← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويؤخذ من قوله ﷺ في هذه: "كلكم عبيد الله" الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود حقيقة العبودية والأمتِّية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ذلك الإيهام ولا قريبًا منه فلا يكره" (١). التقويم: قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي من الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة؛ لِمَا فيها من إيهام العبودية لغير الله، فالنهي عنها جاء تحقيقًا للتوحيد وبعدًا عن الشرك (٢). والنهي عن قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي نهي تنزيه لا تحريم باتفاق أهل العلم. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني شارحًا ترجمة البخاري في صحيحه: "باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي وأمتي، وقول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣) [النور: ٣٢]. "قوله: عبدي أو أمتي، أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر ... " (٤). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كراهة تلفظ السيد بقوله عبدي وأمتي موافق لاتفاق أهل العلم.

стр. 247

٥ - التسمي بملك الأملاك وما في معناه: يرى ابن حجر ﵀ تحريم التسمي بملك الأملاك، وشاهن شاه، وحاكم الحكام، وقاضي القضاة. وأن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. حيث عد من الكبائر: "التسمية بملك الأملاك" (١) وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عد ما ذكر [يعني: من الكبائر] ... ظاهر، قال أئمتنا: وتحرم التسمية بكل من ملك الأملاك، وشاهِن شاه إذ هو بمعناه؛ وذلك أنه لا يوصف بذلك غير الله . وألحق بذلك بعض أئمتنا حاكم الحكام، وقاضي القضاة ... " (٢). التقويم: لما كان الله سبحانه هو مالك الملك، ولا ملك أعظم وأكبر منه، كان إطلاق هذا الاسم على غيره لا يجوز؛ حفظًا للتوحيد ودفعًا لوسائل الشرك (٣)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخنع (٤) اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" (٥). وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه يلحق بملك الأملاك ما في معناه كشاهن شاه، وسلطان السلاطين، وأحكم الحاكمين. واختلفوا في التسمي بقاضي القضاة وحاكم الحكام هل يلحقان بذلك أم لا؟

стр. 248

والراجح -والله أعلم- أنهما يلحقان بذلك لكون علة النهي متحققة فيهما كما هي متحققة في ملك الملوك وشاهن شاه وسلطان السلاطين (١). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ومن المحرم التسمية بملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهن شاه ... وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله ... " (٢). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم التسمي بملك الأملاك وما في معناه موافق لِمَا عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة. ٦ - التوسل: يرى ابن حجر- غفر الله له- استحباب التوسل بالنبي ﷺ ، حيث يقول: "التوسل به ﷺ ... حسن في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في الدنيا والآخرة ... " (٣). ويبين مراده بالتوسل به ﷺ المستحب فيقول: "معنى التوسل به ﷺ طلب الدعاء منه" (٤)، أو الدعاء بحقه "والمراد بحقه رتبته ومنزلته إليه، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالي له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه" (٥). ويرى أن "السؤال به ﷺ ليس سؤالًا له حتى يوجب اشتراكًا وإنما هو سؤال الله بمن له عنده قدر عليّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم فمن كرامته على ربه أن لا يخيب السائل به والمتوسل بجاهه" (٦).

стр. 249

ويقرر أن التوسل به مشروع في كل أحواله ﷺ سواء كان ذلك قبل خلقه، أو بعد خلقه في الدنيا أو الآخرة، ويسوق الأدلة على ذلك فيقول: "مما يدل لطلب التوسل به قبل خلقه ... ما أخرجه الحاكم (١) وصححه أنه ﷺ قال: "لَمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد ﷺ إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لَمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ... " (٢). "وفي حياته: ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه ... أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير لك، قال: فادعه، وفي رواية: ليس لي قائد وقد شق عليّ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم شفّعه فيّ. وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر. وفي رواية: اللهم شفّعه فيّ وشفعني في نفسي" (٣). "ومما يستدل به على التوسل بالنبي ﷺ فعل عمر بن الخطاب ﵁ في توسله بالاستسقاء بعم النبي ﷺ العباس بن عبد المطلب، وكان يقول:

стр. 250

اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا هانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون ... وهذا أوفى دليل في هذا المعنى لأن قول عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، دليل ظاهر على أنه في حياته، وهو ما نحن فيه" (١). "وبعد وفاته ... استعمل السلف هذا الدعاء [يعني: الدعاء الوارد في حديث الضرير السابق] في حاجاتهم بعد موته، وقد علّمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته بعده ﷺ وعسر عليه قضاؤها منه، وفعله فقضاها منه، رواه الطبراني (٢) والبيهقي. وروى الطبراني بسند جيد أنه ﷺ ذكر في دعائه: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" (٣). "وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه ﷺ في النوم فأخبره أنهم يسقون فكان كذلك. وفيه: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، أي: الرفق ... فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. وفي رواية: أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي ﵁. فعلم أنه ﷺ يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته ...

стр. 251

وأنه ﷺ يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه، وهذا مما قام الإجماع عليه، وتواترت به الأخبار" (١) (٢). وابن حجر حينما يقرر استحباب التوسل لا يرى ذلك مقتصرًا على النبي ﷺ وحده، بل يشمل ذلك التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، يقول في ذلك: "ولا فرق بين ذكر التوسل ... به ﷺ أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء ... وذلك: لأنه ورد جواز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها أعراضًا فالذوات الفاضلة أولى. ولأن عمر بن الخطاب توسل بالعباس ﵄ في الاستسقاء ولم ينكر عليه" (٣). وقد شنع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه التوسل بجاه النبي ﷺ فقال: "من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مثلة، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به ﷺ ، وليس ذلك كما أفتى، بل التوسل به حسن في كل حال ... فقول ابن تيمية ليس له أصل من افترائه" (٤). التقويم: التوسل: طلب الوسيلة، والوسيلة، القربة والشفاعة، يقال: وَسلَ وتَوَسلَ إلى الله تَوسُّلًا؛ إذا عمل عملًا تقرب به إليه.

стр. 252

فالتوسل في اللغة: التقرب (١). وهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بوسيلة (٢). وهو قسمان: الأول: توسل مشروع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة، وهو ثلاثة أنواع: ١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته. ٢ - التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة. ٣ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء. والثاني: توسل ممنوع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة ممنوعة، وهو أربعة أنواع: ١ - التوسل إلى الله تعالى بسؤال الأموات ودعائهم. ٢ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الأموات. ٣ - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين. ٤ - التوسل إلى الله تعالى بجاه المخلوقين أو حقهم (٣). وهي مترددة بين الشرك والبدعة فالتوسل بسؤالهم ودعائهم وطلب الدعاء منهم بعد وفاتهم شرك أكبر، والتوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم بدعة منكرة (٤).

стр. 253

إذا تقرر ذلك فالتوسل بالنبي ﷺ لفظ مجمل مشترك ترد عليه الأنواع المشروعة والممنوعة حسب مورد التوسل به واعتباراته وبكون حكمه تابعًا لحكمها. فإن أريد به التوسل بالإيمان به ومحبته، أو التوسل بطلب الدعاء منه حال حياته ﷺ فهو توسل مشروع. وإن أريد به التوسل بسؤاله ودعائه، أو طلب الدعاء منه بعد وفاته ﷺ ، أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه فهو توسل ممنوع (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم ... يراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته. ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا لشيء من السائل بل بذاته، أو بمجرد الإقسام به على الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه" (٢). وعليه فقول ابن حجر باستحباب التوسل بالنبي ﷺ بمعنى طلب الدعاء منه بعد وفاته، أو السؤال بحقه وجاهه قول باطل؛ إذ هو بهذا المعنى توسل ممنوع لا يجوز، فلم يكن الصحابة والتابعون وأتباعهم يفعلونه ولو كان مشروعًا لكانوا أولى الناس به، فإنهم عدلوا عن الاستسقاء به إلى الاستسقاء بعمه، ولم يعرف عن أحد منهم أنه توسل بجاه النبي ﷺ وحقه (٣). وأما زعمه كون السؤال به ﷺ ليس سؤالًا له، واعتماده على ذلك

стр. 254

في تجويزه فمردود بكون السؤال به ﷺ يجمع بين الشرك والبدعة. فهو شرك من جهة كون السائل اعتقد أن السؤال بالنبي ﷺ سببًا لتحقق المسؤول، واتخاذ ما لم يجعله الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا سببًا شرك أصغر. وهو بدعة من جهة كون السؤال بالنبي ﷺ لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وكل ما لم يكن موجودًا في عهدهم مع قيام المقتضي له فهو بدعة (١). وقوله بذلك مبني على شبهة المجاز العقلي وقد سبق الجواب عنها بما يغني عن إعادته (٢). وأما ما أورده ابن حجر من الأدلة لقوله باستحباب التوسل بالنبي ﷺ في جميع أحواله فهي مما لا يمكن الاستدلال به؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو في دلالتها، أو فيهما جميعًا، وفيما يلي مناقشة هذه الأدلة: أولًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي ﷺ قبل خلقه: استدل ابن حجر بحديث توسل آدم ﵇ بالنبي ﷺ حين وقعت منه الخطيئة ومغفرة الله له بسبب توسله. والحديث أخرجه الحاكم (٣)، والبيهقي (٤)، والطبراني (٥)، من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. قال الحاكم بعد إخراجه له: "صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب" (٦).

стр. 255

وأخرجه الآجري (١) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به موقوفًا من قول عمر ﵁ (٢). والحديث معلول سندًا ومتنًا. فأما السند ففيه ثلاث علل: ١ - ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- وعليه مدار الحديث- (٣). ٢ - جهالة من دون عبد الرحمن بن زيد، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي (٤) حيث قال: "فيه من لم أعرفهم" (٥). ومن هؤلاء عبد الله بن مسلم الفهري (٦). ٣ - اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعًا، وتارة موقوفًا على عمر ﵁ (٧). وأما المتن فهو يخالف القرآن الكريم في موضعين منه: ١ - أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمد- ﷺ ، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ

стр. 256

فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقد قيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] (١). ٢ - أن الحديث جاء في آخره: "ولولا محمد ما خلقتك"، وهذا مخالف للقرآن الكريم في بيانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢). وقد أعل الحديث بهذه العلل أو بعضها جماعة من المحدثين كالبيهقي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والحافظ الذهبي (٥)، والإمام ابن عبد الهادي (٦)، والحافظ الهيثمي (٧)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٨)، والعلامة الألباني (٩) (١٠). وأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث فيجاب عنه بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "رواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن

стр. 257

زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ... وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث ... ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه ... " (١). وعليه فالحديث معلول لا يحتج به، وكلام عامة أهل العلم فيه دائر بين الحكم بوضعه أو ضعفه الشديد. ثانيًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي ﷺ في حياته: استدل ابن حجر بحديث الضرير وحديث توسل عمر بالعباس ﵄ على استحباب التوسل بجاه النبي ﷺ وحقه في حياته، وهما حديثان صحيحان، ولكنهما لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر. فأما حديث الضرير (٢) فيجاب عنه بما يلي: ١ - أن المراد بالتوسل به ﷺ في الحديث هو التوسل بدعائه وهو

стр. 258

مشروع في حياته ﷺ بخلاف التوسل بجاهه أو حقه أو ذاته فهو لا يشرع بحال، ومما يؤيد كون التوسل المراد في الحديث التوسل بدعائه قول الأعمى: ادع الله أن يعافيني، ووعده ﷺ بالدعاء مع بيان الأفضل له، ثم إصرار الأعمى على الدعاء، وقوله: اللهم فشفعني فيه، وشفعه فيّ، كل ذلك يدل على أن المراد به التوسل بدعائه؛ لأن هذه الصيغة لا تحتمل غير ذلك (١). ٢ - أنه لو كان المراد بالتوسل به ﷺ في الحديث التوسل بذاته أو جاهه، أو حقه، لا دعائه، لكان كل أعمى من الصحابة ومن بعدهم إلى هذا الزمان، يتوسلون إلى الله بذات النبي ﷺ وجاهه وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى (٢). وأما حديث توسل عمر بن الخطاب بالعباس (٣) ﵄ فيجاب عنه من وجهين: ١ - أن المقصود بالتوسل بالنبي ﷺ الوارد في الحديث طلب الدعاء منه وهو مشروع في حياته دون وفاته- كما سبق- لا التوسل بذاته أو حقه وجاهه فهو ممنوع مطلقًا، فلا دلالة في الحديث على ما ذهب إليه ابن حجر (٤).

стр. 259

ومما يدل على أن المراد بالتوسل في الحديث طلب دعائه ﷺ لا التوسل بذاته أو جاهه أو حقه أمران: أ- الأحاديث الواردة في الاستسقاء، ومنها ما رواه أنس بن مالك ﵁: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء- ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبل رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... " الحديث" (١). فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به ﷺ كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا". ب- أن توسل عمر بن الخطاب بالعباس ﵁ كان توسلًا بدعائه لا بذاته، فإن العباس لَمّا استسقى به عمر قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث ... " (٢) (٣) ٢ - أن عدول عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه إلى التوسل بالعباس ﵁ وإقرار الصحابة له دليل على عدم جواز ذلك؛ إذ لا يمكن أن يتوسلوا بالمفضول ويدعوا الفاضل، خاصة مع جدبهم وحاجتهم، فالدليل حجة عليه لاله (٤).

стр. 260

ثالثًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته: استدل ابن حجر على استحباب التوسل بالنبي ﷺ وفاته بطلب الدعاء منه، أو التوسل بذاته أو جاهه بثلاثة أدلة: الأول: فعل عثمان بن حنيف ﵁: ونص القصة: "أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد؛ إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ... ". والجواب عنها من وجهين: ١ - أن القصة أخرجها الطبراني (١) والبيهقي (٢) من طريق شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الحظمي، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف بها. وهي بهذا الإسناد لا تثبت، بل هي معلولة بما يلي: أ- ضعف شبيب بن سعيد (٣) وتفرده بها (٤). ب- الاختلاف على شبيب فيها فإنه تارة يذكر القصة في الحديث وتارة يهملها (٥).

стр. 261

جـ- مخالفة شبيب للثقات الذين رووا الحديث مجردًا عن القصة في السند والمتن (١). ٢ - أن فعل عثمان بن حنيف ﷺ لو ثبت عنه فهو معارض بفعل الصحابة ﵃ فإنهم لم يكونوا- يتوسلون بالنبي ﷺ بعد وفاته لا بطلب الدعاء منه ولا بالتوسل بذاته أو جاهه، بل عدلوا عن التوسل به بعد وفاته إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل به ﷺ بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته وجاهه مشروعًا لم يعدلوا عن التوسل به ﷺ (٢). الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة فاطمة بنت أسد: ونصه: "لَمّا ماتت فاطمة بنت أسد أم علي ﵄ دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون ... فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ ، فاضطجع فيه فقال: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ... ". والجواب عنه: أن الحديث أخرجه الطبراني (٣)، ومن طريقه أبو نعيم (٤) في الحلية (٥) عن أحمد بن حماد، عن روح بن صلاح، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك ﵁ به. والحديث بهذا الإسناد ضعيف لا تقوم به الحجة، لضعف روح بن

стр. 262

صلاح من جهة (١)، وتفرده به عن أصحاب سفيان الثوري من جهة أخرى (٢). وأما زعم ابن حجر أن الطبراني رواه بسند جيد فلعله بناه على توثيق ابن حبان (٣) (٤) والحاكم (٥) لروح هذا، وهو متعقب بما يلي: ١ - أن ابن حبان والحاكم قد عرفا بتساهلهما في التوثيق فلا يعارض قولهما قول جمهور المحدثين (٦). ٢ - أن روح تفرد بالحديث عن أصحاب سفيان، وقد عد أهل الحديث تفرد الرجل عمن أكثر الرواة عنه طعنًا فيه وفي روايته (٧). الثالث: فعل بلال بن الحارث المزني ﵁: والجواب عنه من وجهين: ١ - أن القصة أخرجها ابن أبي شيبة (٨) (٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار بها. وهي معلولة سندًا ومتنًا.

стр. 263

أما السند ففيه علتان: أ- جهالة مالك الدار حيث لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل ولم يرو عنه إلا اثنان، وهذا يرفع عنه جهالة العين دون جهالة الحال، فيبقى على جهالته (١). ب- جهالة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ ، وأما ما ذكره ابن حجر من كونه سمي في رواية أخرى، وأنه بلال بن الحارث المزني، فهذه الرواية رواها سيف بن عمر (٢)، وسيف تفرد بها وهو ضعيف بالاتفاق، بل متهم بالوضع والكذب (٣). وأما المتن: فإن القصة منكرة؛ لمخالفتها ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء في مثل هذه الحالات، ومخالفتها ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين، إذ ما جاء عنهم أنهم كانوا يرجعون إلى قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط يستدفعونها بهم وبدعائهم وشفاعتهم، بل كانوا يرجعون إلى الله تعالى واستغفاره وعبادته (٤). ٢ - أن القصة لو صحت فلا حجة فيها، إذ من شرط حجية قول الصحابي وفعله عدم مخالفته للأدلة أو معارضته بقول أو فعل صحابي آخر، وكلاهما غير متحقق في فعل بلال بن الحارث على التسليم بصحته عنه (٥).

стр. 264

وبعد مناقشة أدلة ابن حجر التي ساقها للاستدلال على قوله باستحباب التوسل بالنبي ﷺ بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه وبيان ضعفها وعدم دلالتها على قوله يظهر بطلان زعمه بكون ذلك مما تواترت به الأخبار وقام عليه الإجماع. فإن الأخبار على خلافه، وكل ما استدل به فهو مطعون في ثبوته أو في دلالته، والمستدل عليه أن يبين صحة دليله ودلالته على قوله، وكلاهما غير متحقق فيما ساقه من الأدلة. وأما الإجماع فإنه على نقيضه، فلم يعرف عن السلف الأوائل من الصحابة والتابعين وأتباعهم طلب الدعاء منه ﷺ بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه، ودعوى إجماعهم على خلاف ذلك تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك (١). وقوله باستحباب التوسل بالأنبياء والأولياء وكونه لا يقتصر على النبي ﷺ وحده، القول فيه كالقول في التوسل بالنبي ﷺ . وأما استدلاله بقياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال، وتوسل عمر بالعباس ﵄ فالجواب عنهما بأن يقال: أما قياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال لكون التوسل بهم توسل بذوات والتوسل بها توسل بأعراض، والتوسل بالذوات أولى من التوسل بالأعراض فمردود من وجهين: ١ - أنه لا ملازمة بين جواز التوسل بالأعراض وبين جواز التوسل بالذوات فالقياس بينهما قياس مع الفارق (٢). ٢ - أن التوسل بالأعمال هو تقرب إلى الله تعالى بما شرعه لعباده، وهو معقول لتزكيتها لنفس العامل وجعله أهلًا لقبول دعائه واستجابته، وأما ذوات غيره فلا تأثير لها في تزكيته البتة مهما كان فضلها فإن عملها مزكٍّ لها لا لغيرها (٣).

стр. 265

وأما توسل عمر بالعباس ﵄ فقد سبق الجواب عنه بما يغني عن إعادته (١). وأما تشنيع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الاسلام ابن تيمية في إنكاره التوسل بالنبي ﷺ زعمه بكونه مما انفرد به فالجواب عنه من وجهين: ١ - أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يمنع من عموم التوسل به ﷺ - كما توهمه عبارة ابن حجر- وإنما ذهب إلى أن التوسل بالنبي ﷺ منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع- وقد سبق نقل كلامه في ذلك (٢). ٢ - أن شيخ الإسلام لم ينفرد بمنع التوسل بالنبي ﷺ بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته أو جاهه، بل سبقه إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف (٣) (٤) فالتشنيع عليه تشنيع عليهم، والاستطالة في عرضه استطالة في أعراضهم. وقد رد على ابن حجر غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث تشنيعه على شيخ الإسلام وزعمه بتفرده بتحريم التوسل بالنبي ﷺ بما يغني عن التطويل بذكره (٥).

стр. 266

الفصل الثالث آراؤه في توحيد الأسماء والصفات وفيه تمهيد، ومبحثان: تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات. المبحث الأول: آراؤه في أسماء الله. المبحث الثاني: آراؤه في صفات الله.

стр. 267

في تعريف توحيد الأسماء والصفات الأسماء: جمع اسم، والاسم: "مشتق من السمو أي: العلو ... أو من الوسم أي: العلامة ... " (١)، وهو اللفظ الدال على المسمى (٢)، وأسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به كالعليم والقدير والحكيم والسميع والبصير (٣). والصفات: جمع صفة، والصفة: أصلها "وَصَفَ" حذفت الواو وعوض عنها التاء (٤)، وهي "ما دل على معنى زائد على الذات" (٥)، وصفات الله نعوت الكمال القائمة بذاته كالعلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر (٦). والفرق بين الأسماء والصفات أن الأسماء تدل على الذات مع دلالتها على صفات الكمال، وأما الصفات فإنها تدل على معنى قائم بالذات فقط، فالأسماء تدل على أمرين، والصفات تدل على أمر واحد (٧).

стр. 268

وعليه فتوحيد الأسماء والصفات: "هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بها، وبمعانيها، وأحكامها" (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد عُلِمَ أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في أسمائه ولا في آياته ... فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (٢). * * *

стр. 269

آراؤه في أسماء الله عرض ابن حجر ﵀ لمسائل عدة تتعلق بأسماء الله ، كما شرح بعضها وبين معانيها، وفيما يلي بيان هذه المسائل وآراء ابن حجر فيها مع التعقيب عليها بتقويمها. أولًا: الاسم والمسمى: تعددت آراء ابن حجر ﵀ في مسألة الاسم والمسمى تعددًا لا يمكن الجمع معه بينها: فتارة يرى "أن الاسم غير المسمى ... على الأصح ... " (١). وأخرى يرى أن "الاسم عين المسمى ... " (٢). وثالثة يفصل فيقول: "الاسم أي: مدلوله: إما ذات المسمى كالله. أو غيره كالخالق. أو لا هو المسمى ولا غيره كالعَالِم" (٣). ويرى ابن حجر أن هذه المسألة "مسألة طويلة الذيل، وليس للخلاف فيها كبير فائدة" (٤).

стр. 270

التقويم: مسألة الاسم والمسمى من المسائل الحادثة التي لم ترد في الكتاب والسُّنة، والقول بأن الاسم هو المسمى أو غيره لم يرد عن السلف ﵏ وإنما أحدثه أهل الأهواء من الجهمية والمعتزلة (١). والذي عليه جمهور السلف ﵏ أن الاسم تارة يراد به الذات وهو المسمى، وتارة يراد به اللفظ وهو التسمية (٢). يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي (٣) ﵀: "الاسم يراد به "المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى" (٤). إذا تقرر ذلك فما ذهب إليه ابن حجر في هذه المسالة مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من جهة، ولا يخلو من الاضطراب والتناقض من جهة أخرى.

стр. 271

فالقول بأن الاسم كير المسمى: هو مذهب الجهمية (١) والمعتزلة (٢). والقول بأن الاسم عين المسمى: هو مذهب الأشاعرة (٣) والماتريدية (٤). والقول بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون كيره، وتارة لا هو ولا غيره: هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (٥). والجهمية والمعتزلة حينما قالوا: إن الاسم غير المسمى أرادوا أن أسماء الله مخلوقة؛ لأن أسماءه من كلامه، وكلامه مخلوق (٦). فخالفهم الأشاعرة والماتريدية فقالوا: الاسم عين المسمى ولم يفرقوا بين الذات الذي هو المسمى وبين اللفظ الذي هو التسمية، وأرادوا بذلك أن أسماء الله غير مخلوقة، ولكنهم قالوا: إن أسماءه من صفات ذاته، وهو سبحانه لا يتكلم ولا يسمي نفسه بمشيئته وقدرته؛ وذلك ليسلم لهم قولهم في الصفات وبخاصة صفة الكلام، حيث يؤولونه بالكلام النفسي، ويجعلونه من الصفات الذاتية لا الفعلية (٧). وعليه فالأشاعرة والماتريدية وإن خالفوا الجهمية والمعتزلة في الظاهر إلا أنهم موافقون لهم في الباطن (٨). وأما قول الأشعري بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون غيره، وتارة لا يكون هو ولا غيره، فقد بناه على اعتبار معاني الأسماء، وما دلت عليه من الصفات، ومعتقده في كل منها، وعليه قسم الأسماء إلى ثلاثة أقسام:

стр. 272

القسم الأول: يكون الاسم فيه عين المسمى نحو (الله) لأنه بزعمه اسم جامد لا يدل على معنى، وهذا زعم مردود؛ إذ ليس في أسماء الله اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله دالة على معان في غاية الكمال. والقسم الثاني: يكون الاسم فيه غير المسمى نحو (الخالق) و (الرازق) لأنهما بزعمه يدلان على نسبته إلى غيره، وذلك لاعتقاده بنفي صفات الأفعال الاختيارية وإنكار قيامها بالله ، وبناء على ذلك جعل (الخالق) و (الرازق) ونحوهما غير المسمى، وهذا باطل لثبوت اتصاف الله تعالى بالصفات الفعلية الاختيارية -كما سيأتي-. والقسم الثالث: يكون الاسم فيه لا هو المسمى ولا غيره نحو (العليم) و (القدير) لأنهما يدلان على صفة حقيقية، وذلك لإثباته الصفات الذاتية، ولهذا جعل (العليم) و (القدير) ونحوهما للمسمى (١). وعند التأمل في هذه الأقوال الثلاثة وما ساقه أصحابها من أدلة، نجد أن هذه الأدلة تنقض أقوالهم وترد عليها، فما استدل به الجهمية والمعتزلة يجاب به عن قول الأشاعرة والماتريدية، وما استدل به الأشاعرة والماتريدية يجاب به عن قول الجهمية والمعتزلة، ومجموع هذه الأدلة تشهد لقول أهل السنة والجماعة، وتدل عليه، وقد استوعب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأقوال وأدلتها، وبين ما يعترض به عليها بما لا مزيد عليه (٢). ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن اضطراب ابن حجر -غفر الله له- في هذه المسألة وتردده فيها بين هذه الأقوال راجع -والله أعلم- إلى أمرين: أحدهما: اضطراب الأشاعرة أنفسهم في هذه المسألة واختلافهم فيها من جهة، وترددهم فيها بين موافقة أهل السنة والجماعة في الظاهر وموافقة الجهمية والمعتزلة في الباطن من جهة أخرى، مما جعل مذهبهم في هذه المسألة غير محرر، ولهذا قال الباجوري (٣) بعد ذكره المسألة ورأي

стр. 273

الأشاعرة فيها-: "وبالجملة فهذا المبحث لم يَصْفُ" (١). ثانيهما: عدم اهتمام ابن حجر بالمسألة، وتهوينه من شأنها، وظنه أن الخلاف فيها ليس فيه كبير فائدة -كما سبق نقله عنه- والحق أن المسألة مهمة، وأن الخلاف فيها له ثمرة ظاهرة، فمن فروعها: القول في أسماء الله وهل هي مخلوقة أم لا؟ ومن أصولها: صفات الله سبحانه والقول في كلامه جل وعلا وهل هو مخلوق أم لا؟ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عنها: "القول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه" (٢). وبكل حال فقول ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة مضطرب، والجمع بين أقواله فيها متعذر، والترجيح بينها غير ممكن؛ لعدم معرفة المتقدم منها من المتأخر، وكلها باطلة مجانبة للصواب. ثانيًا: أسماء الله هل هي توقيفية أم لا ؟ : يرى ابن حجر ﵀ أن "أسماء الله توقيفية على الأصح فلا يجوز اختراع اسم أو وصف له تعالى إلا بقرآن أو خبر صحيح وإن لم يتواتر ... " (٣). ويستثني من ذلك ما كان وروده بصيغة المصدر، أو الفعل، أو ذكر على سبيل المقابلة والمشاكلة (٤)، حيث يقول: "لا يجوز أن يذكر اسم أو صفة إلا إن ورد في القرآن وصح الخبر به عن النبي ﷺ ... ولا يكفي (٣)

стр. 274

ورود أصله المصدر أو الفعل، ولا ورود لفظه على جهة المقابلة ... " (١). وبناء على ذلك أنكر ابن حجر تسمية الله ببعض الأسماء: ١ - حيث أنكر تسمية الله سبحانه بالنظيف (٢)، ورمضان (٣)، والدهر (٤)، والصانع (٥)، والواهب (٦)؛ لعدم ورود النصوص بها. ٢ - وأنكر تسمية الله تعالى بالزارع (٧)، والرامي (٨)، والمسبت (٩)، لورودها بصيغة المصدر أو الفعل. ٣ - وأنكر تسمية الله بالماكر (١٠)؛ لوروده على سبيل المقابلة والمشاكلة. التقويم: اتفق -من يثبت الأسماء لله تعالى- على تسمية الله بما سمى به نفسه مما ورد في نصوص الوحيين، وتنازعوا فيما عداها من الأسماء مما صح معناه في اللغة والعقل والشرع ولم يرد إطلاقه فيهما هل يجوز تسمية الله به أم لا؟ "فالجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجوزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعض الأشاعرة كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجويني ... " (١١). والقول بأن أسماء الله توقيفية هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة (١٢)،

стр. 275

وجمهور الأشاعرة (١) والماتريدية (٢)، وهو الحق الذي تدل عليه النصوص من الكتاب والسنة، ومنها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذه الآية تدل على أن أسماء الله توقيفية من وجهين: أ- قوله: "الأسماء" فالألف واللام فيها للعهد، والأسماء المعهودة هي التي جاء النص عليها في الكتاب والسنة (٣). ب- قوله: "الحسنى" فهذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. "قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة" (٥). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فهاتان الآيتان تدلان على تحريم الخوض في الأمور الغيبية مع عدم الدليل، ويدخل في ذلك أسماء الله تعالى باعتبارها من الأمور المغيبة التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي. ٤ - قول النبي ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو

стр. 276

أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... " (١) الحديث. "فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآميين وتسمياتهم" (٢). وعليه فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من كون أسماء الله توقيفية موافق لِمَا تدل عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ومن وافقهم. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن القول بأن أسماء الله توقيفية لا ينافي الإخبار عنه بما لم يرد؛ إذ "ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته" (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يُفَرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه، فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسمع، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شيء، وذات، وموجود" (٤). وأما ما قرره من استثناء ما ورد بصيغة المصدر أو الفعل، أو كان على سبيل المقابلة والمشاكلة من عموم أسماء الله فهو موافق لقول أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا محيد عنه؛ وذلك لكونها تحتمل المدح

стр. 277

والذم من جهة، ولورودها مقيدة لا مطلقة من جهة أخرى (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد وما يذم، لا توجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدل على ما يحمد به الرب ويمدح" (٢). ويقول العلامة ابن القيم ﵀: "لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة" (٣). ثالثًا: عدد أسماء الله، وتعيين الاسم الأعظم منها: يرى ابن حجر ﵀ أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، حيث يقول: "أسماء الله ... لا تنحصر في التسعة والتسعين" (٤). ويرى أن الاسم الأعظم منها هو (الله) حيث صرح بذلك في أكثر من موضع، وعزاه إلى أكثر أهل العلم في مواضع أخرى (٥)، يقول في تقرير ذلك: "هو الاسم الأعظم عند أكثر أهل العلم ... ورئيس الأسماء المقدم عليها الموصوف بها، ولم يتكرر غيره في القرآن تكرره؛ لأنه جاء فيه ألفي مرة وخمسمائة وستين مرة ... ومما يؤيده أنه لا خلاف أن لفظ الجلالة أعرف المعارف، وأنه لم يسم به غير الله ... " (٦).

стр. 278

وبيّن أن وصف لفظ الجلالة (الله) بالاسم الأعظم لا يعني وصف ما عداه بالنقص؛ إذ "ليس المراد بوصفه بالأعظمية إلا من حيث دلالته على الذات التي لا يوازي عظمتها شيء، أو على وصفها الأعلى الذي لا يساويه غيره من بقية أوصافه، فكان الدال على أحد هذين بالنسبة لذلك أعظم من الدال على غيرهما، وإن كان كل أوصافه تعالى عظيمًا جليلًا" (١). التقويم: أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تعد بعدد، فإن لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، والقول بذلك هو مذهب سلف الأمة وأئمتها وهو قول جمهور العلماء (٢)، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره (٣). ومما يستدل به لذلك، ما يلي: ١ - قوله ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... " (٤). فقوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك " دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره (٥). ٢ - قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من

стр. 279

عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١). "فأخبر أنه ﷺ لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (٢). ٣ - قوله ﷺ في حديث الشفاعة-: "فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن" (٣). ووجه الدلالة: أن تلك المحامد تتضمن بعض أسماء الله تعالى وصفاته (٤). ٤ - أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وعليه فلا يصح حصرها في العدد المذكور (٥). ويتضح مما تقدم صحة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من القول بأن أسماء الله كير محصورة بعدد معين، وموافقته في ذلك لسلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء. وأما تعيين الاسم الأعظم من أسماء الله فهو مما اختلف الناس في إمكانه من عدمه، والقائلون بإمكانه اختلفوا في تعيينه، والخلاف في ذلك جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم (٦).

стр. 280

وما قرره ابن حجر ﵀ من أن اسم الله الأعظم هو (الله) وعزوه القول بذلك لأكثر أهل العلم موافق لقول جماعة، منهم: ابن عباس ﵁ (١)، والشعبي (٢) (٣)، وجابر بن زيد (٤) (٥)، وابن المبارك (٦) (٧)، وأبو حنيفة (٨)، والطحاوي (٩)، وابن العربي (١٠)، والخطابي (١١)، والقرطبي (١٢)، وعزاه الطرطوشي (١٣)، والسفاريني لأكثر أهل العلم (١٤). وهو القول الراجح -إن شاء الله- ومما يدل لذلك: ١ - أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم المذكور في كل الأحاديث الواردة في بيان الاسم الأعظم، حيث ورد في بعضها بلفظ (الله) وفي

стр. 281

بعضها الآخر بلفظ (اللهم) (١)، ولا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله (٢). ٢ - أن القول بذلك هو المأثور عن بعض السلف ﵃ وهو قول جمهور العلماء -كما تقدم-. ٣ - أن لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره، كاختصاص الله به حيث لم يطلق على غيره سبحانه، وكونه الأصل في أسمائه وسائر الأسماء مضافة إليه، وتكراره في القرآن الكريم أكثر من غيره، وغيرها (٣). رابعًا: شرحه لبعض أسماء الله الحسنى: عرض ابن حجر ﵀ لشرح بعض الأسماء الحسنى التي ورد ذكرها في الأحاديث التي شرحها أو المتون التي علق عليها، ولما كان شرحه مقتضبًا يناسب سبب ورودها من جهة، والغالب عليه في شرحه بيان المعنى اللغوي للاسم فقط من جهة أخرى؛ رأيت سياق كلامه عليها جملة، ثم التعقيب عليها إجمالًا. وفيما يلي بيان آرائه فيما ساقه من الأسماء الحسنى: ١ - الإله، الله: "الله علم على الذات الواجب الوجود لذاته المستحق لجميع الكمالات، وأصله الإله: وهو اسم جنس لكل معبود، ثم استعمل في المعبود بحق" (٤). ٢ - البر: "البر أي: المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان كبر في يمينه أي: صدق؛ لأن الصدق

стр. 282

إحسان في ذاته ويلزمه الإحسان للغير، وأبر الله حجه أي: قبله؛ لأن القبول إحسان وزيادة، وأبر فلان على أصحابه أي: أعلاهم؛ لأنه غالبًا ينشأ عن الإحسان لهم ... " (١). ٣ - الجواد: "الجواد بالتخفيف أي: كثير الجود أي: العطاء" (٢). ٤ - الحكيم: "الحكيم من أسمائه تعالى ... هو الفاعل لما لا اعتراض لأحد عليه، لوضعه الفعل في محله" (٣). ٥ - الحميد: "الحميد: فعيل بمعنى محمود وأبلغ منه، وهو من جمع أكمل صفات الحمد، وقيل: بمعنى حامد لأفعال عباده" (٤). ٦ - الرحمن: "هو صفة في الأصل بمعنى كثير الرحمة جدًّا، ثم غلب على البالغ في الرحمة والإنعام" (٥). ٧ - الرحيم: "أي: ذو الرحمة الكثيرة فالرحمن أبلغ منه ... وكلاهما مشتق من الرحمة وهي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه مجاز إما عن نفس الإنعام ... أو عن إرادته ... " (٦). ٨ - السلام: "أي: السالم من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية، أو المُسلِّم لعبيده من الآفات" (٧). ٩ - الصمد: "هو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج أي: يقصد، وقيل غير ذلك" (٨). ١٠ - الغفار: "الستار لذنوب من أراد من عباده فلا يفضحه بالهتك في الدنيا ولا بالعذاب في الآخرة" (٩).

стр. 283

١١ - القهار: "الغالب الذي لا يغلب والقوي الذي لا يضعف، مأخوذ من قهره غلبه وأقهرته وجدته مقهورًا، والقُهرة بالضم الاضطرار" (١). ١٢ - الكريم: "فسر بأنه الذي عم عطاؤه جميع خلقه بلا سبب منهم، وتفسيره بالعفو أو العلي بعيد" (٢). ١٣ - المجيد: "المجيد من المجد، وهو الكرم؛ فهو بمعنى ماجد، أي: كريم" (٣). ١٤ - الوهاب: "أي: كثير التفضيل على عباده المؤمنين بما وهبه لهم بما لا يقابل بعمل لعجزه وإن جلَّ عن أن يقابله" (٤). ويرى ابن حجر أن أسماء الله الحسنى تفسر بمعانيها اللغوية المعلومة منها إلا "المستحيل معناها في حقه فالمراد بها غايتها" (٥). التقويم: الكلام في أسماء الله تعالى فرع عن الكلام في صفاته؛ إذ كل اسم متضمن لصفة دال عليها. ولهذا وقع الخطأ في تفسير أسماء الله تعالى كما وقع في تفسير صفاته؛ إذ كل من عرض لتفسير الأسماء فسرها بما يتوافق مع قوله في الصفات. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لذلك فقال: "الكلام في تفسير أسماء الله، وصفاته، وكلامه، فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين" (٦). وما ذكره ابن حجر من أسماء الله الحسنى وفسره منها: منه ما وافق فيه الحق والصواب كتفسيره الإله، والله، والبر،

стр. 284

والجواد، والحكيم، والحميد، والسلام، والصمد، والغفار، والقهار، والكريم، والمجيد، والوهاب؛ حيث فسرها بمعانيها اللغوية المعلومة من لغة العرب. ومنه ما خالف فيه الحق والصواب كتفسيره الرحمن، والرحيم؛ حيث فسرها بغايتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية المعلومة لها من لغة العرب. وقوله هذا مبني على قوله في صفات الله فما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي يثبتها أو لا يرى محظورًا في إثباتها فسرها بما يتوافق مع معانيها اللغوية، وما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي ينفيها ويرى أن معانيها مما يستحيل على الله فسرها بغاياتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية. وهو ما أشار إليه بقوله السابق- فيما نقلته عنه-: "وكذا سائر أسمائه تعالى المستحيل معناها في حقه المراد بها غايتها". وابن حجر في قوله هذا مجانب للصواب مخالف للحق من وجوه: ١ - أن تفسير أسماء الله بغاياتها دون معانيها تعطيل لها عن معانيها الثابتة لله تعالى واللائقة به سبحانه. ٢ - أن التفريق بين أسماء الله في تفسيرها تحكم، وهو تفريق بين المتماثلات؛ إذ الكل جاء إطلاقه على الله تعالى وهو سبحانه ورسوله ﷺ أعلم بما يليق به وبما يستحيل عليه. ٣ - أن قول ابن حجر بأن في أسماء الله تعالى ما يستحيل معناه على الله سبحانه قول باطل مبني على مذهبه في الصفات -وسيأتي بيانه والرد عليه مفصلًا- بما يغني عن تكراره. * * *

стр. 285

المبحث الثاني آراؤه في صفات الله تناول ابن حجر -غفر الله له- صفات الله إجمالًا وتفصيلًا، فأجمل مذهبه ورأيه فيها في مواضع حين تكلم عن نصوصها والواجب تجاهها، وفصَّل مذهبه ورأيه في مواضع أخرى حين عرض لآحاد الصفات وبين المراد بها. وفيما يلي عرض رأيه ومذهبه وفقًا لذلك. أولًا: آراؤه في الصفات إجمالًا: يذكر ابن حجر ﵀ مذاهب الناس في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: "الآيات والأحاديث التي فيها ذكر الوجه واليد، فهذه ونحوها فيها مذهبان: مذهب السلف ... وهو أن يُفَوَّض علم حقائقها إلى الله تعالى من التنزيه عما دلت عليه ظواهرها مما هو مستحيل على الله. ومذهب الخلف وهو أن يُخْرج تلك النصوص عن ظواهرها وتُحمل على محامل تليق بالله تعالى ... " (١). ويقرر ابن حجر أنه لا خلاف بين المذهبين في عدم إرادة ظواهر النصوص ووجوب المصير إلى التأويل، وإنما الخلاف بينهما في التأويل هل يكون إجمالًا أو تفصيلًا؟
следующие страницы →