طريق الشهادة والمتابعة إذا كان موافقًا لهما" (١).
إلا أن ابن حجر - عفا الله عنه - خالف ذلك حيث قرر جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في المناقب، بل حكى عن بعضهم نقله الاتفاق على ذلك.
يقول في ذلك: "الضعيف يعمل به في المناقب، قال بعض حفاظ المتأخرين: "اتفاقًا كالفضائل" انتهى ... فاستحضر ذلك عند رؤيتك لكل حديث ضعيف وجدته في المناقب فإن هذه القاعدة مما يعظم نفعها جدًّا، ويجهلها أكثر المحصلين" (٢).
وقول ابن حجر - غفر الله له - متعقب من وجوه:
الأول: أن المناقب من الأحكام العقدية، والحكم بها حكم شرعي، لا بد فيه من تحقق صحته.
الثاني: أن القول بذلك ولج منه الرافضة والمتصوفة وغيرهم لإثبات كثير من عقائدهم الباطلة.
الثالث: أن هذا القول قد جر كثيرًا من القائلين به إلى الاستدلال بالأحاديث الموضوعة وما لا أصل له، ومنهم ابن حجر نفسه - كما سيأتي -.
الرابع: أن الذي عليه المحققون من أهل العلم - كما سبق - عدم الاستدلال بالحديث الضعيف في المناقب والفضائل (٣)، وعدم اعتباره حجة فيها، فضلًا عن القول باتفاقهم على قبوله.
وقد أوقع ابن حجر - غفر الله له - وتجاوز عنا وعنه - القول بذلك في الخطأ في جملة من المسائل العقدية، منها:
стр. 72
أ - قوله باختصاص نبينا محمدًا ﷺ بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة (١).
ب - قوله باختصاص نبينا محمدًا ﷺ بأنه خلق من نور (٢).
ج - قوله باختصاص نبينا محمدًا ﷺ بأنه المقصود من الخلق، والممد لهم، وخليفة الله فيهم (٣).
د - قوله باختصاص نبينا محمدًا ﷺ بإحياء أبويه له وإيمانهما به (٤).
هـ - قوله بنبوة إبراهيم - ابن نبينا محمد ﷺ (٥).
٦ - حكايته الإجماع على غير وجهه، ودعواه تحققه باتفاق طائفته:
من معالم منهج المتكلمين على اختلافهم حكايتهم الإجماع بحسب ما يعتقدون أنه من دين الإسلام، والإجماع فيه غير متحقق، بل قد يكون الإجماع مُنعقدًا على خلافه، ولهم في ذلك أمثلة متعددة.
يقول شيخ الإسلام - ابن تيمية ﵀ في وصفهم: "فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو على ما يظنونه من الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها، فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين، طائفة أو طائفتين أو ثلاث، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف.
والأول كثير في أصول الدين وفروعه كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم، كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته؛ مثل: مسألة القرآن، والرؤية، والقدر، وغير ذلك" (٦).
стр. 73
وقد جرى ابن حجر - غفر الله له - على هذا في مواضع من كتبه، وحكى الإجماع في مسائل عدة، الإجماع فيها غير متحقق، أو منعقد على خلاف ما ذكر، منها:
أ - حكايته الإجماع على أن أول واجب على المكلف هو القصد إلى النظر، وزعمه أن ذلك مما لا خلاف فيه (١).
ب - حكايته الإجماع على استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ (٢).
ج - حكايته الإجماع على استحباب التوسل بالنبي ﷺ بطلب الدعاء منه، أو التوسل بذاته أو جاهه (٣).
د - حكايته الإجماع على أن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة، والاتفاق على لزوم تأويلها (٤).
٧ - استعماله المصطلحات البدعية، والألفاظ المجملة:
الألفاظ والمصطلحات هي طريق التعبير عن العلوم على اختلافها، وبها يحصل بيانها وتوضيحها.
وقد شغف المتكلمون على اختلافهم بإحداث المصطلحات البدعية، والتعبير بالألفاظ المجملة لترويج باطلهم والتشغيب بها على أهل الحق، حتى أصبح ذلك من سماتهم.
ولهذا يقول الإمام أحمد ﵀ في وصفهم: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يُشَبِّهُون عليهم، نعوذ بالله من فتن المضلين" (٥).
وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس يتضمن ما أحدثوه من المصطلحات البدعية والألفاظ المجملة التي عارضوا بها
стр. 74
نصوص الكتاب والسنة (١).
وقد جرى ابن حجر - عفا الله عنه - على سبيلهم وسلك طريقهم في مواضع عديدة، حيث أطلق جملة من هذه المصطلحات والألفاظ وعارض بها دلائل الوحيين، منها:
أ - إطلاقه لفظ (الجسم) ومعارضته به النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بما يليق به من الصفات (٢).
ب - إطلاقه لفظ (الجهة) ومعارضته به النصوص الدالة على علو الله (٣).
ج - إطلاقه لفظي (الحركة) و (الانتقال) ومعارضته بها النصوص الدالة على نزوله (٤).
د - إطلاقه ألفاظ (الحيز) و (المكان) و (الجهة) ومعارضته بها النصوص الدالة على رؤية الله تعالى في الجنة إلى جهة العلو (٥).
والحق الذي لا محيد عنه أن هذه الألفاظ ألفاظ مجملة، وهي ألفاظ اصطلاحية يراد بها معان متنوعة، ولم ترد في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية (٦).
والألفاظ من حيث هي قسمان:
الأول: ألفاظ وردت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، فهذه يجب إثباتها والقول بما دلت عليه.
والثاني: ألفاظ لم ترد في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، فهذه لا تنفى ولا تثبت حتى يستفسر عن المراد بها، فإن تضمنت حقًّا أثبتت
стр. 75
وعبر عنه بالألفاظ الشرعية الواردة، وإن تضمنت باطلًا ردت جملة وتفصيلًا (١).
٨ - اعتماده على غيره في تقريره لبعض المسائل العقدية، وتقليده لهم، دون تحققه من صحة كلامهم:
مما عرف المتكلمون به تتابع بعضهم على تقليد بعض في المسائل العقدية مع زعمهم تحريم التقليد وقولهم بوجوب النظر في أصول الدين على آحاد المسلمين!
وبالنظر في آراء ابن حجر - غفر الله له - في المسائل العقدية، ومقارنتها بآراء غيره يظهر جليًا اعتماده على غيره في بعضها وتقليده له دون تحققه من صحة كلامه.
ويتضح ذلك في متابعته لبعض أهل العلم في جملة من المسائل العقدية ومشاركته لهم في أخطائهم، ومن ذلك:
أ - اعتماده على تقي الدين السبكي (٢) في مسألتي شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ (٣)، والتوسل (٤).
ب - اعتماده على الحافظ السيوطي فيما ذكره من خصائص النبي ﷺ (٥)، والكلام على المهدي (٦).
ج - اعتماده على الحافظ السخاوي فيما ذكره من أشراط الساعة (٧).
هـ - اعتماده على العلامة القرطبي (٨) ..................................................
стр. 76
في مسألة السماع ومباحثها (١).
واعتماد - ابن حجر - غفر الله له - على هؤلاء متفاوت بين اختصاره لبعض كتبهم دون نقد أو تعليق، أو تبنيه لآرائهم في المسائل العقدية دون تحقق من صحتها، وهو في الغالب لا يشير إلى ذلك، وإنما يعرف بالبحث والمقارنة.
٩ - تعصبه لمذهبه، وحصره الحق فيه:
من سمات أهل الكلام ومعالم منهجهم أنهم يُوهِمُون الناس بأنهم وحدهم الذين على الحق والاستقامة ولزوم السنة والجماعة، ويتجاهلون أهل السنة والجماعة على الحقيقة، أو يلمزونهم؛ ليصرفوا أنظار الناس عنهم.
"فإذا قالوا: قال أهل الحق، أو المحققون، أو اتفقوا، أو أجمعوا، أو نحو ذلك فإنما يعنون طائفتهم من أهل الكلام، أو سائر أهل الكلام من غير اعتبار لأهل السنة غالبًا، وإذا ذكروا أهل السنة لمزوهم بالحَشَوية، أو المقلدة، أو أهل الحديث، أو الحنابلة، أو العامة ... " (٢).
وقد جرى على هذا ابن حجر - غفر الله له - حيث زعم أن أهل الحق طائفتان هما: الأشاعرة والماتريدية، وأن أهل البدع من خالفهم (٣).
يقول في ذلك: "المراد بأصحاب البدع من كان على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، والمراد بهم: أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي إمامي أهل السنة" (٤).
стр. 77
بل إنه تجاوز ذلك فادّعى أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة، الذين هم بزعمه الأشاعرة والماتريدية.
حيث قال: "اعلم أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة وهم:
أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي وتابعوهما، وأنهما أعني الأشعرية والماتريدية، إذا اختلفا في مسألة فالتحقيق والمعمول به ما عليه الأشاعرة كما هو مقرر في الأصول.
على أن بعض المحققين منا معشر الأشاعرة بيّن أن الاختلاف الواقع بين الفريقين إنما هو في مسائل قليلة وأنه يرجع إلى الاختلاف اللفظي؛ لأنه إذا حقق المناط رُئي أن كلًّا من الفريقين لا يخالف الآخر" (١).
والحق أن مصطلح أهل السنة له إطلاقان:
أحدهما: عام:
والمراد به ما يكون مقابل الرافضة، فيدخل فيه جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام - عدا الرافضة -.
وثانيهما: خاص:
والمراد به ما يكون مقابل أهل البدع والمقالات المحدثة، فلا يدخل فيه إلا أهل السنة والجماعة المحضة (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لفظ أهل السنة:
يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك - أي: في لفظ أهل السنة - جميع الطوائف إلا الرافضة.
وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة،
стр. 78
ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة والحديث" (١).
وعليه فدعوى ابن حجر - غفر الله له - أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل الحق وأهل السنة والجماعة، وهم الذين عليهم المدار في الاعتقاد منقوضة من وجوه:
أ - أن مصطلح أهل السنة والجماعة معروف في صدر الإسلام، وقد ورد التعبير به على ألسنة جماعة من السلف قبل الأشعري والماتريدي (٢)، فحصره فيهما ومن سار على منهجهما لا يصح.
ب - أن أهل الشيء في اللغة هم أخص الناس به، يقال: أهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به (٣).
وعليه فمعنى أهل السنة والجماعة: هم أخص الناس بها، وأكثرهم تمسكًا بها، واتباعًا لها، قولًا وعملًا واعتقادًا، وهذا الوصف إنما يتحقق في الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.
وأما الأشاعرة والماتريدية فإن هذا الوصف بإطلاقه لا يتحقق فيهم، لإعمالهم العقل وتقديمه على النقل، وردهم خبر الآحاد واستعاضتهم عنه بمعقولاتهم.
جـ - أن الحق واحد لا يتعدد، والأشاعرة والماتريدية اختلفوا في جملة من المسائل العقدية الكبار، وقد عني جماعة منهم بتحقيق الخلاف فيها، واضطربت أقوالهم في الترجيح بينها (٤)، ومما أقروا بأن الخلاف فيه
стр. 79
بينهم حقيقي: معرفة الله تعالى وهل تجب بالشرع أم العقل، وصفة الإرادة، وصفة الكلام، وصفة التكوين، والتكليف بما لا يطاق، والحكمة والتعليل، والتحسين والتقبيح، والاستطاعة، وأفعال العباد، وحكم إيمان المقلد.
ولا شك أن بعض هذه المسائل من المسائل الكِبَار، والكلام فيها تُبْنَى عليه فروع عديدة (١).
فالقول بأن الخلاف لفظي ليس على إطلاقه في كثير من المسائل، ودعوى أن الخلاف الحقيقي إنما هو في مسائل قليلة مردودة بما سبق.
١٠ - عداؤه الشديد لمن خالفه، وخصومته له، وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة - ابن القيم - رحمهما الله - كما سيظهر في المبحث التالي .
ونتيجة لهذا المنهج الذي سلكه ابن حجر - غفر الله له - في تقرير العقيدة وقع في الاضطراب والتناقض، شأنه في ذلك شأن كل من أعرض عن منهج أهل السنة والجماعة وتنكب طريقهم.
يقول العلامة الألوسي ﵀: "انظر إلى ما قاله - ابن حجر في التحفة والزواجر مع ما ذكره في الجوهر المنظم تجد المناقضة ظاهرة ... " (٢).
ويقول في معرض تعقبه على كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: "لم يبين ما ذكره أهل العلم فيه من تعصبه في مذهبه ... واضطرابه في أقواله، وعدم ثباته على قول، ومن يراجع أقواله في الزواجر والقواطع ثم يوازن بينها وبين أقواله في الجوهر المنظم والفتاوى الحديثية يجد ما قيل فيه واضحًا صريحًا" (٣).
* * *
стр. 80
المبحث الثالث موقف ابن حجر من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم
اشتهر أهل البدع على اختلافهم بعدائهم الشديد لمن خالفهم، وبخاصة أئمة السلف الذين كان لهم عناية بالرد عليهم وبيان زيف أقوالهم، حتى عُدّ جماعة منهم محنة لأهل البدع، ومن هؤلاء شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله تعالى -.
ولم يكن ابن حجر - عفا الله عنه - بدعًا فيهم، حيث اشتهر بعدائه الشديد لهما، وتعديه عليهما، وتحذيره منهما، وصار كلامه في ذلك محل استدلال الموافق، ومثار جدل المخالف.
فمما قاله في حق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه - ابن القيم - رحمهما الله -:
- "إياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم، وليسوا كذلك ... " (١).
- "قال ابن القيم - عن شيخه ابن تيمية -: أنه ذكر شيئًا بديعًا؛ وهو أنه لما رأى ربه واضعًا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة ...
стр. 81
بل هذا من قبيل رأييهما وضلالهما، إذ هو مبني على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى، ولهما في هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان، ويقضى عليه بالزور والبهتان، فقبحهما الله وقبح من قال بقولهما، والإمام أحمد وأتباع مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف وهي كفر عند كثيرين؟ " (١).
ومما قاله في حق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بخصوصه:
- "ابن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغ مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج (٢)، والشيخ الإمام العز بن جماعة (٣)، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية.
والحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحَزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، ومُضلّ جاهل غالٍ، أجارنا الله من مثل طريقته وعقيدته" (٤).
- "ولا يعتبر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته ﷺ فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله ﷺ ليس بعجب، فإنه وقع في حق الله سبحانه،
стр. 82
تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، فنسب إليه العظائم؛ كقوله: إن لله تعالى جهة ويدًا ورجلًا وعينًا وغير ذلك من القبائح الشنيعة، ولقد كفَّره كثير من العلماء، عامله الله بعدله، وخذل متبعيه الذين نصروا ما افتراه على الشريعة الغراء" (١).
- "من هو ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه؟ ! وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة؛ وحججه الكاسدة؛ حتى أظهروا عوار سقطاته؛ وقبائح أوهامه وغلطاته؛ كالعز بن جماعة: عبد أضله الله تعالى وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان؛ وأوجب له الحرمان ...
هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر، وإن كان عثرة لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمر شؤمها سرمدًا، ليس بعجيب، فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب؛ إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة، حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس، المنزه - سبحانه - عن كل نقص، والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه الكبائر والعظائم، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين، حتى قام عليه علماء عصره؛ وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات وخمدت تلك البدع، وزالت تلك الضلالات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسًا، ولم يظهر لهم جاهًا ولا بأسًا، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" (٢).
والمسائل التي أخذها ابن حجر - غفر الله له - على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - وشنع بها عليهما، قسمان:
الأول: مسائل فقهية: كالقول بأن الطلاق الثلاث يقع واحدة، وأن
стр. 83
الصلاة إذا تركت عمدًا لا يجب قضاؤها، وأن المكوس إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة ونحوها.
والثاني: مسائل عقدية، وهي بحسب زعمه:
١ - القول بتحريم زيارة قبر النبي ﷺ .
٢ - القول بتحريم التوسل بالنبي ﷺ .
٣ - القول بإثبات الجسمية والجهة لله تعالى.
٤ - القول بعدم عصمة الأنبياء.
٥ - القول بفناء النار.
٦ - القول بأن التحسين والتقبيح شرعيان وعقليان.
٧ - القول بأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق.
٨ - القول بأن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما وإنما بدلت معانيهما (١).
والملاحظ أن ابن حجر - غفر الله له - في تهجمه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة - ابن القيم - رحمهما الله - وتشنيعه عليهما متابع لقول بعض من تقدمه كالتقي السبكي، وابنه التاج، والعز بن جماعة الذين أشار إليهم في كلامه المتقدم.
ولهذا كان سياقه لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لا يخلو من الاتهام بالباطل، وقول الزور، والتلبيس والتضليل والتقول؛ مما يدل على عدم تحقق ابن حجر - عفا الله عنه - منها ووقوفه عليها.
يقول الشيخ محمد صفي الدين البخاري الحنفي (٢) ﵀ بعد سياقه لجملة من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبراءته مما نسب إليه:
"فإن قلت: ما نقلته في هذا الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب
стр. 84
إليه وعلو مرتبته، فما بال العلاء البخاري (١) والتقي الحصني (٢)، وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه إلى أمور فظيعة؟ !
قلت: اعلم - وفقك الله تعالى - أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كان رجلًا مشهورًا بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغًا في مذهب الإثبات، وكان يكره التأويل أشد الكراهة، وكان يرد على المتصوفة ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما شاكلها كعادة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين ... وكان قد خالف الأئمة الأربعة في بعض ...
فقام عليه ناس وحسدوه وأبغضوه، وأشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك، فدخل ذلك على بعض أهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهما، ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة، واعتمدوا على السماع، فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من أهل العلم والفضل" (٣).
ونظرًا لشهرة ابن حجر ﵀ وعلو مكانته في عصره، وكثرة تصانيفه، وشدة خصومته، أصبح كلامه في حق الشيخين أشهر من كلام غيره، وأكثر أعداؤهما من سياقه ونقله.
ولهذا يقول النبهاني (٤) عنه: "كان أشد أئمة المسلمين إنكارًا لبدع ابن تيمية وردًا عليه بأشد العبارات؛ شفقة على المسلمين، ومحاماة عن هذا الدين المبين، وله في ذلك عبارات كثيرة في كتبه ولا سيما في الفتاوى
стр. 85
الحديثية ... " (١).
وقد انتصر لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - جمع من أهل العلم، وردوا على ابن حجر - عفا الله عنه - ما قاله فيهما، وشنع به عليهما، وفيما يلي طرف من كلامهم:
١ - العلامة إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني الشافعي (٢) ﵀ حيث ساق كلام ابن حجر - عفا الله عنه - في حق الشيخين، وعقب عليه بقوله: "أما إثبات الجهة والجسميّة المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنّهما لم يثبتا الجسميّة أصلًا؛ بل صرّحا بنفيها في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذورًا. وإنّما أقرا قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ على ظاهره الذي يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذي هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسميّة ...
فالمناسبة التي أبداها ابن تيميّة مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنيّة عليه أصلًا كما ظنه ابن حجر؛ بل على صحة التجلي في المظهر مع التنزيه بليس كمثله شيء.
وقد دل كلام ابن تيمية - عليه الرحمة - عمومًا وخصوصًا على أنّ الحق يتجلى لما يشاء على أي وجه يشاء، مع التنزيه بليس كمثله شيء في كل حال، حتى في حال تجليه في المظهر، وهذا هو الغاية في الإيمان والعلم أيضًا" (٣).
٢ - العلامة الملا علي بن سلطان القاري الحنفي الماتريدي ﵀ وهو من أشهر تلاميذ ابن حجر الهيتمي - كما سبق (٤) - حيث ذكر كلام شيخه
стр. 86
السابق في حق الشيخين الإمامين ابن تيمية وابن القيبم، وعقب عليه بقوله: "أقول: صانهما الله عن هذه الوصمة الشنيعة والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح منازل السائرين تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة.
ومما ذكره في الشرح المذكور قوله (١) ما نصه: وهذا الكلام من شيخ الإسلام - يعني: الشيخ عبد الله الأنصاري الحنبلي (٢) قدس الله سره الجلي - يبين مرتبته من السنة والمقدار في العلم، وأنه بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك، والرافضة لهم بأنهم نواصب، والناصبة بأنهم روافض، والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية، وذلك ميراث من أعداء رسول الله ﷺ في رميه ورمي أصحابه بتقليب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة، وقدس الله روح الشافعي حيث يقول - وقد نسب إليه الرفض -:
إن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول:
إن كان نصبًا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي
وعفا الله عن الثالث (٣) حيث يقول:
فإن كان تجسيمًا بثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتري
فإني بحمد اللَّه ربي مجسم ... هلموا شهودًا واملؤوا كل محضر
ثم ذكر في الشرح المذكور (٤) ما يدل على براءة الرجل من التشنيع المسطور؛ وهو أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني
стр. 87
بالعامة الجهال؛ بل عامة الأمة كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (١).
فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر.
وهذا الجواب من مالك ﵀ شافٍ في جميع مسائل الصفات من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعَقُّل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم فكيف نعقل كيفية الصفات؟ !
والعصمة النافعة في هذا الباب: أن تصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسول الله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبت له الأسماء والصفات وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزهًا عن التشبيه، ونفيك منزهًا عن التعطيل.
فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات فهو ممثل، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه، انتهى كلامه وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف.
فالطعن الشنيع القبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه ... " (٢).
стр. 88
٣ - العلامة محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي السلفي (١) ﵀ حيث أشار إلى كلام ابن حجر السابق في حق الشيخين، وأبهم قائله، ورد عليه بقوله: "رأيت بعض من أعمى الله بصيرته، وأفسد سريرته، وتشدَّق وصال، ولَقْلَقَ في مقالته، وقال هذا على اعتقاده، وأخذ في الحطِّ على شيخ الإسلام وتلميذه، وزعم أنَّه نصرُ الحق في انتقاده، وهو مع ذلك هوى في مهاوي هَوَاهُ، وله ولهما موقفٌ بين يدي الله، وحينئذ تنكشفُ السّتُور، ويظهر المستُورُ، وأمَّا أنا فلا أخوضُ في حقِّ من سلف، وإن كانت مقالتُه أقرب إلى الضلال والتَّلف؛ لأنَّ الناقدَ بصيرٌ. ولله عاقبة الأمور" (٢).
٤ - العلامة صديق حسن خان القنوجي المحدث السلفي (٣) ﵀ حيث قال في ترجمته لابن حجر الهيتمي - عفا الله عنه - ما نصه:
"كان له تعصب مع شيخ الإسلام ابن تيمية شديد - عفا الله عنه - ما جناه" (٤).
٥ - العلامة نعمان خير الدين الألوسي البغدادي الحنفي (٥) ﵀ حيث ألف في ذلك كتابًا سماه "جلاء العينين في محاكمة
стр. 89
الأحمدين" (١) نصب نفسه فيه حكمًا بين أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر - رحمهما الله - وبين المسائل المختلف فيها بينهما ووجه الحق فيها.
وقد انتصر في كتابه هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبين ما في كلام ابن حجر - عفا الله عنه - من الظلم والتعدي، وختمه بقوله: "وها أنا بتوفيقه سبحانه قد ذكرت كلام الشيخين، وتصفحت نصوص الطرفين متجنبًا عن داء العصبيّة، متنحيًا عن حمى الغيرة الجاهلية؛ إذ لست بحنبلي المذهب، حتى أرمي بسهم العصبيّة في هذا المطلب. غير أنّ الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة المتقدمات في هذا الشأن، حملتني على نصح الإخوان عن الطعن فيمن هو من أولياء الله، والذّبّ عن ذلك الحبر الأواه، وبيان ما عسر تحقيقه ودق تدقيقه على كثير من فضلاء الزمان ...
وأقول كما فصلته مرارًا: إنّ بعض الأقوال المتقدمة مكذوبة، والبعض الآخر منها لازم المذهب واللوازم غير مطلوبة، ومنها ما هو مذهب الحنابلة كما قد شاع وذاع، ومنها ما هو مجتهد فيه، وللاجتهاد كما لا يخفى عليك اتساع، وأنّ الشيخ أبا العباس قد بلغ نحو أمثاله في ذلك رتبة الاجتهاد بلا التباس، حاويًا لشروطه المتقدمة في هذا الكتاب فله الثواب على ذلك، ولا لوم عليه إن أخطأ بعد أن بذل الوسع فيما هنالك؛ إذ مأخذه الكتاب والسنة الفسيحة المسالك.
وأقول: إنّ الفهامة ابن حجر قد استعجل ولم يتبين عندما أجاب وحرر، حتى بدّعه ونسب إليه المكفر ثم استغفر، فليته تتبع كتب ذلك الإمام، وأقواله المُسَلَّمة عند ذوي النقض والإبرام، حتى يلوح له الصدق، ويتثبت ليتحصحص الحق، ولا ينتقد عليه المتتبعون، أو يغيّر بنقله الغافلون، أو يتبع كلامه في الازدراء والتكفير من أهل زماننا الجاهلون؛ لأنّه العلامة المتبع، ومن إذا قال قولًا يصاخ له ويستمع، وعلى العلات أسأل الله تعالى أن يغفر لهذين الشيخين وينفعنا بعلوم هذين الأحمدين في الدارين" (٢).
стр. 90
٦ - العلامة محمود شكري بن عبد الله الألوسي السلفي الحنفي (١) حيث قال: "ما ذكره ابن حجر المكي في فتاواه عن الشيخ: منه ما هو كذب وزور وبهتان منه عليه، كنسبة القول بالجسمية والجهة، وعدم تحريف التوراة والإنجيل ونحو ذلك، وكتب الشيخ المثبوتة في العلم كلها تصرح بضد ذلك، وجميع كتبه مصرحة بنفي الجهة والجسمية، وشطر من كتابه الجواب الصحيح في إثبات تحريف الكتابيين لكتبهم، فأي ذي دين وإنصاف لم يكذب ابن حجر في قوله ويحكم عليه بأنه من الكاذبين، وأن الشيخ كان من المحققين، والمسائل الأخرى التي ادعى ابن حجر على الشيخ أنه خرق بها الإجماع كلها مما قال به السلف، وقام عليها الدليل الصحيح، وألف في اختياراته كتب مفصلة" (٢).
٧ - العلامة محمد رشيد رضا البغدادي المصوي (٣) ﵀ حيث قال: "ما عزاه ابن حجر الهيتمي إلى ابن تيمية من القول بأن الرب تعالى محل للحوادث، وأن القرآن محدث، وأن العالم قديم بالنوع، ومن القول بالجسمية والجهة، وبأن الرسول ﷺ لا جاه له كل ذلك مكذوب على ابن تيمية، وكتبه الكثيرة مصرحة بخلاف ذلك، ولم نرَ في كتب أحد من علماء الإسلام مثل ما رأينا في كتبه من الدلائل والبراهين على نفي هذه
стр. 91
الأباطيل وتفنيدها. فإما أن يكون ابن حجر قد سمع تلك المطاعن من بعض الكاذبين فصدقها - وهو المرجح عندنا - وإما أن يكون هو الذي افتجر ذلك عليه وهو ما لا نظنه في مثله، وإما أن يكون ذلك مدسوسًا على ابن حجر، وقد دس المفسدون كثيرًا في الكتب ... ومهما كان سبب تلك المطاعن فهي لا قيمة لها مع استفاضة كتب الرجل بخلافها، وقد طبع الكثير منها ولله الحمد ...
وكلام ابن حجر في ابن تيمية معارض بكلام من هو أعلم منه بالرجال وبما قيل فيهم كسميّه الحافظ ابن حجر العسقلاني (١) وهو شيخ شيوخه وأعلمهم بالرجال، فانظروا ماذا قال في ابن تيمية في كتابه طبقات الحفاظ وغيره من كتبه. وبمثل قوله فيه وثنائه عليه واعترافه له بمشيخة الإسلام قال: وأثنى واعترف أكابر الحفاظ في عصره وبعد عصره وشهدوا له بالاجتهاد المطلق.
وكتب ابن تيمية أكبر شهادة من كل أولئك العلماء على كون الرجل وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وقصارى ابن حجر أنه في رتبة المرجحين في فقه الشافعية" (٢).
٨ - العلامة محمد بن حسين بن سليمان الفقيه المالكي (٣) ﵀ حيث قال: "وأما ما عوى به ابن حجر المكي في كتابه الجوهر المنظم، وشرحه لـ مناسك النووي، وكتابه الفتاوى الحديثية من التشنيع والحط على شيخ
стр. 92
الإسلام ابن تيمية فقد رأينا أولًا أن نطوي الكشح ونلوي عنان القلم عما نبح به؛ لأنه أشبه بكلام الرافضة في حق الشيخين أبي بكر وعمر، وأين ابن حجر من شيخ الإسلام حتى يُقبل طعنه فيه، فلو وزنا بينه وبين شيخ الإسلام وجدنا الفرق كما بين السماء والأرض، وكما بين الثريا والثرى، وكما بين حب اللؤلؤ والذرة، ولكن لما رأينا بعض الناس الجاهلين الأغبياء قد قلَّدُوا ابن حجر في هذيانه، رأينا أن نكتم على بعض قاله في حق هذا الإمام فنقول:
أولًا: أما طعن ابن حجر على شيخ الإسلام فهو معارض بمدح الأئمة الأعلام، الذين عاصروا شيخ الإسلام ... وغيرهم من المتقدمين قبل ابن حجر المكي، وأما في زمننا وقبله فخلق لا يحصون ...
ثانيًا: أن ابن حجر لم يعز ما قاله إلى كتاب من كتب شيخ الإسلام، والذي يظهر لي أنه ما رأى منها كتابًا واحدًا، وإلا لو رأى لاستحيى من الله أن يقول ما قال، اللهم إلا أن يكون قد غلب عليه التعصب والعناد، وهل يليق برجل ينتسب إلى العلم يستحل الخوض في أعراض أئمة الهدى من غير أن يعزي ما قاله إلى كتاب من كتبهم، بل كُتبهم على خلاف ما قال هذا المفتري.
ثالثًا: أن ابن حجر وأمثاله ممن طعن في شيخ الإسلام لا يقبل طعنهم فيه؛ لأنَّهم جاهلون بشهادتهم على أنفسهم أنهم مُقَلِّدُون مُحَرِّمُون على أنفسهم وعلى الناس الاستهداء بالكتاب والسنة مُقرُّون على أنفسهم أنهم لا يفهمون معاني الكتاب والسنة، ولا قدرة لهم على استنباط الأحكام من الأدلة. وأما شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد المطلق، وأنَّ شروط الاجتهاد، قد توفرت فيه واستجمعها سبعون مجتهدًا في زمانه، فكيف يليق بالجاهل العاجز عن فهم النصوص أن يطعن في عرض إمام مجتهد، كُتُبُه تشهد له بالفضل الذي لم يشاركه فيه إلا القليل من الناس، وما لك يا ابن حجر وما لهذا الإمام أشفق على نفسك وأرحها من العناء فشيخ الإسلام
стр. 93
لا يحط من قدره ما هذيت به ... " (١).
وبعد: فما سبق طرف من كلام أهل العلم ﵏ في المحاكمة بين العلامة أحمد بن حجر الهيتمي - عفا الله عنه - وبين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - على وجه الإجمال، وأما تفصيل الكلام في المسائل المختلف فيها بينهم فقد أوسعها بحثًا العلامة نعمان خير الدين الألوسي ﵀ في كتابه المشهور جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، ومن أحيل على مليء فليحتل.
* * *
стр. 94
الباب الأول آراؤه في الإيمان بالله
وفيه تمهيد، وثلاثة فصول:
تمهيد في تعريف التوحيد وأقسامه.
الفصل الأول: آراؤه في توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: آراؤه في توحيد الألوهية.
الفصل الثالث: آراؤه في توحيد الأسماء والصفات.
стр. 95
تمهيد في تعريف التوحيد وبيان أقسامه
يرى ابن حجر ﵀ أن الإيمان بالله تعالى يعني الإيمان "بأنه تعالى واحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا شريك له في الألوهية - وهي استحقاق العبادة - منفرد بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها وبقدم ذاته وصفاته الذاتية" (١).
وبناء على ذلك فإنه يرى أن الإيمان بالله يعني توحيد الله تعالى المتضمن لتوحيده سبحانه في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ولهذا يحسن قبل بيان آراء ابن حجر في الإيمان بالله ذكر تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة، ثم عند ابن حجر.
أولًا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة:
(التوحيد): أصل مادته (وَحَدَ)، وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص (٢).
يقول ابن فارس (٣): "الواو، والحاء، والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (٤).
стр. 96
وعليه فتوحيد الله تعالى معناه: إفراده تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (١).
والتوحيد - عند أهل السنة والجماعة - ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
وقد دل على ذلك استقراء النصوص من الكتاب والسنة (٢).
ثانيًا: تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند ابن حجر:
وقد عرف ابن حجر - عفا الله عنه - التوحيد بتعريفين ضمنهما أقسامه عنده:
الأول: هو الإقرار "بأنه تعالى واحد في ذاته فلا تعدد له بوجه، وصفاته فلا نظير له بوجه، وأفعاله فلا معين له ولا شريك له فيها بوجه" (٣).
وبناء على تعريفه هذا فإن التوحيد ينقسم عنده إلى ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الذات.
٢ - توحيد الصفات.
٣ - توحيد الأفعال.
стр. 97
وابن حجر في هذا التعريف يوافق المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم، كما يوافقهم في أقسامه (١).
والثاني: هو أن "توحيد العبد لربه على مراتب: توحيد له بالقول والوصف بأن يخبر عن وحدانيته، وتوحيد له بالعلم وهو أن يعلمه بالبرهان على وحدانيته، وتوحيد له بالمعرفة وهو أن يعرفه بالبيان كما علمه بالبرهان" (٢).
وابن حجر وإن نقل هذا التعريف عن أبي القاسم القشيري (٣)(٤) إلا أنه استحسنه وارتضاه، وهو بهذا يوافق الصوفية في تعريفهم للتوحيد (٥).
وقد عقد ابن حجر - غفر الله له - مقارنة بين توحيد المتكلمين وتوحيد الصوفية فقال: "إن توحيد الله تعالى باللسان العلمي المقرر في كتب أئمة الكلام القول فيه مشهور عند من مارس ذلك الفن واطلع على دقائقه وأحاط بما فيه ... وأما التوحيد بالأحوال الشهودية (٦) والمواجيد
стр. 98
العرفانية (١) فهو حال أئمة التصوف الذين أتحفهم الله بما لم يتحف أحدًا سواهم ... فتوحيدهم هو الذي عليه المُعوَّل، وحالهم هو الحال الأكمل، ومن ثم قال بعض محققيهم فارقًا بينهم وبين علماء الكلام: أولئك قوم اشتغلوا بالاسم عن المسمى، ونحن قوم اشتغلنا بالمسمى عن الاسم" (٢).
ويظهر مما سبق أن ابن حجر يرى أن التوحيد له جانبان: جانب علمي وهو ما وافق فيه تعريف المتكلمين، وجانب عملي وهو ما وافق فيه تعريف الصوفية.
وما ذهب إليه ابن حجر - عفا الله عنه - في تعريف التوحيد سواء من الجانب العلمي أو الجانب العملي مخالف للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة.
حيث يؤخذ على تعريفه الأول - والذي وافق فيه المتكلمين - ما يلي:
١ - اشتمال التعريف على بعض الألفاظ المجملة التي ضمنها المتكلمون بعض العقائد الباطلة، كتضمينهم نفي علو الله على عرشه ومباينته لخلقه قولهم: "إنه واحد في ذاته لا تعدد له"، وتضمينهم نفي الصفات الثابتة له تعالى قولهم: "إنه واحد في صفاته فلا نظير له" (٣).
وهذه المعاني الباطلة التي ضمنها المتكلمون تعريف التوحيد يقر بها ابن حجر - وسيأتي بيان أقواله في ذلك والرد عليها - (٤).
٢ - إهمال التعريف لتوحيد الألوهية - الذي هو قطب رحى الدين،
стр. 99
وأساس الملة، والمقصود بشهادة أن لا إله إلا الله - حيث لم يذكر في التعريف، فإن غاية ما ذكر فيه توحيد الربوبية الذي يقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن بين خطأ المتكلمين في تعريفهم السابق: "ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًّا؛ فإن المشركين إذا أقرّوا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ؛ بل لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله" (١).
وما أخذ على التعريف الأول من إهمال توحيد الألوهية والاقتصار على توحيد الربوبية يؤخذ على التعريف الثاني - والذي وافق فيه ابن حجر مذهب الصوفية -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكذلك طوائف من أهل التصوف، والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد - يعني: توحيد الربوبية - وأن يشهد أن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.
ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، أو من سادات الأولياء" (٢).
وبهذا يعلم خطأ ابن حجر - غفر الله له - في تعريف التوحيد وبيان أقسامه، ومخالفته لما عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 100
الفصل الأول آراؤه في توحيد الربوبية
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد في تعريف توحيد الربوبية:
المبحث الأول: معرفة الله تعالى.
المبحث الثاني: قوله في الفطرة.
المبحث الثالث: حكم إيمان المقلد.
стр. 101
تمهيد في تعريف توحيد الربوبية
الربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُ رَبَابَةً ورُبُوبية (١).
يقول ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول:
فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه ...
والآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه ...
والثالث: ضم الشيء للشيء.
ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا" (٢).
"والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم" (٣).
وجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك ابن الأنباري (٤) حيث قال: "الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع ... ويكون الرب المصلح" (٥).
стр. 102
ويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (١).
ويقول العلامة ابن القيم ﵀: "الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها" (٢).
وقد بين ابن حجر ﵀ بعض معاني الرب فقال: "رب العالمين: أي مالك، أو سيد، أو مصلح، أو مربي، أو خالق، أو معبود" (٣).
وهو بهذا لم يخرج عما ذكره السلف وأهل اللغة في بيان معنى الرب، سوى تفسيره الرب بمعنى المعبود؛ فإنهما وإن كان بينهما تضمن وتلازم إلا أنهما متغايران (٤).
ولفظ: (رب) لا يطلق بغير الإضافة إلا على الله تعالى.
يقول ابن قتيبة (٥) ﵀: "لا يقال لمخلوق: هذا الرب معرفًا بالألف واللام كما تقال لله، إنما يقال هذا رب كذا، فيُعّرف بالإضافة، لأن الله تعالى مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب دلت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا نسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك شيئًا غيره" (٦).
وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن حجر ﵀: "لا يطلق الرب بالألف
стр. 103
واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار وغير ذلك ...
وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية ... " (١).
وبناء على ما سبق فالمراد بتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك (٢).
وإفراده سبحانه بالخلق يراد به: الإقرار والاعتراف بأنه تعالى وحده خالق كل شيء، لا شريك له في ذلك.
وأما إفراده جل وعلا بالملك فيراد به أمران متلازمان:
الأول: الاعتراف بأنه تعالى المالك للكون أجمع بما فيه لا شريك له في ملكه.
والثاني: أنه المدبر له والمتصرف فيه بما شاء لا شريك له في ذلك (٣).
* * *
стр. 104
المبحث الأول معرفة الله تعالى
عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بمعرفة الله سبحانه، وهي: حكم معرفة الله تعالى، والطريق إليها، وبيان دلائلها.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك وتقويمها.
أولًا: حكم معرفة الله والطريق إليها:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن معرفة الله تعالى كسبية نظرية لا فطرية ضرورية، وأن طريقها النظر، وأنهما أول الواجبات العينية.
حيث يقول: "معرفة الله تعالى والنظر المؤدي إليها هما أول الواجبات العينية، وأساس جميع الفروض وغيرها وسائر أصول الشريعة وفروعها" (١).
ويقول: "يجب شرعًا النظر لمعرفة الله تعالى الواجبة لذاتها ... فهو أول واجب، وقال جمع محققون: أوله القصد إلى ذلك النظر، وهي أول واجب ذاتي" (٢).
ويقول: "قال الإمام (٣) في الإرشاد: "أول ما يجب على البالغ العاقل باستكماله سن البلوغ أو الحلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم ... " وما قاله لا خلاف فيه" (٤).
стр. 105
التقويم:
اختلف الناس في معرفة الله تعالى هل هي كسبية نظرية أم فطرية ضرورية.
فذهب عامة السلف ﵏ إلى أنها فطرية ضرورية (١).
وذهب جمهور المتكلمين من المعتزلة (٢) - ومن تبعهم من الشيعة الإمامية (٣) والزيدية (٤)(٥) - والأشاعرة (٦) والماتريدية (٧) إلى أنها كسبية نظرية.
стр. 106
وكلام ابن حجر - غفر الله له - المتقدم في تقرير كونها أول واجب يفهم منه القول بأنها كسبية نظرية لا فطرية ضرورية؛ إذ لو كانت فطرية ضرورية لما كان تحصيلها واجبًا على المكلف لتحققها أصلًا، فضلًا عن أن تكون أول الواجبات.
والصحيح: ما ذهب إليه عامة السلف ﵏ من أن معرفة الله تعالى في الأصل فطرية ضرورية، والاكتساب والنظر طارئان عليها؛ إذ قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذٍ إلى الاكتساب والنظر.
والمراد بالنظر الذي قد يُحتاج إليه في تقريرها هو مطلق النظر لا النظر العقلي الذي أوجبه المتكلمون - كما سيأتي -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير ذلك: "الصحيح أنها فطرية ... ولكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها، فتحتاج حينئذٍ إلى النظر، فهي في الأصل ضرورية، وقد تكون نظرية، ثم المعرفة الواجبة لا تتعلق بنظر خاص، بل قد تحصل ضرورية" (١).
ويقول أيضًا: "المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطرة السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال، ويحتاج إليه في حال" (٢).
والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فالله تعالى أشهد ذرية آدم على ربوبيته سبحانه فأقروا له بذلك واعترفوا ثم أشهدهم على هذا الاعتراف، وسواء كان هذا العهد قبل الخروج إلى الدنيا في عالم الذر أو كان عهد الفطرة - على خلاف بين أهل العلم - فإن ذلك لا يؤثر في دلالة الآية على المقصود (٣).
стр. 107
وقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وقد أجمع المفسرون من السلف على أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام، ودين الإسلام متضمن لمعرفة الله تعالى والإقرار به (١).
وقوله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالرسل دعوا أقوامهم ابتداءً إلى توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولو لم يكن الإقرار بالله تعالى وربوبيته أمرًا فطريًا لابتدأوا أقوامهم بذلك؛ لأن الأمر بتوحيده تعالى في عبادته فرع عن الإقرار به وبربوبيته (٢)، ولصح لأعداء الرسل عند دعوتهم لهم أن يقولوا نحن لم نعرفه أصلًا فكيف تأمروننا بعبادته؟ ولما لم يحدث ذلك منهم دل على أن معرفتهم بالله مستقرة في فطرهم (٣).
ولهذا احتج عليهم بما أقروا به - وهو الربوبية - على ما أنكروه - وهو الألوهية - في آيات كثيرة كقوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (٤).
ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". ثم يقول أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: "فطرة الله التي
стр. 108
فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" (١).
فالحديث دل على أن كل مولود يولد على الفطرة، والفطرة هي الإسلام - كما سيأتي (٢) - والإسلام متضمن لمعرفة الله والإقرار به.
وقوله ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل من نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (٣).
فالحديث دل على أن الله تعالى خلق الخلق على الحنيفية، والحنيفية هي الإسلام، ومن مقتضياته أن الله تعالى خلق الخلق مقرين به معترفين بربوبيته (٤).
وأما الفطرة: فإن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يلجؤون إلى الله تعالى حال الشدة والكرب، وذلك يدل على أن الخلق كلهم على اختلاف أديانهم مفطورون على معرفة الله سبحانه والإقرار به (٥).
وأما العقل: فمن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومعلوم أن مجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو عَلَّم أحدٌ البهائم والجمادات وحضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن السبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.
стр. 109
ومعلوم أن إقرار النفس بالخالق ممكن من غير سبب منفصل من خارجها، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي لذلك قائمًا في النفس وقُدّر عدم المعارض، فإن المقتضى السالم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالخالق عابدة له (١).
وبما سبق يظهر بطلان ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - من كون المعرفة كسبية نظرية لا فطرية ضرورية.
وأما قوله - عفا الله عنه - بأن المعرفة والطريق المؤدي إليها أول الواجبات العينية، فهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، بأن يقال:
أولًا: أن قوله بذلك مبني على قوله بأن المعرفة كسبية لا فطرية ضرورية، وهو باطل - كما سبق - فكذلك ما بني عليه.
ثانيًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (٢) - جواز التقليد في العقائد - ومنها المعرفة - وصحة إيمان المقلد، والقول بذلك يقتضي عدم وجوب النظر على كل أحد؛ إذ يلزم من القول بوجوب النظر على كل مكلف تأثيم من قلد ولم ينظر، وذلك يناقض القول بجواز التقليد في العقائد.
ولهذا يقول أبو جعفر السمناني (٣) - وهو من رؤوس الأشاعرة -: "إيجاب الأشعري النظر لحصول المعرفة بقية بقيت عنده من الاعتزال، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يُكتفى بالتقليد في ذلك" (٤).
стр. 110
وعلى هذا فالقول بجواز التقليد في العقائد يناقض القول بوجوب النظر على أحد.
ثالثًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي (١) - أن التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان، وهذا يناقض قوله إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر، وتناقض ابن حجر في ذلك ليس مختصًا به بل شأنه في ذلك شأن الأشاعرة الذين يوافقهم وينهج نهجهم.
يقول شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا" (٢).
وعليه فإن تناقض ابن حجر هنا فرع عن تناقض الأشاعرة أنفسهم الذين تابعوا المعتزلة في قولهم بوجوب النظر لحصول المعرفة وخالفوهم في طريق الوجوب فقالوا هو الشرع لا العقل مما أوقعهم في التناقض.
ثانيهما: المعارضة: بأن الأدلة متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على أن أول واجب على المكلف الشهادتان، لا المعرفة ولا النظر ولا القصد إليه.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].