← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المقابر المسبلة والمقابر المملوكة على ذلك لا يصح؛ لكون هذه العلة، وإن كانت صحيحة إلا أنها ليست هي علة النهي الوحيدة. ٣ - أن تحريم البناء على القبور في المقابر المملوكة أولى بالتحريم من البناء عليها في المقابر المسبلة أو الموقوفة؛ لما في تخصيص تلك القبور مع انفرادها عن غيرها من إشعار بتميزها مما يجعل الفتنة بها أحرى. ولهذا يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور، وتحريمه، ووجوب هدمه، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد، ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فاباح ذلك إما مطلقًا، أو في المملوكة ... " (١). وأما ما ذكره أن حجر من بطلان النذر بتجصيص القبور فهو موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية، وما عليه أهل العلم من المذاهب الفقهية المتبوعة (٢)، إلا أن استثناءه قبور الأنبياء والأولياء من ذلك لا يصح؛ لعدم الدليل على تخصيص النهي بمن هو دونهم، إضافة لكون تحريم تخصيص قبور الأنبياء والأولياء والحكم ببطلان النذر لذلك أولى بالتحريم من غيرها؛ لكون الفتنة بها أشد (٣). هـ - الكتابة على القبور: يرى ابن حجر -غفر الله له- كراهة الكتابة على القبور حيث يقول: "يكره تجصيص القبر ... والبناء عليه ... والكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة" (٤).

стр. 212

وفصل في موضع آخر حيث حكى عن الأذرعي (١) من الشافعية قوله: بتحريم كتابة القرآن وكراهة كتابة ما سواه، ثم عقب بقوله: "ما ذكره الأذرعي من تحريم كتابة القرآن قريب ... ويلحق بالقرآن في ذلك كل اسم معظم، بخلاف غيره من النظم والنثر فإنه مكروه لا حرام ... " (٢). ويرى -عفا الله عنه- جواز كتابة اسم الميت على قبره إن تعذر تمييزه بغير ذلك في عامة القبور، واستحباب ذلك خاصة في قبور الأنبياء والأولياء، حيث يقول: "ما بحثه السبكي من عدم الكراهة في كتابة اسم الميت للتعريف، والأذرعي من استحبابها، ظاهر إن تعذر تمييزه إلا بها لو كان عالمًا أو صالحًا وخشي من طول السنين اندراس قبره والجهل به لو لم يكتب اسمه على قبره، ويحمل النهي على غير ذلك، لأنه يجوز (٣) أن يستنبط من النص معنى يخصصه، وهو هنا الحاجة إلى التمييز، فهو بالقياس ندب على وضع شيء يعرف به القبر، بل هو داخل فيه، أو إلى بقاء هذا العالم أو الصالح ليكثر الترحم عليه أو عود بركته على من زاره" (٤). التقويم: الكتابة على القبور مما ورد النهي عنه والتحذير منه، واتفق أهل العلم على ذلك (٥)؛ لأنها من وسائل الشرك وذرائعه (٦).

стр. 213

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (١) ﵀: "ثبت بالكتاب والسنة النهي عن ذلك أشد النهي، وقرر الفقهاء منع الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا خلفائه الراشدين، ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك، لا في حياته، ولا بعد مماته ... " (٢). وبناء على ذلك فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من كراهة الكتابة على القبور أو التفصيل فيها مردود بكون النهي عن ذلك يقتضي التحريم مطلقًا، لا الكراهة أو التفصيل المذكور؛ إذ الأصل في النهي التحريم إلا أن يصرفه صارف إلى الكراهة، ولا صارف له هنا. وتحريم الكتابة على القبور يتفاوت بتفاوت المكتوب، فليست كتابة الشرك الصراح كدعاء المقبور ورجائه والاستغاثة به ككتابة الآيات والأحاديث على قبره، كما أن كتابة الآيات والأحاديث على القبر ليست ككتابة اسم المقبور وتاريخ وفاته، وإن كانت كلها تشترك في التحريم. وأما قوله بجواز كتابة اسم الميت على قبره، فمتعقب بكون النهي عن ذلك عامًّا في كل مكتوب، فلا يخصص إلا بدليل، وزعمه بأنه يجوز أن يستنبط من النص ما يخصصه لا يستقيم؛ إذ لو سلم ذلك لادعى كل مدعٍ تخصيص عمومات الكتاب والسنة مما لا يوافق هواه بدعوى استنباطه ما يخصصها. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين (٣) عن كتابة

стр. 214

اسم الميت على القبر؟ فقال: "هو داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر، وأما جعل العلامة على القبر فلا بأس به ... " (١). وإذا تقرر حرمة الكتابة على القبور، وأن كتابة اسم المقبور على قبره داخل في عموم ذلك، فإن تحريم الكتابة يعم أيضًا كل قبر سواء كان صاحبه نبيًّا أو وليًا أو صالحًا، بل تحريم ذلك في قبورهم أولى؛ لما قد يحصل بالكتابة عليها من الفتنة بها، والشرك عندها، ودعاء أصحابها. وبذا يعلم خطأ ابن حجر في قوله باستحباب كتابة اسم المقبور على قبور الأنبياء والأولياء خاصة، بدعوى كثرة التّرحُّم عليهم، وعود بركتهم على زائريهم؛ فإن الترحم حاصل بالكتابة وغيرها، وأما التماس البركة بزيارتهم فليس ذلك من مقاصد الزيارة الشرعية، ولا هو مما ثبتت البركة فيه حتى تُلتمس به. و- القراءة على القبور: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- استحباب قراءة القرآن على القبور وسنية ذلك، حيث يقول: "قول بعضهم: تكرار الذهاب بعد الدفن للقراءة على القبر ليس بسنة ممنوع؛ إذ يسن ... قراءة ما تيسر على القبر والدعاء له، فالبدعة إنما هي في تلك الاجتماعات الحادثة دون نفس القراءة والدعاء، على أن من تلك الاجتماعات ما هو من البدع الحسنة كما لا يخفى" (٢). ويرى صحة الوصية بذلك، ووجوب إنفاذها، حيث يقول: "لو أوصى بكذا لمن يقرأ على قبره كل يوم جزء قرآن ولم يعين المدة صح، ثم من قرأ على قبره مدة حياته استحق الوصية وإلا فلا" (٣).

стр. 215

التقويم: القراءة على القبور تارة تكون قراءة دائمة في كل وقت، وتارة تكون في بعض الأوقات والأحوال دون بعض. فأما القراءة الدائمة على القبور فهي بدعة حادثة لم تكن معروفة عند السلف. وأما القراءة في بعض الأحوال والأوقات كحين زيارتها أو دفن الميت فيها، فقد اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائمًا للقراءة عنده؛ إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي ﷺ لأمته. لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها: أن ذلك لا بأس به ... والثانية: أن ذلك مكروه ... وهذه الرواية التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه ... وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك ... ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام؛ وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها ... وأما القراءة بعد ذلك ... فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا" (١). وعليه فإن مذهب جمهور السلف كراهة القراءة على القبور، والذي

стр. 216

ينبغي حمل الكراهة في كلامهم على كراهة التحريم لا كراهة التنزيه؛ إذ العلماء المتقدمون كثيرًا ما يطلقون الكراهة ويريدون بها كراهة التحريم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الآثار التي استدل بها القائلون بجواز ذلك مطلقًا أو جوازه حال الدفن دون ما بعده ضعيفة لا تثبت (١)، إضافة إلى كون القراءة على القبور قد توقع في الغلو فيها والشرك بها من دون الله تعالى (٢). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر من استحباب القراءة على القبور مخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة -ومنهم الأمام الشافعي الذي ينتسب إليه ابن حجر ويذهب مذهبه- فإنهم وإن اختلفوا في كراهة القراءة على القبور أو عدمها، إلا أنهم متفقون على عدم استحبابها. وأما قول ابن حجر ببدعية الاجتماعات الحادثة عند القبور للقراءة والدعاء، ثم زعمه بعد ذلك بأن من تلك الاجتماعات ما هو بدعة حسنة تناقض ظاهر؛ فإن البدع المحدثة في دين الله كله سيئة لعموم قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (٣)، وتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة مسلك بدعي، روج له الصوفية والقبورية لنشر بدعهم بين العامة وصدهم عن السنن -كما سيأتي- (٤). ١٣ - شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ -: يعد ابن حجر -غفر الله له- من حاملي لواء القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ والمنافحين عنه والرادين على من خالفه، وقد صنف في تقرير ذلك مصنفين أحدهما: الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، والآخر: تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار، علاوة على كتبه الأخرى التي عرض فيها لهذه المسألة (٥)، بل بلغ به الأمر

стр. 217

إلى تضمينها خطبه وحثه الحجاج القادمين إلى مكة عليها، وتحذيرهم من تركها (١)، حتى صار من بعده من القبورية عالة عليه في تقريرها (٢). وفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه: يرى ابن حجر استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، و"تأكد مشروعية الزيارة وقربها من درجة الوجوب، وشد الرحل إليها وإلى المسجد النبوي الذي حوى المطلوب" (٣). ويذكر أن العلماء اختلفوا فيها بين الوجوب والندب، وأن "أكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها، وعلى كلٍ من القولين فهي مع مقدماتها من نحو السفر إليها ولو بقصدها فقط دون أن ينضم لها قصد اعتكاف أو صلاة بمسجده ﷺ من أهم القربات وأنجح المساعي" (٤). ويقرر أن ذلك مما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس حيث يقول: "اعلم ... أن زيارته ﷺ مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وبالقياس" (٥). ثم يفصل ابن حجر دلالة تلك الأدلة على مشروعية الزيارة وشد الرحال إليها، فيذكر أولًا دلالة الكتاب فيقول: "أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤] دلت على حث الأمة على المجيء إليه ﷺ ، والاستغفار عنده، واستغفاره لهم وهذا لا ينقطع بموته ... وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ

стр. 218

فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ... من خرج لزيارة رسول الله ﷺ يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله لما يأتي أن زيارته ﷺ بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث الشريفة الآتية" (١). ثم يثني ابن حجر بدلالة السنة فيقول: "وأما السنة: فالأحاديث الواردة في الزيارة لقبره ﷺ ، وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها أيضًا الأمر بزيارة القبور، وقبره ﷺ سيد القبور وهو داخل في عموم ذلك بل أولى" (٢) (٣). ثم يورد دلالة الاجماع فيقول: "وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع، وإنما الخلاف بينهم في أنها واجبة أو مندوبة ... وأكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها" (٤). ثم يذكر دلالة القياس فيقول: "وأما القياس فقد جاء أيضًا في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر نبينا محمد ﷺ منها أولى وأحق وأحرى وأعلى بل لا نسبة بينه وبين غيره ... " (٥). "وإذا ثبت أن الزيارة قربة، فالسفر إليها كذلك" (٦). ولم يكتفِ ابن حجر -عفا الله عنه- بما أورده من دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، على نصرة قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، بل استدل أيضًا ببعض الآثار الواردة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم مما يظن أنه يؤيد قوله ويقوي مذهبه.

стр. 219

فقال: "وكذلك يستدل بفعل بلال بن رباح مؤذن الرسول ﷺ -﵁ فقد ثبت أن بلالًا سافر من الشام إلى زيارة قبر النبي ﷺ بالمدينة المشرفة كما رواه ابن عساكر (١) بسند جيد" (٢)، "ومما استفاض عن ابن عبد العزيز (٣) أنه كان يبرد البريدي أي: يرسل الرسول من الشام، يقول له: سلم لي على رسول الله ﷺ ، وذلك في صدر من صدر التابعين ... " (٤). ويرى ابن حجر أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبر النبي ﷺ بل يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء حيث يقول: "زيارة قبور الأولياء قربة مستحبة، وكذا الرحلة إليها ... " (٥). كما يرى أن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء، يقول في ذلك: "ويسن زيارة قبور المسلمين للرجال وتكره لغيرهم إلا مع خشية فتنة فتحرم، نعم يسن لهن حيث لا خشية فتنة زيارة قبره ﷺ ، وألحق به ابن الرفعة (٦) وغيره قبور الأنبياء والأولياء والعلماء" (٧).

стр. 220

وينكر ابن حجر على من حرم شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ ، ويحذر من الاغترار بقوله، فيقول: "ولا يُغْتَر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته ﷺ فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل ... " (١). التقويم: زيارة قبر النبي ﷺ وشد الرحال إليها "من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن" (٢). وزيارة قبر النبي ﷺ تارة تكون دون شد الرحال وأخرى مع شدها: فالأولى: مشروعة عند أهل العلم دون من شذ منهم، وذلك بشرط أن تكون الزيارة زيارة شرعية. وأما الأخرى -وهي الزيارة مع شد الرحال-: فهي لا تخلو من ثلاثة أحوال: ١ - إما أن تكون بقصد المسجد النبوي وزيارة قبر النبي ﷺ على السواء. ٢ - وإما أن تكون بقصد المسجد النبوي والصلاة فيه فقط. ٣ - وإما أن تكون بقصد زيارة قبر النبي ﷺ فقط. فالحالة الأولى والثانية مشروعة، وأما الحالة الثالثة فهي محل النزاع ومدار البحث (٣). وقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين: الأول: تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، وهو قول الجمهور. والثاني: جواز شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، وهو قول

стр. 221

بعض أتباع الأئمة الأربعة (١). وهذان القولان -أعني القول بالتحريم والقول بالجواز- هما القولان المشهوران عن أهل العلم المتقدمين، وأما القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ -وهو الذي يقرره ابن حجر وينتصر له- فهو قول لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين، وإنما قال به بعض المتأخرين (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل إن السلف والقدماء على التحريم" (٣). ويقول: "فدعوى من ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف، مخالفًا لنصوص الرسول ... " (٤). وعليه فإن القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ الذي يقول به ابن حجر وينتصر له ويحكي الاجماع عليه- قول باطل لا يصح؛ وذلك لأمرين: الأول: أن الأدلة الصحيحة جاءت بتحريم ذلك، والتحذير منه، ومنها: ١ - قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،

стр. 222

ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (١). ووجه الدلالة أن النبي ﷺ نهى عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة بقصد التقرب والعبادة، وإذا كان النهي عن ذلك يتناول المساجد التي هي بيوت الله تعالى وأشرف بقاع الأرض، فكون النهي يتناول القبور والمشاهد من باب أولى (٢). ٢ - قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٣). ووجه الدلالة أن النبي ﷺ نهى أن يتخذ قبره عيدًا، والعيد كل ما يعتاد، وشد الرحال لقبره ﷺ وسيلة لاتخاذه عيدًا، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومما يدل على تناوله النهي عن شد الرحال لقبره ﷺ قوله: "وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٤). ٣ - قوله ﷺ : "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥).

стр. 223

ووجه الدلالة أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن الصلاة عليها أو إليها وتحري العبادة عندها -كما سبق- (١) وشد الرحال إلى القبور مفضٍ إلى اتخاذها مساجد (٢). ٤ - قول أبي هريرة ﵁: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار ... فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُعمل المطي إلا لثلاتة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، والى مسجد إيلياء أو بيت المقدس" (٣).

стр. 224

ووجه الدلالة منه أن الصحابي الذي روى الحديث قد فهم أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء داخلة في عموم النهي، وأنه لا يجوز السفر إليها، وقد أقره أبو هريرة على فهمه فلم ينكر عليه ذلك. ٥ - إجماع المتقدمين من أهل العلم على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبًا ولا قربة ولا طاعة، وإن اختلفوا هل هو جائز أم لا، فالقول باستحباب ذلك خرق لإجماعهم، وخروج عن قولهم (١). الثاني: ضعف الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب -والتي ذكر بعضها ابن حجر- وإمكان الإجابة عنها، وفيما يلي مناقشة الأدلة التي ساقها ابن حجر لتدعيم قوله وتأييد مذهبه: أما استدلاله بدلالة الكتاب، فقد ذكر عليها دليلين: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن الآية دلت على الحث على المجيء إليه ﷺ والاستغفار عنده واستغفاره لمن جاء إليه، وأن هذا لا ينقطع بموته. فالجواب عنه: أن الآية ليس فيها دلالة على ما ذكره، بل إن الآية تدل على نقيض قوله.

стр. 225

يقول العلامة ابن عبد الهادي (١) ﵀: "فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية فالكلام فيها في مقامين: أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه. والثاني: بيان دلالتها على نقيضه. وإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها وسيقت له، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم ... وهذه هي عادة الصحابة معه ﷺ ... فلما استأثر الله بنبيه ﷺ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب؟ ... وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام ... فلم يدعوا إليه، ولم يحضّوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة ... وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله المعترض تأويل باطل قطعًا ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحةً، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف. وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له ... ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطّلوها وَوُفِّق

стр. 226

لها هؤلاء الغلاة العصاة" (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن من خرج لزيارة رسول الله ﷺ يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، وزيارته ﷺ بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذلك بعد وفاته. والجواب عنه: أن الاستدلال بالآية على القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ "مردود من وجوه: أ- أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، يدل عليه سياق الآية وسباقها ... ويدل عليه أيضًا شأن نزولها ... ويدل عليه أيضًا معنى الهجرة ... فلا بد في معنى الهجرة من أمرين، الأول: الخروج من أرض إلى أرض، والثاني: ترك الأولى للثانية، والخروج لزيارة النبي ﷺ في حياته يتحقق فيه الأمر الأول لا الثاني. ب- أن مثل من يستدل بهذه الآية على كون الزيارة قربة كمثل من يستدل على كون الزيارة قربة بجميع الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر الهجرة ... مع أن أحدًا من أهل العلم والدين لم يستدل بهذه الأحاديث والآيات على كون الزيارة قربة. ج- أنه لو سُلِّم دخول زيارته ﷺ في الآية الكريمة في الحياة، فلا نسلم دخول زيارته ﷺ بعد الممات فيها، والأحاديث الدالة على أن زيارته ﷺ بعد وفاته كزيارته في حياته لم يثبت واحد منها" (٢). وأما استدلاله بدلالة السنة، فقد ذكر منها دليلين إجماليين، وأفاض في ذكر الأدلة التفصيلية التي يرجع حاصلها إلى ما ذكر من الدليلين

стр. 227

الاجماليين، ولذا ساوردهما وأكتفي بالإجابة عنهما عن الإطالة بمناقشة الأدلة التفصيلية. ١ - الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي ﷺ : وقد ذكر ابن حجر نحوًا من خمسة عشر حديثًا منها -مستدلًا بها على قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ (١). والجواب عنها بطريقين: الطريق الأول: طريق مجمل: وذلك بأن يقال إن هذه الأحاديث كلها لا تصلح للاحتجاج، ولا تقوم بها الحجة لأمرين: أ- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ كلها موضوعة أو ضعيفة لا يصح منها شيء (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث زيارة قبره ﷺ كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ ولهذا لم يروِ أهل الصحاح والسنة منها شيئًا، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني (٣) والبزار (٤) وغيرهما" (٥).

стр. 228

ب- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ على فرض صحتها إنما تدل على مطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، وحينئذٍ فهي لا تدل على ما استدل عليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، بل هي خارجة عن محل النزاع أصلًا (١). الطريق الثاني: طريق مفصل: وذلك بتتبع هذه الأحاديث والكلام على كل واحد منها بما يناسبه من حيث الرواية والدراية، وقد قام بذلك جمع من أهل العلم في القديم والحديث، وصنفوا في ذلك مصنفات خاصة بما يغني عن الإطالة في الجواب عما ذكره ابن حجر منها (٢). ٢ - الأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور، ويدخل فيها دخولًا أوليًا قبره ﷺ ، إذ هو سيد القبور وأشرفها. والجواب عنها: بأن يقال إن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، وذلك لأمرين: أ- أن هذه الأحاديث إنما تدل على الأمر بمطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، فهي خارجة عن محل النزاع أيضًا (٣). ب- أن هذه الأحاديث جاءت بالأمر بمطلق الزيارة فهي أحاديث عامة تخصصها الأحاديث الأخرى كالأحاديث الواردة في النهي عن زيارة النساء للقبور، والنهي عن زيارة القبور لمن ينوح عندها أو يقول هجرًا، أو يتعبد عندها ويتخذها مساجد، كذلك تخصصها الأحاديث الواردة في النهي عن شد الرحال للقبور (٤).

стр. 229

وأما استدلاله بدلالة الاجماع، وزعمه أن جماعة من الأئمة قد نقلوا الاجماع على مشروعية شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، وأن الخلاف بينهم إنما هو في كون ذلك واجبًا أو مندوبًا. فالجواب عنه من وجهين: ١ - أن المقصود بقول من قال باستحباب السفر لزيارة قبره ﷺ أو حكى الإجماع على ذلك من المتقدمين هو استحباب السفر إلى مسجده ﷺ للصلاة فيه ويتبع ذلك زيارة قبره ﷺ ومما يدل على ذلك أن لفظ إتيان القبر، وزيارته، والسفر إليه، يتناول من يقصد المسجد، ومن لم يقصد إلا القبر، فالأول مشروع والثاني ممنوع؛ فوجب حمل الكلام على المعنى المشروع، خاصة مع كونه هو المعنى المعروف الشائع بينهم (١). ٢ - أن المتقدمين من علماء السلف مجمعون على أن السفر لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ليس بقربة ولا طاعة وإن اختلفوا هل هو حرام أم جائز فلم يقل أحد منهم بالاستحباب -كما سبق- فابن حجر ومن وافقه على القول باستحباب شد الرحال خرقوا إجماع الطائفتين، ولم يكتفوا بذلك بل ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع (٢)! ! وأما استدلاله بدلالة القياس على ما جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها من الأمر بزيارة القبور، وكون قبر نبينا ﷺ منها، وأنه أولى وأحق وأعلى. فالجواب عنه: أن هذا استدلال بالسنة لا بالقياس (٣)، ولهذا فما قيل في الجواب عن الاستدلال بالأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور يقال هنا؛ إذ الجواب عنهما واحد. وأما قوله بان الزيارة إذا ثبت كونها قربة، فالسفر إليها كذلك. فالجواب عنه من وجهين: ١ - "أنه ليس كل ما كان جائزًا أو مستحبًا أو واجبًا جاز التوسل إليه

стр. 230

بكل طريق ... بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله لم يجز ذلك ... وكون الرحلة إلى القربة قد تكون معصية محرمة كثير في الشريعة، كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بغير إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بغير إذن سيده، وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز. فإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم، قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه" (١). ٢ - أن زيارة قبر النبي ﷺ ، ليست متوقفة على السفر لمجرد الزيارة، "لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو لأمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصوله المدينة الطيبة يزور قبر النبي ﷺ ، فحينئذٍ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة، فيكون مطلق السفو قربة لا سفر الزيارة" (٢). وأما استدلاله بفعل بلال ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵀ فهو متعقب بكونه لم يصح عنهما، وبيان ذلك كما يلي: ١ - أن قصة بلال ﵁ قد أخرجها الحاكم أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري (٣) في الجزء الخامس من فوائده (٤)، ومن

стр. 231

طريقه ابن عساكر (١) والذهبي (٢) عن محمد بن الفيض، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن جده سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁. والقصة بهذا الإسناد لا تصح. يقول الحافظ ابن عبد الهادي ﵀: "هو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع، وقد تفرد به محمد بن الفيض الغساني عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده. وإبراهيم بن محمد هذا شيخ لا يعرف ... بل هو مجهول ... ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر ... ومحمد بن سليمان بن بلال -والد إبراهيم- شيخ قليل الحديث، لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول أخباره ... وأما سليمان بن بلال فإنه رجل غير معروف، بل هو مجهول الحال، قليل الرواية لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد فيما علمناه ... والحاصل أن مثل هذا الإسناد لا يصح الاعتماد عليه، ولا يرجع عند التنازع إليه" (٣). وممن حكم بوضع القصة ونكارتها الحافظ الذهبي (٤)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٥)، والحافظ السيوطي (٦)، والعلامة ابن عراق الكناني (٧) (٨)

стр. 232

والعلامة علي القاري (١). وأما ما زعمه ابن حجر من أن ابن عساكر قد رواها بسند جيد، فهو مما تابع فيه السبكي (٢)، وقد قال ابن عبد الهادي في الرد عليه: "قوله إسناده جيد خطأ منه" (٣). ٢ - أما قصة عمر بن عبد العزيز ﵀ فيجاب عنها بجوابين: أ- أن هذه القصة قد رويت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ على وجهين: الأول: أنه كان يوجه بالبريد قاصدًا لمدينة ليقرئ النبي ﷺ السلام: وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي (٤) من طريق عبد الله بن يوسف الأصفهاني، عن إبراهيم بن فراس، عن محمد بن صالح الرازي، عن زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: "كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصدًا إلى المدينة ليقرئ عنه النبي ﷺ السلام" (٥). والقصة بهذا الإسناد لا تصح، يقول الحافظ ابن عبد الهادي ﵀: "إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إبراده البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه؛ بل في إسناده ضعف وانقطاع ... حاتم بن وردان ... لم يلق عمر بن عبد العزيز ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة" (٦). والثاني: أنه كان يرسل السلام لرسول الله ﷺ مع بعض من قدم عليه من المدينة إذا أراد الرجوع إليها:

стр. 233

وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي أيضًا من طريق أبي سعيد بن أبي عمرو، عن أبي عبد الله الصفار، عن ابن أبي الدنيا، عن إسحاق بن أبي حاتم المدائني، عن ابن أبي فديك، عن رباح بن بشير، عن يزيد بن أبي سعيد قال: "قدمت على عمر بن عبد العزيز إذ كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي ﷺ فأقرئه مني السلام" (١). قال العلامة ابن عبد الهادي ﵀: "هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته نظرًا، فإن رباح بن بشير شيخ مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي فديك. ولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إبراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة ... ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور" (٢). ب- "أنه لو ثبت عن عمر بن العزيز ﵀ أنه كان يبرد البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين؛ فإذا قال قولًا باجتهاده وفعل فعلًا برأيه فإن قام دليله وظهرت حجته تعمين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله، ويستدل لفعله" (٣). وبعد هذا العرض والمناقشة يتبين أن القول الصحيح هو تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، وخطأ ابن حجر -غفر الله له- في قوله باستحباب ذلك وضعف أدلته التي ساقها للاستدلال له. وأما ما زعمه من أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبره ﷺ بل

стр. 234

يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء، فيرد عليه بنظير قوله في الاستحباب وهو أنه إذا بطل استحباب شد الرحال لقبره ﷺ فقبر غيره من باب أولى؛ "إذ قبر نبينا منها أولى وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره". وكذا قوله بأن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء. فيجاب عنه: بأن أهل العلم استحبوا زيارة القبور للرجال، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك (١)، وأما النساء فقد اختلفوا في مشروعية الزيارة في حقهن على أقوال، والقول الصحيح -والله أعلم- هو القول بتحريم زيارة القبور لهن (٢)، ويدخل في ذلك قبره ﷺ ، إذ لا وجه لتخصيص النهي عن ذلك بغير قبره ﷺ لعموم الأدلة وعدم وجود المخصص (٣). وأما شد الرحال إلى القبور فقد تقدم أن القول الصحيح الذي تعضده الأدلة ولا تدل على سواه هو تحريم شد الرحال إلى القبور وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء. وما حكاه ابن حجر -عفا الله عنه- عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وشنع به عليه من القول بتحريم الزيارة وإنكارها مطلقًا، مردود بكون شيخ الإسلام لم ينكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ من غير شد رحل، بل أنكر الزيارة مع شد الرحال وفرق بين الأمرين، ثم هو في قوله هذا متبع لقول الجمهور وأهل العلم المتقدمين -كما سبق- فالإنكار عليه إنكار عليهم، والتشنيع عليه تشنيع عليهم (٤).

стр. 235

والذي أوقع ابن حجر في فهمه الخاطئ لكلام شيخ الإسلام في ذلك، هو تقليده لغيره ومتابعته له على قوله، ومنهم العز بن جماعة وأبو الحسن السبكي اللذين استدل بقولهما وأشاد بهما. يقول العلامة مرعي الحنبلي (١) ﵀: "ومن العجب أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى- قائل بزيارة القبور حتى قبور الكفار ... وكتبه في الفقه ومناسكه في الحج مصرحة بذلك (٢)، ومع هذا فتجد كثيرًا من المتعصبين وممن يستحل الوقعية في أئمة الدين ينقلون عنه القول بتحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إما جهلًا أو بغضًا وعنادًا ممن شاع عنه ذلك في الأصل ثم قلده في ذلك من لا يحتاط لدينه ونسي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ... فنسأل الله أن لا يفضحنا يوم تبلى السرائر، وأن يجعلنا من المتأدبين مع الأئمة الأكابر" (٣). الثاني: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأقوال: ١ - الحلف بغير الله: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- كراهة الحلف بغير الله إذا كان الحالف لا يعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، فإن كان يعتقد في المحلوف به ذلك فإن الحلف به يكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة. يقول في ذلك: "يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته كالنبي ﷺ

стр. 236

والملائكة والكعبة والحياة، وكذا الأمانة بل هي من أشدها كراهة ... فالحلف بذلك كله مكروه بأي صفة كان، لا حرامٌ، ومحله إن لم يعتقد في المحلوف به أن يعظم بالحلف به كما يعظم الله فإن اعتقد ذلك كفر" (١). ويرى أن الأحاديث الدالة على أن الحلف بغير الله شرك أو كفر محمولة على من اعتقد التعظيم للمحلوف به كما يعتقد لله تعالى، يقول في ذلك: "أئمتنا ... أطلقوا أن الحلف بغير الله مكروه، نعم إن اعتقد له من العظمة بالحلف به ما يعتقده لله كان الحلف حينئذ كفرًا وهو محمل حديث ابن عمر (٢) ... والأحاديث" (٣). ويبين ابن حجر أن النهي عن الحلف بغير الله عام في جميع صوره، ومنها الحلف بالنبي ﷺ حيث يقول في الرد على من استثنى ذلك من عموم النهي: "نهى ﷺ الناس عن الحلف به وبغيره من الخلق على حدٍّ واحد، فتحريم بعض الصور فقط تحكم" (٤). ويرى ابن حجر أن مما يلحق بالحلف بغير الله قول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي، حيث عد من

стр. 237

الكبائر: "الحلف بالأمانة أو بالصنم مثلًا، وقول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي" (١). وقال في بيان حكم ذلك: "ويحرم إن فعل كذا فهو يهودي ونحوه، إن قصد تبعيد نفسه أو أطلق، وتلزمه التوبة، ويسن له أن يتشهد" (٢). التقويم: الحلف بالله تعالى تعظيم له سبحانه، والعدول بالحلف به إلى الحلف بغيره عدوان على مقام الرب وتنقص لكماله؛ ولهذا وردت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله تعالى والتحذير من ذلك، وتسميته شوكًا وكفرًا، ومنها: قوله ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٣). وقوله ﷺ : "من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" (٤). وقوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٥). وعليه فإن الحلف بغير الله محرم، وصاحبه دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ وبيان ذلك أنه إن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله كان حلفه كفرًا أكبر وشركًا أكبر يخرج به من الملة، وإن لم يعتقد ذلك في المحلوف به كان حلفه كفرًا أصغر وشركًا أصغر لا يخرجه عن الملة، وإن

стр. 238

كان قد أتى ذنبًا عظيمًا (١). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره" (٢). وبناء على ما سبق فإن ما ذهب إليه ابن حجر من كراهة الحلف بغير الله متعقب بما يلي: أ- أن ظاهر النصوص من الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن الحلف بغير الله تدل على أن النهي فيها للتحريم، خاصة مع كونه الأصل في النواهي ما لم يأت صارف يصرفها عن ذلك، ولا صارف هنا عن التحريم، فبقي الأمر على الأصل (٣). ب- أن الحلف بغير الله يتضمن مضاهاة غير الله بالله، فإن العلماء متفقون على أن الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، وأن العظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (٤)، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال بكراهة الحلف بغير الله، بل القول الصحيح تحريم ذلك. جـ- أن ابن حجر قرر أن الحالف بغير الله إذا اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وكان حلفه كذلك؛ وعليه فيمكن القول بأن الحلف بغير الله إذا كان محتملًا لهذا الاعتقاد الباطل، فكيف يقال فيما هو مضاه له وشيبه به ووسيلة إليه إنه مكروه كراهة تنزيه، فإن الشرع قد جاء بتحريم كل قول أو فعل يوقع في الشرك أو يكون سببًا له، والوسائل لها أحكام المقاصد.

стр. 239

ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح قال عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا" (١)؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب" (٢). وأما ما قرره ابن حجر من كون النهي عن الحلف بغير الله عامًا يشمل كل محلوف به سواه سبحانه ومنه الحلف بالنبي ﷺ فهو مما وافق فيه عامة أهل العلم من السلف والخلف (٣). يقول شيخ الإسلام ﵀: "الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق ولا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (٤). وأما قول ابن حجر عن الحلف بغير ملة الإسلام كقول بعض المجازفين أنا يهودي أو نصراني إن فعلت كذا بأنه محرم وكبيرة عظيمة يجب التوبة منها والإقلاع عنها فهو محل إجماع أهل العلم من المذاهب

стр. 240

الفقهية المشهورة (١). يقول العلامة النووي ﵀: "يحرم أن يقول إن فعلت كذا أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرمًا فيجب عليه التوبة ... ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله" (٢). ٢ - سب الدهر: يرى ابن حجر ﵀ النهي عن سب الدهر، وأن حكمه يختلف باختلاف حال الساب، حيث عده من الكبائر فقال في تعداده لها: "سب الدهر من عالم ... " (٣) يعني بالنهي الوارد عن ذلك. ثم أورد الأحاديث الدالة على النهي عن سب الدهر، وأعقبها بقوله: "عدّ هذا هو ظاهر الأحاديث ببادئ الرأي لا سيما قوله تعالى: "ويشتمني عبدي" (٤)، فعد تعالى سب الدهر شتمًا له أي: يؤدي إليه وهو كفر، وما أدى إلى الكفر أدنى مراتبه أن يكون كبيرة، لكن كلام أئمتنا يأبى ذلك ويصرح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلًا عن كونه كبيرة. والذي يتجه في ذلك التفصيل وهو أن من سب الدهر: إن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة.

стр. 241

أو الله تعالى فلا كلام في الكفر. وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتماله الكفر وغيره، وظاهر كلام أئمتنا الكراهة هنا أيضًا لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى بطريق التجوز" (١). التقويم: سب الدهر مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتكاثرت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، لأنه في حقيقته سب لله تعالى إذ هو خالق الدهر والمتصرف فيه بما يشاء (٢). يقول العلامة ابن القيم ﵀ مبينًا مفاسد سب الدهر: "في هذا ثلاث مفاسد عظيمة: إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء ... وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءَهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه ... " (٣). وعليه فسب الدهر إيذاء لله، وشعار لأهل الجاهلية يجب التنزه عنه والتحذير منه.

стр. 242

وأما حكمه فيختلف باختلاف مقصد قائله: فإن سب الدهر قاصدًا ما يقصده أهل الجاهلية من تأثيره وفعله من دون الله كما قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فهذا شرك أكبر. وإن سبه مع خلو قصده مما تقدم كأن يجري سب الدهر على لسانه دون اعتقاد لفاعلية الدهر وتأثيره فهذا شرك أصغر؛ ووجهه أن ألفاظ سب الدهر فيها منازعة لله في ربوبيته فصارت شركًا من هذا لوجه، إضافة إلى كونها ذريعة إلى الشرك الأكبر (١). وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم من سب الدهر على الوجه الذي ذكره، وقوله بكراهة ذلك إن أراد به سب الزمن، وتردده في الحكم عليه إن أطلق ولم يعين مراده باطل لوجوه، منها: ١ - أن النهي عن سب الدهر يقتضي التحريم مطلقًا لا الكراهة، إذ الأصل في النهي التحريم، فالعدول عنه إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك، فيبقى النهي على أصله. ٢ - أن سب الدهر إيذاء لله تعالى وشتم له سبحانه، وقد توعد الله من آذاه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وجعل نسبة الولد إليه شتمًا له سبحانه كما في الحديث القدسي: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني" (٢). وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال فيما هو أذية لله وقرين لنسبة الولد إليه في الشتم إنه مكروه أو أن يتردد في حكمه. ٣ - أن سب الدهر دائر بين أمرين لا ثالث لهما وهما سب الله تعالى أو الشرك به، وكلاهما موجب للتحريم لا الكراهة.

стр. 243

يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله تعالى أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله" (١). ٣ - الاستسقاء بالأنواء: يرى ابن حجر ﵀ أن الاستسقاء بالأنواء وقول القائل: مطرنا بنوء كذا يحرم تارة ويجوز أخرى، وذلك بحسب اعتقاد قائل ذلك، ومراده بقوله، يقول في تقرير ذلك: "من قال ذلك معتقدًا لتأثير الكوكب وحده أو مع الله تعالى كافر، وهذا مما لا خلاف فيه. ومن قاله معتقدًا أن الكوكب جعله الله علامة على كذا بحسب ما استقر في العادة فليس بحرام. وعلى هذا نص الشافعي ﵁ فقال: إذا قال: مطرنا بنوء كذا يريد وقت كذا فهو كقوله: مطرنا في شهر كذا، وهذا لا يكون كفرًا من مسلم ولا حرامًا بخلاف قول أهل الشرك، لأنهم يعتقدون التأثير له ... " (٢). التقويم: الاستسقاء بالأنواء يراد به إضافة المطر لها، ونسبة مجيئه إليها (٣). والأنواء: جمع نوء، والنوء النجم (٤).

стр. 244

وقول القائل: مطرنا بنوء كلذا لا يخرج عن حاليق: أحدهما: أن يعتقد أن المنزل هو النجم وحده، أو أنه شريك لله تعالى في ذلك فهذا كفر أكبر بالاتفاق. وثانيهما: أن يعتقد أن المنزل هو الله وحده، وأن النجم سبب لذلك، أو علامة جعلها الله عليه، فهذا مما اختلف أهل العلم في حكمه (١). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "الاستسقاء بالنجوم نوعان: أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وليس هذا معنى الحديث (٢)، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر، فهو كافر. الثاني: أن ينسب المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح (٣) خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه. والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده

стр. 245

النبي ﷺ ، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي ﷺ حماية لجناب التوحيد، وسدٌّ لذرائع الشرك ... " (١). وعليه فما ذهب إليه ابن حجر من تحريم قول مطرنا بنوء كذا في حق من اعتقد تأثير الكواكب والنجوم وكفر قائله موافق لإجماع أهل العلم. وأما قوله بجواز ذلك في حق من اعتقد تسبب الكواكب أو كونها علامة على ذلك، فهو وإن كان قولًا لبعض الشافعية إلا أن الصحيح خلافه لِمَا سبق. وقول الشافعي ﵀ الذي أورده ابن حجر للدلالة على ما ذهب إليه يختص بمن قال مطرنا بنوء كذا وأراد في وقت كذا دون من قال ذلك يريد تسبب النجم في المطر أو كونه علامة عليه، وفرق بين الأمرين. على أنه قد نص غير واحد على تحريم هذا اللفظ مطلقًا سدًا للذريعة وحماية لجناب التوحيد. ٤ - إطلاق لفظ: عبدي وأمتي: يرى ابن حجر ﵀ كراهة قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي حيث يقول: "روى الشيخان أنه ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (٢)، وفي رواية لمسلم: "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي" (٣).

стр. 246

ويؤخذ من قوله ﷺ في هذه: "كلكم عبيد الله" الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود حقيقة العبودية والأمتِّية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ذلك الإيهام ولا قريبًا منه فلا يكره" (١). التقويم: قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي من الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة؛ لِمَا فيها من إيهام العبودية لغير الله، فالنهي عنها جاء تحقيقًا للتوحيد وبعدًا عن الشرك (٢). والنهي عن قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي نهي تنزيه لا تحريم باتفاق أهل العلم. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني شارحًا ترجمة البخاري في صحيحه: "باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي وأمتي، وقول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣) [النور: ٣٢]. "قوله: عبدي أو أمتي، أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر ... " (٤). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كراهة تلفظ السيد بقوله عبدي وأمتي موافق لاتفاق أهل العلم.

стр. 247

٥ - التسمي بملك الأملاك وما في معناه: يرى ابن حجر ﵀ تحريم التسمي بملك الأملاك، وشاهن شاه، وحاكم الحكام، وقاضي القضاة. وأن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. حيث عد من الكبائر: "التسمية بملك الأملاك" (١) وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عد ما ذكر [يعني: من الكبائر] ... ظاهر، قال أئمتنا: وتحرم التسمية بكل من ملك الأملاك، وشاهِن شاه إذ هو بمعناه؛ وذلك أنه لا يوصف بذلك غير الله . وألحق بذلك بعض أئمتنا حاكم الحكام، وقاضي القضاة ... " (٢). التقويم: لما كان الله سبحانه هو مالك الملك، ولا ملك أعظم وأكبر منه، كان إطلاق هذا الاسم على غيره لا يجوز؛ حفظًا للتوحيد ودفعًا لوسائل الشرك (٣)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخنع (٤) اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" (٥). وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه يلحق بملك الأملاك ما في معناه كشاهن شاه، وسلطان السلاطين، وأحكم الحاكمين. واختلفوا في التسمي بقاضي القضاة وحاكم الحكام هل يلحقان بذلك أم لا؟

стр. 248

والراجح -والله أعلم- أنهما يلحقان بذلك لكون علة النهي متحققة فيهما كما هي متحققة في ملك الملوك وشاهن شاه وسلطان السلاطين (١). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ومن المحرم التسمية بملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهن شاه ... وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله ... " (٢). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم التسمي بملك الأملاك وما في معناه موافق لِمَا عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة. ٦ - التوسل: يرى ابن حجر- غفر الله له- استحباب التوسل بالنبي ﷺ ، حيث يقول: "التوسل به ﷺ ... حسن في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في الدنيا والآخرة ... " (٣). ويبين مراده بالتوسل به ﷺ المستحب فيقول: "معنى التوسل به ﷺ طلب الدعاء منه" (٤)، أو الدعاء بحقه "والمراد بحقه رتبته ومنزلته إليه، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالي له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه" (٥). ويرى أن "السؤال به ﷺ ليس سؤالًا له حتى يوجب اشتراكًا وإنما هو سؤال الله بمن له عنده قدر عليّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم فمن كرامته على ربه أن لا يخيب السائل به والمتوسل بجاهه" (٦).

стр. 249

ويقرر أن التوسل به مشروع في كل أحواله ﷺ سواء كان ذلك قبل خلقه، أو بعد خلقه في الدنيا أو الآخرة، ويسوق الأدلة على ذلك فيقول: "مما يدل لطلب التوسل به قبل خلقه ... ما أخرجه الحاكم (١) وصححه أنه ﷺ قال: "لَمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد ﷺ إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لَمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ... " (٢). "وفي حياته: ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه ... أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير لك، قال: فادعه، وفي رواية: ليس لي قائد وقد شق عليّ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم شفّعه فيّ. وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر. وفي رواية: اللهم شفّعه فيّ وشفعني في نفسي" (٣). "ومما يستدل به على التوسل بالنبي ﷺ فعل عمر بن الخطاب ﵁ في توسله بالاستسقاء بعم النبي ﷺ العباس بن عبد المطلب، وكان يقول:

стр. 250

اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا هانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون ... وهذا أوفى دليل في هذا المعنى لأن قول عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، دليل ظاهر على أنه في حياته، وهو ما نحن فيه" (١). "وبعد وفاته ... استعمل السلف هذا الدعاء [يعني: الدعاء الوارد في حديث الضرير السابق] في حاجاتهم بعد موته، وقد علّمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته بعده ﷺ وعسر عليه قضاؤها منه، وفعله فقضاها منه، رواه الطبراني (٢) والبيهقي. وروى الطبراني بسند جيد أنه ﷺ ذكر في دعائه: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" (٣). "وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه ﷺ في النوم فأخبره أنهم يسقون فكان كذلك. وفيه: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، أي: الرفق ... فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. وفي رواية: أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي ﵁. فعلم أنه ﷺ يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته ...
следующие страницы →