← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٣ - أن تأويل الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه تفسير له بغير مدلوله اللغوي وهو الغضب الحقيقي، وتفسيره بذلك ينفي حقيقة الصفة. ٤ - أن تأويل ابن حجر الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الغضب لزعمه أن ظاهره يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والانتقام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الغضب، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور (١). وأما تعليله استحالة اتصاف الله سبحانه بالغضب بكون حقيقته فوران الدم وغليانه لإرادة الانتقام وكون ذلك مما يستحيل عليه فهو تعليل عليل؛ إذ هو لازم له في تأويله له بالإرادة، وبيان ذلك أن "يقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن قال: هذه إرادة المخلوق. قيل له: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى الغضب والمحبة والرضى ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام، وجميع الصفات. وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة" (٢). وبعد عرض آراء ابن حجر - غفر الله له وعفا عنه - في صفات الله الذاتية والفعلية وتقويمها؛ يتبين سلوكه مسلك الأشاعرة فيها، وتذبذبه بين التأويل والتفويض، وفق ما قرره في مذهبه في الصفات إجمالًا ونقلته عنه في موضعه.

стр. 352

الباب الثاني آراؤه في بقية أركان الإيمان وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة. الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب. الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل. الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر. الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان القضاء والقدر.

стр. 353

الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة وفيه تمهيد وثلائة مباحث: تمهيد في تعريف الملائكة. المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه. المبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالح البشر. المبحث الثالث: عصمة الملائكة.

стр. 354

تمهيد في تعريف الملائكة الملائكة: جمع مَلَك، واختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه: فقيل: هو جامد غير مشتق. وقيل: هو مشتق، واختلف القائلون بذلك منهم في أصل مادة اشتقاقه (١). وقد أشار إلى ذلك ابن حجر ﵀ فقال: "الملائكة: جمع مَلَك على غير قياس، أو جمع ملأك على مَفْعَل؟ إذ هو من الألوكة وهي الرسالة، ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك" (٢). والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة وهي الرسالة أصوب من جهة اللغة والمعنى. يقول الحافظ - ابن جرير ﵀: "الملائكة: جمع ملاك، غير أن أحدهم بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة ... وقد يقال في واحدهم: مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة. فمن قال: مَلأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يلأك، إذا أرسل إليه رسالة ملأكة.

стр. 355

ومن قال: مَألْكًا فهو مَفْعل، من ألكت إليه آلك، إذا أرسلت إليه مألَكه وألوكًا ... فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده" (١). وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور" (٢). فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه. وقد بَيّن ابن حجر ﵀ حقيقة الملائكة، وشيئًا من صفاتهم فقال: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلبت عليها النور، فنطقت، وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا، وعصمت من المخالفات، ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقها" (٣). هذا وقد عرض ابن حجر في كلامه عن الملائكة لجملة من المسائل؟ كمعنى الإيمان بهم، وما يتضمنه، والمفاضلة فيما بينهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وعصمتهم. وفيما يلي عرض رأيه في هذه المسائل مع التعقيب عليها بتقويمها.

стр. 356

المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه تحدث ابن حجر ﵀ عن معنى الإيمان بالملائكة، وذكر بعض ما يتضمنه تفصيلًا، وفيما يلي عرض رأيه وفقًا لذلك. أولًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة: يرى ابن حجر ﵀ أن الإيمان بالملائكة يعني الإيمان "بأنهم عباد الله، لا كما زعم المشركون من تألههم، مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبأنهم سفراء الله تعالى بينه وبين خلقه، متصرفون فيهم، كما أنهم صادقون فيما أخبروا به عنه، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى" (١). التقويم: الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أمورًا أربعة: الأول: الإيمان بوجودهم. والثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا. والثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم. والرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم (٢).

стр. 357

يقول العلامة ابن القيم ﵀: "قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات ... تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت السماء بهم ... ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه ... والقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم ... بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة. وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان" (١). ثانيًا: رأيه فيما يتضمنه الإيمان بالملائكة تفصيلًا: يقول ابن حجر: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليها النور فنطقت وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا ... ولم تفتر عما سخرت من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقهم، ويحشرون، ويدخلون الجنة معهم، لكن لا نعيم لهم فيها، وإنما هم خدم لأهلها" (٢). وقد تحدث ابن حجر ﵀ عن بعض هذه المسائل حديثًا مفصلًا، وأكثر النقل عن غيره من أهل العلم فيها، ونظرًا لجمعه لها في بيانه لما يتضمنه الإيمان بالملائكة من جهة، ولتعلقها كلها بموضوع المبحث؛ رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها مفصلًا مع التعقيب عليه بتقويمه ومناقشته.

стр. 358

١ - وجودهم: يقول ابن حجر: "ويجب اعتقاد وجود الملائكة ... " (١). التقويم: القول بوجود الملائكة من مقتضيات الإيمان بهم، وإنكار ذلك كفر بهم، وتكذيب لكتاب الله وسنة رسوله اللذين أخبرا عنهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج ... " (٢). ويقول أيضًا: "والإقرار بالملائكة ... عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم ... فذكر الملائكة ... عام في الأمم، وليس في الأمم أمة تنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد يتفلسف، فينكرهم لعدم العلم، لا للعلم بالعدم" (٣). وما حكاه شيخ الإسلام عن الفلاسفة (٤) ومن وافقهم من إنكار وجود الملائكة وتأويلهم لها بقوى النفس الخيرة مردود عليهم بالنصوص المتواترة في الكتاب والسنة المملوءة بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم (٥). ٢ - خلقهم: أ - مادة خلقهم: يقول ابن حجر: "هم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليهم النور" (٦).

стр. 359

التقويم: "كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن ... قد خلق من مادة" (١)، والمادة التي خلق منها الملائكة هي النور، فقد ثبت في الحديث عنه أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (٢). ولم يرد عن النبي ما يبين المراد بهذا النور، وما ورد عن بعض السلف في بيانه لا يصح، ونص الحديث ورد بإطلاق مبدأ خلقهم من النور دون تعيين له بنور العزة أو نور الذراعين والصدر، فوجب الوقوف في ذلك على ما ورد به النص (٣). وأما ما ذكره ابن حجر من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة التي هي: (الماء، والنار، والهواء، والتراب) (٤)، ثم غلب عليها النور فلا دليل عليه. ب - جنسهم: يقول ابن حجر: "لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة" (٥). التقويم: أنكر الله على من ادعى له الولد، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، والولد: اسم يطلق على الذكر والأنثى. والملائكة "لا توصف بذكورة ولا أنوثة، لأنه لم يدل على ذلك عقل صريح ولم يرد به نقل صحيح، ثم هم لا يتوالدون" (٦)، ومن المتقرر أن

стр. 360

الجن والإنس يجري بينهم التناكح، وأن الملائكة بخلافهم. يقول شيخ الإسلام: "الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين؛ فإنهم يأكلون ويشربون، وينكحون وينسلون، ويتغذون وينمون بالأكل والشرب، وهذه الأمور مشتركة بينهم، وهم يتميزون بها عن الملائكة، فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل" (١). وعليه فالملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، وإنما يخلق كل واحد منهم بذاته وهم باقون على أصل خلقتهم (٢). ب - قدرتهم على التشكل: يرى ابن حجر أن الملائكة "تشكل بالأشكال المختلفة" (٣)؛ وذلك لكون الله خلقها على هيئة "جسم نوراني في غاية اللطافة فقبلت التشكل والانخلاع من طور إلى طور" (٤). التقويم: من الخصائص التي خص الله بها الملائكة قدرتهم على التشكل بأشكال متعددة، حسب ما تقتضيه المناسبات التي ينزلون فيها بأمر الله تعالى، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧]. وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧]. وقوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥].

стр. 361

ومن السُّنّة: مجيء جبريل ﵇ النبي ﷺ على صورة الرجل المسافر (١)، وعلى صورة دحية الكلبي ﵁ (٢). وقدرة الملائكة على التشكل جائزة شرعًا وعقلًا، وقول من قال بمنعها وأنها مجرد خيالات تظهر للرائي دون أن يكون لها حقيقة في الخارج (٣)، مبني على قياس الملائكة على البشر، وهو قياس مع الفارق للاختلاف في الخلقة والقدرة (٤). ٣ - عددهم: يرى ابن حجر أن الملائكة "بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى" (٥)، يقول في ذلك: "ولهم من الكثرة ما لا يحيط بهم إلا خالقهم" (٦)، "وقد ورد في كثرتهم ما يبهر العقل ويفوق الحصر؛ ومنه: ... حديث المعراج المتفق على صحته: "إن البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم" (٧) ... " (٨). التقويم: دلت نصوص الكتاب والسنة على كثرة الملائكة، ولم يرد فيها تعيين عددهم. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]. وقال سبحانه عقبها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 362

وفي الحديث: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (١). وقد اتفقت كلمة أهل العلم على كثرتهم، وأن عددهم لا يحصيه إلا خالقهم (٢). يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث البيت المعمور السابق: "استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر" (٣). ٤ - أعمالهم: يرى ابن حجر أن الله تعالى قد وكل إلى الملائكة تصريف العالم وأنها "قدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم ... ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد" (٤). وقد خص ابن حجر الحفظة من الملائكة بمزيد تفصيل حيث سئل عن عددهم على كل إنسان؟ وهل على الكافر من الإنس حفظة؟ وهل الحفظة غير الكاتبين الكريمين؟ فأجاب بقوله: "قول السائل: كم هم على كل إنسان؟ جوابه: أنه ورد في ذلك أمور مختلفة ... ويمكن الجواب عن تخالف هذه المذكورات على تقدير صحتها كلها بأنه ﷺ حيث ذكر القليل يحتمل أنه أراد حفظًا خاصًا، وحيث ذكر الكثير محتمل أنه أراد حفظًا عامًا، ويحتمل أنه أعلم بالقليل ثم بأكثر منه، ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمن الناس من يُوكل به قليل ومنهم من يوكل به كثير ...

стр. 363

وقوله: وهل على الكافر حفظة؟ جوابه: نعم، كما شمله بل صرح به قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢]. وقوله: هل هم غير الكاتبين الكريمين؟ جوابه: أنه قد عُلم أن ملائكة الحفظ الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى أن منهم من هو موكل بالحفظ لا غير، ومنهم - وهما الكاتبان الكريمان - من هو موكل بالحفظ والكتابة، وورد في هذين أنهم لا يفارقون الإنسان" (١). التقويم: "كل حركة في السماوات والأرض ... فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] ... وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات" (٢)، وأن من أصنافهم: الحفظة: وهم الذين يحفظون بني آدم، والكتبة: وهم الذين يكتبون أعمالهم ويحصونها عليهم. يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، ويقول جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "للعبد ملائكة يتعاقبون عليه حراس بالليل وحراس بالنهار يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، وملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه

стр. 364

ويحرسانه واحد من ورائه وآخر من قدامه فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان" (١). وأما القول في الكافر وهل عليه حفظة أم لا؟ فهو مما اختلفت فيه أقوال أهل العلم، يقول العلامة القرطبي ﵀: "اختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد. وقيل: بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]. فأخبر أن الكفار يكون لهم كُتَّاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل: الذي عن يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب والله أعلم" (٢). ٥ - موتهم: يقول ابن حجر: "والملائكة يموتون بالنصوص والإجماع، ويتولى قبض أرواحهم ملك الموت، ويموت ملك الموت بلا ملك الموت" (٣). التقويم: من عظمة الله تعالى وكمال ربوبيته سبحانه تفرده جل وعلا بالبقاء قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقال : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. قال ابن كثير ﵀: "يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون

стр. 365

ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا ما شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا" (١). وقد اختلف الناس في الملائكة هل يموتون أم هم ممن استثنى الله؟ يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في شرحه لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: "أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" (٢): "قوله: "والجن والإنس يموتون" استدل به على أن الملائكة لا تموت، ولا حجة فيه ... ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن؟ لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس" (٣). والقول بموت الملائكة هو الذي عليه أكثر الناس، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت ... والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه؛ وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة ... ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى ... ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم" (٤). وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر ﵀ لما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم فيما يتعلق بوجود الملائكة، وخلقهم، وعددهم، وأعمالهم، وموتهم، سوى ما ذكره من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة لعدم ورود الدليل عليه - كما سبق -.

стр. 366

المبحث الثاني المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر تحدث ابن حجر ﵀ عن المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وساق أقوال الناس في ذلك، ورجح ما يراه منها، وفيما يلي عرض رأيه في هاتين المسألتين: أولًا: المفاضلة بين الملائكة: ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة فقال: "فيه خلاف، والأدلة فيه متكافئة: فقيل: جبريل أفضل؛ لأنه صاحب السر المخصوص بالرسالة إلى الأنبياء والرسل، والقائم بخدمتهم وتربيتهم. وقيل: إسرافيل؛ لأنه صاحب سر الخلائق أجمعين إذ اللوح المحفوظ في جبهته لا يطلع عليه غيره، وجبريل وغيره إنما يتلقون ما فيه عنه، وهو صاحب الصور القائم ملتقمًا له ينتظر الساعة والأمر به لينفخ فيه فيموت كل شيء إلا من استثنى الله ثم بعد أربعين سنة يؤمر بالنفخ فيحيون ثم يبعثون" (١). وقال أيضًا: "وأفضلهم جبريل وإسرافيل، وتعارضت الأحاديث في أفضلهما، وأكثرها يدل على أفضلية إسرافيل" (٢).

стр. 367

التقويم: الملائكة متفاوتون في الفضل، يَفْضُل بعضهم بعضًا، شأنهم في ذلك شأن سائر المخلوقات، فأفضل الملائكة المقربون منهم. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في سياقه لأصناف الملائكة: "ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] (١). وأفضل المقربين رؤساء الملائكة الثلاثة الذين كان النبي ﷺ يذكرهم في دعائه الذي يفتتح به صلاته إذا قام من الليل، حيث يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ... " الحديث (٢). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله، وكم من ملك غيرهم في السماوات فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة ... " (٣). وقد اختلف في المفاضلة بين هؤلاء الثلاثة على أقوال: الأول: أن أفضلهم جبريل ثم إسرافيل ثم ميكائيل. الثافي: أن أفضلهم إسرافيل ثم جبريل ثم ميكائيل. الثالث: أن أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل. الرابع: التوقف (٤). وقد ذكر الحافظ السيوطي الآيات والأحاديث والآثار الواردة في كل

стр. 368

منهم، وهي في مجملها لا تخرج عن كونها ضعيفة لا يثبت بها حكم، أو تدل على مطلق الفضل لا التفضيل المطلق (١). وعليه فقول ابن حجر ﵀ بأن أكثر الأحاديث تدل على أفضلية إسرافيل متوقف على صحتها من جهة، وصراحة دلالتها من جهة أخرى، وهما كير متحققين. ثانيًا: المفاضلة بين الملائكة وبين صالحي البشر: ذكر ابن حجر ﵀ أقوال الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، ورجح ما رآه منها، وبين أدلته على قوله (٢). يقول في بيان ذلك: "في المسألة أقوال: أحدها: مذهب المعتزلة أن الملائكة أفضل مطلقًا، ووافقهم أئمة من أهل السنة كالباقلاني ... والرازي ... (والثاني): السكوت عن التفاضل، " وقالوا: ليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فلنفوض إلى الله تعالى ونعتقد أن الفضل لمن فضله الله" (٣). (والثالث): "الذي عليه محققو أهل السنة أن خواصنا وهم الأنبياء أفضل منهم مطلقًا، وعوامنا وهم الصلحاء كأبي بكر ﵁ أفضل من عوامهم، وخواصهم كجبريل أفضل من عوامنا" (٤). وقد "قامت الأدلة على تفضيل نبينا بل سائر الأنبياء على الملائكة: ومنها: قوله تعالى بعد ذكر جمع من الأنبياء: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، والملائكة من جملة العالمين، وقوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] [البينة: ٧] والبرية: الخليقة، والملائكة من جملتهم ... وقوله:

стр. 369

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وهذا يشملهم، ولا شك أن المسخَّر له مقصود بالذات، وغيره بالعَرضَ. ومنها: اختصاص الأنبياء بأنهم الذين قامت بهم حجة الله على خلقه، وبأن آدم منهم سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد. ومنها: أن للبشر طاعاتٍ لم يثبت مثلها للملائكة، كالجهادِ والغزو، ومخالفة الهوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على البلايا والمحن. ومنها: أن طاعات البشر أكمل، لأن الله كلفهم بها مع وجود صوارف عنها قائمة بهم وخارجة عنهم، ولا شك أن فعل الشيء مع مشقة ووجود الصارف عنه أبلغ في الطاعة والإذعان مع فعله مع عدم ذلك، إذ لا امتحان فيه بوجه ... " (١). التقويم: مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر مسألة أثرية سلفية صحابية (٢)، وقد أكثر الناس الخوض فيها، وتعددت أقوالهم حيالها، وحاصلها ثلاثة: الأول: القول بتفضيل صالحي البشر على الملائكة، وهو المشهور من مذهب السلف (٣)، ومن وافقهم من الأشاعرة (٤). والثاني: القول بتفضيل الملائكة على صالحي البشر، وهو مذهب المعتزلة (٥)، وبعض أهل السنة والأشاعرة (٦) والصوفية (٧).

стр. 370

والثالث: السكوت وعدم القطع فيها بقول (١). هذه هي أهم الأقوال في المسألة، وقد احتج أصحاب كل قول بأدلة، ورد عليهم الآخرون بما يرد عليها (٢). والتحقيق: هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى، منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة" (٣). قال ابن القيم معقبًا على ذلك: "وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولًا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيًا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثًا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا، فرب صفة هي كمال الشخص، وليست كمالًا لغيره، بل كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا، فهذه أربعة مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد عن الهوى والغرض" (٤).

стр. 371

وقد أفاض شيخ الإسلام - ابن تيمية ﵀ في الاستدلال لقوله حيث ذكر ثلاثة عشر دليلًا عليه، ورد على المخالفين بما لا مزيد عليه (١). ومما تجد الإشارة إليه أن المفاضلة جائزة بين الملائكة وصالحي البشر ما لم تكن على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس، فإن أفضت إلى ذلك فلا شك في ردِّها (٢). * * *

стр. 372

المبحث الثالث عصمة الملائكة حكى ابن حجر ﵀ اتفاق المسلمين على عصمة المرسلين من الملائكة وخلافهم فيمن عداهم، ورجح عصمة الجميع، فقال: "أجمع المسلمون أنهم أيعني: الملائكة، مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن الرسل منهم إلى الأنبياء معصومون كالأنبياء، والأصح بل الصواب عصمة بقيتهم" (١). كما حكى قصة هاروت وماروت، وذكر اختلاف أهل العلم فيهما هل هما ملكان أم لا؟ ورجح كونهما ملكين، ورد على من أنكر ثبوت قصتهما فقال: "والجمهور على فتح تاء هاروت وماروت، وهما بناء على فتح لام الملكين بدل منهما ... وهو الصحيح للتصريح به في الحديث ... ونازع جماعة في أصل ثبوت القصة، وليس كما زعموا لورود الحديث بصحته بها ... " (٢). وقد أورد ابن حجر ﵀ عفا الله عنه - القصة، مختصرة وأجاب عنها فقال: "وأما ما وقع لهاروت وماروت كما صح عنه ﷺ في شأنهما أنهما كانا من الملائكة وأنهما افتتنا بالزهرة، وكانت أجمل نساء زمنها حتى زنيا بها وشربا الخمر، وقتلا فمسخت كوكبًا لأنهما علَّماها الاسم الأعظم الذي كانا يرقيان به إلى السماء فرقيت إليها فمسخت هذا الكوكب المضيء

стр. 373

المعروف، فذلك أمر خارق للعادة أوجده الله تأديبًا للملائكة في قولهم ... وهذا الذي ذكرته من الجواب عن هذه القصة من أنها أمر خارق للعادة، وبهذه الحكمة التي ذكرتها يبين به الرد على من أطال في إنكار قصتهما ... وأن ذلك الوقوع لتلك الحكمة لا يخل بعصمة الملائكة من حيث هي ولا ينافيه شيء من الأدلة والقواعد، فاحفظ ما قررته وتأمله، فإن الكلام قد كثر في هذا المحل وتعارضت فيه الآراء والظنون، وما ذكرته فيه هو الأوفق بالسنة وغير مناف للقواعد وإن لم أر من سبقني إليه" (١). التقويم: العصمة لغة: اسم مصدر من "عَصَمَ". يقول ابن فارس: "العين، والصاد، والميم، أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد" (٢). والمراد بها اصطلاحًا: الالتزام بالمأمورات والبعد عن المنهيات (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العصمة مطلقًا ... هي فعل المأمور وترك المحذور" (٤). وعليه فالمراد بالبحث في عصمة الملائكة هو البحث في تحقق هذا المعنى في حقهم من عدمه. ولتحقيق ذلك يقال: اتفق المسلمون على عصمة المرسلين من الملائكة، واختلفوا فيمن عداهم. يقول القاضي عياض (٥) ﵀: "أجمع المسلمون على أن الملائكة

стр. 374

مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة ... واختلفوا في غير المرسلين منهم: فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ... وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين. والصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم" (١). وعليه فما ذكره ابن حجر ﵀ من ترجيح القول بعصمة الجميع هو الصواب الذي تعضده الأدلة، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]. وقوله سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وقوله ﵎: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. فهذه الآيات دلت بمجموعها على فعلهم المأمورات وتركهم المنهيات، ومبالغتهم في الاشتغال بعبادة الله، واصطفاء الله سبحانه منهم، وقد سيقت كلها في معرض التمدح، وإذا كان شأنهم كذلك لم يبق للمعصية

стр. 375

عليهم سبيل (١). وأما هاروت وماروت الوارد ذكرهما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فقد اختلف أهل العلم فيهما على قولين: الأول: أنهما ليسا من الملائكة، وإنما هما شيطانان، و (ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ نافية، وعلى قول هؤلاء فلا إشكال في الآية. الثاني: أنهما من الملائكة، و (ما) في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ موصولة (٢)، واختلف هؤلاء في الجواب عن قصتهما: فمنهم من ذهب إلى القول بأنه يمكن أن تكون هذه شريعة من الشرائع، ثم نسخت، كما نسخ غيرها من الشرائع (٣). ومنهم من ذهب إلى القول بأن هذا من امتحان الله لعباده، وهو أمر جائز (٤). ومنهم من ذهب إلى القول بأن فعلهما ليس بمعصية، وأنهما لم يعصيا، لكونهما يعلمان الناس السحر تعليم إنذار وتحذير، لا تعليم دعاء إليه (٥).

стр. 376

ومنهم من ذهب إلى القول بأن ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة لا يعارضه ما ورد في قصة هاروت وماروت، لكونهما قد سبق في علم الله لهما ذلك، فيكون تخصيصًا لهما (١). وما ذكره ابن حجر ﵀ في الجواب عن الآية هو بمعنى هذا. وأما ما ذكره من تفصيل قصتهما وحكمه بصحتها، فالجواب عنه أن يقال: إن القصة رويت مرفوعة وموقوفة. فأما الرواية المرفوعة: فقد وردت من حديث ابن عمر، وعلي ﵄. فأما حديث ابن عمر: فقد أخرجه أحمد (٢)، وعبد بن حميد (٣) (٤)، وابن حبان (٥)، والبزار (٦)، والبيهقي (٧)، وابن السني (٨) (٩) من طرق عن يحي بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بنحو القصة المذكورة. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم الحذاء ... ذكره ابن أبي حاتم (١٠) في كتاب الجرح

стр. 377

والتعديل (١)، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وروي له متابع من وجه آخر عن نافع: كما قال ابن مردويه (٢): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر سمع النبي ﷺ يقول فذكره بطوله. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين - وهو سُنَيْد صاحب التفسير - حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع ... وهذان - أيضًا - غريبان جدًّا. وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ ... فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم" (٣). وأما حديث علي ﵁. فقد أخرجه ابن مردويه من طريق مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ مرفوعًا. وأخرجه ابن السني (٤) وابن مردويه من طريق جابر، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ مرفوعًا (٥).

стр. 378

قال ابن كثير: "وهذا أيضًا لا يصح، وهو منكر جدًّا، والله أعلم" (١). وأما الرواية الموقوفة: فقد وردت من قول جماعة من الصحابة كعلي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ ومن قول جماعة من التابعين ككعب الأحبار، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، والسدي (٤). وغيرهم - رحمهم الله تعالى - (٥). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت ... فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل" (٦). هذا وقد ضعف القصة برواياتها وأنكرها جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا (٧). وحاصل الكلام أن القصة راجعة "في تفاصيلها إلى أخبار بني

стр. 379

إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال" (١). * * *

стр. 380

الفصل الثاني آراؤه في الإيمان بالكتب وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف الكتب. المبحث الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه. المبحث الثاني: نزول القرآن ومعناه. المبحث الثالث: إعجاز القرآن.

стр. 381

تمهيد في تعريف الكتب الكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب. يقول ابن فارس: "الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا" (١). وقد أشار إلى ذلك ابن حجر ﵀ فقال: "الكتب ... لغة: الضم والجمع" (٢)، "يقال: كتب يكتب كَتْبًا وكتابة وكتابًا ... وبه يعلم أن معنى هذه المادة يدور على الجمع وضم الشيء إلى الشيء ... " (٣). والمراد بالكتب هنا - التي يجب الإيمان بها -: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (٤). وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى بعضها بقوله: "الكتب: هي التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، والصحف ... " (٥).

стр. 382

المبحث الأول معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه بَيّن ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالكتب، وأن ذلك يتضمن أمورًا عديدة، فقال: " [الإيمان بالكتب]: أي بأنها كلام الله تعالى الأزلي القديم بذاته، المنزه عن الحرف والصوت، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حق وصدق، وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ" (١). ويذكر ما يتميز به القرآن الكريم على جملة الكتب المنزلة، فيقول: "ويميز القرآن بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر أحد منهم على الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وبأن يتلوه حق تلاوته خشوعًا وتدبرًا، ورعاية لما يجب له مما اتفق عليه القراء، ويذب عنه تأويل المحرفين، وطعن الطاعنين، ويصدق بجميع ما فيه، ويقف مع أحكامه، ويتفهم أمثاله وعلومه ... " (٢). التقويم: الإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان: الأول: ما لم يرد تسميته في القرآن والسنة، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالًا.

стр. 383

الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة، وهي: ١ - التوراة: المنزل على موسى ﵇. ٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى ﵇. ٣ - الزبور: المنزل على داوود ﵇. ٤ - صحف إبراهيم ﵇. ٥ - صحف موسىى ﵇. ٦ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد ﷺ ، وهو آخرها. فهذه يجب الإيمان بها على التعيين، ويزيد القرآن عليها - خاصة - بعد نزوله ونسخه لها بوجوب تصديقه والعمل بما فيه (١). يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، ولا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى. وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب ... " (٢). وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر ﵀ في تقريره لمفهوم الإيمان بالكتب، وبيانه لما يتضمنه يشتمل على حق وباطل. فأما ما اشتمل عليه من الحق: فقوله: بأن الإيمان بها يتضمن الإيمان بكونها كلام الله تعالى، وأنه سبحانه أنزلها على رسله ﵈ وأن ما تضمنته حق وصدق، وأن النسخ واقع بينها وفيها، وأن القرآن الكريم يتميز عنها بوجوب الإقرار بما فيه، والعمل به.

стр. 384

وأما ما اشتمل عليه من الباطل، فيمكن إجماله ومناقشته فيما يلي: ١ - قوله بأن الكتب هي كلام الله القديم بذاته؛ ووجه كون كلامه هذا باطلًا، أن وصف القدم إما أن يريد به الكلام الذي هو صفته سبحانه، أو الكتب التي تضمنت ذلك الكلام، وعلى كلا التقديرين فكلامه باطل؛ لأن كلام الله تعالى الذي هو صفته من حيث هو قديم النوع حادث الآحاد فإطلاق القدم عليه مطلقًا لا يصح إلا على قول الأشاعرة ومن وافقهم من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه سبحانه - وقد تقدم مناقشته والرد عليه - وأما وصف كتبه سبحانه بكونها كلامه القديم أو أنها قديمة فمما لا يعرف عن السلف ﵏ وأول من عرف عنه أنه أطلق القدم على القرآن هو عبد الله بن كلاب. وهاتان المسألتان - أعني: وصف كلام الله ووصف كتبه بالقدم - متلازمتان، وكل واحدة منهما فرع عن الأخرى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكما لم يقل أحد من السلف [يعني: عن القرآن] إنه مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحدًا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ... وأول من عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول. فمنهم من قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ... ومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية ... وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته ... " (١). ٢ - قوله بأن الكتب هي كلام الله المنزه عن الحرف والصوت - وقد تقدم الرد على ذلك وبيان مخالفته لمعتقد أهل السنة والجماعة بما يغني عن إعادته - (٢). ٣ - قوله بأن ألفاظ الكتب حادثة أي: مخلوقة - وقد تقدم الرد عليه كسابقه - (٣).

стр. 385

المبحث الثاني نزول القرآن ومعناه حكى ابن حجر ﵀ اتفاق أهل السنة على أن القرآن الكريم منزل، وذكر اختلافهم في معنى تنزيله، والمنزل منه، فقال: "اعلم أنهم اختلفوا في كيفية إنزال القرآن - بعد اتفاق أهل السنة على أن كلام الله منزل -. فقيل: إنزاله إظهار قراءته. وقيل: إلهامه تعالى كلامه لجبريل وتعليمه قراءته، ثم جبريل أداه لنبينا ﷺ قيل: بأن انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة ثم أخذه من جبريل، وقيل: بل جبريل هو الذي انخلع من الملكية حتى أخذه منه النبي ﷺ ... وحكى بعضهم في المُنزّل عليه ﷺ ثلاثة أقوال: أحدها: اللفظ والمعنى، وجبريل حفظ اللفظ من اللوح المحفوظ ونزل به. ثانيها: أنه إنما نزل بالمعاني خاصة، ونبينا ﷺ علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب ... وثالثها: أن الذي نزل على جبريل المعنى فعبر عنه بلغة العرب ثم نزل بتلك الألفاظ على النبي ﷺ " (١). ويبين ابن حجر ﵀ رأيه في هاتين المسألتين فيقول: "الذي يتعين ترجيحه

стр. 386

بحسب الأدلة أن المنزل عليه ﷺ اللفظ والمعنى، وأن ذلك ليس من اختراع جبريل، وإنما أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ" (١). التقويم: تواترت النصوص من الكتاب والسنة على أن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢]. وقال : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر: ١]. وأحاديث أسباب نزول الآيات كلها تدل على نزول القرآن الكريم من الله ﵎ (٢). وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم منزل، ووافقهم على ذلك الأشاعرة - الذين حكى ابن حجر اتفاقهم في كلامه السابق واصفًا لهم بأهل السنة كعادته -. ثم اختلفوا في معنى نزوله، والمنزل منه: فقال أهل السنة والجماعة: نزل من الله لفظًا ومعنى، وسمعه جبريل منه سبحانه، وسمعه محمد ﷺ من جبريل، وليس لجبريل ﵇ ولا لمحمد ﷺ فيه إلا التبليغ والأداء، وهذا هو معنى قولهم: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود (٣).

стр. 387

واضطرب الأشاعرة ومن وافقهم في ذلك، وتعددت أقوالهم، نتيجة لزعمهم أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه ليس بحرف ولا صوت (١). وقد حكى ابن حجر اختلافهم في هاتين المسألتين وأقوالهم فيها، والذي يعنيني هنا هو ما اختاره من هذه الأقوال، ورجحه على غيره، وهو القول بأن المنزل هو اللفظ والمعنى، وأن معنى نزوله هو أن جبريل ﵇ أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ. وقد أفاض شيخ الإِسلام في بيان هاتين المسالتين، وذكر الحق فيهما بما لا مزيد عليه، وفيما يلي طرف من كلامه. قال ﵀: "القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣]. فأمره أن يقول: "نزّله روح القدس من ربك بالحق"، والضمير في قوله: "قل نزّله" عائد على ما في قوله: "بما ينزل" والمراد به القرآن، كما يدل عليه سياق الكلام ... وقوله: "نزله روح القدس من ربك بالحق"، بيان لنزول جبريل به من الله، فإن روح القدس هنا هو جبريل، بدليل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] ...

стр. 388

وهذه الآية تبطل قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من الله بل مخلوق: إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره، فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا ... والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره؛ فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل: قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجردة. وأيضًا فضمير المفعول في قوله: "نزّله" عائد على ما في قوله: "والله أعلم بما ينزل" فالذي أنزله الله هو الذي نزّله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزّله من الله، فلا يكون شيء منه نزّله من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزّله من نفسه. وأيضًا فإنه قال عقيب هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر ... والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، فعُلم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من الله عُلم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه.

стр. 389

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، إلى قوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] " (١). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - في هاتين المسألتين متعقب بما يلي: أولًا: أن قوله بأن المنزل من القرآن اللفظ والمعنى يناقض قوله بأن كلام الله سبحانه لفظ مشترك بين المعنى القائم بذاته تعالى الذي هو صفته وبين اللفظ المؤلف الذي هو خلقه. ووجه ذلك: أن القول بأن القرآن منزل من الله، وأن المنزل منه اللفظ والمعنى يقضي أن القرآن لفظًا ومعنى هو من عند الله، بينما يرى ابن حجر أن القرآن معناه من الله تعالى وهو الكلام القائم بذاته، وأما لفظه فهو لفظ جبريل ﵇ أو محمد ﷺ كما سبق - (٢). وعليه فإن ابن حجر وإن وافق أهل السنة في ظاهر اللفظ، إلا أنه خالفهم في حقيقة المعنى المراد به. ثانيًا: أن قوله بأن معنى نزول القرآن هو أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ باطل من وجوه: ١ - أن قوله هذا مبني على ما ذهب إليه في كلام الله سبحانه حيث زعم أن كلام الله تعالى الذي هو صفته معنى قائم بالنفس وأنه ليس بحرف ولا صوت، وليس بمسموع على الحقيقة - وقد سبق نقل ذلك عنه وبيان بطلانه - (٣) ولا شك أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا. ٢ - أن لفظ الإنزال ورد في النصوص مطلقًا ومقيدًا، ولم يرد مقيدًا بالإنزال منه سبحانه إلا في حق القرآن، فدل ذلك على أن نزول

стр. 390

القرآن الكريم منه سبحانه نزولٌ حقيقيٌّ، وأن جبريل سمعه من الله ونزل به من عنده (١). ٣ - أن النصوص دلت على أن القرآن الكريم ينزل شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. فالمحدث في الآية ليس هو المخلوق ولكنه الذي أنزل جديدًا (٢). ٤ - أن النصوص قد دلت على أن جبريل يسمع الوحي من الله تعالى حقيقة دون واسطة، والقرآن من جملة الوحي، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق" (٣). ٥ - أن القول بذلك يستلزم أن يكون القرآن العربي هو لفظ جبريل أو
следующие страницы →