← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها، أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله. فكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر ... أنه بمعنى منوّر ... لا ينافي كونه في نفسه نورًا، وأن يكون النور من أسمائه وصفاته، بل يؤكد ذلك؛ فإن الموجودات النورانية نوعان: منها ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والنار، وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه" (١). ٥ - صفة الصورة لله تعالى: يرى ابن حجر أن الله "لا صورة له ترى ، وتنزه جل وعلا" (٢)، وأن قول النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" (٣) وارد على سبب هو أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب عبده على وجهه فقال له ﷺ ذلك، أي لا تضربه على وجهه فإن الله خلق وجه آدم على صورة هذا الوجه وآدم أبوك، فكيف تضرب وجهًا يُشْبِه وجه أبيك؟ فالضمير لغير مذكور دلَّ عليه قرينة الحال الخارجة وهو جائز، ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق وحينئذ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي: أن الله خلق آدم على أوصافه من العلم والقدرة وغيرهما ... والحاصل: أن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أحكم وأعلم، خلافًا لفرقة ضلُّوا عن الحق وارتكبوا عظائم من الجهة والتجسيم اللذين هما كفر عند كثير من

стр. 317

العلماء أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه" (١). التقويم: صفة الصورة من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها: قوله ﷺ في حديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: "فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ... " (٢). وقوله ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة" (٣). قال الإمام الآجري ﵀ بعد ذكره لهذه الأحاديث: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين" (٤). وقال الإمام ابن قتيبة ﵀: "الذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك

стр. 318

لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (١). وقول ابن حجر -غفر الله له- بأن الله لا صورة له تُرى باطل من وجوه: ١ - أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بإثبات الصورة لله ، ووردت بألفاظ مختلفة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها. ٢ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي وجوده؛ إذ "الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ (ص، و، ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج ... فيمتنع أن يكون قائمًا بنفسه ليس له صورة يكون عليها؛ لأنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به" (٢). ٣ - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي رؤيته في الآخرة؛ إذ لا تُعقل رؤية إلا لما له صورة في الخارج تُرى، وابن حجر يثبت رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة -وإن كان إثباته لها على وفق معتقد الأشاعرة كما سيأتي- (٣) فقوله بنفي الصورة عن الله وإثباته لرؤيته سبحانه في الآخرة تناقض منه. وأما قول النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته" فالذي عليه جمهور السلف ﵏ أن الضمير فيه راجع إلى الله تعالى، وخالف في ذلك بعض العلماء من أهل السنة والجماعة فنفوا رجوعه إلى الله واختلفوا في مرجعه (٤).

стр. 319

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، ولكن لَمّا انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور (١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (٢)، وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (٣). ومما يؤيد القول بان الضمير عائد إلى الله تعالى ما يلي: ١ - أن الحديث ورد بعدة ألفاظ تدل على هذا القول وتؤيده، منها: أ- رواية: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... " (٤). ب- رواية: "خلق الله آدم على صورة الرحمن" (٥).

стр. 320

جـ- رواية: "من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" (١). ٢ - أن القول بذلك هو الذي عليه جمهور السلف وأئمتهم ﵏ كأحمد وإسحاق (٢) وغيرهما، بل ورد عنهم الإنكار على من قال بخلافه وعده من الجهمية (٣). ٣ - أن كل التأويلات التي ذكرها النفاة وتأولوا بها هذا الحديث لا تصح؛ فإنها "تارة يكون المعنى المحمول عليه النص فيها باطلًا، وتارة يكون غير دال عليه، وتارة يكون النص دالًا على نقيض ما يقوله المؤؤل، ومضادًا له، وتارة يجمع من ذلك ما يجمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد" (٤). وما ذكره ابن حجر من رجوع الضمير إلى المضروب أو إلى الصفة من جملة تلك التأويلات الباطلة، وبيان ذلك كما يلي: أما تأويل الحديث بان الله خلق آدم على صورة المضروب، وإرجاع الضمير إليه فباطل من وجوه، منها:

стр. 321

١ - أن روايات الحديث الأخرى تنافي ذلك كرواية: "إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... "، ورواية: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"، ورواية: "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته"؛ فإن هذه الروايات لم يسبق فيها شيء يصلح لعود الضمير على المضروب. ٢ - أن ما ذكر في سبب ورود الحديث من كون النبي ﷺ مر برجل يضرب وجه رجل آخر فقال: "لا تضربه فإن الله خلق آدم على صورته" زيادة لا أصل لها، ولا تعرف في شيء من كتب الحديث. أن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فإفراد الضمير وتخصيصه بواحد منهم لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد. ٤ - أن ذرية آدم ﵇ خلقوا على صورة آدم، ولم يخلق آدم على صورهم، ومثل هذا يقال فيه: خلق الثاني المتأخر في الوجود والخلق على صورة الأول المتقدم في الوجود والخلق، ولا يقال: إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود، وعليه فلا يصح أن يقال: خلق الوالد على صورة ابنه أو على خلق ابنه، بل يكون هذا فاسدًا في الكلام (١). وأما تأويل الحديث بأن الله خلق آدم على أوصافه التي يتصف بها من العلم والقدرة وغيرهما، وإرجاع الضمير إلى الله بهذا الاعتبار فهو باطل أيضًا من وجوه، منها: ١ - أن الصورة: هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ (صَوَرَ) يدلّ على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج. أما الصفة: فهي -في الأصل- مصدر وصفت الشيء، أصفه، وصفًا، ثم يسمون المفعول باسم المصدر صفة.

стр. 322

وعليه فتفسير الصورة بمجرد الصفة التي تقوم بالأعيان، كالعلم، والقدرة، فاسد؛ لأنه لا يوجد في الكلام أن قول القائل مثلًا: صورة فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة به من العلم، والقدرة، ونحو ذلك، بل هذا من البهتان على اللغة وأهلها. ٢ - أن لفظ الصورة إن دلّ على صفة قائمة بالموصوف، أو على صفة قائمة بالذهن واللسان، فلا بد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية. ٣ - أن لفظ الحديث نهى عن ضرب الوجه وعلل ذلك بأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد من الحديث مجرد خلق آدم على الصفات لم يكن للوجه بذلك اختصاص (١). وقول ابن حجر إن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أعلم وأحكم، وإطلاقه القول بالضلال على من أثبت الصورة حقيقة ولمزه بالتجسيم وإلزامه القول بالجهة، سبق الجواب عنه بما يغني عن إعادته (٢). * آراؤه في الصفات الفعلية: ١ - صفة الكلام: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن "كلام الله اسم مشترك: بين الكلام النفسي القديم: ومعنى إضافة الكلام له تعالى على هذا كونه صفة له. وبين اللفظ المؤلف الحادث من السور والآيات -أي سواء قلنا إن ذلك اللفظ المؤلف هو لفظ جبريل أو لفظ النبي ﷺ : ومعنى إضافة الكلام إلى الله على هذا أنه مخلوق، ليس من تأليف المخلوقين. وقد أجمع أهل السنة وغيرهم أنه لا يصح نفي كلام الله عن ذلك اللفظ المؤلف ... " (٣).

стр. 323

ويعتقد ابن حجر -غفر الله له- أن "كلامه سبحانه ... لا يحد بزمن، ولا يشتمل على حرف ولا صوت" (١). ومع كون ابن حجر يقول بأن كلام الله نفسيٌّ، وأنه بغير حرف ولا صوت؛ جوّز سماع كلامه سبحانه، فقال في سياقه لمذاهب الناس في سماع موسى لكلام الله: "ومذهب أهل السنة أن الله خلق له فهمًا في قلبه، وسمعًا في أذنيه وسائر بدنه، سمع به كلام الله من غير صوت ولا حرف ولا واسطة" (٢)! . التقويم: الكلام صفة ذاتية لله تعالى باعتبار أصلها، فعلية باعتبار أفرادها (٣)، وهي ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. وقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ... " (٤). وقوله ﷺ : "يقول الله: يا آدم! فيقول: لببك وسعديك، فيفادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار" (٥).

стр. 324

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة وأئمتها على إثبات صفة الكلام لله تعالى، ونقل إجماعهم غير واحد من أهل العلم (١). يقول ابن حزم ﵀: "أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى كلم موسى، وعلى أن القرآن كلام الله، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف" (٢). وأما العقل: فإن الكلام صفة كمال، وضدها البكم والخرس صفة نقص، والبكم والخرس إن وجدت في المخلوق العاجز الضعيف كانت نقصًا بينًا، فكيف يصح إثباتها لمن له الكمال المطلق سبحانه؟ وكيف يهب عبده الكمال ويتصف بالنقص؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ولقد جاء القرآن الكريم بتقرير هذا المعقول أحسن تقرير، فقال تعالى في العجل الذي اتخذه قوم موسى إلهًا يعبدونه من دون الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] فعاب العجل بكونه قد سُلب صفة الكلام، فدل على أن سلبها صفة نقص لا تليق بالإله المعبود، وما كان ليعيب إلههم الباطل، بما هو عيب فيه، تعالى وتقدس (٣). وأهل السنة والجماعة يثبتون الكلام صفة قائمة بذات الله، ويقولون إنه لم يزل متكلمًا ولا يزال، وأن كلامه تعالى متعلق بمشيئته واختياره، وأنه مسموع بالآذان حقيقة من غير توهم، وأنه بحرف وصوت، وأن القرآن الكريم من كلامه سبحانه بحروفه ومعانيه، تكلم الله به على الحقيقة (٤).

стр. 325

ومما سبق بيانه من دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وسياق قول أهل السنة والجماعة فيها، يتبين مخالفة ابن حجر -غفر الله له- لهم فيما قرروه، وموافقته للأشاعرة في قولهم (١). وفيما يلي مناقشة كلامه، والرد عليه: أولًا: الرد على قوله: إن كلام الله اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم واللفظ الحادث: يقرر ابن حجر أن كلام الله لفظ مشترك بين الكلام النفسي، واللفظ الحادث، ويريد بذلك أن كلام الله المضاف إليه نوعان: الأول: كلام مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوفها، وهو الكلام النفسي القديم. والثاني: كلام مضاف إليه إضافة مخلوق إلى خالقه، وهو اللفظ المؤلف الحادث -سواء قيل إن مؤلف اللفظ جبريل أو محمد ﵇. ويرى أن كلا النوعين يطلق عليهما كلام الله حقيقة لا مجازًا، وهو بهذا يوافق جمهور الأشاعرة المتأخرين (٢). والجواب عن قوله من وجوه:

стр. 326

١ - أن حقيقة الكلام تتضمن اللفظ والمعنى، فالكلام "اسم عام لهما جميعًا يتناولهما عند الإطلاق؛ وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة، وهذا تارة" (١). يقول شيخ الإسلام ﵀: "عامة ما يوجد في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة، بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظ الكلام ... فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط -كما يقوله قوم- ولا في المعنى فقط -كما يقوله قوم- ولا مشتركًا بينهما -كما يقوله قوم- ولا مشتركًا في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله -كما يقوله قوم-" (٢). ٢ - أن ما اصطلح الأشاعرة على تسميته كلامًا نفسيًا ليس كلامًا في اللغة ولا في الشرع، ويؤيد ذلك ما يلي: أ- انعقاد الإجماع على عدم كونه كلامًا؛ فإن "الكلام ... إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع، ثم انتشر" (٣). يقول العلامة السجزي (٤) ﵀: "اعلموا -أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب ... والأشعري ... في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات ...

стр. 327

فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه ... خرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر" (١). ب- أن هذا القول بدعة حادثة بعد انقضاء القرون المفضلة؛ "فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم ... لم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاء من قال فيه قولًا لم يسبقه أحد من المسلمين، ولا غيرهم" (٢). وقد اعترف الشهرستاني -وهو من أئمة الأشاعرة- بأن الأشعري ابتدع قولًا ثالثًا بعد قول أهل السنة وقول المعتزلة فقال: "أبدع الأشعري قولًا ثالثًا وقضى بحدوث الحروف، وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازًا لا حقيقة وهو عين الابتداع، فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته" (٣). ونحوه ما قاله الرازي: " ... وذلك كلام النفس الذي لم يقل به أحد إلا أصحابنا" (٤). جـ- أن الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي لم يتصوروا ماهيته وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الكلام القديم النفساني الذي أثبتموه، لم تثبتوا ما هو بل ولا تصورتموه، وإثبات الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟

стр. 328

ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب -رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة- لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام" (١). ومما يؤكد ذلك اعتراف كثير من الأشاعرة بعجزهم عن تصور الكلام النفسي، والإجابة عما يرد عليه (٢). د- أن الأدلة التي ساقها الأشاعرة على قولهم بأن حقيقة الكلام معنى قائم بالنفس لا يصح الاستدلال بها؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو غير مُسَلَّم بدلالتها (٣). ٣ - أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة قد تواترت بإثبات الكلام، والقول، وإسناداة، والمناجاة، والصوت، والحرف لله تعالى، وتنوع ذلك بتنوع الزمان بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا كله يدل دلالة ظاهرة على أن كلام الله كلام حقيقي، وأن القول بأن كلامه كلام نفسي باطل (٤). ٤ - أن القرآن الكريم مُعجِز ومُتحدىً به، ومعلوم أن الكلام النفسي لا يتصور معارضته ولا يتحدى به، فليس هذا الإعجاز والتحدي إلا بالقرآن العربي الذي هو كلام الله لفظًا ومعنى (٥).

стр. 329

وكون القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه معجزًا ومتحدًا به دون الكلام النفسي قد اعترف به غير واحد من الأشاعرة والماتريدية، وعده بعضهم مشكلًا على قول الأشعري وأصحابه (١). ٥ - أن الكلام النفسي شيء معدوم محض لا وجود له ولا عبرة به، فلا تتعلق به الأحكام لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا إيجابًا ولا سلبًا؛ لأنه إن قُدر تصوره فهو من قبيل حديث النفس وخواطرها ووساوس القلب وهواجس الصدور، فلا يحل به حرام ولا يحرم به حلال، ولا يدخل به المرء في الإسلام ولا يخرج به عن الإسلام إلى الكفر ولا يقع به الطلاق ولا العتاق، ولا تفسد به الصلاة بالاتفاق (٢). ولهذا يقول الزركشي (٣) مقرًا بذلك: "واعلم أنه لم يفرع أئمتنا على الكلام النفسي، ولا اعتبروه بمجرده في إثبات العقود، ولا في فسخها، ولم يوقعوا العتاق، والطلاق بالنية؛ وإن صمم بقلبه؛ لأن النية غير المنوي، فلا يستلزم أحدهما الآخر ... " (٤). ٦ - أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ومن تلك اللوازم: تشبيه الله بالأخرس، والقول بنفي الحرف والصوت وأنه سبحانه يتكلم بمشيئته واختياره، وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن يكون القرآن والتوراة والإنجيل كلها بمعنى واحد والاختلاف بينها بحسب التعبير عنها باللغات (٥).

стр. 330

وقد اعترف بلزوم هذه اللوازم الباطلة لمن قال بالكلام النفسي بعض أئمة الأشاعرة (١)، والتزمها قوم منهم، ونفاها آخرون بما لا يدفع لزومها. ٧ - أن القول بذلك قد أفضى إلى القول بخلق القرآن العربي -أي ألفاظ القرآن- وأنه لفظ جبريل ﵇ أو محمد ﷺ (٢)، وهو ما صرح به ابن حجر في كلامه السابق. والقول بخلق القرآن -أي ألفاظه- هو ما استقر عليه مذهب الأشاعرة، وقال به جمهورهم، وينقضه ما أورده الأشاعرة أنفسهم على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن؛ إذ ما أوردوه وارد عليهم، وما استشهدوا به على بطلان قولهم شاهد ببطلان قولهم أيضًا؛ فإن المعتزلة قالوا بخلق القرآن كله لفظًا ومعنى، والأشاعرة قالوا بخلق اللفظ دون المعنى، فهم متفقون على القول بخلق ألفاظ القرآن (٣)، ولهذا صرح بعضهم بكون الخلاف بينهم وبين المعتزلة خلافًا لفظيًا (٤). وأما القول بأن ألفاظ القرآن إنما هي ألفاظ جبريل ﵇ أو محمد ﷺ فهو قول لمتأخري الأشاعرة دون أبي الحسن الأشعري، وقولهم بذلك من أظهر الأدلة على بطلان القول بالكلام النفسي؛ لما فيه من مشابهة الكفار ومضاهاة المشركين الذين كانوا يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] (٥). ثانيًا: الرد على قوله: إن كلام الله بغير حرف ولا صوت: قول ابن حجر -عفا الله عنه- بأن كلام الله بغير حرف ولا صوت

стр. 331

مبني على قوله بأن كلام الله الذي هو صفته هو المعنى النفسي القديم القائم بذاته دون اللفظ المؤلف الحادث، وقد سبق أن قوله هذا باطل؛ ولا ريب أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا. وابن حجر حينما قرر ذلك قرره تبعًا للأشاعرة الذين قالوا بقولهم هذا ليسلم لهم القول بأن كلام الله هو المعنى النفسي القديم القائم بذاته، وأنى لهم ذلك، وقد استدلوا على قولهم بشبه عقلية باطلة ظنوها أدلة عارضوا بها دلالة النقل الصحيح، وناقضوا بها دلالة العقل الصريح (١). ولن أورد هنا ما استدلوا به، أو أناقشهم فيه؛ إذ المقام ليس مقامًا للرد على أدلتهم من جهة، ولكون أهل السنة والجماعة قد أشبعوا الكلام في هذه المسألة وردوا على المخالفين فيها بما يغني عن الإطالة من جهة أخرى (٢). وإنما المقصود هنا مناقشة ابن حجر في قوله هذا مناقشة مجملة وفق ما ذكره هو لا ما ذكره غيره. وعليه فيجاب عن قول ابن حجر بنفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى بما يلي: ١ - أن القول بأن كلام الله بصوت وحرف هو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة، ودلالتهما على ذلك من وجوه: أ- أن النصوص قد أثبتت المناجاة والمناداة لله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢]، ومعلوم أن المناداة والمناجاة لا يكونان إلا بصوت، والصوت لا يكون إلا بحرف (٣).

стр. 332

ب- أن النصوص قد دلت على أن الله متكلم، وأن كلامه مسموع كقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، والمسموع لا يكون إلا صوتًا (١). جـ- أن النصوص قد دلت على أن آيات القرآن حروف، والقرآن كلام الله بالإجماع، فدل ذلك على أن كلام الله بحرف، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١، ٢]، وقال سبحانه: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١، ٢]، وقال جلَّ وعلا: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]، ونحوها (٢). د- أن النصوص جاءت بإطلاق الحرف على كلام الله (٣) كقوله ﷺ : "أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" (٤)، وقوله ﷺ : "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (٥). ٢ - أن الناس قد أجمعوا قبل ظهور البدع على أن كلام الله تعالى

стр. 333

بحرف وصوت، حتى نبغ ابن كلاب فأحدث القول بأن كلام الله تعالى معنى نفسي ليس بحرف ولا صوت -وقد سبق نقل كلام أهل العلم في ذلك واعتراف بعض أئمة الأشاعرة به بما يغني عن إعادته-. ٣ - أن الكلام الحقيقي هو المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعاني المقصودة، وأما الكلام الذي يدعي الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- ثبوته، ويزعمون أنه معنى نفسي قائم بالذات ليس بحرف ولا صوت فإنه غير معقول، وليس له حقيقة في الشرع ولا في اللغة (١). ٤ - تناقض الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- وخرقهم لإجماع الأمة الذي وافقوها عليه، ووقوعهم فيما أقروا إجماع الأمة على تحريمه، وبيان ذلك: أ- أن الأمة مجمعة -ومنهم الأشاعرة- على أن ما بين دفتي المصحف كلام الله، وقد اتفق أهل العلم وجمهور الأمة على أن القرآن سور وآيات وحروف، واتفقوا على عد سوره وآياته وحروفه (٢). ب- أن الأمة مجمعة -ومنهم الأشاعرة- على أن من أنكر حرفًا من كتاب الله فهو كافر، ولا شك أن كتاب الله متضمن لكلامه، فدل ذلك على إجماعهم على أن كلام الله حروف، وعلى تحريم إنكار حرف منه وكفر من قال بذلك (٣). ثالثًا: الرد على قوله: إن المراد بسماع كلام الله خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان، لا سماعه حقيقة: لما كانت الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن كلام الله مسموع، والمسموع لا يكون إلا صوتًا، والصوت لا يكون إلا حرفًا، لزم الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- القول بأن كلام الله بصوت وحرف، وحينئذ اختلفوا في

стр. 334

الجواب عن ذلك (١)، فكان منهم من تأول سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وهو القول الذي ارتضاه ابن حجر وعزاه إلى أهل السنة يريد بهم من قال به من الأشاعرة. والحق أن كلام الله بصوت وحرف، وأنه مسموع على الحقيقة تارة بلا واسطة، وتارة من المبلغ عنه. يقول العلامة ابن القيم ﵀: "قال أهل السنة والحديث: يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبرائيل وغيره، وكما يكلم عباده يوم القيامة، ويكلم أهل الجنة، ويكلم الأنبياء في الموقف، ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبرائيل تبليغًا عنه، وكما سمع الصحابة القرآن من الرسول ﷺ عن الله، فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ، وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي ... " (٢). وأما ما ذكره ابن حجر من كون معنى سماع كلامه سبحانه خلق فهمه في القلب وسمعه في الآذان لا سماعه حقيقة، وعزوه ذلك إلى أهل السنة فهو باطل من وجوه: ١ - أن تأويل سماع كلام الله بخلق فهمه في القلب مُعَارض بما ورد في النصوص من التفريق بين الإيحاء إلى سائر النبيين وبين تكليم الله لموسى كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًاإِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]. "ففرق بين إيحائه إلى سائر النبيين، وبين تكليمه لموسى ... فلو كان تكليمه لموسى إلهامًا، ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتًا، لم يكن فرق بين الإيحاء إلى غيره والتكليم له؛ فلما فرق القرآن بين هذا وهذا، وعُلم بإجماع الأمة ما استفاضت به السنن عن النبي ﷺ من تخصيص موسى

стр. 335

بتكليم الله إياه، دل ذلك على أن الذي حصل له ليس من جنس الإلهامات وما يدرك بالقلوب، إنما هو كلام مسموع بالآذان، ولا يسمع بها إلا ما هو صوت" (١). ٢ - أن هذا التأويل مُعَارَض بأقوال السلف ﵏ "فإن مفسري القرآن، وأهل السنة والآثار، وأتباعهم من السلف كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت، كما في الآثار المعروفة عنهم في الكتب المأثورة عن السلف ... " (٢). ٣ - أن هذا التأويل "معلوم الفساد بالضرورة، وإنما ألجأ إليه القائلون به ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم" (٣). وأما عزو ابن حجر هذا القول إلى أهل السنة فهو متعقب بكونه ليس قولًا لهم هانما هو من أقوال الأشاعرة، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة المحضة، وبكونه ليس مُسَلمًا لديهم جميعًا بل إن منهم من اعترض عليه، وأعرض عنه (٤). وجملة القول أن ما قرره ابن حجر -غفر الله له- في كلام الله تعالى مما تابع فيه متأخري الأشاعرة، وهو مُعَارَض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، واعتراض أئمة الأشاعرة أنفسهم عليه فضلًا عن غيرهم. ٢ - صفة النزول: يرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالنزول "لتعاليه سبحانه عن الحركة والجهة والجسمية ولوازمها، فوجب تأويل ذلك إما إجمالًا بأن ينزه الله عن ظاهره ويفوض علم حقيقة المراد به إليه تعالى وهو مذهب أكثر السلف وهو أسلم، وإما تفصيلًا بأن يبين بنزول أمره مثلًا كما تقرر وهو مذهب بعض السلف كمالك وجعفر الصادق في الآخرين

стр. 336

وأكثر الخلف وهو أعلم ... " (١). ويؤول ابن حجر الأحاديث الدالة على نزول الله سبحانه بثزول أمره أو بعض ملائكته، حيث يقول: "نزول الله كناية عن نزول رحمته أو بعض ملائكته؛ لتعاليه ﵎ عن الجهة والمكان والجسم والزمان تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا" (٢). التقويم: النزول صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع . فأما الكتاب: "فمما يعتبر به من كتاب الله في النزول، ويحتج به على من أنكره قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. وهذا يوم القيامة إذا نزل الله ليحكم بين العباد ... فالذي يقدر على النزول يوم القيامة من السماوات كلها ليفصل بين عباده، قادر على أن ينزل كل ليلة من سماء إلى سماء" (٣). وأما السُّنَّة: فقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثبات صفة النزول لله تعالى، وعدها غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن عبد البر (٤)، والعلامة عبد الغني المقدسي (٥) (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وتلميذه ابن القيم (٨)،

стр. 337

والحافظ الذهبي (١) من قبيل المتواتر، واهتم عدد منهم بإحصاء رواتها (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: "أحاديث النزول متواترة عن النبي ﷺ ، رواها أكثر من عشرين نفسًا من الصحابة بمحضر بعضهم من بعض، والمستمع لها منهم يصدق المحدث بها ويقره، ولم ينكرها أحد منهم، ورواها أئمة التابعين، وأودعوه كتبهم، وأنكروا على من أنكره" (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة النزول لله تعالى، ونقل إجماعهم على ذلك أكثر من تسعة عشر إمامًا (٤)، منهم الإمام الشافعي ﵀ الذي ينتسب إليه ابن حجر ويتمذهب بمذهبه، حيث يقول: "القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل: سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء" (٥). ونزول الرب الثابت له بالأدلة المتقدمة على تسعة أنواع هي:

стр. 338

نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة، وعشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، وبعد أن ينادي المنادي بين يدي الساعة، ونزوله تعالى إلى الأرض بين النفختين في الصور، ويوم القيامة، ونزوله جل وعلا من العرش إلى الكرسي يوم القيامة، ونزوله على القنطرة يوم القيامة، ونزوله جل في علاه لأهل الجنة (١). يقول الإمام الدارمي (٢) ﵀ بعد سياقه لأحاديث النزول الدالة على هذه الأنواع: "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، ولا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله ﷺ برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلًا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله ﷺ في نزوله واجب" (٣). وعليه فإن النزول ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما التشغيب عليه بما ذكره ابن حجر من لزوم الحركة والانتقال والجسمية فهو مردود. يقول العلامة ابن القيم ﵀: "لفظ الحركة والانتقال والجسم ... ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل، فهذه لا تقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.

стр. 339

فإن الانتقال: يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه، إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى. ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة فعله وتعطيل له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك ... وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور وذلك يستلزم نفي الحياة" (١). وأما تأويل ابن حجر النزول الوارد في النصوص بنزول رحمته أو أمره أو بعض ملائكته فباطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (٢). ٢ - أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون النزول يلزم منه التجسيم والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه (٣). ٣ - أن الأحاديث الواردة في النزول متواترة، وكلها تدل على أن المراد

стр. 340

بالنزول نزول الرب سبحانه، وليس في شيء منها ما يدل على أن المراد بالنزول نزول أمره ورحمته أو بعض ملائكته (١). ٤ - أن ألفاظ أحاديث النزول كلها تدل على أن المراد نزول الرب لا نزول غيره كقوله ﷺ : "ينزل ربنا ﵎ ... فيقول: من يدعوني فأستجيب له ... الحديث" (٢) (٣). ٥ - أن تأويل النزول الوارد في الأحاديث بنزول أمره ورحمته أو نزول ملك من ملائكته لا يصح. فأما تأويله بنزول أمره ورحمته فمتعقب بما يلي: أ- أن الرحمة إما أن تكون عينًا قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها. فإن كانت عينًا قائمة بنفسها وهي مخلوقة، لم يكن لها أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ولا أنا الملك. وأيضًا فحينئذ يكون الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لا رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا. وإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من محل، ثم لا يمكن للصفة أن تقول هذا الكلام (٤). ب- أن الرحمة والأمر إذا نزلا إلى السماء الدنيا، ولم ينزلا إلى الأرض، ثم إذا طلع الفجر صعدا فأي منفعة في نزولهما (٥)؟ جـ- أن رحمته سبحانه وأمره ينزلان بالليل والنهار، ولا يختص نزولهما بالثلث الأخير، ولا بوقت دون وقت، بل لا ينقطعان عن العالم

стр. 341

السفلي والعلوي طرفة عين (١). د- أن نزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقضي أن يكون هو فوق العالم، فتأويله نفسه يبطل مذهبه (٢). وأما تأويله بنزول بعض ملائكته فمتعقب بما يلي: أ- أن أحاديث النزول صريحة في نسبة النزول لله تعالى بما لا يحتمل تأويل نزوله بنزول غيره (٣) -كما سبق-. ب- أن الأحاديث خصت النزول بجوف الليل وجعلت منتهاه إلى السماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولها بهذا الزمان ولا هذا المكان (٤). جـ- أن الأحاديث الواردة في النزول جاء في بعض رواياتها "ثم يصعد" و"ثم يعلو" والملائكة تصعد في كل وقت لا يختص صعودها بطلوع الفجر (٥). وأما ما عزاه ابن حجر إلى مالك وجعفر الصادق وغيرهما من السلف من تأويلهم النزول، فالجواب عنه أن يقال: "إن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة، يتشبث بألفاظ عن بعض الأئمة وتكون إما غلطًا وإما محرفة" (٦).

стр. 342

٣ - صفة القرب: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن قرب الله الوارد في النصوص قرب معنوي لا حقيقي، ويفسره بمزيد الإنعام وعموم المغفرة وجزيل الثواب، حيث يقول في شرحه لقوله ﷺ : "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ... " (١). "وإنه أي: الله، ليدنو أي: يقرب من عباده القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام عليهم بالمغفرة العامة والثواب الجزيل ... " (٢). التقويم: القرب والدنو من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية، الثابتة بدلالة الكتابة والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. وقوله : ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. ومن السُّنَّة: قوله جل وعلا في الحديث القدسي: " ... من تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا ... " (٣). وقوله ﷺ : "أيها الناس: أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (٤).

стр. 343

وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة القرب لله تعالى، وحكاه عنهم جمع من أهل العلم، منهم: الإمام الشافعي ﵀ وقد سبق نقل قوله قريبًا (١)، واثنان من فضلاء أصحابه وهما: أحمد بن سريج (٢) إمام الشافعية في وقته، وشيخ الحرمين محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (٣) -رحمهما الله-. قال الإمام أحمد بن سريج بعد ذكره وجوب الإيمان بصفات الله ونقله إجماع السلف على ذلك معددًا هذه الصفات: "الفوقية ... والقرب والبعد ... وجميع ما لفظ به المصطفى ﷺ " (٤). وقال شيخ الحرمين أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في سياقه للعقيدة التي أجمع عليها أهل العلم ممن أدركه: "وأن الله تعالى أول لم يزل، آخر لا يزال ... إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس والوجه ... والقرب والدنو ... " (٥). وقرب الرب تعالى الوارد في النصوص نوعان: الأول: قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره، وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين. والثاني: قربه بنفسه من مخلوقاته قربًا لازمًا في وقت دون وقت، فهذا يثبته من يثبت قيام الصفات الاختيارية به تعالى، وينفيه من عداهم (٦).

стр. 344

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواؤه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر، وأول من أنكر ذلك في الإسلام الجهمية ... " (١). وعليه فما قرره ابن حجر من كون قربه سبحانه المراد به القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام والمغفرة والثواب لا القرب الحقيقي باطل من وجوه، منها: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق (٢). ٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد أن ظاهره يستلزم التمثيل والجسمية والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه (٣). ٣ - أن النصوص الواردة في صفة القرب والدنو كلها تدل على أن المراد بالقرب قرب حقيقي، ولم يرد في شيء منها ما يدل على كونه قربًا معنويًا. ٤ - صفة المحبة: يرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالمحبة، ويؤولها بما ينفي ظاهرها، حيث يقول: "المشهور أن الصفات المستحيلة على الله تعالى كالرحمة والمحبة إذا أطلقت عليه المراد: مبدؤها وهو الإرادة، أو غايتها وهو التفضيل والإنعام، دون حقيقتها وهو العطف والميل النفساني ... " (٤). ويقول في شرحه لقول النبي ﷺ : "أخبروه أن الله تعالى يحبه" (٥):

стр. 345

"أي: يثيبه ويقربه وينعم عليه، أو يريد له ذلك ... " (١). التقويم: المحبة صفة فعلية ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقوله سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ... " (٢). وقوله ﷺ : "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي" (٣). وأما الإجماع: "فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (٤). وعليه فالمحبة شأنها شأن بقية الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ ، يثبتها أهل السنة والجماعة لله تعالى على ما يليق بجلاله، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته، ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى" (٥). وأما تأويل ابن حجر المحبة بمبدئها وهو الإرادة أو غايتها وهو الإنعام

стр. 346

فهو صرف لها عن ظاهرها المتبادر منها، وهو إثبات المحبة لله تعالى على ما بجلاله سبحانه، وهو قول باطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (١). ٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق- (٢). ٣ - أن النصوص وردت بإثبات المحبة لله وأنه يُحِب ويُحَب، كما وردت بإثبات الود والخلة له سبحانه، ولم يرد في شيء منها تأويلها بالإرادة أو الإنعام؛ مما يدل على أن المراد بها حقيقتها (٣). ٤ - أن المحبة صفة كمال وضدها صفة نقص؛ وعليه فيلزم من نفي المحبة عنه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب. ٥ - أنه يلزم "هؤلاء الذين ينفون أن الله يُحِب ويُحَب أن لا يبقى عندهم فرق بالنسبة إلى الله بين أوليائه وبين أعدائه، ولا بين الإيمان والكفر، ولا بين ما أمر به وما نهى عنه، ولا بين بيوته التى هى المساجد، وبين الحانات ومواضع الشرك" (٤). ٦ - أن تأويل ابن حجر المحبة بالإرادة والإنعام يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فإنه إنما تأول المحبة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك المحبة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (٥).

стр. 347

٥ - صفة الرحمة: يرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالرحمة، معللًا ذلك بكون حقيقتها العطف والميل الروحاني وهما مما ينزه الله عنه، ويتأولها بإرادة الإنعام أو بالإنعام نفسه. يقول في ذلك: "الرحمة هي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه تعالى مجاز إما عن نفس الإنعام فتكون صفة فعل، أو عن إرادته فتكون صفة ذات" (١). ويقول في شرحه لقوله ﷺ : "إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" (٢): "أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب ... " (٣). التقويم: الرحمة صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقد "كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جَمّة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة" (٤)، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]. وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].

стр. 348

وأما السُّنَّة: فقوله ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" (١). وأما الإجماع: "فقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله، من غير قرينة تشعر بالتأويل، ولا تَوَقُّف على عبارة التنزيل" (٢). والرحمة المضافة إليه سبحانه نوعان: أحدهما: رحمة مضافة إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وهذه الرحمة صفة يتصف بها سبحانه على ما يليق بجلاله. وثانيهما: رحمة مضافة إليه إضافة مفعول إلى فاعله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ [هود: ٩]. وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي أثر رحمته التي هي صفته، وتسمية الأشاعرة هذا النوع صفة فعل غلط؛ لأن الله لا يوصف بما خلقه منفصلًا عن ذاته (٣). وتأسيسًا على ما سبق فإن أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة صفة لله تعالى، كما أثبتها سبحانه لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ . وأما تأويل ابن حجر لها لإرادة الإنعام أو الإنعام نفسه فهو مردود بما يلي: ١ - أن هذا تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق- (٤).

стр. 349

٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق- (١). ٣ - أن الرحمة صفة كمال وضدها صفة نقص، فيلزم من نفي صفة الرحمة عنه سبحانه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب (٢). ٤ - أن تأويل ابن حجر الرحمة بالإرادة أو الإنعام يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الرحمة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الرحمة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (٣). ٥ - أن قول ابن حجر بأن حقيقة الرحمة العطف والميل الروحاني لو قُدِّر أنه حق في حق المخلوق لم تكن كذلك في حق الخالق سبحانه (٤). ٦ - صفة الغضب: يرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالغضب، حيث يقول: "الغضب فوران الدم وغليانه ... لإرادة الانتقام ... ولاستحالة هذا المعنى في حقه تعالى كان المراد بالغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام فيكون صفة ذات، أو الانتقام نفسه فيكون صفة فعل" (٥). ويقول في شرحه لقوله ﷺ : "إن الله كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" (٦): "أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب" (٧). التقويم: الغضب صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].

стр. 350

وقوله سبحانه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]. وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]. ومن السُّنَّة: حديث الشفاعة المشهور، وفيه: "إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ... " (١). وإثبات الغضب لله تعالى على ما يليق به سبحانه هي جادة أهل السنة والجماعة. يقول العلامة - ابن أبي العز ﵀: "مذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى، والعداوة والولاية، والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات ... ولا يقال: إن الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة" (٢). وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تأويل الغضب الوارد في النصوص بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، وتعليله ذلك بكون حقيقة الغضب مستحيلة على الله مما وافق فيه الأشاعرة (٣). والجواب عن قوله من وجوه: ١ - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق- (٤). ٢ - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل - كما سبق - (٥).

стр. 351

٣ - أن تأويل الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه تفسير له بغير مدلوله اللغوي وهو الغضب الحقيقي، وتفسيره بذلك ينفي حقيقة الصفة. ٤ - أن تأويل ابن حجر الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الغضب لزعمه أن ظاهره يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والانتقام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الغضب، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (١). وأما تعليله استحالة اتصاف الله سبحانه بالغضب بكون حقيقته فوران الدم وغليانه لإرادة الانتقام وكون ذلك مما يستحيل عليه فهو تعليل عليل؛ إذ هو لازم له في تأويله له بالإرادة، وبيان ذلك أن "يقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن قال: هذه إرادة المخلوق. قيل له: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى الغضب والمحبة والرضى ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام، وجميع الصفات. وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة" (٢). وبعد عرض آراء ابن حجر - غفر الله له وعفا عنه - في صفات الله الذاتية والفعلية وتقويمها؛ يتبين سلوكه مسلك الأشاعرة فيها، وتذبذبه بين التأويل والتفويض، وفق ما قرره في مذهبه في الصفات إجمالًا ونقلته عنه في موضعه.

стр. 352

الباب الثاني آراؤه في بقية أركان الإيمان وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة. الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب. الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل. الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر. الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان القضاء والقدر.

стр. 353

الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة وفيه تمهيد وثلائة مباحث: تمهيد في تعريف الملائكة. المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه. المبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالح البشر. المبحث الثالث: عصمة الملائكة.

стр. 354

تمهيد في تعريف الملائكة الملائكة: جمع مَلَك، واختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه: فقيل: هو جامد غير مشتق. وقيل: هو مشتق، واختلف القائلون بذلك منهم في أصل مادة اشتقاقه (١). وقد أشار إلى ذلك ابن حجر ﵀ فقال: "الملائكة: جمع مَلَك على غير قياس، أو جمع ملأك على مَفْعَل؟ إذ هو من الألوكة وهي الرسالة، ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك" (٢). والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة وهي الرسالة أصوب من جهة اللغة والمعنى. يقول الحافظ - ابن جرير ﵀: "الملائكة: جمع ملاك، غير أن أحدهم بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة ... وقد يقال في واحدهم: مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة. فمن قال: مَلأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يلأك، إذا أرسل إليه رسالة ملأكة.

стр. 355

ومن قال: مَألْكًا فهو مَفْعل، من ألكت إليه آلك، إذا أرسلت إليه مألَكه وألوكًا ... فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده" (١). وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور" (٢). فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه. وقد بَيّن ابن حجر ﵀ حقيقة الملائكة، وشيئًا من صفاتهم فقال: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلبت عليها النور، فنطقت، وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا، وعصمت من المخالفات، ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقها" (٣). هذا وقد عرض ابن حجر في كلامه عن الملائكة لجملة من المسائل؟ كمعنى الإيمان بهم، وما يتضمنه، والمفاضلة فيما بينهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وعصمتهم. وفيما يلي عرض رأيه في هذه المسائل مع التعقيب عليها بتقويمها.
следующие страницы →