← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فمنهم من قال: هما بمعنى واحد (١). ومنهم من قال: بالتفريق بينهما، واختلف هؤلاء في تحديد وجه الفرق بينهما: فمنهم من قال بأن الكاهن أعم من العراف فهو يطلق عليه وعلى غيره ممن يدعي علم الغيب؛ وذلك لكون الكاهن يخبر عن المستقبل والماضي بخلاف العراف فهو إنما يخبر عن الواقع، ومن هؤلاء ابن الأثير (٢) (٣) والحافظ ابن حجر العسقلاني (٤)، وهو ما ذهب إليه ابن حجر في كلامه المتقدم. ومنهم قال بأن العراف أعم من الكاهن، وأن "العراف اسم عام للكاهن والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغيبية" (٥)، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، والشيخ سليمان بن عبد الله (٧)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن (٨) (٩) -رحمهم الله تعالى-. ومما يؤيد ذلك أن العرّاف مبالغة من المعرفة، وعليه فإنه يشمل كل

стр. 177

من تعاطى هذه الأمور الغيبية وادعى المعرفة بها (١). وعلى كل حال فإن الكاهن والعراف بمعنى متقارب، وكلاهما يشتركان في ادعاء علم الغيب. ولهذا نُقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن الكاهن فقال: "هو نحو العراف" (٢). وما قرره ابن حجر في الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من كونها مما ينافي التوحيد هو مما وافق فيه أهل السنة والجماعة (٣). ولا يعارض ذلك كونه عد الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من الكبائر؛ وذلك لأنه عد في الكبائر أمورًا صرح بكونها كفرًا لا كبيرة كالشرك (٤)، والنفاق (٥)، وتعمد الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ (٦) وغير ذلك؛ معللًا ذلك بأن مقصوده استيفاء الكلام على سائر ما قيل إنه كبيرة وإن لم يكن كذلك عنده (٧) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه عرف الكهانة والعرافة بما يدل على كونهما من ادعاء علم الغيب (٨) وجعل ما يلحق بهما مقيسًا عليهما لاشتراكه في هذا الملحظ (٩) -كما سبق-، وقد صرح في غير موضع من كتبه بكفر من ادعى علم الغيب (١٠). وأما قوله باشتراك الكهانة والعرافة وما ألحق بهما من الطرق والعيافة في الأحكام فهو متجه؛ خاصة مع كون بعض أهل العلم لا يرى التفريق بين الكاهن والعراف، ومن فرق منهم جعل أحدهما أعم من الآخر فهو يتضمنه وزيادة -كما سبق-.

стр. 178

يقول الإمام الخطابي ﵀: "وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم [يعني: العرّاف وما في معناه] وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم" (١). وهذه الأحكام التي ذكرها ابن حجر يدل عليها أحاديث كثيرة منها: ما جاء عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (٢). وما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (٣). وما رواه عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكَهَّن أو تُكُهّن له" (٤). فقد تضمنت هذه الأحاديث ثلاثة أحكام: الأول: حرمة إتيان الكهان والعرافين ومن في معناهم وسؤالهم سواء صدقهم أو لم يصدقهم أو شك في خبرهم، بخلاف من أتى إليهم وسألهم

стр. 179

ليختبرهم أو ليظهر عجزهم وكذبهم فهذا لا بأس به، وقد يكون واجبًا (١)، ويدل عليه سؤال النبي ﷺ لابن صياد (٢). والثاني: حرمة تصديقهم وكون ذلك كفرًا، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب ... " (٣). والثالث: عدم قبول صلاة من أتى الكاهن والعراف أربعين يومًا، ومعنى ذلك أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة؛ ويدل على ذلك كون العلماء متفقين على أنه لا يلزم من أتى العراف والكاهن إعادة صلوات أربعين ليلة (٤). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي" (٥). يريد بذلك أن الآتي إليهم إن لم يصدقهم في أقوالهم ففيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين يومًا، وإن صدقهم ففيه الوعيد بكفره، ويشهد لهذا الجمع روايات الحديث (٦). ٦ - التنجيم: يرى ابن حجر ﵀ أن التنجيم هو الاشتغال بعلم النجوم، وأن العلوم المتعلقة به مختلفة، حيث قال: "العلوم المتعلقة بالنجوم: منها ما هو واجب: كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ونحو ذلك.

стр. 180

ومنها ما هو جائز: كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد ونحوهما. ومنها ما هو حرام: كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المغيبة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلًا بها عليه" (١). وقال في بيان المنهي عنه من علم النجوم: "المنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيّر الأسعار، ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وأفتراقها وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به ذلك إلى الكفر" (٢). وبيّن أن دعوى الكسوف والخسوف وقرب نزول الغيث وما شابه ذلك مما هو معتمد على أمور جعلها الله علامات على حصول تلك الأشياء ليس من ادعاء علم الغيب أو التنجيم المنهي عنه، حيث قال: "أما من يقول إن الاقتران والافتراق الذي هو كذا جعله الله علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك" (٣). وقال أيضًا: "دعوى الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب في شيء، لأنه يُدركه بالحساب فلا ضلال فيه ولا كفر، لكن يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعني، وفي الخبر به قبل وروده ضرر في الدين ... " (٤). وذكر ابن حجر اختلاف العلماء في المنجم، وبيّن رأيه فيه فقال: "وحاصل مذهبنا في ذلك أنه متى اعتقد أن لغير الله تأثيرًا كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل سواء أسرَّ بذلك أم أظهره"، وكذا لو اعتقد أنه يعلم الغيب المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] لأنه مكذب للقرآن، فإن خلا عن اعتقاد هذين فلا كفر، بل ولا إثم إن قال علمت ذلك

стр. 181

بواسطة القُرْبَة والعادة الإلهية ونحو ذلك" (١). التقويم: التنجيم في اللغة: مصدر "نَجَّمَ" المشتق من النجم، وهو الكوكب. والتنجيم، صنعة المُنَجِّم، وهو الذي ينظر في النجوم ويحسب مواقيتها وسيرها (٢). وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات الناس في تعريفه، ويجمعها القول بأنه ادعاء معرفة ما يكون في الأرض قبل كونه (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريف التنجيم: هو "الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون" (٤). وما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم التنجيم وأن منه ما هو جائز أو واجب، ومنه ما هو محرم وكفر هو ما عليه جمهور السلف (٥). يقول الخطيب البغدادي (٦) ﵀: "علم النجوم يشتمل على ضربين:

стр. 182

أحدهما: مباح ... والآخر: محظور ... " (١). وكذا ما ذكره من كون العلم بالكسوف والخسوف ونحوهما ليس من ادعاء علم الغيب ولا من التنجيم المنهي عنه إذا لم يجزم بذلك أو ادعى أن النجوم فاعلة بنفسها؛ لأن ذلك مما يعلم بالحساب والمشاهدة وليست بأمور خفية، كما يعلم وقت طلوع الهلال بالحساب، ويعلم وقت نزول المطر بمشاهدة الرياح، وهذا من ربط الأسباب بمسبباتها، والأمور بمقدماتها وليس من التنجيم في شيء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ [الروم: ٤٦]، ولأن فاعل ذلك لا يجزم بما يقول، أو يدعي أن النجوم فاعلة بنفسها، وإنما يخبر بما يغلب على ظنه معتمدًا على حسابه أو مشاهدته ولهذا يقع الخطأ كثيرًا في خبره (٢). والقول: بكفر المنجم -كما ذكر ابن حجر- هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ إذ فعله يتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به، والكفر بما أخبر به جل وعلا من كون الغيب لا يعلم به أحد سواه كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦]،

стр. 183

كما أنه يتضمن اعتقاد أن تلك النجوم فاعلة ومؤثرة بنفسها، وكل ذلك كفر مُخرج من الملة (١). وأما قوله بأنه "إن خلا عن هذين فلا كفر إن قال علمت ذلك بواسطة القربة والعادة الإلهية" فليس على إطلاقه، بل يُقيّد بكون إمكان العلم بذلك له تعلّق بالنجوم. ٧ - الرمل والخط: يرى ابن حجر ﵀ تحريم الرمل والخط وتعلمه وتعليمه، حيث يقول: "تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لِمَا فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه وما استأثر بمعرفته ... وقد أكذب الله مدعي علم الغيب، وأخبر في كتابه العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية" (٢). وسئل عما يتمسك به أولئك المنجمون الرمالون في تجويز فعلهم من قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] وأن المراد به بزعمهم علم الخط في الرمل، وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" (٣). فأجاب عن الآية بقوله: "ما روي في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] أنه الخط فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] الآيات، أي: ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه، أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه الآثار أقاويل أخر غير ما ذكر" (٤).

стр. 184

وأجاب عن الحديث بقوله: "الحديث المذكور في مسلم، لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق عليه إجماع أهل السنة. وذلك بأن يحمل ... على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جوابًا على سؤال من اعتقد [علم الخط] على ما اعتقدت العرب، فأجابه ﷺ بأن ذلك من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير ... أو يحمل على أنه علق الحِلَّ بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقي النهي على حاله، لأنه علق الحِلَّ بشرطه، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول ... [أو يحمل على أنه أراد] فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم ... وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي ﵇ بالخط، وجعله علامة لِمَا يأمره به وينهاه عنه ... " (١). التقويم: الرمل والخط مما يلحق بعلم التنجيم؛ إذ هو يشاركه في دعوى علم الغيب، والاعتماد على ما لا حقيقة له من الحدس والتخمين وغيرهما (٢). وقد عرفه طاش كبرى زاده بأنه: "الاستدلال بأشكاله الاثني عشر على أحوال المسألة حين السؤال ... وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفًا معينًا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة،

стр. 185

فحين السؤال عن المطلوب يقتضي أوضاع البروج وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال -بسبب مدلولاتها من البروج- تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج" (١). وقد ذكر أهل العلم له صورًا كثيرة، وأشكالًا متعددة (٢)، وما ذكروه لا يعدو أن يكون من أنواعه وأشكاله، وليس حصرًا له في المذكور. وما ذكره ابن حجر من تحريم الخط والرمل وتعلمه وتعليمه معللًا ذلك بما فيه من إيهام مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به هو قول أهل السنة والجماعة (٣)، ومن وافقهم (٤). وقوله بالتحريم لا ينافي كون ذلك شركًا، وكون فاعله كافرًا مشركًا خارجًا من الملة، كما يدل على ذلك تعليله السابق. يقول العلامة الذهبي (٥) ﵀: "من العلوم المحرمة: علم السحر ... والطِّيرة، والشّعبذة، والتنجيم، والرمل، وبعضها كفر صراح، ومنها ما يحصل من الكتابة" (٦). وأما ما أجاب به عن استدلال أولئك المنجمين على تجويز فعلهم

стр. 186

بقوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] على أن المراد بها بزعمهم الخط، وقوله بأن هذا التفسير غير متعين، وعلى فرضه فالمراد به إظهار عجزهم عن الإتيان بما يشهد لقولهم الباطل مما يؤمنون به وإن لم يكن حجة في نفسه، فهو قول المحققين من أهل التفسير (١). يقول الإمام ابن جرير (٢) ﵀ بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ... وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثر من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به ... فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم صحة ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون" (٣). وأما ما أجاب به عما استدلوا به من قوله ﷺ : "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وكون ذلك محمول على تأويلات عدة ذكر بعضًا منها، فهو جواب غيره من أهل العلم حيث تأولوا الحديث على تأويلات كثيرة (٤)، وأولى هذه التأويلات بالقبول هو أن علم الرمل والخط مباح لمن وافق خط ذلك النبي بيقين، وأنه لا سبيل إلا اليقين في ذلك لتوقفه على النص الصريح في كيفيته عنه ﷺ ، أو النقل المتواتر من زمن

стр. 187

ذلك النبي إلى ﷺ ، وكلا الأمرين منتفٍ؛ فيبقى التحريم على أصله (١). وهذا التأويل هو الذي يميل إليه ابن حجر كما يدل عليه ظاهر قوله السابق: "وهذا أولى من الأول". يقول النووي ﵀: "اختلف العلماء في معناه [يعني: الحديث]، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح" (٢). وعلى كل حال فإن الحاصل من كلام أهل العلم في الحديث الاتفاق على أنه مؤول، وأن الخط والرمل محرم لا يجوز. ٨ - التمائم: يرى ابن حجر ﵀ أن التمائم ليست جائزة بإطلاقها ولا محرمة بإطلاقها، بل منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم. يقول في بيان ذلك: "مذهبنا .. أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، هان كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك" (٣). ويقول أيضًا: "يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب" (٤). ويرى أن تعليق تلك التمائم المحظورة من أكبر الكبائر وأنها وسيلة إلى الشرك، حيث عدّ من الكبائر: "الرقى وتعليق التمائم والحروز ... " (٥)، وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذين من الكبائر هو ما يقتضيه الوعيد في هذه الأحاديث لا سيما تسميته شركًا ... نعم يتعين حمله

стр. 188

على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمونها تميمة أو نحوها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ولا شك أن اعتقاد هذا جهل وضلال، وأنه من أكبر الكبائر؛ لأنه إن لم يكن شركًا فهو يؤدي إليه؛ إذ لا ينفع ويضر ويمنع ويدفع إلا الله تعالى" (١). التقويم: التمائم: جمع تميمة، وهي العِوَذ التي تعلّق على الإنسان وغيره لدفع الآفات عنه من أي شيء كانت (٢). وهي ضربان: الأول: التمائم من غير القرآن: وهي ما كانت من خرزات، أو حلقات، أو عظام، أو خرق، ونحو ذلك. ويلحق بها ما عبر عنه ابن حجر ﵀ بكونه مشتملًا على أسماء لا يعرف معناها، ويدخل في ذلك ما كانت مشتملة على الأبيات الشركية والأرقام والأحرف المجهولة من باب أولى (٣). فهذا الضرب من التمائم محرم باتفاق، والحكم بكونه شركًا أكبر أو أصغر يختلف باختلاف حال معلقها من جهة، وحال التميمة نفسها وما تتضمنه من جهة أخرى. فأما اختلاف حكمها باختلاف حال معلقها، فالمراد به: أن معلق التميمة إن كان يعتقد أن التميمة تنفع وتضر بنفسها فإن تعليقه لها شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب لدفع الأذى أو رفعه فحسب وأنها لا تستقل

стр. 189

بالنفع والضر فتعليقه لها شرك أصغر (١). وأما اختلاف حكمها باختلاف حال التميمة نفسها وما تتضمنه، فالمراد به: أن التميمة إن كانت تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين، فهي شرك أكبر بكل حال، وإن كانت تشتمل على أسماء لا يفهم معناها فهي محرمة، والحكم بكونها شركًا أكبر أو أصغر يرجع إلى حال معلقها كما سبق (٢). وما قرره ابن حجر في هذا الضرب من التمائم من كونه محرمًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة (٣)، ولكن يؤخذ عليه كونه حمل الأحاديث المصرحة بكون هذا الضرب من التمائم شركًا على ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها تنفع وتضر بنفسها دون اعتقاد كونها سببًا، وأعجب منه اضطرابه بعد ذلك في الحكم عليها بكونها شركًا وتردده في ذلك كما هو ظاهر كلامه السابق! ! والصحيح أنها شرك -كما وردت بذلك الأحاديث عنه ﷺ وأن المراد بالشرك فيها يختلف باختلاف حال معلقها، وحال التميمة نفسها -كما سبق-. والثاني: التمائم من القرآن: ويلحق بها ما كان مشتملًا على دعائه سبحانه والتضرع إليه بأسمائه وصفاته. فهذا الضرب من التمائم اختلف أهل العلم في جوازه، والخلاف فيه جار في أقوال السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (٤).

стр. 190

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته. فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر (١)، وأحمد في رواية ... وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم ﵁ وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون" (٢). والذي يظهر لي أن القول الراجح هو قول الطائفة الثانية القائلة بعدم الجواز "لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل: الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم. والثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. والثالث: أنه إذا عُلق فلا بد أن يمتهنه المُعلِّق، بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك ... " (٣). وعليه فإن ما ذهب إليه ابن حجر من تجويز التمائم من القرآن وأسماء الله وصفاته وإن كان خلافًا للقول الراجح، إلا أنه قول مأثور عن بعض السلف.

стр. 191

ولكن يؤخذ عليه كونه ألحق بهذا الضرب من التمائم ما كان مشتملًا على الإقسام بأنبياء الله وملائكته، وهذا القول علاوة على أنه لم يقل به أحد ممن قال بجواز التمائم من القرآن فإنه شرك لا يجوز وإن كان ذلك الإقسام بأنبياء الله وملائكته -كما سيأتي- (١). ٩ - الرّقى: عرف ابن حجر ﵀ الرقى بأنها: "ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررًا بل ذاك يقال له: السحر" (٢). وبيّن أن الرقى منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع فقال: "هذه الألفاظ [يعني: الرقى] منها مشروع كالفاتحة، وغير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما وربما كان كفرًا ... " (٣). وقال أيضًا: "مذهبنا ... أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك ... " (٤). وقال في وصف الرقى المشروعة: "يستحب الرقية ... وأفضلها بالوارد، ثم المعوذات، لجمعها الاستعاذة من المكروهات جملة وتفصيلًا ... ، ثم ببقية القرآن خلافًا لمن نازع فيه ... " (٥). كما قال في وصف الرقى الممنوعة: "أما الرقى ... إذا كانت بغير لسان العربية ولم يعرف معناها فإنها حينئذ حرام ... ، وسبب ذلك ... أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا ... " (٦).

стр. 192

ولهذا فإنه "يشترط ... في كل رقية -خلافًا لمن شذ- أن تخلو عن الأسماء والكلمات المجهولة المعنى؛ لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك، أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية. ومن ثم لَمّا سألوه ﷺ عن رقى كانوا يرقون بها في الجاهلية؟ قال: "اعرضوا عليّ رقاكم" (١) فلم يأذن لهم في مطلقها، لنحو ذلك المعنى" (٢). وقد اختلف كلام ابن حجر في الحكم على الرقى المشروعة فمرة قال باستحبابها فقال: "تستحب الرقية، ولا تختص بمرض" (٣)، وأخرى قال بجوازها فقال: "جواز الرقية بكتاب الله تعالى ويلحق به ما كان بالذكر والدعاء ... " (٤). التقويم: الرقى: جمع رقية. والرقية في اللغة: هي العوذة، يقال: رقى الراقي رقية ورقيًا، إذا عوَّذ ونفث (٥). وقيل: هي العزيمة، يقال: رقى الراقي على الداء، إذا عزم عليه (٦). فالرقية والعوذة والعزيمة كلها بمعانٍ متقاربة، وإن كان بعض أهل العلم يفرق بينها (٧).

стр. 193

وأما في الشرع: فقد تعددت عبارات أهل العلم في تعريفها، فمنهم من قصرها على الرقى المشروعة دون غيرها (١)، ومنهم من عرفها بما يشمل الرقى بنوعيها المشروع والممنوع (٢). وما ذكره ابن حجر في تعريف الرقى من هذا القبيل؛ إذ إنه يتناول الرقى بنوعيها، وهو أولى من قصر الرقى في الشرع على الرقى الشرعية؛ وذلك لورود النصوص الشرعية بإطلاق لفظ الرقى على المشروع والممنوع، والحكم على الرقى الممنوعة بكونها غير شرعية لا يخرجها عن مسمى الرقى في الاصطلاح الشرعي. إلا أنه يُؤخذ على ابن حجر -عفا الله عنه- قوله في التعريف: "ألفاظ خاصّة يحدث عندها الشّفاء"، إذ الشّفاء يحصل بها لا عندها، وقوله هذا مبنيٌّ على قول أصحابه الأشاعرة في الأسباب. وأما ما قرره ابن حجر من تقسيم الرقى إلى قسمين: رقى مشروعة، وأخرى ممنوعة، فهو محل إجماع لدى أهل العلم (٣). فإن أهل العلم قسموا الرقى إلى قسمين: الأول: الرقى المشروعة: وهي ما اجتمعت فيها شروط الرقية الشرعية وهي ثلاثة: ١ - أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته. ٢ - أن تكون باللسان العربي وبما يعرف معناه. ٣ - أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى (٤).

стр. 194

وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على اشتراط هذه الشروط في الرقى حتى تكون مشروعة، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني (١)، والحافظ السيوطي (٢) - رحمهما الله تعالى-. والثاني: الرقى الممنوعة: وهي ما تخلّف فيها شرط من الشروط الثلاثة السابقة، وحكمها يختلف باختلافها فإن كانت تشتمل على الشرك أو اعتقاد كونها مؤثرة بذاتها فهي شرك أكبر، وإن كانت تشتمل على ألفاظ لا يفهم معناها فهي محرمة خشية أن تكون شركًا (٣). وكلام ابن حجر السابق في تقسيم الرقى إلى مشروعة وممنوعة ووصف كل منهما يتضمن بعض هذه الشروط والضوابط، إلا أن المتأمل في كلامه السابق يراه عد الرقى التي تتضمن الإقسام بالأنبياء والملائكة من الرقى المشروعة مرة فقال: "وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها" وعدّها أخرى ممنوعة فقال: "لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية" فوقع في التناقض، إلا إن حملنا كلامه الأخير على ما كان يجمع بين القسم والتعظيم. وعلى كل حال فإن الحق الذي لا عدول عنه حرمة الحلف بغير الله وكونه شركًا -كما سيأتي- (٤) وأن الرقى التي تتضمن شيئًا من ذلك هي من الرقى الممنوعة لا المشروعة. وأما اختلاف كلامه في الحكم على الرقى المشروعة بالجواز أو الاستحباب فهو محمول على اختلاف حكمها باختلاف متعلق الحكم نفسه،

стр. 195

فالقول بالاستحباب هو في حق الراقي، وأما القول بالجواز فهو في حق المرقي (١). وعلى هذا يحمل كلام أهل العلم في الرقى المشروعة وترددهم في الحكم عليها بين الاستحباب والجواز (٢). ١٠ - الطيرة: يرى ابن حجر ﵀ تحريم الطيرة، وأنها مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، حيث عدّها في الكبائر، فقال: "ترك السفر والرجوع منه تطيرًا" (٣)، وأورد الأحاديث الدالة على النهي عنها، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذا [يعني: عد الطيرة من الكبائر] ينبغي حمله على ما إذا كان معتقدًا حدوث تأثير للتطير، لكن الكلام في إسلام مثل هذا" (٤). التقويم: الطِّيرة في اللغة: مصدر تطير يتطير تطيرًا وطيرة. وهي التشاؤم بالطير (٥)، وأصله فيما يقال: التشاؤم بالسوانح والبوارح (٦) من الطيور، ثم صار عامًّا في كل مكروه من قول أو فعل أو مرئي (٧). وأما في الاصطلاح: "فالتطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع" (٨).

стр. 196

وقد وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها والتحذير منها. قال ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" (١). وقال ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" (٢). وسئل ﷺ عن قوم يتطيرون، فقال: "ذلك يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" (٣). وأخبر ﷺ أنها شرك، فقال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" (٤). وعليه فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من تحريم الطيرة وعدها في الكبائر هو مقتضى النصوص الشرعية، إلا أن حمله لذلك على ما كان مقارنا للاعتقاد بتأثيرها فيه نظر؛ لكون ذلك الاعتقاد شركًا في نفسه مخرجًا من الملة. ولهذا استدرك ابن حجر ﵀ على نفسه فقال: "لكن الكلام في إسلام مثل هذا".

стр. 197

ومراده بذلك -والله أعلم- أن التطير المصحوب بهذا الاعتقاد يُوجِب البحث لا في كون هذا الفعل كبيرة؛ إذ لا شك في ذلك، لكن البحث في إسلام من صدر منه هذا الفعل، هل هو باقٍ معه أم أنه انسلخ منه بسبب هذا الاعتقاد؟ وهذا هو الحق، ذلك أن التطير موضع تفصيل، فإن من وصل به تطيره إلى اعتقاد وجود شركة بين الله تعالى وبين ما تطيّر به في أمر التأثير فلا إسلام له بل هو مشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان تطيره دون ذلك -كما هو الغالب على الواقعين في هذا الداء من المسلمين- من اعتقاد كون المتطير به سببًا في حصول المكروه أو علامة عليه فإن فعله هذا إنما هو من قبيل الشرك الأصغر (١). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل وَلَجَه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه بابَ الخوف والتعلق بغير الله" (٢). ١١ - الرياء: عرف ابن حجر ﵀ الرياء بقوله: "الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة ... ". وحد الرياء: "إرادة العامل بعمله غير وجه الله تعالى" (٣). وقرر -غفر الله له- أن الرياء "قد شهد بتحريمه الكتاب، والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة" (٤).

стр. 198

وأن "المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للّعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى" (١)، "وفيه أيضًا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك" (٢). وعدَّ الرياء من الشرك الأصغر (٣)، وبيّن أنه قد يبلغ بصاحبه الشرك الأكبر فقال: "الرياء ينقسم إلى درجات متفاوتة في القبح، فأقبحها الرياء في الإيمان وهو شأن المنافقين ... ويليهم المراؤون بأصول العبادات الواجبة ... ويليهم المراؤون بالنوافل ... ويليهم المراؤون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها ... " (٤). وذكر حكم العمل إذا كان رياءً كله، أو خالطه، أو طرأ عليه، فقال: "العمل: إما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط ولو مباحًا فهو حرام لا ثواب فيه. وإما مشرب برياء ولا ثواب فيه أيضًا للخبر الصحيح "من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك" (٥) ... ومن عقد عملًا لله ثم طرأ له خاطر رياء: فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه ففيه خلاف، والذي رجحه أحمد وجماعة من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة ففيه لا أجر له بعد حدوث الرياء. ولو تم عمله خالصًا فأثنى عليه ففرح لم يضر لخبر مسلم: "ذلك عاجل بشر المسلم"" (٦) (٧).

стр. 199

التقويم: الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء إذا أريته على خلاف ما أنا عليه (١). وأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين: الأول: إرادة غير الله من دون الله. والثاني: إرادة غير الله مع الله (٢). وما ذكره ابن حجر من تحريم الرياء هو ما تدل علية النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة. وأما ما قرره من كون الرياء تارة يكون شركًا أكبر، وأخرى يكون شركًا أصغر فإنه حق (٣)؛ ذلك أن الرياء تارة يكون في أصل الاعتقاد ومطلق العمل، وهو ما يطلق عليه أهل العلم النفاق الاعتقادي (٤) أو شرك النية والإدارة والقصد (٥)، وهذا مما أجمع أهل العلم على كونه شركًا أكبر يكفر به صاحبه ويخرج من الملة، وتارة يكون الرياء في أفراد العمل وهو إما أن يكون في أصله، أو مخالطًا له، أو طارئًا عليه فهو حينئذٍ بحسبه، وفيه التفصيل الآتي بيانه.

стр. 200

يقول الشيخ حافظ حكمي (١) ﵀: "اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيرًا، ويراد به النفاق الذي هو أعظم من الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار ... والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سمّاه النبي ﷺ شركًا أصغر خفيًا هو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢) ... فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع فذلك العمل الصالح المقبول. وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله فذلك النفاق الأكبر ... وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي ﷺ الشرك الأصغر" (٣). وأما ما ذكره ابن حجر من تقسيم العمل إلى عمل هو رياء محض، وآخر هو مشرب به، وثالث طارئ عليه، وحكمه على كل قسم منها بما يراه، فهو مما وافق فيه أهل العلم (٤). يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة

стр. 201

يكون رياء محضًا بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ... وهذا العمل لا يشك مسلم أنه محبط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء: فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه ... وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء ... فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف. فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك خلاف بين العلماء من السلف حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره ... فأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بفضل ذلك ورحمته، واستبشر بذلك لم يضّره ذلك ... " (١). ١٢ - اتخاذ القبور مساجد، والطواف بها، وإسراجها، والبناء فوقها، والكتابة عليها، والقراءة عندها: يرى ابن حجر ﵀ تحريم اتخاذ القبور مساجد، والطواف بها، وإسراجها، والبناء فوقها، والكتابة عليها، والقراءة عندها، وأن ذلك من كبائر الذنوب، حيث ذكر في تعداده الكبائر: "اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة عليها" (٢)، كما عد من الكبائر أيضًا: "اتخاذ المساجد أو السرج على القبور ... " (٣).

стр. 202

وقد فصل ابن حجر في حكم كل منها؛ ونظرًا لجمعه لها في تعداده الكبائر من جهة، ولتعلقها كلها بالقبور من جهة أخرى، رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها، مع التعقيب عليه بتقويمه. أ- اتخاذ القبور مساجد: يرى ابن حجر ﵀ تحريم اتخاذ القبور مساجد (١)، وأن "اتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه" (٢)، وأن التحريم يشمل الأمرين جميعًا يقول في ذلك: "قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا، فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر معظم، وأن يقصد بالصلاة إليه ومثلها الصلاة عليه التبرك والإعظام" (٣). ويقرر ابن حجر -عفا الله عنه- أن الصلاة إلى القبور أو عليها بقصد التبرك والتعظيم فهو حرام وكفر، أما إن كان بغير قصد التعظيم والتبرك فهو حينئذٍ مكروه. يقول في ذلك: "تحرم الصلاة إلى قبر نبي أو ولي تبركًا وإعظامًا، وقول النووي في تحقيقه: تكره الصلاة إلى قبر غيره ﷺ ، محمول كما هو ظاهر على من لم يرد تعظيم القبر بذلك وإلا حَرُمَ، بل يكون ذلك كفرًا" (٤). التقويم: اتخاذ القبور مساجد مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتواترت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه (٥).

стр. 203

والنهي عن ذلك يتضمن ثلاثة معان: الأول: الصلاة على القبور والسجود عليها. والثاني: الصلاة إلى القبور واستقبالها. والثالث: بناء المساجد على القبور، وقصد الصلاة فيها (١). وقد ذكر ابن حجر منها المعنيين الأول والثاني، وأهمل الثالث فلم يذكره وهو مما يتضمنه النهي، ولهذا يقول العلامة الصنعاني ﵀: "اتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها" (٢). يقول الإمام الشافعي ﵀ في بيان تضمن النهي عن اتخاذ القبور مساجد لهذه المعاني الثلاثة جميعًا: "وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه ... وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) ... " (٤). وما قرره ابن حجر من تحريم اتخاذ القبور مساجد مما اتفق عليه أئمة المذاهب الفقهية (٥).

стр. 204

يقول شيخ الإسلام ﵀: "ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين" (١). وأما ما ذكره من اشتراط التبرك والتعظيم للتحريم، وقوله: بكراهة ذلك مع عدمها، وحمله عبارة النووي على ذلك، فهو متعقب بأن الأحاديث الواردة في ذلك صريحة في التحريم ولم تخصصه بذلك، وإنما وردت عامة في كل من اتخذ القبور مساجد، وأما عبارة النووي فتحمل على كراهة التحريم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها [يعني: القبور] ... ، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوِّزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه" (٢). ب- الطواف بالقبور: ذكر ابن حجر ﵀ تحريم الطواف بالقبور (٣)، وحكى إجماع أهل العلم على ذلك فقال: "لا يجوز أن يطاف بقبره ﷺ كما نقله النووي عن أطباق العلماء، ويوجه بأنهم كما أجمعوا على تحريم الصلاة لقبره ﷺ إعظامًا له، كذلك أجمعوا على تحريم الطواف بقبره؛ لأن الطواف بمنزلة الصلاة" (٤). التقويم: الطواف من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، وهو يختص بالكعبة المشرفة فلا يشرع الطواف بغيرها. وما ذكره ابن حجر من تحريم الطواف بالقبور، وحكايته إجماع أهل

стр. 205

العلم على ذلك حق؛ فإن أهل العلم قد أنكروا كل طواف بغيرها شرع الله التطوُّف به أيًا كان موضعه (١). والطواف بالقبور تارة يكون شركًا أكبر مخرجًا من الملة وذلك في حق من أراد بطوافه غير الله تعالى والتقرب إليه كصاحب القبر أو الضريح، وهذا هو الغالب في حال الطائفين بالقبور، وتارة يكون بدعة منكرة وذلك في حق من أراد بطوافه وجه الله والتقرب إليه ظنًا منه أن ذلك مما يتقرب به إلى الله كما يتقرب إليه بالطواف بالكعبة المشرفة، فإن بيّن له خطأ ظنه فأصر عليه كفر (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره" (٣). ويقول أيضًا: "ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة ... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذ مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ... " (٤). جـ - اتخاذ السرج على القبور: يرى ابن حجر ﵀ تحريم اتخاذ السرج على القبور، وأن ذلك من الكبائر (٥)، وأن قول الشافعية بكراهة اتخاذ السرج على القبور محمول على

стр. 206

ما لم يقصد به التعظيم والتبرك بصاحب القبر أو على ما لم يكن فيه إسراف وتبذير. يقول في ذلك: "يحمل قول أصحابنا: بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر" (١). ويقول: "كلام أصحابنا ... مصرح بكراهتها دون حرمتها، فضلًا عن كونها كبيرة، فليحمل [أي: عد اتخاذ السرج على القبور من الكبائر] ... على ما إذا عظمت مفاسدها ... كأن يسرف في الإيقاد عليها لأنه من التبذير والإسراف وإنفاق المال في المحرمات" (٢). ويقول أيضًا: "نعم صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قلّ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس (٣) فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة" (٤). التقويم: اتخاذ السرج على القبور وسيلة إلى عبادتها وتعظيمها، والتذلل والخضوع لها، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله؛ ولهذا ورد النهي عن ذلك ولعن فاعله، وعده جمع من أهل العلم من كبائر الذنوب، وحكى الإجماع على تحريمه غير واحد منهم (٥). فقد رُوي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "لعن رسول الله ﷺ

стр. 207

زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" (١). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفي ارتكاب الكبيرة صنوان، فإن كل ما لعن رسول الله ﷺ فهو من الكبائر، ومعلوم إن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون كما هو الواقع ... " (٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين" (٣). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم اتخاذ السرج على القبور وعده ذلك من الكبائر مما وافق فيه أهل السنة والجماعة، وأهل العلم المعروفين.

стр. 208

وأما ذكره عن الشافعية من القول بكراهة اتخاذ السرج على القبور دون حرمة ذلك، وحمله كلامهم على ما لم يقصد به التعظيم والتبرك أو ما لم يكن فيه إسراف وتبذير، فمتعقب بكون النهي الوارد عن اتخاذ السرج على القبور ظاهرًا في التحريم، ولا يحتمل غيره، إذ هو دال على لعن فاعله، وهو غاية في النهي والزجر، وأي لفظ أدل على التحريم من ذلك؟ ! وحمل النهي على ما قصد به التعظيم والتبرك أو اشتمل على إسراف وتبذير تخصيص لعموم النهي الوارد، والأصل بقاؤه على عمومه فلا يعدل عنه إلا بدليل، ولا دليل يدل على التخصيص. د- البناء على القبور: يرى ابن حجر ﵀ تحريم البناء على القبور في المقابر المسبلة والموقوفة، وجواز هدم بنائها، يقول في ذلك: "يحرم بناء القبر في المقبرة المسبلة وهي التي اعتاد أهل البلد الدفن فيها، ومثلها الموقوفة لذلك ... لوجود علة تحريم البناء في ذلك وهي تحجير الأرض على من يدفن بعد بلاء الميت ومنع الناس من الانتفاع بها، فحرم ووجب على ولاة الأمر هدم الأبنية التي في المقابر المسبلة ... " (١). وأما المقابر المملوكة لأصحابها فيرى كراهة البناء عليها لانتفاء علة التحريم عنها حيث يقول: "يكره [يعني: البناء على القبور] ... ومحل كراهة البناء إذا كان بملكه، فإن كان بمسبلة ... أو موقوفة حرم وهدم" (٢). كما يرى ابن حجر بطلان النذر بتجصيص القبور، ويستثني من ذلك قبور الأنبياء والأولياء. يقول في ذلك: "والنذر للتجصيص المذكور باطل ... ويصح ذلك في قبور الأنبياء والأولياء والعلماء" (٣).

стр. 209

التقويم: البناء على القبور من ذرائع الشرك الموصلة له، ووسائله المفضية إليه، ولهذا جاءت النصوص بالتحذير من ذلك، والأمر بإزالته (١). فقد روى أبو الهياج الأسدي (٢) ﵀ أن علي بن أبي طالب ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (٣). وثبت عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" (٤). وروى أبو سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور، أو أن يقعد عليها، أو يصلى عليها" (٥). واتفق أهل العلم- ﵏ على النهي عن ذلك والتحذير منه. يقول العلامة الشوكاني (٦) ﵀: "اعلم أنه اتفق الناس سابقهم

стр. 210

ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵀ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من الباع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين" (١). وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من النهي عن البناء على القبور موافق لِمَا دلّت عليه النصوص الشرعية، وما ذهب إليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا. وأما تفريقه بين البناء على القبور في المقبرة المسبلة أو الموقوفة والمقبرة المملوكة وقوله بتحريم الأول وكراهة الثاني، فهو مما تابع فيه بعض الشافعية (٢)، وهذا القول متعقب بما يلي: ١ - أن النصوص الواردة في النهي عن البناء على القبور عامة مطلقة فتخصيصها أو تقييدها بالمقابر المسبلة أو الموقوفة دون المقابر المملوكة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على التخصيص أو التقييد (٣). ٢ - أن العلة التي علل بها الفقهاء النهي عن البناء على القبور كون ذلك وسيلة إلى الشرك، ومشابهة لأهل الكتاب والمشركين، وإضاعة للمال بلا فائدة، واتخاذًا للزينة والخيلاء في غير موضعها (٤)، وهذه العلل متحققة في البناء على القبور سواء أكانت تلك القبور في مقابر مسبلة أو مملوكة. وبهذا يعلم أن تعليل النهي عن البناء على القبور بكون ذلك يتضمن تحجير الأرض ومنع الناس من الاستفادة منها، والاعتماد في التفريق بين

стр. 211

المقابر المسبلة والمقابر المملوكة على ذلك لا يصح؛ لكون هذه العلة، وإن كانت صحيحة إلا أنها ليست هي علة النهي الوحيدة. ٣ - أن تحريم البناء على القبور في المقابر المملوكة أولى بالتحريم من البناء عليها في المقابر المسبلة أو الموقوفة؛ لما في تخصيص تلك القبور مع انفرادها عن غيرها من إشعار بتميزها مما يجعل الفتنة بها أحرى. ولهذا يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور، وتحريمه، ووجوب هدمه، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد، ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فاباح ذلك إما مطلقًا، أو في المملوكة ... " (١). وأما ما ذكره أن حجر من بطلان النذر بتجصيص القبور فهو موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية، وما عليه أهل العلم من المذاهب الفقهية المتبوعة (٢)، إلا أن استثناءه قبور الأنبياء والأولياء من ذلك لا يصح؛ لعدم الدليل على تخصيص النهي بمن هو دونهم، إضافة لكون تحريم تخصيص قبور الأنبياء والأولياء والحكم ببطلان النذر لذلك أولى بالتحريم من غيرها؛ لكون الفتنة بها أشد (٣). هـ - الكتابة على القبور: يرى ابن حجر -غفر الله له- كراهة الكتابة على القبور حيث يقول: "يكره تجصيص القبر ... والبناء عليه ... والكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة" (٤).

стр. 212

وفصل في موضع آخر حيث حكى عن الأذرعي (١) من الشافعية قوله: بتحريم كتابة القرآن وكراهة كتابة ما سواه، ثم عقب بقوله: "ما ذكره الأذرعي من تحريم كتابة القرآن قريب ... ويلحق بالقرآن في ذلك كل اسم معظم، بخلاف غيره من النظم والنثر فإنه مكروه لا حرام ... " (٢). ويرى -عفا الله عنه- جواز كتابة اسم الميت على قبره إن تعذر تمييزه بغير ذلك في عامة القبور، واستحباب ذلك خاصة في قبور الأنبياء والأولياء، حيث يقول: "ما بحثه السبكي من عدم الكراهة في كتابة اسم الميت للتعريف، والأذرعي من استحبابها، ظاهر إن تعذر تمييزه إلا بها لو كان عالمًا أو صالحًا وخشي من طول السنين اندراس قبره والجهل به لو لم يكتب اسمه على قبره، ويحمل النهي على غير ذلك، لأنه يجوز (٣) أن يستنبط من النص معنى يخصصه، وهو هنا الحاجة إلى التمييز، فهو بالقياس ندب على وضع شيء يعرف به القبر، بل هو داخل فيه، أو إلى بقاء هذا العالم أو الصالح ليكثر الترحم عليه أو عود بركته على من زاره" (٤). التقويم: الكتابة على القبور مما ورد النهي عنه والتحذير منه، واتفق أهل العلم على ذلك (٥)؛ لأنها من وسائل الشرك وذرائعه (٦).

стр. 213

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (١) ﵀: "ثبت بالكتاب والسنة النهي عن ذلك أشد النهي، وقرر الفقهاء منع الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا خلفائه الراشدين، ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك، لا في حياته، ولا بعد مماته ... " (٢). وبناء على ذلك فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من كراهة الكتابة على القبور أو التفصيل فيها مردود بكون النهي عن ذلك يقتضي التحريم مطلقًا، لا الكراهة أو التفصيل المذكور؛ إذ الأصل في النهي التحريم إلا أن يصرفه صارف إلى الكراهة، ولا صارف له هنا. وتحريم الكتابة على القبور يتفاوت بتفاوت المكتوب، فليست كتابة الشرك الصراح كدعاء المقبور ورجائه والاستغاثة به ككتابة الآيات والأحاديث على قبره، كما أن كتابة الآيات والأحاديث على القبر ليست ككتابة اسم المقبور وتاريخ وفاته، وإن كانت كلها تشترك في التحريم. وأما قوله بجواز كتابة اسم الميت على قبره، فمتعقب بكون النهي عن ذلك عامًّا في كل مكتوب، فلا يخصص إلا بدليل، وزعمه بأنه يجوز أن يستنبط من النص ما يخصصه لا يستقيم؛ إذ لو سلم ذلك لادعى كل مدعٍ تخصيص عمومات الكتاب والسنة مما لا يوافق هواه بدعوى استنباطه ما يخصصها. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين (٣) عن كتابة

стр. 214

اسم الميت على القبر؟ فقال: "هو داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر، وأما جعل العلامة على القبر فلا بأس به ... " (١). وإذا تقرر حرمة الكتابة على القبور، وأن كتابة اسم المقبور على قبره داخل في عموم ذلك، فإن تحريم الكتابة يعم أيضًا كل قبر سواء كان صاحبه نبيًّا أو وليًا أو صالحًا، بل تحريم ذلك في قبورهم أولى؛ لما قد يحصل بالكتابة عليها من الفتنة بها، والشرك عندها، ودعاء أصحابها. وبذا يعلم خطأ ابن حجر في قوله باستحباب كتابة اسم المقبور على قبور الأنبياء والأولياء خاصة، بدعوى كثرة التّرحُّم عليهم، وعود بركتهم على زائريهم؛ فإن الترحم حاصل بالكتابة وغيرها، وأما التماس البركة بزيارتهم فليس ذلك من مقاصد الزيارة الشرعية، ولا هو مما ثبتت البركة فيه حتى تُلتمس به. و- القراءة على القبور: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- استحباب قراءة القرآن على القبور وسنية ذلك، حيث يقول: "قول بعضهم: تكرار الذهاب بعد الدفن للقراءة على القبر ليس بسنة ممنوع؛ إذ يسن ... قراءة ما تيسر على القبر والدعاء له، فالبدعة إنما هي في تلك الاجتماعات الحادثة دون نفس القراءة والدعاء، على أن من تلك الاجتماعات ما هو من البدع الحسنة كما لا يخفى" (٢). ويرى صحة الوصية بذلك، ووجوب إنفاذها، حيث يقول: "لو أوصى بكذا لمن يقرأ على قبره كل يوم جزء قرآن ولم يعين المدة صح، ثم من قرأ على قبره مدة حياته استحق الوصية وإلا فلا" (٣).

стр. 215

التقويم: القراءة على القبور تارة تكون قراءة دائمة في كل وقت، وتارة تكون في بعض الأوقات والأحوال دون بعض. فأما القراءة الدائمة على القبور فهي بدعة حادثة لم تكن معروفة عند السلف. وأما القراءة في بعض الأحوال والأوقات كحين زيارتها أو دفن الميت فيها، فقد اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائمًا للقراءة عنده؛ إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي ﷺ لأمته. لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها: أن ذلك لا بأس به ... والثانية: أن ذلك مكروه ... وهذه الرواية التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه ... وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك ... ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام؛ وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها ... وأما القراءة بعد ذلك ... فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا" (١). وعليه فإن مذهب جمهور السلف كراهة القراءة على القبور، والذي
следующие страницы →