← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

اتفاق أهل العلم على ذلك، فلم يعتد بخلاف من خالف (١). وذهب عكرمة (٢) إلى أنه كان نبيًّا، وعد هذا غير واحد من تفرده (٣)، إلا أنه قد نقل عن الشعبي والليث (٤) ما يوافقه (٥)، ولم أجد قوليهما -بعد البحث- مسندين. وقال بعض أهل العلم: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة (٦)، ورد بأن في هذا بُعدًا بيّنًا، وذلك أن الحكمة تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يُقدَّر قدره، وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة على النبوة (٧). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًّا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني ... والآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير (٨) وابن أبي حاتم (٩) من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم" (١٠).

стр. 422

وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من عدم نبوة لقمان موافق لما عليه جمهور أهل العلم. ٥ - ذو القرنين: يرى ابن حجر عدم نبوة ذي القرنين، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان وذي القرنين" (١). التقويم: ذكر الله تعالى ذا القرنين في كتابه، وبين تمكينه له في الأرض، وإعانته إياه. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣]. وقد اختلف أهل العلم فيه اختلافًا كثيرًا من جهة تعيينه، واسمه، وعصره، ونبوته -وهي محل البحث هنا-. وجملة أقوال أهل العلم فيها ثلاثة: الأول: القول بأنه ملَكَ من الملائكة، وليس بنبي. والثاني: القول بأنه نبي من الأنبياء. والثالث: القول بأنه عبد صالح مكنه الله تعالى حتى ملك الأرض (٢). والناظر في سياق أهل العلم لهذه الأقوال يجد اضطرابًا كثيرًا في نسبتها لأصحابها، حتى إن الرجل الواحد ربما نسبت له الأقوال الثلاثة. وبكل حال فإن القول بعدم نبوته هو ما عليه جمهور أهل العلم، وهو

стр. 423

الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله يدل على ذلك (١). وبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور. رابعًا: عصمة الأنبياء: يعرف ابن حجر ﵀ العصمة بقوله: "العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات ... " (٢)، "حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب" (٣). ويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: "الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول ... " (٤). كما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: "ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه ... وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية" (٥).

стр. 424

التقويم: مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود (١)؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك: العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق- (٢): "حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده". فقولهم: "حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية (٣) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك (٤). وقولهم: "مع قدرته على الخير والشر" احتراز من قول الجبرية (٥)

стр. 425

القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك (١). ففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما. وأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم: فقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول (٢). وأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة (٣)، وعصمتهم من كبائر الذنوب (٤) وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك (٥). واختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "القول بأن الأنبياء معصومون عن

стр. 426

الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي (١) أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول" (٢). وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في مسألة عصمة الأنبياء فيما يتعلق بتعريفها، وزمنها، ومتعلقها، منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل. فأما تعريفه لها: فيؤخذ عليه أنه بناه على مذهب الأشعرية في العصمة والذي ينحو منحى الجبر، ولهذا وافق الجبرية في تعريفهم، وجعل العصمة فعل الله لا فعل النبي، وسيأتي الرد عليه مفصلًا عند عرض رأيه في أفعال العباد وتقويمه (٣). وأما كلامه عن زمنها، وقوله بأنها قبل النبوة وبعدها: فهو موافق لأحد قولي أهل السنة والجماعة، وهو القول الذي عليه أكثرهم. وأما كلامه عن متعلقها، وقوله بأنهم معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، عمدها وسهوها: فهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، بل ومذاهب الطوائف المشهورة، وغايته أنه قول مهجور لبعض الرافضة (٤)، والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة، ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.

стр. 427

وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار عن الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك الرافضة؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل" (١). ولا شك أن دلائل القرآن والسنة متظاهرة على نقض هذا القول، وبيان بطلانه، وصرف ابن حجر لها ومن قال بقوله بوجوه التأويل، والتهويش عليها بالطعن في صحتها لا يغني شيئًا. وقد انتقد الإمام ابن قتيبة ﵀ هذا القول، ورد على أصحابه فقال: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض رده عليهم: "نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة. لكن المنازعين يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية (٣) كما فعل من صنف في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه ... " (٤). * * *

стр. 428

المبحث الثاني آراؤه في الإيمان بنبينا محمد ﷺ - عرض ابن حجر ﵀ لبعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد ﷺ على وجه الخصوص، فذكر منها: معجزاته، وخصائصه، وحكم سبه ﷺ ، وفصل في كل منها بما يناسبها، ويوضح رأيه فيها. وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، وتقويمها. أولًا: معجزاته ﷺ -: ١ - تعريف المعجزة، وشروطها: عرف ابن حجر ﵀ المعجزة تعريفًا بين فيه معناها، وشروطها، فقال: "المعجزة لا تطلق حقيقة إلا على الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء ﵈. فعلم أن لها شروطًا: أحدها: خرقها للعادة بأن تحيل العادة وقوعها كانشقاق القمر. ثانيها: اقترانها بالتحدي وهو طلب المعارضة والمقابلة مع أمن معارضتها ... فخرج الخارق من غير تحد وهو كرامة الولي، والخارق المتقدم على التحدي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا ﷺ قبل النبوة فهي كرامات لا معجزات وتسمى إرهاصًا أي: تأسيسًا للنبوة. ولا يقال خرج به أيضًا الخارق المتأخر عن التحدي بما تخرجه عن المقارنة العرفية؛ لأنه يلزم عليه إخراج أكثر آياته ﷺ كنطق الحصى،

стр. 429

والجذع، والدواب، ونبع الماء، بل قيل: لعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت، وزعم أنه لا معجزة إلا هذان أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة. فالحق أن المراد بالتحدي ليس معناه الأصلي بل المراد به دعوى الرسالة وكل معجزاته مقارنة لذلك ... ثالثها: دلالتها على صدق المتحدي، فخرج الخارق المكذب له، كأن قال: آيتي نطق هذه الدابة، فنطقت بكذبه" (١). التقويم: المعجزة في اللغة: مأخوذة من العجز. قال ابن فارس: "العين والجيم والزاء، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء. فالأول: عَجَزَ عن الشيء يَعْجِزُ عجزًا، فهو عاجزٌ، أي: ضعيف ... وأما الآخر: فالعجز: مؤخر الشيء، والجمع أعجاز ... " (٢). وأما في الاصطلاح: فإن لفظ (المعجزة) لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم، وإنما الوارد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والمتعارف عليه عند السلف الأوائل إطلاق لفظ (الآية) و (البينة) و (البرهان). قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ

стр. 430

المعجزات موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان" (١). وأما المتأخرون فقد أطلقوا لفظ المعجزة واستعملوه، ولكنهم اختلفوا في تعريفها وشروطها، وجمهورهم على ما ذكره ابن حجر (٢). والصواب أن المعجزة اسم يعم كل خارق للعادة، ويفرق بينها بحسب حال من تقع منه أو يدعيها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة، وكذلك الكرامة في عرف الأئمة المتقدمين، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعهما: الأمر الخارق للعادة" (٣). وتعريف جمهور المتكلمين -ومنهم ابن حجر- المعجزة بذلك، واشتراطهم فيها هذه الشروط، ترتب عليه حصرهم دلائل النبوة في المعجزات، وإخراجهم لكثير من دلائل النبوة عن دلالتها، وهذا باطل (٤). ومنشأ الخطأ عندهم اعتقادهم أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر كلها من جنس واحد، ثم اختلفوا فمنهم من أنكر وجودها

стр. 431

-أعني: الكرامات والسحر- وهم المعتزلة (١)، ومنهم من حاول التفريق بما لا يصح وهم الأشاعرة (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأصل خطأ الطائفتين (يعني: المعتزلة، والأشاعرة) أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء وما خصهم الله به، ولم يقدروا النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها، فإما أن يكذبوا بوجودها، وإما أن يسووا بينها ويدعوا فرقًا لا حقيقة له" (٣). والحق أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر ليست من جنس واحد، والفرق بينها متقرر (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "آيات الأنبياء هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها، لكن كونها خارقة للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها ليس هو حدًا مطابقًا لها ... " (٥). وأما ما ذكره ابن حجر من شروط المعجزة فقد تعاقب على اشتراطها جمهور المتكلمين (٦)، وهي متعقبة بما يلي:

стр. 432

أما اشتراط خرق العادة فلا يصح لوجهين: الأول: أن العادة أمر نسبي لا ينضبط، فقد يكون الأمر عادة عند قوم دون غيرهم. الثاني: أن هذا لا يختص بالأنبياء، فقد شاركهم فيه غيرهم، كالساحر مثلًا فقد يأتي بما هو خارق لعادة من شاهده ولا يستطيع الحاضرون معارضته، مع أن ما أتى به ليس خارقًا لعادة السحرة أمثاله (١). وأما اشتراط اقتران التحدي بها فلا يصح لكون التحدي لم يقع في كثير من دلائل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- (٢). وأما تفسيره له بدعوى النبوة وأمن المعارضة فمردود من وجوه: الأول: أن آيات الأنبياء على قوله هذا لم تتميز بصفة تختص بها، إنما تكون آية إن اقترنت بدعوى النبوة، وإلا فلا، فالدليل والبرهان يكون دليلًا إن استدل به، وإن لم يستدل به فليس دليلًا، وهو باطل (٣). الثاني: أن هناك من الأشخاص من ادعى النبوة كاذبًا، وجرى على يديه بعض الخوارق، ولم يعارض، ومع ذلك عرف الناس كذبه، ولم يصدقوه كما في مسيلمة الكذاب (٤)، والأسود العنسي (٥) وغيرهما (٦).

стр. 433

الثالث: أن قوله هذا يلزم منه أن تكون آية النبي هي صرف الناس عن المعارضة سواء كان فعله خارقًا أو غير خارق (١). ٢ - ذكره لبعض معجزات النبي ﷺ -: يرى ابن حجر ﵀ أن نبينا ﷺ أعطي مثل معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به، يقول في ذلك: "انطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي مثلها، أو أعظم منها ... ومنه: أن آدم لما أعطي خلق الله تعالى بيده، أعطي نبينا شق صدره، وملأه من ذلك الخلق النبوي ... وإدريس: لما أعطي المكان العلي، أعطي نبينا المعراج الأفخم الأعظم. ونوح: لما نجى هو وقومه، أعطي نبينا أن الله لم يهلك أمته بعذاب عام ... وإبراهيم: لما نجى من النار، نجى نبينا من نار الحرب، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ولما أعطي موسى قلب العصا حية، أعطي نبينا حنين الجذع، الذي هو أبهر وأغرب ... وانفراق البحر، أعطي لنبينا انشقاق القمر الذي هو أبهر؛ لأنه تصرف في العالم العلوي ... وتفجر الماء من الحجر، أعطي نبينا تفجيره من بين أصابعه، وهو أبلغ؛ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع منها الماء. والكلام، أعطي نبينا مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو ... وهارون: الفصاحة، أعطي نبينا أفصح منها، على أنها في العبرانية، والعربية أفصح منها ...

стр. 434

ويوسف: شطر الحسن، وتأويل الرؤيا، أعطي نبينا الحسن كله، وعبَّر عن المرائي، فوقعت كما عبر ما لا يدخله الحصر، وتعبير يوسف إنما كان في ثلاث مراءٍ كما في سورته. وتليين الحديد لداود: أعطي نبينا أن العود اليابس اخضرَّ في يديه ... وسليمان وداود كلام الطير، أعطي نبينا أنه كلمه الحجر، وسبَّح في كفه الحصى، وكلمه ذراع الشاة المسمومة ... والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، أعطي نبينا البراق، وهو أسرع من الريح ... وأيضًا الريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا ﷺ زويت له الأرض أي: جمعت، حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، ومن تسعى له الأرض. وتسخير الجن: أعطي نبينا أن الله مكنه من شيطان تفلَّت عليه في صلاته، فأراد أن يربطه بسارية، وسخر له الجن حتى أسلموا، ولم يسخروا لسليمان إلا في العمل ... وعيسى: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، أعطي نبينا رد العين إلى محلها بعد ما سقطت، فعادت أحسن ما كانت ... وتسبيح الحصى وحنين الجذع، أبلغ من تكليم الموتى، لأن هذا من جنس من يتكلم. وبالجملة فقد أوتي ﷺ مثلهم، وزاد بخصائص لا تحصى" (١). وقد أورد ابن حجر ﵀ كثيرًا من معجزاته ﷺ ، وذكر أدلتها من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم في بعضها بما يدل على إعجازها، وفيما يلي سياق ما ذكره، حيث قال: "معجزاته ﷺ كثيرة ... وهي: ما قبل نبوته: كقصة الفيل، والنور الذي خرج معه حتى أضاء له قصور الشام

стр. 435

وأسواقها، وحتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر لفؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر ما نقل من العجائب في أيام ولادته، وأيام حضانته وبعدها إلى أن أبقاه الله (١)؛ كإظلال الغمام له أي: في السفر، وشق الصدر (٢). وهذا القسم لا يسمى معجزة حقيقية؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا، وإنما يسمى إرهاصًا، أي: تأسيسًا للنبوة ... وأما بعد موته: وهو غير محصور؛ إذ كل خارق وقع لخواص أمته، إنما هو في الحقيقة له، إذ هو السبب فيه. وأما من حين نبوته إلى وفاته: وهذا هو الذي الكلام فيه. فمنه: انشقاق القمر (٣) ... ومنه: رد الشمس (٤) ... ومنه: تسبيح الحصى في كفه ... ومنه: تسليم الحجر عليه (٥) ... ومنه: ما صح من كلامه مع أُحد لما صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان ... ومنه: كلام الشجر وسلامه عليه ...

стр. 436

ومنه: حنين الجذع (١) ... ومنه: سجود الجمل له ... ومنه: كلام الذئب ... ومنه: كلام الحمار ... وكلام الغزالة ... ومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه (٢) ... ومنه: إحياء الموتى ... " (٣). كما عرض ابن حجر لبعض معجزاته ﷺ في مواضع متفرقة من كتبه كالإسراء والمعراج (٤)، وإخباره عن المغيبات (٥)، وتسبيح الطعام في يده (٦)، وأمَّيته ﷺ (٧). التقويم: معجزات النبي ﷺ تميزت على معجزات غيره من الأنبياء والرسل بكثرة عددها وظهور إعجازها. يقول القاضي عياض ﵀: "معجزات نبينا ﷺ أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين: أحدهما: كثرتها ... الثاني: وضوح معجزاته ﷺ ... " (٨). ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن معجزاته ﷺ تبلغ ألفًا (٩)، وقال

стр. 437

آخرون: بأنها تزيد على ألف ومائتين (١)، وقال غيرهم: بأنها تبلغ ثلاثة آلاف (٢). ووازن غير واحد منهم بين معجزاته ﷺ ومعجزات غيره من الأنبياء وبينوا ما اختصه الله تعالى به من مشاركته لهم في معجزاتهم، وتفوقه عليهم بظهور معجزاته (٣)، ومن أوائلهم الإمام الشافعي ﵀ حيث روي عنه أنه قال: "ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا". فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى؟ فقال: "أعطي محمد ﷺ حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك" (٤). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون نبينا محمدًا ﷺ أعطي معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به عددًا وإعجازًا موافق لما قرره أهل العلم. وأما ما ذكره من تقسيم معجزاته ﷺ بحسب زمن وقوعها قبل النبوة، وبعدها، وبعد وفاته، فهو تقسيم معتبر (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل إنبائهم، وما يكون بعد موتهم؛ فإن الآية هي دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص لا بمكان ولا زمان" (٦).

стр. 438

ولكن يلاحظ على ابن حجر في تقريره لذلك ما يلي: ١ - أنه جعل ما قبل نبوته ﷺ لا يعد معجزة؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا بزعمه، وهو باطل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "آيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختص بحياته، فضلًا عن أن تختص بحال دعوى النبوة، أو حال التحدي، كما ظنه بعض أهل الكلام" (١). وقد سبق بيان بطلان اعتبار اشتراط التحدي ومقارنة دعوى النبوة في تعريف المعجزة وشروطها. ٢ - أنه حصر دلائل نبوته ﷺ في المعجزات، فلم يذكر سواها، وهو باطل؛ فإن معرفة صدق النبي لا تنحصر في المعجزات فقط، بل تكون بها وبغيرها من الطرق مثل: النظر في أحوال الأنبياء وما عرفوا به من الصدق والأمانة، وما تميزوا به من محاسن الأخلاق وجميل الصفات، والنظر في ما جاؤوا به من الشرائع التي تنتظم بها مصالح العباد في دينهم ودنياهم، والنظر في عاقبتهم وتأييد الله لهم وإظهارهم على من خالفهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثيرًا من هؤلاء بل كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا تعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات ... وللنظار هنا طرق متعددة: منهم من لا يجعل المعجزة دليلًا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقوله طائفة من النظار. ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا. ومنهم من يجعل المعجزة دليلًا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة،

стр. 439

وهذا أصح الطرق" (١). وأما الكلام على ما أورده ابن حجر من المعجزات، وبسط القول فيها بإيراد أدلتها وكلام أهل العلم عليها، فهو مما يطول تسطيره، ويخرجنا عما نحن بصدده، وقد أفرد أهل العلم كتبًا كثيرة في دلائل النبوة وأوسعوها بحثًا رواية ودراية بما يغني عن الإفاضة والإطالة (٢). ثانيًا: خصائصه ﷺ -: ١ - تعريف الخصائص، وأقسامها: يرى ابن حجر ﵀ أن كمالات نبينا ﷺ لا تحصى، وأن خصائصه لا تستقصى، يقول في ذلك: "مما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا ﷺ لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق، وأن حقه على الكُمَّلِ فضلًا عن غيرهم أعظم الحقوق ... " (٣). التقويم: الخصائص: جمع خصِيْصة، يقال: "خصه بالشيء يَخُصُّه خصًّا وخَصُوصِيَّة وخُصُوصِيَّة، والفتح أفصح، واختصه: أي أفرده دون غيره" (٤). وعليه فالخصائص النبوية: هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر.

стр. 440

وهي ضربان: الأول: خصائص تشريعية: وهي ما اختص به النبي ﷺ من التشريعات الإلهية. والثاني: خصائص تفضيلية: وهي الفضائل والتشريفات التي كرم الله بها نبينا ﷺ دون غيره (١). ٢ - ما ذكره من خصائصه ﷺ -: أورد ابن حجر جملة من خصائص نبينا ﷺ ، ويمكن تقسيم ما أورده إلى قسمين: الأول: ما عده من خصائصه ﷺ وهو ثابت. الثاني: ما عده من خصائصه ﷺ وهو غير ثابت. وفيما يلي سياق ما ذكره وفقًا لذلك. القسم الأول: ما عده من خصائص نبينا ﷺ وهو ثابت: قال في سياقه لجملة منها: "رسول الله ﷺ هو سيد الأولين والآخرين، والملائكة المقربين، والخلائق أجمعين، وحبيب رب العالمين، أكمل رسل الله، وأفضل خلق الله، المخصوص بـ: الشفاعة العظمى يوم الدين (٢). والمنصوص على عموم رسالته إلى العالمين من الإنس، والجن، والملائكة السابقين واللاحقين (٣). صاحب اللواء المعقود. والمقام المحمود (٤).

стр. 441

والحوض المورود ... فهو الذي اصطفاه بالمحبة والخلة. والقرب والدنو المنزه عن الإحاطة والجهة (١). والمعراج. والصلاة بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. والشهادة عليهم وعلى أممهم. ولواء الحمد. والوسيلة. والبشارة والنذارة. والهداية والإمامة. والرحمة للعالمين. وبالكوثر. وأنه يعطيه حتى يرضى. وبإتمام النعمة. وبشرح الصدر. ورفع الذكر فلا يذكر تعالى إلا ويذكر معه. وبغرة النصر. والتأييد بالملائكة ﵈. وبنزول السكينة. والسبع المثاني. وإجابة الدعوة. وبالقسم بحياته ...

стр. 442

ودوام الصلاة عليه من الله وجميع ملائكته الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى ومن أمته في سائر الأزمنة والأمكنة (١) ... إلى غير ذلك مما لا يطمع في حصره ولا غاية لاستقصائه" (٢). وذكر في مواضع أخرى من كتبه اختصاصه بختم النبوة (٣)، وجوامع الكلم (٤)، وإسلام قرينه من الجن (٥)، وإحلال الحرم له يوم الفتح (٦). التقويم: الخصائص الثابتة لنبينا ﷺ كثيرة، وما ذكره ابن حجر طرف منها، والكلام عليها وبيان أدلتها يطول، وقد أفردها غير واحد من أهل العلم بمصنفات خاصة (٧)؛ ولهذا سأطوي الكلام عليها مكتفيًا بالإحالة على مصنفات أهل العلم فيها (٨). القسم الثاني: ما عده من خصائص نبينا ﷺ وهو غير ثابت: يرى ابن حجر ﵀ أن تعظيم النبي ﷺ يجب أن يكون بما ثبت له، وأذن به، دون مجاوزة ذلك، حيث يقول: "يتعين على كل أحد أن لا يعظمه إلا بما أذن الله لأمته في جنسه مما يليق بالبشر، فإن مجاوزة ذلك تفضي إلى الكفر والعياذ بالله، بل مجاوزة الوارد من حيث هو ربما تؤدي إلى محذور؛ فليقتصر على الوارد ... " (٩).

стр. 443

ولكن ابن حجر لم يتقيد بما ذكره هنا حيث ادعى للنبي ﷺ من الخصائص ما لم يثبت له، ولم يأذن به، وفيما يلي بيان ذلك: ١ - اختصاصه ﷺ بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة: يقول في ذلك: "اعلم أن الله شرف نبيه ﷺ بسبق نبوته في سابق أزليته؛ وذلك أن الله تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره ... ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن ... روى مسلم أنه ﷺ قال: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته" ... وصح أيضًا: متى كنت نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" ... وجاء "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا ... " (١). التقويم: القول بأن نبينا محمدًا ﷺ أول الكائنات خلقًا، وأنه متقدم على سائر الأنبياء بالنبوة قرره غير واحد من غلاة المتصوفة ومن وافقهم (٢). وما ذكره ابن حجر -عفا الله عنه- لا يخرج عما قرروه، وهو باطل من وجوه: الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية والحسية كلها تدل على أن نبينا محمدًا ﷺ آخر الأنبياء خلقًا، وخاتمهم نبوة. الثاني: أن النصوص الشرعية وإن اختلفت في تحديد أول ما خلق الله

стр. 444

من الكائنات إلا أنه لم يصح في شيء منها أن أول المخلوقات نبينا محمد ﷺ أو نوره -كما سيأتي-. الثالث: أن ما استدل به ابن حجر على دعواه لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - قوله ﷺ : "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته": الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه مسلم -كما ذكر ابن حجر- وإنما خرَّج أوله (١). وأما آخره ومحل الاستدلال منه وهو قوله: "ومن جملة ما كتب في الذكر ... " فقد أخرجه أحمد (٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣)، ويعقوب بن سفيان (٤) (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨)، وأبو نعيم (٩) من طرق عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الله (١٠) بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته ... ". وهو بهذا الإسناد لا يصح فيه سعيد بن سويد الكلبي.

стр. 445

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عنه: "سعيد بن سويد الكلبي الشامي، روى عن العرباض بن سارية، وربما أدخل بينهما عبد الأعلى بن هلال ... ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يصح حديثه، يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: "إني عبد الله وخاتم النبيين في أم الكتاب، وآدم منجدل في طينته"، وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه ... " (١). ٢ - قوله ﷺ جوابًا لمن سأله: متى كنت نبيًّا؟ : "وآدم بين الروح والجسد". الحديث أخرجه الترمذي (٢)، والحاكم (٣)، وأبو نعيم (٤) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه" (٥). والجواب عنهما: أن الحديثين لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر من تقدم نبينا محمد ﷺ على غيره من الأنبياء في الخلق والنبوة، وإنما غاية ما يدلان عليه أنه ﷺ كتب نبيًّا وآدم لم تنفخ فيه الروح بعد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات ... والمقصود هنا أن الله - سبحانه الله وتعالى- كتبه نبيًّا بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه. وهو موافق لما أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... " (٦) إلى آخره، بين فيه خلق الجنين، وتنقله

стр. 446

من حال إلى حال، فناسب هذا أنه بين خلق آدم ونفخ الروح فيه تكتب أحواله، ومن أعظمها كتابة سيد ولده" (١). ٣ - قول ﷺ : "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا": الجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن أبي حاتم (٢)، وأبو نعيم (٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ به. وهو بهذا الإسناد لا يصح، لما يلي: أ - عنعنة الحسن البصري، وهو معدود فيمن احتمل الأئمة تدليسه (٤)، إلا أن في سماعه من أبي هريرة كلام، والصحيح أنه سمع منه أحاديث معدودة ليس هذا منها (٥). ب - عنعنة قتادة بن دعامة السدوسي، وهو معدود فيمن أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع (٦). جـ - ضعف سعيد بن بشير، خاصة في روايته عن قتادة (٧)، والحديث من روايته عنه، ولهذا ذكره الذهبي في ترجمته وعده من غرائبه (٨). وعليه فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٩). ٢ - اختصاصه ﷺ بأئه خلق من نور: يقول في ذلك: "نور نبوته متقدم على جميع المخلوقات، وشاهده:

стр. 447

حديث عبد الرزاق بسنده عن جابر ﵁ قال: يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: "يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح، ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جن، ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول: القلم، ومن الثاني، اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول: السماوات، ومن الثاني: الأراضين، ومن الثالث: الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني: نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث: نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله ... " الحديث ... وفي حديث ... "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام". وفي الخبر: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره، فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره" الحديث ... " (١). "وكان يكثر الدعاء بأن الله تعالى يجعل كلًّا من حواسه وأعضائه وبدنه نورًا، إظهارًا لوقوع ذلك ... ومما يؤيد أنه ﷺ صار نورًا، أنه كان إذا مشى في الشمس أو القمر لم يظهر له ظل؛ لأنه لا يظهر إلا لكثيف، وهو ﷺ قد خصه الله من سائر الكثائف الجسمانية، وصيره نورًا صرفًا لا يظهر له ظل أصلًا خرقًا للعادة، كما خرقت له في شق صدره وقلبه مررًا ولم يتأثر بذلك" (٢).

стр. 448

التقويم: ما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كون نبينا محمد ﷺ خلق من نور منقول عن جماعة من غلاة الصوفية (١)، وهو قول باطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك ينافي بشرية نبينا محمد ﷺ ، فإن البشر مخلوقون من التراب لا من النور، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. وقال ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (٢). فهذا خبر عام في جميع البشر، فتخصيص نبينا محمد ﷺ بأنه خلق من نور يحتاج إلى مخصص، ولا مخصص (٣). ٢ - أن القول بذلك يفضي إلى بعض العقائد الفاسدة كاعتقاد أن النبي ﷺ مخلوق من نور الله تعالى، وأن العالم كله خلق من نوره، وأنه أول المخلوقات، وأن خلقه متقدم على العرش والقلم، وقد التزم جماعة من القائلين بذلك بهذه العقائد (٤)، ومنهم ابن حجر. ٣ - أن القول بذلك مأخوذ من بعض الفلسفات القديمة، والنظريات الفاسدة (٥). ٤ - أن ما استدل به القائلون بذلك - ومنهم ابن حجر- لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:

стр. 449

أ- أما حديث جابر ﵁: "إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ... ". فهو حديث باطل، ولم يخرجه أحد من أئمة الحديث، ومن القواعد المقررة التي يعرف بها وضع الحديث أن لا يتداوله المحدثون في كتبهم. وعزو ابن حجر الحديث إلى عبد الرزاق باطل؛ إذ هو ليس في شيء من كتبه (١). ب - وأما حديث: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام": فلم أجد من أخرجه بهذا اللفظ، وقد عزاه العجلوني (٢) (٣) لابن القطان (٤) في أحكامه، وبعد البحث في المطبوع من كتبه لم أجده في شيء منها (٥). وقد أخرج القطيعي (٦) في زوائده على فضائل الصحابة لأحمد (٧)،

стр. 450

وابن عساكر في تاريخه (١) من طريق الحسن بن علي البصري، عن أحمد بن المقدام العجلي، عن الفضيل بن عياض، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان الفارسي زحبه حديثًا بنحوه، ولفظه: "كنت أنا وعلي نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم باربعة عشر ألف عام ... ". وفيه: الحسن بن علي البصري، متهم بالكذب (٢)، والحديث معدود في طوامه (٣). قال العلامة محمود شكري الألوسي: "هذا الحديث موضوع قطعًا بإجماع أهل السنة" (٤). جـ - وأما حديث: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره ... ". فلم أجد بعد البحث من خرَّجه من أهل الحديث، وإنما ذكره بعضهم دون عزو. وأما ما زعمه ابن حجر من كون دعاء النبي ﷺ أن يجعل كل حواسه نورًا إظهارًا لوقوع ذلك، وأنه لم يكن له ظل لكونه نورًا صرفًا فهو من مجازفاته؛ إذ دعاء النبي ﷺ بذلك لا يعني إظهار وقوعه وإلا لمنعت أمته من الدعاء بمثله، ودعوى كونه ﷺ نورًا صرفًا لا ظل له لم يشهد لها ما يدل عليها ومثلها مما تتوافر الهمم لنقله. ٣ - اختصاصه ﷺ بأنه المقصود من الخلق، والممد لها، وخليفة الله فيها: يقول في ذلك: "اعلم أن الله تعالى شرف نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته، وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره، قبل وجود ما هو كائن من المخلوقات بعد، ثم سلخ العوالم كلها، ثم أعلمه تعالى بسبق نبوته وبشره بعظيم رسالته، كل

стр. 451

ذلك وآدم لم يوجد، ثم انبجست منه ﷺ عيون الأرواح فظهر بالملأ الأعلى أصلًا ممدًا للعوالم كلها" (١). ويقول في شرحه لقول البوصيري: "كل فضل في العالمين فمن فضـ ... ـل النبي استعاره الفضلاء" (٢) "كل فضل وجد في العالمين الإنس والملائكة والجن فهو كائن من فضل ذلك النبي الأكرم على ربه من سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، .. استعاره ... الفضلاء؛ لأنه ﷺ الممد لهم، إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره، فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته ﷺ ، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده، وعلى يديه، فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة بذاتها، وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت أظهرت أنوارها، فهم قبل وجوده ﷺ إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع. ألا ترى أن ظهور خلافة آدم، وإحاطته بالأسماء كلها، إنما هو مستمد من جوامع الكلم المخصوص به نبينا ﷺ ، ثم توالت الخلائق إلى زمن بروز جسمه الشريف، فلما أبرز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء ... " (٣). ويقول في معرض ذكره لآداب زيارة قبر النبي ﷺ : "ينبغي له أن يستحضر حياته المكرمة في قبره المكرم، وأنه يعلم بزائريه على اختلاف درجاتم وأحوالهم وقلوبهم وأعمالهم، وأنه ﷺ يمد كلًّا منهم بما يناسب ما هو عليه، وأنه خليفة الله الذي جعل خزائن كرمه، وموائد نعمه طوع يديه وتحت إرادته يعطي منهما من يشاء، ويمنع منهما من يشاء، وأنه لا يمكن أحدًا أن يصل إلى الحضرة العلية من غير طريقه ... " (٤).

стр. 452

التقويم: ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من كون النبي ﷺ هو المقصود من الخلق، وهو الممد لها، وخليفة الله فيها، منقول عن جماعة من غلاة المتصوفة (١)، وهو باطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك يعارض النصوص الشرعية الدالة على أن المقصود من الخلق ابتلاؤهم بالعبادة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وأن الله تعالى هو الممد للمخلوقات والمتصرف فيها كيف يشاء كقوله : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]. ٢ - أن القول بذلك ينافي بشرية الرسول ﷺ وما أخبر الله به عنه وأخبر هو عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله ﷺ : "يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا" (٢). ٣ - أن هذا القول مأخوذ من بعض الفلسفات الفاسدة، والعقائد الباطلة كالفلسفة الهندية، والعقيدة النصرانية (٣).

стр. 453

٤ - أن ابن حجر لم يذكر دليلًا يعتمد عليه في دعواه، والقائلون بقوله غاية ما استدلوا به أحاديث موضوعة لا تقوم بها الحجة. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁: "ما يذكرون أن النبي ﷺ كان كوكبًا، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل، وأمثال هذه الأمور، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته. والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي ﷺ ، بل خلق كل واحد من أبويه، ونفخ الله فيه الروح. ولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل، بل تارة يكلمهم الله وحيًا يوحيه إليهم، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران، وتارة يبعث ملكًا فيوحي بإذنه ما يشاء، ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة. وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل الاتحاد من أهل الوحدة والاتحاد كابن عربي صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما" (١). ٤ - اختصاصه ﷺ بإحياء أبويه وإيمانهما به: يقول في ذلك: "اختلف الناس في أبويه هل هما مؤمنان في الجنة أم لا ... واعلم أن الحق الواضح الجلي الذي لا غبار عليه أن أبوي النبي ﷺ ناجيان لا عقاب عليهما، وكذا أهل الفترة جميعهم ... روى الطبراني بسنده عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنه ترك الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ، ثم رجع مسرورًا، قال: سألت ربي ، فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردَّها".

стр. 454

ورواه ابن شاهين (١) عنها بلفظ: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع ومر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: "يا حميراء، استمسكي" فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليًا، ثم عاد إليَّ وهو فرح مبتسم فقال: "ذهبت لقبر أمي، فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي". وكذا جاء من حديثيهما أيضًا: أحيا أبويه ﷺ ورضي عنهما حتى آمنا به، رواه الخطيب وكذا السهيلي (٢)، وقال: في سنده مجاهيل، وابن كثير قال: منكر جدًّا وسنده مجهول، وليس كما قال مطلقًا" (٣). "والأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي ﷺ غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر، بل نجس كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ... وأيضًا قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩]، على أحد التفاسير فيه أن المراد تنقل نوره من ساجد إلى ساجد ... " (٤). التقويم: القول بحياة أبوي النبي وإيمانهما به بعد وفاتهما قرره غير واحد من المتصوفة (٥) وهو قول باطل من وجوه:

стр. 455

الأول: أن القول بذلك معارض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (١). فمن دلالة الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧, ١٨]. وقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٥]. وقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]. ومن دلالة السنة: قوله ﷺ لمن سأله عن والده: "إن أبي وأباك في النار" (٢). وقوله ﷺ : "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي" (٣). وأما الإجماع: "فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك؛ من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق" (٤). الثاني: أن القول بذلك ينافي "القواعد الشرعية الدالة على عدم قبول الإيمان بعد مشاهدة الأحوال الغيبية، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى إثبات بالأدلة القوية. وأما الاستدلال بالقدرة الإلهية، وقابلية الخصوصية للحضرة النبوية،

стр. 456

فأمر لا ينكره أحد من أهل الملة الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام، بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال، خصوصًا في معارضة نصوص الأقوال" (١). الثالث: أن القول بذلك قد جر بعض القائلين به - ومنهم ابن حجر- إلى القول بنجاة كل أصول النبي ﷺ . وقد ردّ ذلك العلامة القاري ﵀ فقال: "وأما ما ذكر ابن حجر المكي ... من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي ﷺ غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء، ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر؛ فمردود عليه، إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح يشير إليه، وأما المعنى؛ فكأنه أراد به لفظ: (المختار) و (الكريم) و (الأطهار)، وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين؛ لحديث: "إن الله اصطفى بني كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" (٢). ولم يقل به أحد من المسلمين ... فتأمل؛ فإنه موضع زلل، ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل" (٣). الرابع: أن الأدلة التي ساقها ابن حجر في الدلالة على قوله لا تصح وبيان ذلك فيما يلي: ١ - أما استدلاله بكونهم من أهل الفترة على نجاتهم فهو مردود من وجهين: أ- أن ذلك معارض بقوله بحياتهما بعد وفاتهما وإيمانهما بالنبي ﷺ ؛

стр. 457

فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة (١). ب - أن أهل الفترة القول الصحيح في حقهم أنهم يمتحنون بنار في عرصات القيامة، لا القول بنجاتهم مطلقًا (٢). ٢ - أن الأحاديث التي أوردها ابن حجر في الدلالة على قوله موضوعة لا تصح. فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هل صح عن النبي ﷺ أن الله تعالى أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب بقوله: "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد رُوي ... بإسناد فيه مجاهيل ... فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا؛ كما نص عليه أهل العلم؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفَّر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة ... " (٣). وأما تفصيل الكلام على ما أورده منها، فيمكن بيانه فيما يلي: أ- حديث عائشة ﵄ في زيارته لقبر أمه ﷺ بالحجون، وحياتها وإيمانها: أخرجه ابن شاهين (٤)، ومن طريقه الخطيب (٥)، وعنه الجورقاني (٦) (٧)، والدارقطني (٨)، وابن عساكر (٩) من طريق محمد بن الحسن

стр. 458

النقاش، عن أحمد بن يحيى الحضرمي، عن محمد بن يحيى الزهراني، عن عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄ به. قال ابن الجوزي: "موضوع بلا شك: النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان ... وأم رسول الله ﷺ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وليست بالحجون" (١). والحديث ذكره عامة من ألف في الموضوعات والأحاديث المشتهرة (٢). ب - حديث: "أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له وآمنابه". ذكره السهيلي فقال: "ورُوي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي ... بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب مُعوِّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة، عن عائشة ﵄ ... " (٣) فذكره. والحديث ظاهر البطلان؛ إذ ليس له إسناد يثبت، فضلًا عما ذكره السهيلي من جهالة بعض رواته. ٥ - اختصاصه ﷺ بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته: سئل ابن حجر ﵀ هل تمكن رؤية النبي ﷺ في اليقظة؟ فأجاب بقوله: "أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون وهو الحق ... استُدل: بحديث البخاري: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" أي: بعيني

стр. 459

رأسه، وقيل: بعين قلبه، واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام ... والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم. وأكثر ما تقع رؤيته ﷺ بالقلب ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل، ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه وبين النبي وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته ... " (١). التقويم: ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من جواز رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته قرره جماعة من الصوفية (٢)، وهو باطل من وجوه: الأول: أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي ﷺ ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية (٣). الثاني: أن رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته لو كانت ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه ﷺ ، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم

стр. 460

وفصله بينهم (١). الثالث: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: القول باستمرار التشريع، وأن يخلو القبر من جسده ﷺ فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يكون من رآه صحابيًّا وغيرها (٢). الرابع: أن القائلين بذلك اضطربوا في رؤيته ﷺ هل هي رؤية لذاته على الحقيقة أو رؤية مثال لها، وهل تكون بالقلب أو بالبصر (٣)، وهذا الاضطراب كاف لرد القول بجواز رؤيته ﷺ بعد وفاته يقظه؛ إذ الرؤية أمر محسوس والاختلاف فيها على هذا الوجه يدل على عدم تحققها. الخامس: أن القائلين بذلك - ومنهم ابن حجر- لم يذكروا على قولهم هذا دليلًا يُعتمد عليه، وما ذكره ابن حجر أمران: ١ - حديث: "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة": والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أبي هريرة ﵁ به (٤). والجواب عنه من وجهين: أ- أن أهل العلم اختلفوا في المراد بالحديث على أقوال (٥)، أصحها أن المراد به التشبيه والتمثيل، ويدل لذلك روايات الحديث الأخرى فقد رواه بقية أصحاب الزهري بلفظ: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي" (٦). ب - أن حمل الحديث على رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته وإن كان أحد
следующие страницы →