس طالع أو سعده، بخلاف العراف فإنه إنما يخبر عن مسروق أو ضال ... وقصر بعضهم الكاهن على من يخبر عما يكون في المستقبل ويؤيد الأول قول بعضهم: يزعم بعض الكهان أن الجن يلقون إليهم الأخبار، وبعضهم أنهم يعرفون ذلك، وبعضهم أعطوه، وبعضهم أنهم يعرفون الأمور بمقدماتها وأسبابها" (٣).

стр. 175

ويرى ابن حجر -غفر الله له- أن الكهانة والعرافة من الكبائر، وأن إتيان الكاهن والعراف وتصديقهما من الكبائر أيضًا، حيث عدهما من الكبائر (١). كما يرى أن الكهانة والعرافة يشتركان في الأحكام فقال: "وكالعراف في هذا الكاهن فالأحكام ثلاثة جارية في كل منهما: حرمة المجيء، وحرمة الإخبار، وعدم قبول الصلاة أربعين يومًا" (٢). ويقيس ابن حجر ﵀ على الكهانة والعرافة ما يشاركهما في دعوى علم الغيب كالطَّرْق (٣)، والعيافة (٤)، ويعلل ذلك بكونه "ظاهرًا؛ لأن الملحظ في الكل واحد" (٥). ولهذا عدّ من الكبائر: "الكهانة والعرافة والطِّيَرَة والطَّرْق والتنجيم والعيافة، وإتيان كاهن وإتيان عرّاف، وإتيان طارق، وإتيان منجم، وإتيان ذي طير ليتطير له، أو ذي عيافة ليخط له" (٦). التقويم: الكهانة والعرافة ضرب من ادعاء علم الغيب، وقد اختلف أهل العلم فيهما وفيمن يتعاطاهما هل هما بمعنى واحد أم بينهما تغاير؟

стр. 176

فمنهم من قال: هما بمعنى واحد (١). ومنهم من قال: بالتفريق بينهما، واختلف هؤلاء في تحديد وجه الفرق بينهما: فمنهم من قال بأن الكاهن أعم من العراف فهو يطلق عليه وعلى غيره ممن يدعي علم الغيب؛ وذلك لكون الكاهن يخبر عن المستقبل والماضي بخلاف العراف فهو إنما يخبر عن الواقع، ومن هؤلاء ابن الأثير (٢) (٣) والحافظ ابن حجر العسقلاني (٤)، وهو ما ذهب إليه ابن حجر في كلامه المتقدم. ومنهم قال بأن العراف أعم من الكاهن، وأن "العراف اسم عام للكاهن والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغيبية" (٥)، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، والشيخ سليمان بن عبد الله (٧)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن (٨) (٩) -رحمهم الله تعالى-. ومما يؤيد ذلك أن العرّاف مبالغة من المعرفة، وعليه فإنه يشمل كل

стр. 177

من تعاطى هذه الأمور الغيبية وادعى المعرفة بها (١). وعلى كل حال فإن الكاهن والعراف بمعنى متقارب، وكلاهما يشتركان في ادعاء علم الغيب. ولهذا نُقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن الكاهن فقال: "هو نحو العراف" (٢). وما قرره ابن حجر في الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من كونها مما ينافي التوحيد هو مما وافق فيه أهل السنة والجماعة (٣). ولا يعارض ذلك كونه عد الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من الكبائر؛ وذلك لأنه عد في الكبائر أمورًا صرح بكونها كفرًا لا كبيرة كالشرك (٤)، والنفاق (٥)، وتعمد الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ (٦) وغير ذلك؛ معللًا ذلك بأن مقصوده استيفاء الكلام على سائر ما قيل إنه كبيرة وإن لم يكن كذلك عنده (٧) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه عرف الكهانة والعرافة بما يدل على كونهما من ادعاء علم الغيب (٨) وجعل ما يلحق بهما مقيسًا عليهما لاشتراكه في هذا الملحظ (٩) -كما سبق-، وقد صرح في غير موضع من كتبه بكفر من ادعى علم الغيب (١٠). وأما قوله باشتراك الكهانة والعرافة وما ألحق بهما من الطرق والعيافة في الأحكام فهو متجه؛ خاصة مع كون بعض أهل العلم لا يرى التفريق بين الكاهن والعراف، ومن فرق منهم جعل أحدهما أعم من الآخر فهو يتضمنه وزيادة -كما سبق-.

стр. 178

يقول الإمام الخطابي ﵀: "وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم [يعني: العرّاف وما في معناه] وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم" (١). وهذه الأحكام التي ذكرها ابن حجر يدل عليها أحاديث كثيرة منها: ما جاء عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (٢). وما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (٣). وما رواه عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكَهَّن أو تُكُهّن له" (٤). فقد تضمنت هذه الأحاديث ثلاثة أحكام: الأول: حرمة إتيان الكهان والعرافين ومن في معناهم وسؤالهم سواء صدقهم أو لم يصدقهم أو شك في خبرهم، بخلاف من أتى إليهم وسألهم

стр. 179

ليختبرهم أو ليظهر عجزهم وكذبهم فهذا لا بأس به، وقد يكون واجبًا (١)، ويدل عليه سؤال النبي ﷺ لابن صياد (٢). والثاني: حرمة تصديقهم وكون ذلك كفرًا، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب ... " (٣). والثالث: عدم قبول صلاة من أتى الكاهن والعراف أربعين يومًا، ومعنى ذلك أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة؛ ويدل على ذلك كون العلماء متفقين على أنه لا يلزم من أتى العراف والكاهن إعادة صلوات أربعين ليلة (٤). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي" (٥). يريد بذلك أن الآتي إليهم إن لم يصدقهم في أقوالهم ففيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين يومًا، وإن صدقهم ففيه الوعيد بكفره، ويشهد لهذا الجمع روايات الحديث (٦). ٦ - التنجيم: يرى ابن حجر ﵀ أن التنجيم هو الاشتغال بعلم النجوم، وأن العلوم المتعلقة به مختلفة، حيث قال: "العلوم المتعلقة بالنجوم: منها ما هو واجب: كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ونحو ذلك.

стр. 180

ومنها ما هو جائز: كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد ونحوهما. ومنها ما هو حرام: كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المغيبة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلًا بها عليه" (١). وقال في بيان المنهي عنه من علم النجوم: "المنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيّر الأسعار، ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وأفتراقها وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به ذلك إلى الكفر" (٢). وبيّن أن دعوى الكسوف والخسوف وقرب نزول الغيث وما شابه ذلك مما هو معتمد على أمور جعلها الله علامات على حصول تلك الأشياء ليس من ادعاء علم الغيب أو التنجيم المنهي عنه، حيث قال: "أما من يقول إن الاقتران والافتراق الذي هو كذا جعله الله علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك" (٣). وقال أيضًا: "دعوى الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب في شيء، لأنه يُدركه بالحساب فلا ضلال فيه ولا كفر، لكن يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعني، وفي الخبر به قبل وروده ضرر في الدين ... " (٤). وذكر ابن حجر اختلاف العلماء في المنجم، وبيّن رأيه فيه فقال: "وحاصل مذهبنا في ذلك أنه متى اعتقد أن لغير الله تأثيرًا كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل سواء أسرَّ بذلك أم أظهره"، وكذا لو اعتقد أنه يعلم الغيب المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] لأنه مكذب للقرآن، فإن خلا عن اعتقاد هذين فلا كفر، بل ولا إثم إن قال علمت ذلك
следующие страницы →