← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بعضها الآخر بلفظ (اللهم) (١)، ولا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله (٢). ٢ - أن القول بذلك هو المأثور عن بعض السلف ﵃ وهو قول جمهور العلماء -كما تقدم-. ٣ - أن لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره، كاختصاص الله به حيث لم يطلق على غيره سبحانه، وكونه الأصل في أسمائه وسائر الأسماء مضافة إليه، وتكراره في القرآن الكريم أكثر من غيره، وغيرها (٣). رابعًا: شرحه لبعض أسماء الله الحسنى: عرض ابن حجر ﵀ لشرح بعض الأسماء الحسنى التي ورد ذكرها في الأحاديث التي شرحها أو المتون التي علق عليها، ولما كان شرحه مقتضبًا يناسب سبب ورودها من جهة، والغالب عليه في شرحه بيان المعنى اللغوي للاسم فقط من جهة أخرى؛ رأيت سياق كلامه عليها جملة، ثم التعقيب عليها إجمالًا. وفيما يلي بيان آرائه فيما ساقه من الأسماء الحسنى: ١ - الإله، الله: "الله علم على الذات الواجب الوجود لذاته المستحق لجميع الكمالات، وأصله الإله: وهو اسم جنس لكل معبود، ثم استعمل في المعبود بحق" (٤). ٢ - البر: "البر أي: المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان كبر في يمينه أي: صدق؛ لأن الصدق

стр. 282

إحسان في ذاته ويلزمه الإحسان للغير، وأبر الله حجه أي: قبله؛ لأن القبول إحسان وزيادة، وأبر فلان على أصحابه أي: أعلاهم؛ لأنه غالبًا ينشأ عن الإحسان لهم ... " (١). ٣ - الجواد: "الجواد بالتخفيف أي: كثير الجود أي: العطاء" (٢). ٤ - الحكيم: "الحكيم من أسمائه تعالى ... هو الفاعل لما لا اعتراض لأحد عليه، لوضعه الفعل في محله" (٣). ٥ - الحميد: "الحميد: فعيل بمعنى محمود وأبلغ منه، وهو من جمع أكمل صفات الحمد، وقيل: بمعنى حامد لأفعال عباده" (٤). ٦ - الرحمن: "هو صفة في الأصل بمعنى كثير الرحمة جدًّا، ثم غلب على البالغ في الرحمة والإنعام" (٥). ٧ - الرحيم: "أي: ذو الرحمة الكثيرة فالرحمن أبلغ منه ... وكلاهما مشتق من الرحمة وهي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه مجاز إما عن نفس الإنعام ... أو عن إرادته ... " (٦). ٨ - السلام: "أي: السالم من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية، أو المُسلِّم لعبيده من الآفات" (٧). ٩ - الصمد: "هو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج أي: يقصد، وقيل غير ذلك" (٨). ١٠ - الغفار: "الستار لذنوب من أراد من عباده فلا يفضحه بالهتك في الدنيا ولا بالعذاب في الآخرة" (٩).

стр. 283

١١ - القهار: "الغالب الذي لا يغلب والقوي الذي لا يضعف، مأخوذ من قهره غلبه وأقهرته وجدته مقهورًا، والقُهرة بالضم الاضطرار" (١). ١٢ - الكريم: "فسر بأنه الذي عم عطاؤه جميع خلقه بلا سبب منهم، وتفسيره بالعفو أو العلي بعيد" (٢). ١٣ - المجيد: "المجيد من المجد، وهو الكرم؛ فهو بمعنى ماجد، أي: كريم" (٣). ١٤ - الوهاب: "أي: كثير التفضيل على عباده المؤمنين بما وهبه لهم بما لا يقابل بعمل لعجزه وإن جلَّ عن أن يقابله" (٤). ويرى ابن حجر أن أسماء الله الحسنى تفسر بمعانيها اللغوية المعلومة منها إلا "المستحيل معناها في حقه فالمراد بها غايتها" (٥). التقويم: الكلام في أسماء الله تعالى فرع عن الكلام في صفاته؛ إذ كل اسم متضمن لصفة دال عليها. ولهذا وقع الخطأ في تفسير أسماء الله تعالى كما وقع في تفسير صفاته؛ إذ كل من عرض لتفسير الأسماء فسرها بما يتوافق مع قوله في الصفات. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لذلك فقال: "الكلام في تفسير أسماء الله، وصفاته، وكلامه، فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين" (٦). وما ذكره ابن حجر من أسماء الله الحسنى وفسره منها: منه ما وافق فيه الحق والصواب كتفسيره الإله، والله، والبر،

стр. 284

والجواد، والحكيم، والحميد، والسلام، والصمد، والغفار، والقهار، والكريم، والمجيد، والوهاب؛ حيث فسرها بمعانيها اللغوية المعلومة من لغة العرب. ومنه ما خالف فيه الحق والصواب كتفسيره الرحمن، والرحيم؛ حيث فسرها بغايتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية المعلومة لها من لغة العرب. وقوله هذا مبني على قوله في صفات الله فما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي يثبتها أو لا يرى محظورًا في إثباتها فسرها بما يتوافق مع معانيها اللغوية، وما كان من الأسماء دالًا على الصفات التي ينفيها ويرى أن معانيها مما يستحيل على الله فسرها بغاياتها ولوازمها لا بمعانيها اللغوية. وهو ما أشار إليه بقوله السابق- فيما نقلته عنه-: "وكذا سائر أسمائه تعالى المستحيل معناها في حقه المراد بها غايتها". وابن حجر في قوله هذا مجانب للصواب مخالف للحق من وجوه: ١ - أن تفسير أسماء الله بغاياتها دون معانيها تعطيل لها عن معانيها الثابتة لله تعالى واللائقة به سبحانه. ٢ - أن التفريق بين أسماء الله في تفسيرها تحكم، وهو تفريق بين المتماثلات؛ إذ الكل جاء إطلاقه على الله تعالى وهو سبحانه ورسوله ﷺ أعلم بما يليق به وبما يستحيل عليه. ٣ - أن قول ابن حجر بأن في أسماء الله تعالى ما يستحيل معناه على الله سبحانه قول باطل مبني على مذهبه في الصفات -وسيأتي بيانه والرد عليه مفصلًا- بما يغني عن تكراره. * * *

стр. 285

المبحث الثاني آراؤه في صفات الله تناول ابن حجر -غفر الله له- صفات الله إجمالًا وتفصيلًا، فأجمل مذهبه ورأيه فيها في مواضع حين تكلم عن نصوصها والواجب تجاهها، وفصَّل مذهبه ورأيه في مواضع أخرى حين عرض لآحاد الصفات وبين المراد بها. وفيما يلي عرض رأيه ومذهبه وفقًا لذلك. أولًا: آراؤه في الصفات إجمالًا: يذكر ابن حجر ﵀ مذاهب الناس في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: "الآيات والأحاديث التي فيها ذكر الوجه واليد، فهذه ونحوها فيها مذهبان: مذهب السلف ... وهو أن يُفَوَّض علم حقائقها إلى الله تعالى من التنزيه عما دلت عليه ظواهرها مما هو مستحيل على الله. ومذهب الخلف وهو أن يُخْرج تلك النصوص عن ظواهرها وتُحمل على محامل تليق بالله تعالى ... " (١). ويقرر ابن حجر أنه لا خلاف بين المذهبين في عدم إرادة ظواهر النصوص ووجوب المصير إلى التأويل، وإنما الخلاف بينهما في التأويل هل يكون إجمالًا أو تفصيلًا؟

стр. 286

يقول في ذلك: "وبما قررته عُلِمَ أنه لا خلاف بين الفريقين؛ لأنهم جميعًا متفقون على التأويل، وإنما اختار السلف عدم التفصيل، لأنهم لم يضطروا إليه لقلة أهل البدع والأهواء في زمانهم، والخلف التفصيل لكثرة أولئك في زمانهم والإجمال لا يغنيهم، فاضطروا إلى التفصيل" (١). ويرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن "مذهب السلف هو الأسلم ... ومذهب الخلف هو الأعلم الأحكم" (٢)! ! . ويوجز ابن حجر مذهبه في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: "والمختار إيثار التأويل إن قرب وسلم من التكلف، وإلا فالتفويض" (٣). التقويم: صفات الله تعالى من المباحث العقدية التي اضطربت فيها آراء الناس، وتعددت فيها أقوالهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان أقوال الناس في آيات الصفات وأحاديثها والقول الحق منها: "الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة. قسمان يقولان: تجري عليها ظواهرها. وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها. وقسمان يسكتون. أما الأولان: فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ... والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ... وهذا هو

стр. 287

المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه ... وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ... فهؤلاء قسمان: قسم يتأولونها ويعينون المعنى المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى ... وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا لا نعلم أنه لم يُرد إثبات صفة خارجة عما علمنا. وأما القسمان الواقفان: فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها الأليق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهذه الأقسام الستة التي لا يمكن للرجل أن يخرج عن قسم منها. والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق عرشه، وتُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك ... " (١). وما قرره ابن حجر -غفر الله له- من أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وجواز التفويض والتأويل فيها، وقوله بأن طريقة السلف التفويض وهي الأسلم وطريقة الخلف التأويل وهي الأعلم والأحكم باطل، والرد عليه في مقامات ثلائة: الأول: الرد عليه في قوله بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة: وذلك بأن يقال: القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو ظاهرها غير مراد يحتاج إلى تفصيل؛ إذ لفظ الظاهر مجمل مشترك:

стр. 288

فإن أريد به ما يظهر من هذه النصوص من المعاني اللائقة بالله تعالى فهو مراد قطعًا. وإن أريد به ما يظهر لبعض الناس من هذه النصوص حيث يفهم أن ظاهرها يقتضي تشبيه الله سبحانه بخلقه فهو ليس بمراد قطعًا (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الظاهر لفظ مشترك، فالظاهر الذي لا يليق إلا بالمخلوق غير مراد، وأما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد" (٢). وعليه فإطلاق القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد خطأ مجانب للصواب، والحق في ذلك التفصيل على وفق ما تقدم. والناس في ظاهر نصوص الصفات على قولين: الأول: أن ظاهر نصوص الصفات المعنى اللائق بالله ، وهو قول السلف قاطبة ﵏ (٣). والثاني: أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل بصفات المخلوقين، وهو قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من المتكلمين (٤). وذهب الأشاعرة والماتريدية إلى التفريق بين ظواهر نصوص الصفات فجعلوا ظاهر بعضها المعنى اللائق بالله وظاهر بعضها الآخر التمثيل (٥)، وقولهم في حقيقته لا يخرج عن قول الجهمية والمعتزلة. يقول شيخ الإسلام ﵀: "لفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن

стр. 289

الظاهر في الفطر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير من المستأخرين" (١). وبناء على ذلك ذهب السلف إلى أن ظاهر نصوص الصفات مراد، وذهب الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم إلى أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وفرق الأشاعرة والماتريدية بينها فجعلوا ظاهر بعضها مراد وظاهر بعضها الآخر غير مراد، وهو تفريق لا وجه له؛ إذ من يقول في بعض الصفات الظاهر مراد أو غير مراد يلزمه ذلك في سائرها لأن جنسها واحد (٢). ومما سبق يتضح أن القول بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة على وجه الإطلاق ونسبة ذلك إلى السلف والخلف قول باطل؛ للاشتراك في معنى الظاهر، وللاختلاف في تعيينه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد رأيت من ... يقول: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة أهل السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرين رأوا المصلحة في تأويلها، لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقول الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف" (٣). وعليه فالحق أن ظواهر نصوص الصفات تدل على المعنى اللائق بالله ، وأنها بهذا المعنى مرادة، وأن القول بذلك هو مذهب السلف وأئمتهم؛ لموافقته لأقوالهم في نصوص الصفات من جهة، ولما يلزم القائل بأن ظواهر نصوص الصفات التمثيل من اللوازم الباطلة من جهة أخرى (٤).

стр. 290

يقول الإمام الشافعي ﵀: "القرآن عربي، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها، وليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله تعالى، فإن لم تكن فسنة رسول الله ﷺ ... أو بإجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابًا ولا سنة، وهكذا السنة، ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يعتمد عددًا من المعاني غيره، ولكن الحق فيها واحد؛ لأنها على ظاهرها" (١). الثاني: الرد عليه في قوله بجواز التفويض والق ويل في نصوص الصفات: قول ابن حجر -غفر الله له- بجواز التأويل والتفويض في نصوص الصفات مبني على قوله بأن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأنها غير مرادة -وقد سبق أن قوله هذا قول باطل- وما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا. وابن حجر في قوله هذا ليس بدعًا في قومه من الأشاعرة بل هو تابع لهم سائر على منهجهم، فإنهم لما قالوا إن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأنها غير مرادة اتفقوا على صرفها عن ظاهرها، ثم اختلفوا في المعنى المصروف إليه فمن عينه منهم قال بالتأويل، ومن لم يعينه قال بالتفويض، وتوسط قوم فقالوا بالتأويل إن أمكن مع عدم التكلف وإلا فبالتفويض (٢). والتوسط هو ما ذهب إليه ابن حجر -كما سبق نقله عنه-.

стр. 291

وفيما يلي مناقشة التأويل والتفويض في صفات الله وبيان بطلانهما: أولًا: التأويل: التأويل لغة: مأخوذ من الأوْل، يقال: آل يؤول إذا رجع وعاد، وأوَّل الكلام إذا فسره. وهو يدل على معان كثيرة ترجع إلى معنيين رئيسين: أحدهما: العاقبة، والمرجع، والمصير. والثاني: التفسير، والتدبر، والبيان (١). وأما في الاصطلاخ: فالسلف يطلقون لفظ التأويل ويريدون به أحد المعنيين السابقين في اللغة العربية، وهما: العاقبة، والتفسير (٢). وأما المتأخرون فقد ابتدعوا للتأويل معنى لم يكن معروفًا عند السلف، وقالوا: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح (٣). والتأويل بهذا المعنى له ثلاث حالات: ١ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، فهذا تأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ٢ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده الصارف دليلًا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل، فهذا تأويل فاسد. ٣ - أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لا لدليل، فهذا لا يسمى

стр. 292

تأويلًا في الاصطلاح بل هو تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ (١). والقول بالتأويل في نصوص الصفات -بمعنى: صرف اللفظ عن ظاهره من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح- باطل؛ إذ هو لا يخرج عن كونه تأويلًا فاسدًا أو لعبًا ظاهرًا، وبيان ذلك من وجوه: ١ - أن التأويل بهذا المعنى اصطلاح حادث متأخر بعد عصر السلف، فلم يكن يعرف عند الصحابة والتابعين التأويل بهذا الاصطلاح (٢). ٢ - أن التأويل بهذا المعنى مبني على أساس فاسد، وهو أن ظاهر النصوص باطل لا يليق بالله، وهذا جناية على النصوص حيث جعلوها دالَّة على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (٣). ٣ - أن المتأوِّلين للصفات قد عجزوا عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ، فكل ما يدعون أنه لا يسوغ فيه التأويل هو من جنس ما أوَّلوه، وكذا العكس، بل ربما زعم أحدهم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله (٤). ٤ - أن المتأوّلين يلزمهم في تأويلاتهم التي أثبتوها نظير ما فروا منه في الألفاظ التي أوَّلوها (٥). ٥ - أن المتأوِّلين ليسوا جازمين بالمعنى الذي عينوه، وصرفوا اللفظ إليه، فيكون تأويلهم من القول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] (٦).

стр. 293

٦ - أنه يلزم من التأويل محاذير عظيمة، منها: أ- أن لا يكون الكتاب والسنة هدى للناس ولا بيانًا ولا شفاء لِمَا في الصدور ولا نورًا، ولا مردًا عند التنازع، بل كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين (١). ب- أن يكون الله تعالى قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك؛ ومعلوم أن هذا فيه عذاب عظيم للعقول، وفساد كبير في القلوب (٢). جـ- أن من زعم أن نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأن المراد بها غير ظاهرها يلزمه أحد ثلاثة محاذير لا بد منها أو من بعضها، وهي: القدح في علم المتكلم بها، أو في بيانه، أو في نصحه، وكلها موجبة للكفر مخرجة من الملة (٣). د- أن من أول ظواهر نصوص الصفات وزعم أن الحق في تأويله يلزمه استجهال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أو الطعن فيهم بكتمان الحق، وكلاهما يجمع بين الظلم والضلال (٤). هـ- أن القائلين بالتأويل في نصوص الصفات يلزمهم فتح باب التأويل في غيرها كنصوص المعاد والجنة والنار، وقبول تأويل من أوّلها؛ إذ الموجب لتأويلها وصرفها عن ظاهرها واحد، وهو الزعم بإحالة العقل لظاهرها، وحينئذٍ يفتح الباب على مصراعيه لكل مدع أن يدعي فيما شاء من نصوص الكتاب والسنة إحالة العقل لظاهرها ووجوب تأويلها (٥). وبما سبق يتضح بطلان التأويل في نصوص الصفات، وأن الحق فيها

стр. 294

هو ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من إجرائها على ظواهرها اللائقة بالله تعالى، وترك التأويل فيها، وممن حكى إجماعهم على ذلك: محمد بن الحسن (١) (٢) -صاحب أبي حنيفة- والحافظ ابن خزيمة (٣) (٤)، والحافظ ابن عبد البر (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦) (٧)، والإمام ابن قدامة (٨)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٩)، وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها (أي: تفسيرها) وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأوّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأوّلين ما لا يحصيه إلا الله ... " (١٠).

стр. 295

ثانيًا: التفويض: التفويض في اللغة: مأخوذ من قولهم: فوض إليه الأمر، إذا رده وصيّره إليه، وجعله الحاكم فيه (١). وأما في الاصطلاح: فالتفويض هو رد العلم بنصوص الصفات إلى الله تعالى (٢). وهو قسمان: الأول: تفويض الكيفية، والمراد به الإيمان بألفاظ نصوص الصفات، واعتقاد ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، وتفويض كيفية اتصاف الله بها إليه سبحانه، وهو مذهب السلف ﵏. والثاني: تفويض المعنى، والمراد به الإيمان بألفاظ نصوص الصفات ورد ما دلت عليه من المعاني إلى الله تعالى، وهو مذهب الخلف (٣)، وهو المراد بقول ابن حجر. والتفويض في نصوص الصفات بهذا المعنى -أعني: تفويض المعنى- باطل؛ لوجوه منها: ١ - أن التفويض بهذا المعنى حادث متأخر بعد عصر السلف، فلم يكن يعرف عند الصحابة والتابعين التفويض بهذا المعنى في جميع نصوص الصفات. ٢ - أن التفويض بهذا المعنى مبني على أساس فاسد، وهو أن ظاهر النصوص باطل لا يليق بالله، وهذا جناية على النصوص حيث جعلوها

стр. 296

دالّة على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (١). ٣ - أن نصوص الصفات قد تواترت بأساليب متعددة ودلالات متعاضدة تؤكد أن ظاهرها هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى -والذي احتشدت النصوص لتأكيده- هو غاية في الاستبلاه، وتعطيل للنصوص عن معانيها (٢). ٤ - أن أئمة السلف ﵏ قد فسروا كثيرًا من آيات الصفات، ونقل تفاسيرهم لها غير واحد، مما يدل أنهم فهموا معانيها (٣). ٥ - أن النبي ﷺ كان يحضر مجلسه أقوام مختلفو الأفهام متفاوتو الإدراك ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان يحذر من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفات الله تعالى أو غير ذلك من المسائل في العقائد والأحكام، مما يبين أنها على ظاهرها، وأنها مفهومة عندهم (٤). ٦ - أنه يلزم من التفويض لوازم باطلة، منها: أ- القدح في الرب سبحانه، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ ؛ وذلك بأن يكون الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يُتَدبر، وبعقل ما لا يُعقَل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم، سببًا لأنواع الاختلافات والضلالات، وأن يكون النبي ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم (٥). ب- استجهال السلف من الصحابة وخيار التابعين وأتباعهم وجعلهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني (٦). جـ- استطالة نفاة المعاد -وغيرهم من الملاحدة- على المفوضة فيقول الواحد منهم: الحق في نفس الأمر ما علمته برأي وعقلي، وليس في

стр. 297

النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة ومتشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه لا يجوز الاستدلال به، فيبقى هذا المذهب -أعني: مذهب التفويض- سدًّا لباب الهدى والبيان، وفتحًا لباب التأويل والضلال (١). وبهذا يتضح أن كلًّا من التأويل والتفويض في نصوص الصفات مجانب للحق، مخالف لمذهب السلف الموافق للكتاب والسنة والعقل الصريح. الثالث: الرد عليه في زعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم: لَمّا كانت طريقة الخلف تخالف طريقة السلف في نصوص الصفات وكان من المتقرر بداهة أن السلف أفضل في الدين، وأصوب في العلم؛ درج المتكلمون على تبرير هذا الاختلاف بكون السلف ﵏ آثروا السلامة واختاروا الورع والاحتياط على الخوض في التأويل الذي هو الأعلم والأحكم -بزعمهم- ومن ثم تتابعوا على ترديد هذه المقالة: (مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم) (٢)، وكان من أولئك ابن حجر -كما سبق نقله عنه قريبًا-. وهذه المقالة تجمع بين الجهل بطريقة السلف والضلال بتصويب طريقة الخلف، وهي باطلة من وجوه: ١ - أن هذه المقالة مبنية على ظن فاسد وخطأ ظاهر وهو اعتقاد أن مذهب السلف ﵏ هو تفويض معاني نصوص الصفات وهذا باطل؛ إذ مذهب السلف إثبات نصوص الصفات واعتقاد ما دلت عليه من المعاني وتفويض كيفياتها لا معانيها، وفرق بين الأمرين (٣).

стр. 298

٢ - أن هذه المقالة تخالف ما ثبت في النصوص من تفضيل السلف على الخلف، وجعل الخيرية لسلف هذه الأمة كقوله ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... " (١). ولا شك أن وصف الرسول ﷺ القرون الثلاثة الأولى بأنها خير القرون يقتضي الخيرية المطلقة في كل شيء، ولا يمكن مع هذه الخيرية المطلقة أن يكون من أتى بعدهم أعلم منهم وأحكم (٢). ٣ - أن هذه المقالة تخالف ما ثبت في العقل من التلازم بين السلامة والحكمة والعلم فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم؛ إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب (٣). وبهذا يتبين أن طريقة السلف هي الأسلم والأعلم والأحكم، و"ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا" (٤). ثانيًا: آراؤه في الصفات تفصيلًا: * آراؤه في الصفات الذاتية: ١ - صفة العلو: يرى ابن حجر -غفر الله له- أن الله تعالى منزه عن علو الذات

стр. 299

"لتعاليه عن الجهة والمكان" (١)، ولأنه "تعالى خالق الجهات والأمكنة ومحدثها بعد أن لم تكن فهي لحدوثها مستحيلة على الله تعالى" (٢). ويرى أن الله تعالى "كان في القدم ولا جهة ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان" (٣). ويتأول ابن حجر -عفا الله عنه- الآيات والأحاديث الدالة على كون الله تعالى في العلو وأنه سبحانه في السماء بعلو القدر والقهر، فيقول: "من في السماء: أي عزه وسلطانه وخزائن رحمته، وهكذا مجمل سائر الأحاديث والآيات الموهم ظاهرها مكانًا أو جهة، تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (٤). وأعجب من ذلك حكايته الخلاف في كفر من قال: الله في السماء، حيث يقول: "لوقال: الله في السماء فقيل: يكفر، وقيل: لا، والقائلون بالجهة لا يكفرون على الصحيح، نعم إن اعتقدوا لازم قولهم من الحدوث أو غيره كفروا إجماعًا" (٥)! ! . ويختم ابن حجر كلامه في علو الله تعالى بالحط من شأن الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- لقولهما بالعلو، وتبرئة الإمام أحمد من معتقدهما فيه بزعمه حيث يقول: "هذا من قبيح رأيهما وضلالهما؛ إذ هو مبني على ما ذهبا إليه، وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية له، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، ولهما في هذا المقام من القبائح، وسوء الاعتقاد، ما تصم عنه الآذان، فيقضى عليه بالزور، والكذب، والضلال، والبهتان قبحهما الله، وقبح من قال بقولهما، والإمام

стр. 300

أحمد وأجلاء مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف وهو كفر عند كثيرين" (١). التقويم: مادة "العين، واللام، والحرف المعتل، ياءً كان أو واوًا أو ألفًا ... تدل على السمو والارتفاع" (٢). والعلو يطلق في اللغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (٣). وقد أجمع أهل القبلة على إثبات علو القهر وعلو القدر لله تعالى، واختلفوا في علو الذات (٤). والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات علو الذات لله تعالى (٥)، وهو قول عامة الصفاتية الأوائل، والكرامية، ومتقدمي الشيعة الإمامية (٦). والقول بذلك هو مقتضى دلالة السمع، والفطرة، والعقل. فأما دلالة السمع: فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة تواترًا لفظيًا ومعنويًا على إثبات العلو الذاتي لله تعالى، حتى ذكر بعض أهل العلم أن أدلة ذلك تزيد على ألف دليل (٧).

стр. 301

وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنواع الأدلة النقلية الدالة على علو الله فعد منها عشرين نوعًا، ذكر منها: التصريح بالاستواء، والفوقية بمن وبدونها، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والعلو المطلق، وتنزيل الكتاب منه، واختصاص بعض المخلوقات بكونها عنده، وأنه في السماء، ورفع الأيدي إليه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والإشارة إليه حسًا (١). ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء ... وأنه فوق السماء ... ثم عن السلف في ذلك من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين وألوفًا، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا" (٢). وأما دلالة الفطرة: فإن بني آدم كلهم مفطرون على الإقرار بعلو الله الذاتي، لا يستطيع أحد منهم أن ينفك عن ذلك، فإن الخلق كلهم باختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم -عدا من اجتالته الشياطين منهم- إذا نابهم شيء اتجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى جهة العلو اضطرارًا وليس اختيارًا بحيث لا يستطيع أحد دفع ذلك (٣). وأما دلالة العقل: فإن من المعلوم ببداهة العقول أن الله تعالى كان ولا شيء معه، ثم خلق الخلق، فلما خلقهم فلا يخلو أن يكون خلقهم في

стр. 302

نفسه، أو خلقهم خارج نفسه، والأول باطل قطعًا بالاتفاق؛ لأن الله تعالى منزه عن النقائص وأن يكون محلًا للقاذورات -تعالى الله عن ذلك- فلزم أن يكون بائنًا من خلقه، وأن يكونوا هم بائنين عنه. وإذا لزمت المباينة فلا يخلو إما أن يكون فوقهم، أو تحتهم، أو عن يمينهم، أو عن شمالهم، والفوقية هي أشرف الجهات، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فوجب اختصاصه بذلك (١). وعليه فما قرره ابن حجر من نفي علو الله الذاتي مخالف لدلالة السمع، والفطرة، والعقل. وقول ابن حجر بذلك مما تابع فيه متأخري الأشاعرة (٢) الذين قالوا بقولهم هذا حتى يسلم لهم دليل إثبات حدوث العالم الذي استدلوا به على وجود الله، حيث صاغوه بعقولهم، وعارضوا به دلائل الفطرة، ثم التزموا عليه لوازم كثيرة خالفوا بها الكتاب والسنة - وقد سبق بيانه والرد عليه بما يغني عن إعادته هنا (٣). حيث زعموا أن إثبات العلو الذاتي لله تعالى يلزم منه أن يكون الله في جهة، ولو كان في جهة لافتقر إلى محل، وللزم أن يكون المحل قديمًا لأنه تعالى قديم، أو يكون سبحانه حادثًا لأن المحل حادث. وكلاهما ممتنع (٤).

стр. 303

وهذا ما عبر عنه ابن حجر بقوله السابق: "إن الله خالق الجهات والأمكنة ومحدثها بعد أن لم تكن فهي لحدوثها مستحيلة على الله تعالى". والجواب عن ذلك من وجوه: ١ - أن هذا الاعتراض ناتج عن قولهم: إن إثبات الصفات -ومنها العلو- يقتضي التجسيم، وهذا باطل، وقد سبق الجواب عنه (١). ٢ - "أن الجهة ... من الأمور التي فيها إضافة ونسبة، فإنه يقال: هذه جهة هذا ... والجهة أصلها الوجهة التي يتوجه إليها الشيء كما يقال: عِدَة ووعد، وزِنَة ووزن ... وإذا كان كذلك فالجهة تضاف تارة إلى المتوجِّه إليها، كما يقال في الإنسان له ست جهات لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال إنها جهاته، والمصلي يصلي إلى جهة من الجهات لأنه يتوجه إليها. وهنا تكون الجهة ما يتوجه إليه المضاف. وتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة: هذه جهة الكعبة ... وإذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة ... في الموجودات المخلوقة، فإنه إذا قيل: إن الخالق سبحانه في جهة، فإما أن يراد في جهة له، أو في جهة لخلقه. فإن قيل: في جهة له، فأما أن تكون جهة يتوجه منها، أو جهة يتوجه إليها. وعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه، فهو جهة نفسه لا يتوجه منها إلى شيء موجود خارج العالم، ولا يتوجه إليها من شيء موجود خارج العالم، وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه إليه. ومن قال: إن العالم هناك في جهة بهذا الاعتبار فقد صدق. ومن قال: إنه جهة نفسه بهذا الاعتبار فقد قال معنى صحيحًا.

стр. 304

ومن قال: إنه فوق المخلوقات كلها في جهة موجودة يتوجه إليها، أو يتوجه منها خارجة عن نفسه فقد كذب ... وعلى كل تقدير فمن قال: إنه فوق العالم لم يقل إنه ... في جهة موجودة خارجة عن نفسه" (١). ٣ - أن لفظ الجهة إما أن يراد بها جهة مخلوقة أو جهة عدمية. فإن أريد بها جهة مخلوقة فلا شك في بطلان ذلك، فإن الله ليس في جهة بهذا المعنى؛ لأن الله تعالى ليس في مخلوق ولا المخلوق في الله تعالى، بل الله تعالى بائن عن المخلوقات كلها. وإن أريد بها جهة عدمية غير مخلوقة، وهي أن الله تعالى فوق هذا العالم ووراء هذا الكون فهذا المعنى صحيح؛ لأن وراء هذا الكون ليس جهة مخلوقة حتى تكون ظرفًا لله تعالى ولا يكون مظروفًا فيها. والقول بالجهة بهذا المعنى -أي: المعنى العدمي- هي مراد من أطلق الجهة على الله من السلف. وإذا تقرر كون المراد بالجهة أمرًا عدميًا لا وجوديًا لم يصح أن يقال: إن إثبات ذلك يستلزم أن يكون الله تعالى محتاجًا إليها (٢). ٤ - أن لفظ الجهة فيه إجمال وهو لفظ اصطلاحي يُراد به معان متنوعة، ولم يرد في الكتاب والسنة لابنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيه نفي ولا إثبات أصلًا، فالمعارضه به ليست معارضة بدلالة شرعية، فاللفظ الذي ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه. وأما الذي لم يرد به دليل شرعي فلا ينفى ولا يثبت حتى يستفسر من المتكلم بذلك، فإن أثبت حقًّا أثبتناه، وإن أثبت باطلًا رددناه، وإن نفى

стр. 305

باطلًا نفيناه، وإن نفى حقًّا لم ننفه (١). وأما تأويل ابن حجر -غفر الله له- الآيات والأحاديث الدالة على كون الله تعالى في العلو بعلو القهر والقدر دون علو الذات فمتعقب بما يلي: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق (٢). ٢ - أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون ظاهر النصوص يقتضي التمثيل والتجسيم، وهو باطل كما سبق (٣). ٣ - أن علو قدر الله وعلو قهره على عباده متقرر في النفوس مركوز في الفطر بما يغني عن تقريره بأنواع الأدلة. ٤ - أن تأويل نصوص العلو بعلو القدر والقهر لو صرح به في حق الله كان قبيحًا؛ فإن ذلك إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر، وأما إذا لم يتقاربا بوجه فلا يصح فيهما ذلك. ٥ - أن الآيات والأحاديث تواترت كلها على التصريح بعلو الله المطلق الذي يتضمن علو ذاته وقدره وقهره، ولم يرد فيها على كثرتها ما يفيد تقييد ذلك بعلو القهر والقدر ومنع دخول علو الذات فيها، فتقييدها بذلك وتأويلها به دون غيره تحكم لا دليل عليه. ٦ - أن العلو صفة كمال وضده السفل صفة نقص، ولو كان الله غير متصف بالعلو الذاتي الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالسفل الذاتي وهو صفة نقص؛ إذ القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد العلو السفل وهو مذموم بإطلاق (٤). وأما حكاية ابن حجر الخلاف في كفر من قال الله في السماء فهي من أعجب آرائه وأبطلها، وبيان ذلك من وجهين:

стр. 306

١ - أن القول بأن الله في السماء هو نص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله ﷺ : "أنا أمين من في السماء ... " (١)، فكيف يكون القول بما هو نص الوحيين كفرًا. ٢ - أن القول بذلك منقوض بما ورد عن بعض أئمة السلف من تكفير من أنكر كون الله في السماء أو شك في ذلك، ومنهم الإمام أبو حنيفة ﵀ فقد سُئل عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سماواته، فقيل له: إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر" (٢). وأما تشنيع ابن حجر على الإمامين شيخ الاسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم في قولهما بالعلو الذاتي لله تعالى، وزعمه أن القول بذلك مما ينزه عنه الإمام أحمد وأجلاء مذهبه فمتعقب بما يلي: ١ - أن القول بالعلو الذاتي لله تعالى هو مقتضى دلالة السمع، والإجماع، والفطرة، والعقل، فكيف يشنع على من قال بموجب هذه الأدلة. ٢ - أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لم يكونا بدعًا في أهل السنة والجماعة في قولهما بإثبات العلو الذاتي لله تعالى؛ إذ القول بذلك هو قول عامة أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أسلاف ابن حجر -أعني متقدمي الصفاتية كالأشعري وأصحابه- كما تقدم.

стр. 307

٣ - أن زعم ابن حجر براءة الإمام أحمد ﵀ وأجلاء مذهبه من قول الإمامين الجليلين في إثبات العلو الذاتي لله تعالى منقوض بما نقله عنه خاصة أصحابه المؤلفين في مسائله (١)، وبما كتبه بنفسه في رده على الجهمية حيث قال: "وقد أخبرنا أنه في السماء فقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ... وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] ... فهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ... " (٢). والمحاكمة بين شيخي الإسلام وابن حجر -عفا الله عنه- طويلة الذيل، متشعبة المسالك، وقد أفردها غير واحد بالتأليف، وليس هذا الموضع محل تفصيلها (٣). ٢ - صفة اليمين لله تعالى: يرى ابن حجر استحالة معنى اليمين على الله، وأن المراد بها في النصوص الكناية عن مزيد الرضا والقبول والمحبة. يقول في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها ... " (٤). "اليمين هنا: كناية عن مزيد الرضا والقبول، وإعظام الجزاء؛

стр. 308

لاستحالة معناها على الله، تعالى عما يقول الظالمودن والجاحدودن علوًا كبيرًا" (١). وقال أيضًا: "اليمين: كناية عن مزيد المحبة والرضا (٢) المستلزمين بزيادة ثوابها وعظم نفعها" (٣). التقويم: وصف يد الله باليمين ثابت بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ... " (٤). وقوله ﷺ : " ... ويطوي السماء بيمينه ... " (٥). واليمين صفة ذاتية لله تعالى، وهي على ما يليق به سبحانه شأنها شأن بقية الصفات الإلهية (٦). وأما تأويل ابن حجر لها بمزيد الرضا والقبول والمحبة فهو تأويل باطل من وجوه، منها: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (٧).

стр. 309

٢ - أن صرف لفظ اليمين عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق- (١). ٣ - أن النصوص الواردة في صفة اليمين كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذلم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها (٢). ٤ - أن النصوص ورد بعضها بإثبات اليمين لله تعالى وورد في بعضها إثبات الشمال له سبحانه (٣)، وتواترت النصوص بإثبات اليدين له، وهذا كله مما ينافي هذا التأويل. ٥ - أن تأويل ابن حجر اليمين بالرضا أو القبول أو المحبة يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأوّل اليمين لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الرضا والقبول والمحبة فإنها مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتها لا يقتضي التمثيل فكذلك اليمين، وإن كان إثباتها يقتضي ذلك لزم المحظور (٤). ٣ - صفة الأصابع: يرى ابن حجر أن المراد بالأصبعين في قوله ﷺ : "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه" (٥)

стр. 310

هما "إرادته إما خيرًا وإما شرًّا" (١). يقول في توضيح ذلك: "بيانه أن القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشر ... ومحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية، بل لا بد في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان ... وإن كان داعية الإيمان فهو التوفيق ... والمراد بالأصبعين في الحديث ... الداعيتان المذكورتان، فتأمل ذلك" (٢). التقويم: الأصابع من صفات الله الذاتية الخبرية الثابتة في السنة النبوية، ومن أدلتها: ١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ... " (٣). ٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن حبرًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧] " (٤).

стр. 311

وقد ساق الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد الأحاديث الدالة على صفة الأصابع لله تعالى، وبَوَّب عليها بقوله: "باب إثبات الأصابع لله " (١)، كما ساقها الإمام الآجري في الشريعة، وبَوَّب عليها بقوله: "باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين أصبعين من أصابع الرب بلا كيف" (٢)، وقوله: "باب الإيمان بأن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق كلها على إصبع، والماء والثرى على إصبع" (٣). وسئل سفيان بن عيينة (٤) ﵀ عن هذا الحديث -الذي فيه ذكر الأصابع- في عِدَّة من أحاديث الصفات، فقال: "هي كما جاءت، نُقِرُّ بها، ونُحدثُ بلا كيف" (٥). يقول الإمام البغوي (٦) ﵀: "والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى كالنفس، والوجه، والعين ... فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، مُعْرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله :

стр. 312

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (١). وعليه فالأصابع صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته، والقول: بذلك هو مذهب عامة أهل السنة والجماعة (٢)، وأما صرفها عن ظاهرها المراد، وابتغاء تأويلها، وحملها على أنواع المجازات، فهو مذهب المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية على اختلاف بينهم في تأويلها (٣). وما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من تأويل صفة الأصابع لله تعالى بإرادة المخلوق للخير والشر أحد هذه الأوجه، وهو باطل من وجوه، منها: ١ - أن تفسير الأصابع بإرادة المخلوق تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (٤). ٢ - أن صرف لفظ الأصابع عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق- (٥). ٣ - أن الأحاديث الواردة في صفة الأصابع لله تعالى تنافي هذا التأويل من طريقين: أ- أن الأحاديث الواردة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذ لم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها. ب- أن الأحاديث الواردة في ذلك منها ما لا يمكن حمله على إرادة المخلوق للخير والشر كحديث ابن مسعود ﵁ السابق (٦).

стр. 313

٤ - صفة النور: يرى ابن حجر أن "النور بكل معانيه مستحيل على الله" (١)، وأن قول الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] مؤول بـ"منوِّرهما أي: خالق نورهما، أو هادي أهلهما، أو مدبر أمرهما، أو منوّرهما بالنجوم كما أنه منوِّر القلوب بالدلائل" (٢). التقويم: النور صفة ذاتية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. وقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. وقوله جل وعلا: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ... " (٣). وقوله ﷺ : "إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأ ضل ... " (٤).

стр. 314

وقوله ﷺ : "حجابه النور ... " (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور، فهذه ثلاثة أنوار في النص" (٢). والنور المضاف إليه سبحانه على وجهين: الأول: إضافة الصفة إلى موصوفها. والثاني: إضافة المفعول إلى فاعله. وكلاهما ثابت في حقه سبحانه (٣). وبناء على ما سبق فإن النور صفة ثابتة في حق الله تعالى وهي على ما يليق بجلاله سبحانه شأنها شأن بقية صفاته (٤). وأما زعم ابن حجر أن النور بكل معانيه مستحيل على الله، فهو زعم باطل من وجوه، منها: ١ - أن قوله هذا مبني على ظن فاسد وهو أن النور المراد هو النور الواقع على الجدران المرئي في الشاهد، وليس الأمر كذلك، فإن هذا النور مخلوق منفصل عنه سبحانه وهو مختص بمحل دون آخر بخلاف نوره سبحانه (٥). ٢ - أن النور جاء في أسمائه وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبته الأئمة في أسمائه سبحانه، ومحال أن يسمي الله نفسه نورًا وليس له

стр. 315

نور ولا صفة النور ثابتة له (١). ٣ - أن النور صفة كمال وضده صفة نقص؛ ولهذا سمى الله نفسه نورًا وسمى كتابه نورًا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ولو كان الله غير متصف بالنور الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالظلمة التي هي صفة نقص فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب (٢). ٤ - أن إثبات النور لله تعالى هو قول الصفاتية كابن كلاب (٣) والأشعري وأئمة أصحابهما، والقول بإنكاره إنما هو قول الجهمية والمعتزلة، فقول ابن حجر: إن النور بكل معانيه مستحيل على الله مخالف لقول أئمته الأوائل من الأشاعرة، وإن كان متأخروهم على نفيه! ! (٤). أما ما ذكره ابن حجر في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] من تفسير النور فيها بالهادي أو المنوّر أو المدبر فهي أقوال مأثورة عن السلف في تفسير الآية (٥)، وهي لا تنافي كون الله نورًا في نفسه. يقول العلامة ابن القيم ﵀: "القرآن والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه نور السماوات والأرض. ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها

стр. 316

ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها، أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله. فكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر ... أنه بمعنى منوّر ... لا ينافي كونه في نفسه نورًا، وأن يكون النور من أسمائه وصفاته، بل يؤكد ذلك؛ فإن الموجودات النورانية نوعان: منها ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والنار، وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه" (١). ٥ - صفة الصورة لله تعالى: يرى ابن حجر أن الله "لا صورة له ترى ، وتنزه جل وعلا" (٢)، وأن قول النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" (٣) وارد على سبب هو أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب عبده على وجهه فقال له ﷺ ذلك، أي لا تضربه على وجهه فإن الله خلق وجه آدم على صورة هذا الوجه وآدم أبوك، فكيف تضرب وجهًا يُشْبِه وجه أبيك؟ فالضمير لغير مذكور دلَّ عليه قرينة الحال الخارجة وهو جائز، ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق وحينئذ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي: أن الله خلق آدم على أوصافه من العلم والقدرة وغيرهما ... والحاصل: أن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أحكم وأعلم، خلافًا لفرقة ضلُّوا عن الحق وارتكبوا عظائم من الجهة والتجسيم اللذين هما كفر عند كثير من

стр. 317

العلماء أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه" (١). التقويم: صفة الصورة من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها: قوله ﷺ في حديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: "فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ... " (٢). وقوله ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة" (٣). قال الإمام الآجري ﵀ بعد ذكره لهذه الأحاديث: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين" (٤). وقال الإمام ابن قتيبة ﵀: "الذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك

стр. 318

لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (١). وقول ابن حجر -غفر الله له- بأن الله لا صورة له تُرى باطل من وجوه: ١ - أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بإثبات الصورة لله ، ووردت بألفاظ مختلفة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها. ٢ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي وجوده؛ إذ "الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ (ص، و، ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج ... فيمتنع أن يكون قائمًا بنفسه ليس له صورة يكون عليها؛ لأنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به" (٢). ٣ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي رؤيته في الآخرة؛ إذ لا تُعقل رؤية إلا لما له صورة في الخارج تُرى، وابن حجر يثبت رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة -وإن كان إثباته لها على وفق معتقد الأشاعرة كما سيأتي- (٣) فقوله بنفي الصورة عن الله وإثباته لرؤيته سبحانه في الآخرة تناقض منه. وأما قول النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته" فالذي عليه جمهور السلف ﵏ أن الضمير فيه راجع إلى الله تعالى، وخالف في ذلك بعض العلماء من أهل السنة والجماعة فنفوا رجوعه إلى الله واختلفوا في مرجعه (٤).

стр. 319

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، ولكن لَمّا انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور (١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (٢)، وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (٣). ومما يؤيد القول بان الضمير عائد إلى الله تعالى ما يلي: ١ - أن الحديث ورد بعدة ألفاظ تدل على هذا القول وتؤيده، منها: أ- رواية: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... " (٤). ب- رواية: "خلق الله آدم على صورة الرحمن" (٥).

стр. 320

جـ- رواية: "من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" (١). ٢ - أن القول بذلك هو الذي عليه جمهور السلف وأئمتهم ﵏ كأحمد وإسحاق (٢) وغيرهما، بل ورد عنهم الإنكار على من قال بخلافه وعده من الجهمية (٣). ٣ - أن كل التأويلات التي ذكرها النفاة وتأولوا بها هذا الحديث لا تصح؛ فإنها "تارة يكون المعنى المحمول عليه النص فيها باطلًا، وتارة يكون غير دال عليه، وتارة يكون النص دالًا على نقيض ما يقوله المؤؤل، ومضادًا له، وتارة يجمع من ذلك ما يجمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد" (٤). وما ذكره ابن حجر من رجوع الضمير إلى المضروب أو إلى الصفة من جملة تلك التأويلات الباطلة، وبيان ذلك كما يلي: أما تأويل الحديث بان الله خلق آدم على صورة المضروب، وإرجاع الضمير إليه فباطل من وجوه، منها:
следующие страницы →