← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بحسب الأدلة أن المنزل عليه ﷺ اللفظ والمعنى، وأن ذلك ليس من اختراع جبريل، وإنما أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ" (١). التقويم: تواترت النصوص من الكتاب والسنة على أن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢]. وقال : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر: ١]. وأحاديث أسباب نزول الآيات كلها تدل على نزول القرآن الكريم من الله ﵎ (٢). وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم منزل، ووافقهم على ذلك الأشاعرة - الذين حكى ابن حجر اتفاقهم في كلامه السابق واصفًا لهم بأهل السنة كعادته -. ثم اختلفوا في معنى نزوله، والمنزل منه: فقال أهل السنة والجماعة: نزل من الله لفظًا ومعنى، وسمعه جبريل منه سبحانه، وسمعه محمد ﷺ من جبريل، وليس لجبريل ﵇ ولا لمحمد ﷺ فيه إلا التبليغ والأداء، وهذا هو معنى قولهم: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود (٣).

стр. 387

واضطرب الأشاعرة ومن وافقهم في ذلك، وتعددت أقوالهم، نتيجة لزعمهم أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه ليس بحرف ولا صوت (١). وقد حكى ابن حجر اختلافهم في هاتين المسألتين وأقوالهم فيها، والذي يعنيني هنا هو ما اختاره من هذه الأقوال، ورجحه على غيره، وهو القول بأن المنزل هو اللفظ والمعنى، وأن معنى نزوله هو أن جبريل ﵇ أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ. وقد أفاض شيخ الإِسلام في بيان هاتين المسالتين، وذكر الحق فيهما بما لا مزيد عليه، وفيما يلي طرف من كلامه. قال ﵀: "القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣]. فأمره أن يقول: "نزّله روح القدس من ربك بالحق"، والضمير في قوله: "قل نزّله" عائد على ما في قوله: "بما ينزل" والمراد به القرآن، كما يدل عليه سياق الكلام ... وقوله: "نزله روح القدس من ربك بالحق"، بيان لنزول جبريل به من الله، فإن روح القدس هنا هو جبريل، بدليل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] ...

стр. 388

وهذه الآية تبطل قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من الله بل مخلوق: إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره، فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا ... والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره؛ فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل: قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجردة. وأيضًا فضمير المفعول في قوله: "نزّله" عائد على ما في قوله: "والله أعلم بما ينزل" فالذي أنزله الله هو الذي نزّله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزّله من الله، فلا يكون شيء منه نزّله من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزّله من نفسه. وأيضًا فإنه قال عقيب هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر ... والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، فعُلم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من الله عُلم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه.

стр. 389

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، إلى قوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] " (١). وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - في هاتين المسألتين متعقب بما يلي: أولًا: أن قوله بأن المنزل من القرآن اللفظ والمعنى يناقض قوله بأن كلام الله سبحانه لفظ مشترك بين المعنى القائم بذاته تعالى الذي هو صفته وبين اللفظ المؤلف الذي هو خلقه. ووجه ذلك: أن القول بأن القرآن منزل من الله، وأن المنزل منه اللفظ والمعنى يقضي أن القرآن لفظًا ومعنى هو من عند الله، بينما يرى ابن حجر أن القرآن معناه من الله تعالى وهو الكلام القائم بذاته، وأما لفظه فهو لفظ جبريل ﵇ أو محمد ﷺ كما سبق - (٢). وعليه فإن ابن حجر وإن وافق أهل السنة في ظاهر اللفظ، إلا أنه خالفهم في حقيقة المعنى المراد به. ثانيًا: أن قوله بأن معنى نزول القرآن هو أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني أو من اللوح المحفوظ باطل من وجوه: ١ - أن قوله هذا مبني على ما ذهب إليه في كلام الله سبحانه حيث زعم أن كلام الله تعالى الذي هو صفته معنى قائم بالنفس وأنه ليس بحرف ولا صوت، وليس بمسموع على الحقيقة - وقد سبق نقل ذلك عنه وبيان بطلانه - (٣) ولا شك أن ما بني على باطل فلا بد أن يكون باطلًا. ٢ - أن لفظ الإنزال ورد في النصوص مطلقًا ومقيدًا، ولم يرد مقيدًا بالإنزال منه سبحانه إلا في حق القرآن، فدل ذلك على أن نزول

стр. 390

القرآن الكريم منه سبحانه نزولٌ حقيقيٌّ، وأن جبريل سمعه من الله ونزل به من عنده (١). ٣ - أن النصوص دلت على أن القرآن الكريم ينزل شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. فالمحدث في الآية ليس هو المخلوق ولكنه الذي أنزل جديدًا (٢). ٤ - أن النصوص قد دلت على أن جبريل يسمع الوحي من الله تعالى حقيقة دون واسطة، والقرآن من جملة الوحي، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق" (٣). ٥ - أن القول بذلك يستلزم أن يكون القرآن العربي هو لفظ جبريل أو

стр. 391

محمد ﷺ (١)، وهو ما يقرره ابن حجر ﵀ وأسلافه من الأشاعرة - وقد سبق نقل قوله في ذلك والرد عليه - (٢). ٦ - أن القول بأن معنى نزول القرآن أن جبريل أخذه بالتلقي الروحاني، أو من اللوح المحفوظ يلزم منه لوازم باطلة: إذ يلزم من قال بأن معنى ذلك تلقي جبريل له روحانيًا أن يكون جبريل ألهمه إلهامًا، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وقد أوحى الله إلى سائر النبيين، فيكون هذا الوحي لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن جبريل؛ لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء (٣). كما أنه يلزم من قال بأن معنى نزوله أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أن يكون بنو إسرائيل الذين أخذوا التوراة من الألواح التي كتبها الله لموسى أعلى منزلة من محمد ﷺ الذي أخذ القرآن من جبريل الذي أخذه من اللوح المحفوظ (٤). وعليه فالقول الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من كون القرآن الكريم نزل من عند الله لفظًا ومعنى، وتكلم به سبحانه على الحقيقة وسمعه جبريل منه، وبلغه محمدًا ﷺ كما سمعه، والقول بذلك لا ينافي كتابته في اللوح المحفوظ ونزوله جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا قبل نزول جبريل به منجمًا على محمد ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقررًا ذلك: "وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ

стр. 392

قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] " (١). وبهذا يظهر خطأ ابن حجر في قوله، ومخالفته لمذهب أهل السنة والجماعة في هاتين المسألتين. * * *

стр. 393

المبحث الثالث إعجاز القرآن يعرف ابن حجر ﵀ المعجزة بأنها: "الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" (١). ويرى أن هذا المعنى بشروطه المقررة متحقق في القرآن الكريم، حيث يقول: "وهذه الشروط جميعًا موجودة في القرآن فكان معجزة" (٢). ويبين وجه كون القرآن الكريم من معجزات النبي ﷺ الدالة على نبوته، فيقول: "إن الشعراء والبلغاء فضلًا عن غيرهم ... في قريش وغيرهم ... أظهروا عوار عجزهم عن المعارضة، وعثار عقلهم عن المناقضة، ومن ثم كان عجزهم عن ذلك أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لأن قوم عيسى لم يكونوا يطمعون في ذلك، ولا يتعاطون علمه، وقريش كان أعلى أربهم، ومنتهى طلبهم، التفنن في أفننة الفصاحة، والتنزه في رياض البلاغة ... فدل عجزهم عنه مع ذلك، على أنه إنما هو لكونه من أعلام نبوته، وبراهين رسالته ... إذ محال أن يلبثوا ثلاثًا وعشرين سنة، على السكوت عن معارضة آية منه، المستلزمة لنقض أمره، وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم ... " (٣). ويذكر أن إعجاز القرآن الكريم ليس محصورًا في وجه دون آخر،

стр. 394

فيقول: "وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر" (١). ويختم ابن حجر ﵀ كلامه في هذه المسألة بالرد على المعتزلة في قول بعضهم بالصِّرفة، وقول آخرين منهم بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه. حيث يقول في الرد على القول بالصِّرفة: "القول بالصِّرفة ... للنظام (٢) من المعتزلة ... أفسدوه: بأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] دليل ظاهر على عجزهم مع بقاء قدرتهم، إذ لو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى ... وبأن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، والقول بالصِّرفة يلزمه إضافته إلى الله تعالى، لا إلى القرآن، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي، وفيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة باقية أظهر من القرآن. ويلزم الصِّرفة أيضًا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره" (٣). ويقول في الرد على القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه: "زعم بعضهم أن الإعجاز إنما هو بمجموع القرآن لا بكل سورة؛ لأن ما فيه من أنواع الإعجاز السابقة إنما يستفاد من مجموعه. وهذه مقالة فاسدة، لا يعوّل عليها، لمنافاتها لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، ... فالصواب خلاف هذه المقالة، بل قائلوها معتزلة لا يقام لهم وزن" (٤).

стр. 395

التقويم: القول بإعجاز القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي ﷺ ، وأبينها، وأعلاها، وأشرفها. وبما سبق نقله عن ابن حجر ﵀ في هذه المسألة، وتقريراته في فروعها يتبين ما يلي: ١ - أن ما ذكره في تعريف المعجزة وشروطها مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة - كما سيأتي - (١). ٢ - أن ما قرره من إعجاز القرآن، ودلالته على نبوة محمد ﷺ هو محل إجماع أهل القبلة - وإن اختلفوا في وجه إعجازه - (٢). وقد وردت النصوص بإثبات ذلك، وتقريره: قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. وقال : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]. يقول العلامة ابن القيم ﵀: "من المحال أن يأتي واحد بكلام يفتعله، ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق عن ذلك" (٣). وقال: "ما من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم

стр. 396

تابعًا يوم القيامة" (١). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه: "قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ" أي: أن معجزتي التي تحديت بها، الوحي الذي أنزل علي، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدّمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره" (٢). وفي تقرير هذه المعاني، وبيان دلالتها على نبوته ﷺ يقول الحافظ البيهقي ﵀: "من دلائل نبوته ﷺ أنه كان أمِّيًا لا يخط كتابًا بيمينه، ولا يقرؤه، ولد في قوم أميِّين، ونشأ بين ظهرانيهم في بلد ليس بها عالم يَعرِفُ أخبار المتقدمين، وليس فيهم مُنجِّم يتعاطى علم الكوائن ... وكل ذلك معلوم عند أهل بلده، مشهود عند ذوي المعرفة والخبرة بشأنه، يعرفه العالم والجاهل، والخاص والعام منهم، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهب معالم تلك الكتب، ودرست، وحُرِّفت عين مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها، وأهل المعرفة بصحيحها من سقيمها إلا القليل، ثم حاجَّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حُذَّاق المتكلمين، وجهابذة المحصلين، لم يتهيأ لهم نقض شيء منه، فكان ذلك من أدل شيء على أنه أمر من عند الله " (٣). ٣ - أن ما قرره من كون إعجاز القرآن لا ينحصر في وجه دون آخر موافق لقول المحققين من أهل العلم (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ... بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ،

стр. 397

ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة ... وكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له" (١). وقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه (٢)، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهًا (٣). ٤ - أن ما ذكره في الرد على أقوال بعض المعتزلة ومن وافقهم، وبيان بطلانها، حق لا مرية فيه. فالقول بالصِّرفة مأثور عن النظام (٤) ووافقه عليه بعض المعتزلة (٥)، والشيعة الإمامية (٦)، والفلاسفة (٧). ومرادهم به -على اختلاف بينهم في تحقيقه-: أن إعجاز القرآن هو في صرف الناس عن معارضته لا في القرآن نفسه (٨). وجمهور الأمة على رد هذا القول وإبطاله؛ للأدلة المتواترة على

стр. 398

بطلانه، وكثرة الإيرادات عليه، وقد ذكر ابن حجر بعضًا منها -فيما سبق نقله عنه- بما يغني عن الإطالة بتسطيرها (١). وأما القول بأن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه فهو منقول عن بعض المعتزلة، ولم أجد من عين القائل منهم بذلك، وهو أحد الأقوال في مسألة القدر المعجز من القرآن، وهو مردود بما ذكره ابن حجر من وقوع التحدي بالإثبات بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة منه (٢). وبهذا يظهر موافقة ابن حجر ﵀ لما قرره أهل السنة والجماعة في مسألة إعجاز القرآن وفروعها، عدا تعريفه المعجزة، وبيانه لشروطها، والتي سيأتي بسط كلامه فيها وتقويمه. * * *

стр. 399

الفصل الثالث آراؤه في الإيمان بالرسل وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما. المبحث الأول: آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا. المبحث الثاني: آراؤه في الإيمان بنبينا محمد ﷺ . المبحث الثالث: آراؤه في كرامات الأولياء.

стр. 400

تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما النبي: مأخوذ من (النبأ) بمعنى الخبر، أو (النَّبَاوَة) أو (النَّبْوَة) بمعنى العلو والرفعة (١). والرسول مأخوذ من (الإرسال) بمعنى التوجيه، أو (الرَّسلُ) بمعنى التتابع (٢). وكل هذه المعاني متحققة في النبي والرسول. وقد أشار ابن حجر إلى ذلك فقال: "النبيء بالهمزة من النبأ وهو الخبر؛ لأن النبي مخبر عن الله تعالى، وبتركه من النبا مهملًا ومن النَبَوة وهي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره" (٣)، "والرسل جمع رسول" (٤). وقد اختلف الناس في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما على قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما (٥).

стр. 401

ثانيهما: أنهما متغايران (١). والقول بالمغايرة بينهما، وثبوت الفرق فيهما هو قول الجمهور، وإن اختلفوا في تحديد وجهه (٢). والقول بذلك هو ما قرره ابن حجر ﵀ حيث قال في تعريف النبي والرسول: "هو ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ" (٣). ويشكل على ما ذكره ابن حجر ﵀ في الفرق بين النبي والرسول ثبوت الإرسال في حق النبي، وحصول الكتمان بعدم البلاغ. يقول العلامة الشنقيطي ﵀: "آية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير" (٤). ولهذا فإن أصح التعاريف وأسلمها من الاعتراضات -فيما يظهر لي- تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: "النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خَالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول ... " (٥).

стр. 402

وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (١). يقول العلامة السفاريني ﵀: "بيّن النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح خلافًا لابن عبد السلام (٢) (٣) (٤). وقد قرر ابن حجر ﵀ ذلك في مواضع من كتبه، ورد على العز بن عبد السلام قوله هذا، منها قوله: "مر تفسير (النبي والرسول) بما يُعلم منه أن بينهما عمومًا مطلقًا ... ورُد ما عليه ابن عبد السلام من تفضيل النبوة لتعلقها بالحق على الرسالة لتعلقها بالخلق؛ ووجه رده أن الرسالة فيها التعلقان كما هو ظاهر، والكلام في نبوة الرسول مع رسالته وإلا فالرسول أفضل من النبي قطعًا" (٥). * * *

стр. 403

المبحث الأول آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا بين ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالرسل، وتحدث عن المفاضلة بينهم، وعرض لنبوة من اختلف في نبوته منهم، وأوسع الكلام في عصمتهم. وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، مع التعقيب عليها بتقويمها: أولًا: معنى الإيمان بالرسل: يرى ابن حجر ﵀ أن الإيمان بالرسل يعني الإيمان بأن الله "أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم، وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيَّدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته، وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا نفرِّق بين أحد منهم كما في الإيمان به، وأنه نزههم عن كل وصمة ونقص ... " (١). التقويم: الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى. الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح -عليهم الصلاة والسلام- وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا.

стр. 404

الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم. الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ المرسل إلى جميع الناس (١). يقول الإمام محمد بن نصر المروزي (٢) ﵀: (الإيمان بالرسل) "أن تؤمن بمن سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن لله سواهم رسلًا، وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد ﷺ ، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل، إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد ﷺ إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به" (٣). وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في معنى الإيمان بالرسل، وبيانه لما يتضمنه موافق لما قرره أهل السنة والجماعة. ثانيًا: المفاضلة بين الأنبياء: يرى ابن حجر ﵀ جواز المفاضلة بين الأنبياء، وأن النصوص الواردة في النهي عن ذلك مؤولة، فيقول: "جواز التفضيل بين الأنبياء هو ما عليه عامة العلماء ... وأما قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] فهو باعتبار الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم. وأما الأحاديث الصحيحة: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (٤)، "لا تخيروا

стр. 405

بين الأنبياء" (١)، فهي إما قبل علمه بالتفضيل، أو على تفضيل يؤدي إلى تنقيص أو إلى نقص مقام أحدهم، وعليهما يدل سياق الحديث، أو على التفضيل في ذات النبوة والرسالة، فإنهم كلهم مشتركون في ذلك، لا يتفاوتون فيه، وإنما يتفاوتون في زيادة الأحوال والمعارف والخصوصيات والكرامات. وزعم حملها على التفضيل بآرائنا ليس في محله؛ لأن تفضيل ذلك بالرأي المحض مجمع على منعه، وبالدليل الدال عليه لا وجه لمنعه. وأما الحديثان الصحيحان: "ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى" (٢)، "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب" (٣). فحكمة التخصيص فيها بيونس نفي توهم التفاوت بينهما في القرب من الحق لاختلاف محلهما الصوري برفع نبينا ﷺ إلى قاب قوسين، ونزول يونس إلى قعر البحر، أي: لا تتوهموا من هذا التفاوت الصوري تفاوتًا في القرب والبعد من الله تعالى، بل نسبة كل إليه واحدة، وإن تفاوت مكاناهما ... " (٤). ويقرر ابن حجر أفضلية نبينا محمد ﷺ على من سواه، فيقول: "وهو أفضل المخلوقين كلهم بشهادة قوله ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة". رواه البخاري (٥) ....

стр. 406

وقوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من بني آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" رواه الترمذي (١). ومن هذا ... عُلِمَت أفضليته على آدم، فقوله: أنا سيد ولد آدم إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم فإذا فضل نبينا الأفضل من آدم فقد فضل آدم بالأولى ... " (٢). ويجمل ابن حجر الكلام في المفاضلة بين بقية الرسل والأنبياء، فيقول: "أرسل تعالى رسله بالمعجزات وخص نبينا ﷺ ... المفضل عليهم، ثم بقية أولي العزم، ويتردد النظر في نوح وعيسى، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء" (٣). وقال: "إبراهيم أفضل الأنبياء بعد محمد ﷺ " (٤). التقويم: القول بجواز المفاضلة بين الأنبياء والرسل مما تدل عليه نصوص الكتاب، والسنة، والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].

стр. 407

ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ... " (١). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء كافة على أن الرسل أفضل من الأنبياء -كما سبق (٢) - وأجمعوا على المفاضلة بين آحادهم -كما سيأتي- (٣). وأما النصوص الواردة في النهي عن المفاضلة -والتي ذكر ابن حجر بعضها- فقد اختلف أهل العلم في توجيهها، وذهبوا في ذلك مذهبين: أحدهما: مذهب الجمع: وهو مذهب أكثر أهل العلم، واختلف هؤلاء في وجهه على أقوال (٤)، وقد ذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضًا منها. والثاني: مذهب النسخ: وهو مذهب بعض أهل العلم، حيث قالوا بنسخ نصوص النهي عن التفضيل بما ورد في المفاضلة (٥). وأصح المذهبين -فيما يظهر لي- مذهب الجمع، وأولى الأقوال فيه القول بأن نصوص النهي عن المفاضلة محمولة على ما كان يؤدي إلى توهم لنقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، ونصوص المفاضلة محمولة على ما خلا عن ذلك (٦). وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من كون القول بجواز المفاضلة هو ما عليه عامة العلماء، وأن النهي عن ذلك لا يعارضه مما وافق فيه أهل العلم، وأصاب فيه الحق. وأما تحقيق القول في المفاضلة، بين الرسل والأنبياء فلا شك ولا

стр. 408

ريب أن أفضل الرسل نبينا محمد ﷺ ؛ لتواتر النصوص في ذلك، وقيام إجماع أهل العلم عليه. فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة نصًا وظاهرًا في الدلالة على أفضليته ﷺ على غيره من الأنبياء والرسل، وأوردها غير واحد من أهل العلم ممن كتبوا في خصائصه ﷺ (١)، وأجمعت الأمة على القول بمقتضاها (٢). يقول القاضي عياض ﵀: "لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة، عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا" (٣). وقرر السلف ذلك في عقائدهم، وعدوه من معاقد العقائد، التي يجب الإيمان بها، فقد عقد الإمام الآجري في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: "باب ما فضل الله به نبينا ﷺ في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈" (٤)، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: "فصل: ونعتقد أن محمدًا المصطفى خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله ، وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة" (٥). ويلي نبينا محمدًا ﷺ في الفضل بقية أولي العزم الذين أثنى الله عليهم، وأمر نبيه بالاقتداء بهم في قوله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقد اختلف أهل العلم في تعيينهم، فمنهم من عينهم بالصفة، ومنهم من عينهم بالتسمية، وأصح الأقوال أنهم الخمسة المذكورون نصًا في

стр. 409

قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ " (٢). وقد اختلف في المفاضلة بينهم، وحكى الخلاف غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة السفاريني ﵀ حيث قال: "اختلف العلماء فيمن يلي النبي ﷺ في الفضيلة منهم، والمشهور أنه إبراهيم خليل الرحمن، لما ورد أن إبراهيم ﵇ خير البرية (٣)، خص منه محمد ﷺ بإجماع، فيكون أفضل من موسى وعيسى ونوح ﵈، والثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي ينقدح في النفس تفضيل موسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام" (٤). ومما سبق يتضح صواب رأي ابن حجر ﵀ في المفاضلة بين الأنبياء، وموافقته في ذلك لجمهور أهل العلم. ثالثًا: رأيه في نبوة من اختلف في نبوته: تحدث ابن حجر ﵀ عن نبوة بعض من اختلف في نبوته ورجح ما

стр. 410

رآه راجحًا فيهم، وقد ذكر منهم: الخضر، وإخوة يوسف، وإبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ ، ولقمان، وذا القرنين. وفيما يلي بيان رأيه في كل منهم، معقبًا عليه بتقويمه: ١ - الخضر: يرى ابن حجر ﵀ نبوة الخضر، كما يرى استمرار حياته وتعميره، فقد سئل عن نبوته وحياته، فأجاب بأن: "المعتمد حياته ونبوته" (١). التقويم: الخضر بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، عبد من عباد الله، ذكرت قصته مع نبي الله موسى ﵇ في القرآن الكريم مجملة، وفصلت بعض أحواله في السنة النبوية، وقد اختلف الناس حوله اختلافًا كثيرًا (٢). يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الخضر اختلف في اسمه، وفي اسم أبيه، وفي نسبه، وفي نبوته، وفي تعميره" (٣). وقد اقتصر كلام ابن حجر حوله على تحقيق القول في نبوته وحياته، ولذا سأقتصر في تقويمه عليهما. فأما ما يتعلق بنبوته: فقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال أشهرها قولان: أحدهما: أنه نبي وهو قول الجمهور، واختلف القائلون به في كونه نبيًّا رسولًا أو نبيًّا فقط، وأكثرهم على القول بنبوته دون رسالته (٤).

стр. 411

والثاني: أنه ولي لا نبي، وهو قول بعض الصوفية ومن وافقهم (١). والصحيح قول الجمهور بأنه نبي لا ولي، وقول من قال منهم بنبوته دون رسالته، والأدلة على ذلك كثيرة، وقد ذكرها غير واحد من أهل العلم. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته" (٢). ويقول العلامة الألوسي ﵀: " ... والمشهور ما عليه الجمهور [يعني القول بنبوته] وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين" (٣). وأما ما يتعلق بحياته وتعميره: فقد اختلف أهل العلم فيها أيضًا على قولين: أحدهما: القول بوفاته، وهو ما عليه المحققون من أهل العلم (٤). والثاني: القول بتعميره، وهو قول لبعض الصوفية ومن وافقهم (٥)، وحكاه بعضهم عن أكثر أهل العلم (٦)، وفي حكايته نظر ظاهر. والأدلة من الكتاب والسنة والمعقول تدل على قول من قال بوفاته وتؤيده. فمن الكتاب: أ- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز

стр. 412

تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله (١). ب - قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس ﵁: "ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء، ليؤمن به وينصرنه" (٢). فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن النبي ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، ولم يثبت أن الخضر اجتمع مع النبي ﷺ -كما سيأتي- فدل ذلك على موته (٣). ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد" (٤). وقوله ﷺ : "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" (٥). قال ابن الجوزي: "فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر" (٦).

стр. 413

وأما المعقول: فقد نقل العلامة ابن القيم عن الحافظ ابن الجوزي -رحمهما الله- وجوهًا من المعقول تدل على موت الخضر، منها: أ - أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولد آدم لصلبه أو الرابع من ولد ولده، ومحال أن يعمر كل هذه المدة الطويلة، فإن مثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر. ب - أن الخضر لو كان كذلك، لكانت خلقته ليست على خلقتنا، بل كان مفرطًا في الطول والعرض، ولم يذكر أحد ممن زعم رؤيته أنه رآه على خلقة عظيمة. ج - أن الخضر لو كان كذلك، لكان ممن مات زمن نوح ﵇ فإن العلماء قد اتفقوا على أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبق غير نسل نوح، بدليل قوله : ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، ومعلوم أن الخضر ليس من نسل نوح عند القائلين بتعميره. د - أنه لو كان حيًّا؛ لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم خيرًا له وأفضل من سياحته بين الوحوش في الصحاري والبراري، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له (١)؟ . وبمجموع هذه الأدلة فإن الراجح -والله أعلم- القطع بموته. وغاية ما استدل به القائلون بتعميره ثلاثة أدلة: الأول: الأحاديث الدالة على بقائه وتعميره، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة (٢).

стр. 414

والثاني: الأقوال المروية عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم، وأكثرها لا تصح عنهم، ومن صحت عنه فهي معارضة بأقوال من خالفه (١). والثالث: القصص والحكايات التي تذكر عن بعض الصالحين ومدعي الولاية من رؤية الخضر والاجتماع به، والاحتجاج بها غير معتبر؛ إذ هي ليست حجة في نفسها، واحتمال الخطأ والكذب فيها غالب (٢). وجملة القول أن "الأخبار الصحيحة النبوية، والمقدمات الراجحة العقلية، تساعد القائلين بوفاته ﵇ أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أيَّ معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن ظواهر تلك الأخبار ... " (٣). ومما سبق يتضح صواب ابن حجر ﵀ في قوله بنبوة الخضر، وخطؤه في قوله بتعميره. ٢ - إخوة يوسف ﵇: يرى ابن حجر ﵀ نبوة إخوة يوسف ﵇ وأنهم الأسباط الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]. حيث يقول في تفسيرهما: "اتفقوا على أن المراد بالأسباط أولاد يعقوب فكوننا أمرنا بالإيمان بما أنزل إلى أبيهم وبما أنزل إليهم ظاهر ونص في أنه أنزل عليهم ما يجب الإيمان به إجمالًا، وهذا صريح في نبوتهم. وعليه فقد يستشكل ما وقع منهم في هذه القصة من الأمور الكثيرة التي ظواهرها يجب تنزيه الأنبياء -صلى الله على نبينا وعليهم وسلم- عنها

стр. 415

بناء على الأصح بل الصواب أن الأنبياء جميعهم من الرسل وغيرهم معصومون قبل النبوة وبعدها من صغائر المعاصي وكبائرها عمدها وسهوها. ويجاب: بأن ذلك يتأتى على مذهب كثيرين، بل نقل عن الأكثرين أن العصمة إنما هي بعد النبوة لا قبلها، والأولى أن يجاب بأن هذه الأمور إنما تشكل على قواعد شرعتنا أما على شرعهم فنحن لا ندريه، وبفرض أنه يوافق شرعتنا في ذلك فيحتمل أن لهم تأويلًا سوّغ لهم ارتكاب ما فعلوه، وتعبير كثير ببغيهم وحسدهم ونحو ذلك من العبارات التي ظاهرها لا يليق بهم إنما هو بناء على عدم نبوتهم كما هو قول فيهم ... " (١). التقويم: اتفق أهل العلم على أن المراد بالأسباط في الآيتين أبناء يعقوب، واختلفوا هل هم أبناؤه لصلبه أم لا؟ (٢). فمن قال إنهم أبناؤه من ذريته، حكم بعدم نبوة إخوة يوسف. ومن قال إنهم أبناؤه لصلبه حكم بنبوة إخوة يوسف، واختلف هؤلاء في الجواب عما وقع منهم: فقال بعضهم: إن زلتهم قد غفرت بندمهم، واستغفار أبيهم لهم، ولا يستحيل في العقل زلة النبي (٣)، ويرد بأن الأنبياء معصومون من الكبائر -كما سيأتي- (٤). وقال آخرون: إنهم لم يكونوا أنبياء حين فعلهم بأخيهم يوسف ذلك، وإنما نبأهم الله بعد توبتهم (٥)، ويرد بأن القول الصحيح أن الأنبياء

стр. 416

معصومون قبل النبوة وبعدها -كما سيأتي- (١). وأما ما ذكره ابن حجر ﵀ في الجواب عما وقع في قصتهم فلم أقف على من ذكره من أهل العلم، وهو غريب منه؛ إذ ما وقع من إخوة يوسف من أصول المحرمات التي تتفق الشرائع على تحريمها. والراجح -والله أعلم- القول بعدم نبوة إخوة يوسف ﵇. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق (يعني: سياق قصتهم) يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم" (٢). ٣ - إبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ -: يرى ابن حجر -غفر الله له- نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ ، حيث سئل عن قول النووي ﵀: "وأما ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم كان نبيًّا) فباطل، وجسارة على الكلام في المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم" (٣) هل هو صحيح أم لا؟ فأجاب بقوله: "قد تعجب منه شيخ الإسلام في الإصابة، وقال: "إنه ورد عن ثلاثة من الصحابة، ولا يظن بالصحابي أنه هجم على مثل هذا بظنه" (٤).

стр. 417

صح عن أنس ﵁ أنه سُئل النبي ﷺ عن ابنه إبراهيم قال: "لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقًا نبيًّا". وفي رواية عن أنس أنه رفع ذلك إلى النبي ﷺ . ورواه ابن مندة والبيهقي عن ابن عباس عن النبي ﷺ . ورواه ابن عساكر عن جابر عن النبي ﷺ . وأخرج أيضًا وقال: فيه من ليس بالقوي عن علي بن أبي طالب: "لما توفي إبراهيم أرسل النبي ﷺ إلى أمه مارية فجاءت وغسلته وكفنته وخرج به وخرج الناس معه فدفنه، وأدخل ﷺ يده في قبره فقال: "أما والله إنه نبي ابن نبي، وبكى وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال ﷺ : "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون" ... ولا بُعد في إثبات النبوة له مع صغره لأنه كعيسى القائل يوم ولد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، وكيحيى الذي قال تعالى فيه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]. واحتمال نزول جبريل بوحي لعيسى أو يحيى يجري في إبراهيم، ويرجحه أنه ﷺ صوَّمه يوم عاشوراء وعمره ثمانية أشهر ... وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره" (١). التقويم: تواترت نصوص الوحيين الدالة على أن محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وتعددت أوجه دلالاتهما نصًّا وظاهرًا. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي ... " (٢).

стр. 418

وقال ﷺ لعلي ﵁: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (١). وأجمع أهل العلم على أن نبينا محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وعدوا ذلك من خصائصه على سائر الرسل (٢)، ومنهم ابن حجر -كما سيأتي- (٣). وما ذكره ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ مُعارضٌ بما تقدم، واستدلاله بما ذكر لا يصح، وبيان هذا أن الأحاديث الواردة في ذلك قسمان: أحدهما: الأحاديث الدالة على نبوته مطلقًا، ولم يرد في ذلك إلا حديث واحد، وهو قوله ﷺ : "إنه نبي ابن نبي". والجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن عساكر (٤) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جده، عن أبي جده، عن علي بن أبي طالب ﵁ به. والحديث ضعيف؛ لضعف عيسى بن عبد الله، وبه أعل ابن عساكر الحديث، حيث قال عقيبه: "عيسى هو ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ليس بالقوي" (٥). ثانيهما: الأحاديث الدالة على نبوته المعلقة بحياته: وقد ورد ذلك من حديث ثلاثة من الصحابة: أنس، وابن عباس، وجابر ﵃. فأما حديث أنس: فقد أخرجه ابن سعد (٦)، وأحمد (٧)، وابن مندة (٨)،

стр. 419

وأبو نعيم (١)، من طرق عن السدي، عن أنس ﵁ أنه قال: "لو عاش إبراهيم ابن النبي ﷺ لكان صديقًا نبيًّا". زاد ابن مندة: "ولكن لم يكن ليبقى؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء". والحديث صححه الحافظ ابن حجر (٢)، والعلامة الألباني وقال: "على شرط مسلم" (٣). وأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن ماجه (٤)، وابن مندة (٥)، من طريق إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، صلى رسول الله ﷺ عليه، وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا ... ". والحديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال الحافظ ابن حجر: "متروك الحديث" (٦). وقد ضعف الحديث لأجله الحافظ ابن حجر (٧)، والعلامة البوصيري (٨) (٩) والشيخ الألباني (١٠). وأما حديث جابر: فقد أخرجه ابن عساكر (١١) من طريق أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا".

стр. 420

والحديث ضعيف، فيه أبو حمزة الثمالي، وهو ثابت بن أبي صفية، قال الحافظ ابن حجر: "ضعيف رافضي" (١). والجواب عنها جميعًا: أن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا ﷺ ، بل غاية ما تدل عليه أنه لو عاش لكان نبيًّا لكنه لم يعش فلم تثبت له النبوة (٢)، ومما يؤيده ما أخرجه البخاري -وهو أصح شيء في الباب- عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أنه قال: "لو قضى الله أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده" (٣). ٤ - لقمان: يرى ابن حجر ﵀ عدم نبوة لقمان، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان ... " (٤)، وأورد كلام السيوطي في عدم نبوته ولم يتعقبه بشيء (٥). التقويم: ذكر الله تعالى لقمان في كتابه، وبين أنه آتاه الحكمة، وقص من خبره ما يدل على حكمته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢]. وقد اختلف أهل العلم فيه هل كان نبيًّا أم حكيمًا؟ فذهب الجمهور إلى أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا (٦)، وحكى بعضهم

стр. 421

اتفاق أهل العلم على ذلك، فلم يعتد بخلاف من خالف (١). وذهب عكرمة (٢) إلى أنه كان نبيًّا، وعد هذا غير واحد من تفرده (٣)، إلا أنه قد نقل عن الشعبي والليث (٤) ما يوافقه (٥)، ولم أجد قوليهما -بعد البحث- مسندين. وقال بعض أهل العلم: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة (٦)، ورد بأن في هذا بُعدًا بيّنًا، وذلك أن الحكمة تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يُقدَّر قدره، وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة على النبوة (٧). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًّا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني ... والآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير (٨) وابن أبي حاتم (٩) من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم" (١٠).

стр. 422

وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من عدم نبوة لقمان موافق لما عليه جمهور أهل العلم. ٥ - ذو القرنين: يرى ابن حجر عدم نبوة ذي القرنين، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان وذي القرنين" (١). التقويم: ذكر الله تعالى ذا القرنين في كتابه، وبين تمكينه له في الأرض، وإعانته إياه. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣]. وقد اختلف أهل العلم فيه اختلافًا كثيرًا من جهة تعيينه، واسمه، وعصره، ونبوته -وهي محل البحث هنا-. وجملة أقوال أهل العلم فيها ثلاثة: الأول: القول بأنه ملَكَ من الملائكة، وليس بنبي. والثاني: القول بأنه نبي من الأنبياء. والثالث: القول بأنه عبد صالح مكنه الله تعالى حتى ملك الأرض (٢). والناظر في سياق أهل العلم لهذه الأقوال يجد اضطرابًا كثيرًا في نسبتها لأصحابها، حتى إن الرجل الواحد ربما نسبت له الأقوال الثلاثة. وبكل حال فإن القول بعدم نبوته هو ما عليه جمهور أهل العلم، وهو

стр. 423

الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله يدل على ذلك (١). وبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور. رابعًا: عصمة الأنبياء: يعرف ابن حجر ﵀ العصمة بقوله: "العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات ... " (٢)، "حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب" (٣). ويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: "الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول ... " (٤). كما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: "ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه ... وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية" (٥).

стр. 424

التقويم: مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود (١)؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك: العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق- (٢): "حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده". فقولهم: "حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية (٣) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك (٤). وقولهم: "مع قدرته على الخير والشر" احتراز من قول الجبرية (٥)

стр. 425

القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك (١). ففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما. وأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم: فقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول (٢). وأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة (٣)، وعصمتهم من كبائر الذنوب (٤) وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك (٥). واختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "القول بأن الأنبياء معصومون عن
следующие страницы →