← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فأمر لا ينكره أحد من أهل الملة الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام، بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال، خصوصًا في معارضة نصوص الأقوال" (١). الثالث: أن القول بذلك قد جر بعض القائلين به - ومنهم ابن حجر- إلى القول بنجاة كل أصول النبي ﷺ . وقد ردّ ذلك العلامة القاري ﵀ فقال: "وأما ما ذكر ابن حجر المكي ... من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي ﷺ غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء، ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر؛ فمردود عليه، إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح يشير إليه، وأما المعنى؛ فكأنه أراد به لفظ: (المختار) و (الكريم) و (الأطهار)، وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين؛ لحديث: "إن الله اصطفى بني كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" (٢). ولم يقل به أحد من المسلمين ... فتأمل؛ فإنه موضع زلل، ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل" (٣). الرابع: أن الأدلة التي ساقها ابن حجر في الدلالة على قوله لا تصح وبيان ذلك فيما يلي: ١ - أما استدلاله بكونهم من أهل الفترة على نجاتهم فهو مردود من وجهين: أ- أن ذلك معارض بقوله بحياتهما بعد وفاتهما وإيمانهما بالنبي ﷺ ؛

стр. 457

فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة (١). ب - أن أهل الفترة القول الصحيح في حقهم أنهم يمتحنون بنار في عرصات القيامة، لا القول بنجاتهم مطلقًا (٢). ٢ - أن الأحاديث التي أوردها ابن حجر في الدلالة على قوله موضوعة لا تصح. فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هل صح عن النبي ﷺ أن الله تعالى أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب بقوله: "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد رُوي ... بإسناد فيه مجاهيل ... فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا؛ كما نص عليه أهل العلم؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفَّر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة ... " (٣). وأما تفصيل الكلام على ما أورده منها، فيمكن بيانه فيما يلي: أ- حديث عائشة ﵄ في زيارته لقبر أمه ﷺ بالحجون، وحياتها وإيمانها: أخرجه ابن شاهين (٤)، ومن طريقه الخطيب (٥)، وعنه الجورقاني (٦) (٧)، والدارقطني (٨)، وابن عساكر (٩) من طريق محمد بن الحسن

стр. 458

النقاش، عن أحمد بن يحيى الحضرمي، عن محمد بن يحيى الزهراني، عن عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄ به. قال ابن الجوزي: "موضوع بلا شك: النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان ... وأم رسول الله ﷺ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وليست بالحجون" (١). والحديث ذكره عامة من ألف في الموضوعات والأحاديث المشتهرة (٢). ب - حديث: "أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له وآمنابه". ذكره السهيلي فقال: "ورُوي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي ... بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب مُعوِّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة، عن عائشة ﵄ ... " (٣) فذكره. والحديث ظاهر البطلان؛ إذ ليس له إسناد يثبت، فضلًا عما ذكره السهيلي من جهالة بعض رواته. ٥ - اختصاصه ﷺ بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته: سئل ابن حجر ﵀ هل تمكن رؤية النبي ﷺ في اليقظة؟ فأجاب بقوله: "أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون وهو الحق ... استُدل: بحديث البخاري: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" أي: بعيني

стр. 459

رأسه، وقيل: بعين قلبه، واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام ... والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم. وأكثر ما تقع رؤيته ﷺ بالقلب ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل، ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه وبين النبي وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته ... " (١). التقويم: ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من جواز رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته قرره جماعة من الصوفية (٢)، وهو باطل من وجوه: الأول: أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي ﷺ ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية (٣). الثاني: أن رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته لو كانت ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه ﷺ ، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم

стр. 460

وفصله بينهم (١). الثالث: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: القول باستمرار التشريع، وأن يخلو القبر من جسده ﷺ فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يكون من رآه صحابيًّا وغيرها (٢). الرابع: أن القائلين بذلك اضطربوا في رؤيته ﷺ هل هي رؤية لذاته على الحقيقة أو رؤية مثال لها، وهل تكون بالقلب أو بالبصر (٣)، وهذا الاضطراب كاف لرد القول بجواز رؤيته ﷺ بعد وفاته يقظه؛ إذ الرؤية أمر محسوس والاختلاف فيها على هذا الوجه يدل على عدم تحققها. الخامس: أن القائلين بذلك - ومنهم ابن حجر- لم يذكروا على قولهم هذا دليلًا يُعتمد عليه، وما ذكره ابن حجر أمران: ١ - حديث: "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة": والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أبي هريرة ﵁ به (٤). والجواب عنه من وجهين: أ- أن أهل العلم اختلفوا في المراد بالحديث على أقوال (٥)، أصحها أن المراد به التشبيه والتمثيل، ويدل لذلك روايات الحديث الأخرى فقد رواه بقية أصحاب الزهري بلفظ: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي" (٦). ب - أن حمل الحديث على رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته وإن كان أحد

стр. 461

الأقوال في المراد بالحديث إلا أنه قول ضعيف؛ إذ إن جماعة رأوه في المنام ولم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، ومعلوم أن خبر الصادق لا يتخلف (١). ٢ - الحكايات التي يذكرها المصنفون في الكرامات أو يتناقلها العامة: وهذه الحكايات ليست حجة شرعية يجب المصير إليها؛ إذ هي كذب مختلق، أو تزوير شيطان مرق؛ ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢). ثالثًا: حكم سبه ﷺ -. يرى ابن حجر ﵀ كفر من سب رسول الله ﷺ , وقتله ما لم يتب حيث قال: "من كفر بسبه ﷺ أو تنقيصه صريحًا أو ضمنًا ومثله المَلَك فاختلفوا في تحتم قتله" (٣). "فيقتل ما لم يتب على الأصح عندنا. ومطلقًا عند مالك وجماعة من أصحابنا، وبالغ بعضهم فنقل عليه الإجماع ... " (٤). التقويم: السب: هو كل كلام قبيح يوجب الإهانة، والنقص، والاستخفاف (٥). وضابطه العرف، "فإن الكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وجماع ذلك أن ما يعرف الناس أنه سب فهو سب، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك، وما اشتبه فيه

стр. 462

الأمر ألحق بنظيره وشبهه" (١). وسب النبي ﷺ من نواقض الإيمان التي توجب الكفر ظاهرًا وباطنًا، سواء استحل ذلك أو لم يستحله (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٣). وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣]. وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥: ٦٦]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]. ومن السُّنَّة: ما روي عنه ﷺ أنه لما دخل مكة عام الفتح جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (٤).

стр. 463

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على كفر من سب رسول الله ﷺ ، ونقل إجماعها على ذلك غير واحد من أهل العلم (١). ومن سب النبي لا يخلو من حالين: الأول: أن يصر على سبه دون توبة، فهذا يقتل باتفاق أهل العلم. الثاني: أن يتوب من سبه، فهذا اختلف أهل العلم في توبته وقتله على ثلاثة أقوال: ١ - القول بقتله بكل حال وعدم قبول توبته، والمراد بعدم قبولها أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة. ٢ - القول بقبول توبته وعدم قتله. ٣ - القول بقبول توبة الساب الذمي دون الساب المسلم، وتوبة الذمي إسلامه أو العود إلى الذمة كما كان. والراجح الأول، وهو قول الجمهور؛ لأنه حد من الحدود، والحدود لا تسقط بالتوبة (٢). وبناء عليه فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من القول بقبول توبة الساب مخالف لقول جمهور أهل العلم. * * *

стр. 464

المبحث الثالث آراؤه في كرامات الأولياء عرض ابن حجر ﵀ إلى كرامات الأولياء، وبين المراد بها، والفرق بينها وبين المعجزات وخوارق السحر، وقرر إمكانها ووقوعها، ورد على من خالف في ذلك؛ وفيما يلي بيان آرائه ثم التعقيب عليها بتقويمها. أولًا: تعريف كرامات الأولياء: عرف ابن حجر الكرامة فقال: "الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة، غير مقارن لدعوى النبوة، على يد من عرفت ديانته، واشتهرت ولايته باتباع نبيه في جميع ما جاء به، وإلا فهي استدراج، أو سحر، أو إذلال ... " (١). التقويم: الكرامة في اللغة: مصدر (كَرُم). يقول ابن فارس: "الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان: أحدهما: شرف في الشيء نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق ... والآخر: الكَرْم، وهي القلادة ... " (٢). فالكرامة من الباب الأول لشرفها في نفسها، وتشرف صاحبها في خلقه مع الخالق والخلق. وأما في الاصطلاح: فإن لفظ (الكرامة) لم يرد في الكتاب والسنة،

стр. 465

ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم. وأما المتأخرون فقد اصطلحوا على استعمال هذا اللفظ في الدلالة على خوارق الأولياء (١). يقول العلامة محمود شكري الألوسي ﵀: "كل من يذكر تعريف الكرامة وحَدَّها يقول: هي خرق الله العادة لوليه؛ لحكمة أو مصلحة تعود عليه أو على غيره" (٢). وبهذا يظهر أن تعريف ابن حجر ﵀ الكرامة بما سبق لا يخرج عن قول من عرفها من المتأخرين. ثانيًا: الفرق بين الكرامة والمعجزة وخوارق السحر: بيّن ابن حجر ﵀ -الفرق بين الكرامة والمعجزة، فقال: "الذي عليه معظم الأئمة أنه يجوز بلوغها مبلغ المعجزة في جنسها وعظمها، وإنما يفترقان في: أن المعجزة تقترن بدعوى النبوة ... والكرامة تقترن بدعوى الولاية، أو تظهر على يد الولي من غير دعوى شيء وهو الأكثر ... وأن دلالة المعجزة على النبوة قطعية وأن النبي يعلم أنه نبي، ودلالة الكرامة ظنية، ولا يعلم مظهرها أو من ظهرت عليه أنه ولي وقد يعلم ذلك ... " (٣). كما بين ابن حجر أيضًا الفرق بين الكرامة وخوارق السحر، فقال: "أما الفرق بين الكرامة والسحر فهو أن الخارق الغير مقترن بتحدي النبوة إن ظهر على يد صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق خلقه فهو الكرامة، أو على يد من ليس كذلك فهو السحر أو الاستدراج ...

стр. 466

وتمييز الصالح المذكور عن غيره بيِّن لا خفاء فيه؛ إذ ليست السيما كالسيما، ولا الآداب كالآداب، وغير الصالح لو لبس ما عسى أن يلبس لابد أن يرْشح من نتن فعله أو قوله ما يميزه عن الصالح" (١). التقويم: اختلف الناس في الخوارق هل هي جنس واحد أم لا؟ فذهب أهل السنة والجماعة إلى أنها ليست من جنس واحد (٢)، وفرقوا بينها بما سيأتي. وذهب المعتزلة والأشاعرة إلى أنها من جنس واحد، ثم اختلفوا فأثبت المعتزلة المعجزات ونفوا ما عداها (٣)، وأثبت الأشاعرة الجميع واضطربوا في الفرق بينها (٤). وما ذكره ابن حجر - غفر الله له - في الفرق بين الكرامة والمعجزة بناه على مذهبه الأشعري؛ حيث حصر الفرق بينهما في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، دون اختلافهما في قدر خرق العادة وهو أظهر، لأن جمهور الأشاعرة يقولون باستوائها وأن كل ما جاز خرقه للنبي جاز للولي (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض الرد عليهم: "أصلهم أن ما يأتي به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد، لا يتميز بعضه عن بعض بوصف، لكن خاصة النبي اقتران الدعوى، والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به. فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر، والكهانة، وعما يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة والكهان من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه ...

стр. 467

فهؤلاء سووا بين الأجناس الثلاثة" (١)، وقالوا: "الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط فإن آيات الأنبياء ﵇ التي دلت على نبوتهم، هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة ... " (٢). وعليه فإن الحق أن الكرامة دون المعجزة في خرقها للعادة، وأن الفرق بينهما لا ينحصر في دعوى النبوة ودلالة كل منهما، بل إنهما يفترقان في أمور عديدة، منها: ١ - أن الكرامة دون المعجزة في خرق العادة. ٢ - أن الكرامة معتادة في الصالحين بخلاف المعجزة فهي خارقة لعادة البشر. ٣ - أن الكرامة تابعة للمعجزة ودليل من دلائل النبوة، فإن الولي لم تحصل له الكرامة إلا لاتباعه النبي، ولو لم يتبعه لما وقعت له. ٤ - أن الكرامة ينالها الولي بفعله كعبادته ودعائه، بخلاف المعجزة فإنها غير مكتسبة (٣). وأما ما ذكره ابن حجر ﵀ في الفرق بين الكرامة وخوارق السحر فهو موافق لما عليه أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله عنه ورسوله، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله" (٤).

стр. 468

وبهذا يتضح خطأ ابن حجر في قصره التفريق بين الكرامة والمعجزة على دعوى النبوة ودلالة كل منهما، وصوابه في التفريق بين الكرامة وخوارق السحر باعتبار حال من وقعت منه. ثالثًا: جواز الكرامة ووقوعها، والرد على من خالف ذلك: قرر ابن حجر ﵀ جواز الكرامة ووقوعها، ورد على من أنكرها، فقال: "أنكر جماعة محرومون - كأكثر المعتزلة، وإن وافقهم بعض منا لكن يتعين تأويل كلامه لأن جلالته تأبى أن يرضى بهذا الزيف الذي انتحلوه - جواز الكرامة ووقوعها ... ومن أدلة الجواز: أن الوقوع ممكن كالمعجزة، وقدرة الله تعالى شاملة لهما، ولا بدع أن الملك يصدق رسوله بخرق بعض العادات، ثم يفعل مثل ذلك ببعض أتباعه إكرامًا له. ومن أدلة الوقوع: النص القاطع بما وقع لمريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي ولادة عيسى، ولأصحاب الكهف، ولوزير سليمان في عرش بلقيس، ونظائر ذلك ... والتواتر المعنوي وإن كانت التفاصيل آحادًا في كرامات الصحابة لا سيما فيما وقع لعمر، وعلي، وتوابعهم، ومن بعدهم، إلى زماننا ... " (١). وقد ساق ابن حجر جملة من الكرامات لمن ثبتت ولايته كعمر وعلي (٢) ﵄ وبعض من يدعي الولاية كابن عربي وغيره (٣). التقويم: ما قرره ابن حجر من جواز الكرامة ووقوعها موافق لما عليه أهل السنة والجماعة (٤).

стр. 469

وأما ما ذكره عن المعتزلة من إنكارهم ذلك، فهو مبني على قولهم بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، ومن ثم قالوا: لو أثبتنا الكرامة لاشتبهت بالمعجزة والتبس أمر النبي بالولي فنفوا الكرامة حتى يسلم لهم دليل النبوة (١). وقولهم باطل من وجوه، منها: ١ - أن إنكار الكرامة هو بمنزلة إنكار البدهيات، فإن العقل يدل على جوازها، والحس يدل على وقوعها (٢)، وهو ما أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق. ٢ - أن إنكار الكرامة مبني على القول بأن المعجزة والكرامة وخوارق السحر من جنس واحد، وهو قول باطل كما سبق (٣). ٣ - أن الكرامة تفارق المعجزة في أمور عديدة فلا يمكن اشتباههما والتباس أصحابهما (٤). ومراد ابن حجر ﵀ بمن وافق المعتزلة من أصحابه الأشاعرة أبو إسحاق الإسفراييني (٥)، وهو محق في الاعتذار عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قالت طائفة: لا تخرق العادة إلا لنبي وكذَّبوا بما يُذكَر من خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين. وهذه طريقة أكثر المعتزلة ... بل يحكى هذا القول عن أبي إسحاق

стр. 470

الإسفراييني، وأبي محمد بن أبي زيد (١) ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطًا، وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين" (٢). وأما ما ساقه ابن حجر - غفر الله له - من قصص بعض الأولياء وكراماتهم فيشوب بعضه مخالفة ما قرره أهل السنة والجماعة، بل وما قرره هو في كلامه عن الكرامات، كحكايته عن بعضهم إحياء الموتى كرامة له، وتجويزه ذلك وقوله بوقوعه، وحكايته خوارق من ثبتت عدم ولايته وصلاحه من غلاة الملاحدة كابن عربي وأمثاله. * * *

стр. 471

الفصل الرابع آراؤه في الإيمان باليوم الآخر وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف اليوم الآخر. المبحث الأول: آراؤه في الحياة البرزخية. المبحث الثاني: آراؤه في أشراط الساعة. المبحث الثالث: آراؤه في الحياة الآخرة.

стр. 472

تمهيد في تعريف اليوم الآخر اليوم: واحد الأيام. يقول ابن فارس: "الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام ... " (١). والآخر: نقيض المتقدم. يقول ابن فارس: "الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم" (٢). والمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية، وأشراط الساعة (٣). وسمي بذلك "لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة" (٤)، ويطلق عليه أسماء أخرى ذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبيّنوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (٥).

стр. 473

يقول ابن حجر ﵀ في تقرير ذلك: "اليوم الآخر يوم القيامة الذي هو محل الجزاء على الأعمال حسنها وقبيحها" (١). "وهو من الموت إلى آخر ما يقع يوم القيامة، وصف بذلك لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما يعقبه ليل ... " (٢). والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر، وأشراط الساعة. والثاني: الإيمان بالبعث. الثالث: الإيمان بالحساب والجزاء. الرابع: الإيمان بالجنة والنار (٣). وقد بيّن ابن حجر- ﵀ ذلك فقال: " [الإيمان] باليوم الآخر ... أي: بوجوده، وما اشتمل عليه من سؤال الملكين، ونعيم القبر وعذابه، والجزاء، والبعث، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك" (٤). هذا وقد عرض ابن حجر لبعض هذه المسائل، وتحدث عنها، وفيما يلي عرض آرائه فيها وتقويمها. * * *

стр. 474

المبحث الأول آراؤه في الحياة البرزخية تحدث ابن حجر ﵀ عن فتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وعرض للبحث في حقيقة الروح، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها. أولًا: فتنة القبر: ١ - عموم فتنة القبر، وبيان من يستثنى منها: ذكر ابن حجر ﵀ أن مما يجب الإيمان به فتنة القبر، فقال: "ومما يجب الإيمان به ... عذاب القبر، وسؤال الملكين منكر ونكير لغير نبي، وصبي، ومن اتصل جنونه ببلوغه بعد رد الحياة فيه بقدر ما يقعد ويفهم" (١). وبيّن أن فتنة القبر تعم كل ميت مقبور أو غير مقبور، سوى من استثني كمن لم يكلف، والشهيد، والمرابط، والنبي، والملك، ومن مات ليلة الجمعة أو يومها، والكافر، حيث قال: "سؤال الملكين يعم كل ميت ولو غير مقبور كحريق وغريق وأكيل سبع. والذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف، وبه جزم غير واحد من أئمتنا الشافعية ... ومن ثم خالف في ذلك القرطبي وغيره فجزموا بأن الطفل يُسأل. ولا يُسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث، وألحق به:

стр. 475

من مات مرابطًا لظاهر حديث رواه أحمد وأبو داود، وهو: "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتَّاني القبر" (١) ... والصّدّيق؛ لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه ﷺ وفي حق سائر الأنبياء. وبحث بعض المحققين والحفاظ أن المَلَك لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يُفتن. وفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي: "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يُسأل" (٢). ووردت أخبار بنحوه فيمن يقرأ كل ليلة سورة تبارك، وفي بعضها ضم سورة السجدة إليها.

стр. 476

وجزم الترمذي الحكيم (١) (٢) بأن المعلن بكفره لا يسأل ووافقه ابن عبد البر (٣)، ورواه عن بعض كبار التابعين، لكن خالفه القرطبي وابن القيم، واستدلاله بآية ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وبحديث البخاري: "وأما الكافر والمنافق" (٤) بالواو، ورجحه شيخ الإسلام ابن حجر (٥) بأن الأحاديث متفقة على ذلك، وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة" (٦). التقويم: فتنة القبر: هي امتحان الميت واختباره بعد عودة الروح إلى جسده وإقعاده (٧). وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. "وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم ﵃: " (٨). وأجمعت الأمة على وقوعها، والتعوذ بالله منها (٩). وهي عامة لكل ميت مقبور وغير مقبور، وإضافتها للقبر للغالب (١٠).

стр. 477

وقد ورد في الأحاديث والآثار وأقوال أهل العلم استثناء نفرٍ منها (١)، وذكر ابن حجر بعضهم في كلامه السابق، وهم: الأول: من لم يكلف كالأطفال: وقد اختلف الناس في امتحانهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من ليس مكلفًا كالصغير والمجنون فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير؟ . على قولين للعلماء: أحدهما: أنه يمتحن وهو قول أكثر أهل السنة. ثانيهما: أنه لا يمتحن في قبره ... " (٢). الثاني: الشهيد: وقد وردت الأحاديث بذلك، ومنها قوله ﷺ : "إن للشهيد عند الله ست خصال"، وذكر منها: "ويجار من عذاب القبر" (٣).

стр. 478

الثالث: المرابط: وقد وردت الأحاديث بذلك (١)، ومنها قوله ﷺ : "كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر" (٢). الرابع: الصّدِّيق: ذكر ذلك القرطبي، وعلله بقوله: "إذا كان الشهيد لا يفتن فالصدِّيق أجل خطرًا، وأعظم أجرًا فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن؛ فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ والله أعلم" (٣). وتعقبه العلامة ابن القيم ﵀ فقال: "الأحاديث ترد هذا القول وتبين أن الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيره ... ولا يلزم من هذه الخاصية التي اختص بها الشهيد أن يشاركه الصدِّيق في حكمها وإن كان أعلى منه، فخواص الشهداء قد تنتفي عمن هو أفضل منهم وإن كان أعلى منهم درجة" (٤). الخامس: النبي: وقد اختلف الناس في سؤاله على قولين، والخلاف فيه جار بين أهل السنة والجماعة (٥).

стр. 479

السادس: المَلَك: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "وأما المَلَك فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يُسأل؛ لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن" (١). السابع: من مات ليلة الجمعة أو يومها: لقوله ﷺ : "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يسأل" (٢) (٣). الثامن: من قرأ سورة الملك كل ليلة: وقد وردت الأحاديث بذلك (٤)، ومنها قوله ﷺ : "سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر" (٥). وقول ابن حجر: "في بعضها ضم سورة السجدة إليها" وهم منه؛ إذ لم يرد في فضائل سورة السجدة ذلك، وإنما غاية ما ورد أن النبي ﷺ كان يقرأ بهما كل ليلة (٦) فلعله التبس عليه بهذا.

стр. 480

التاسع: الكافر: اختلف أهل العلم في سؤاله، وقد نقل الخلاف عنهم ابن حجر في كلامه السابق، والصحيح سؤاله لعموم الأدلة. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلًا، مستنده في ذلك ما رواه عبد الرزاق (١) من طريق عبيد بن عمير (٢) أحد كبار التابعين قال: "إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد ولا يعرفه" (٣). وهذا موقوف، والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول" (٤). هؤلاء جملة من ذكرهم ابن حجر ممن يستثنى من فتنة القبر، وقد أغفل منهم من قتله بطنه، وقد صحت به الأحاديث (٥). ٢ - اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر: بحث ابن حجر اختصاص هذه الأمة بفتنة القبر، وذكر أقوال أهل العلم فيها فقال: "جزم الترمذي الحكيم (٦) وابن عبد البر (٧) بأن السؤال من خواص هذه الأمة؛ لحديث مسلم: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها".

стр. 481

وخالفهما جماعة منهم ابن القيم، وقال: ليس في هذه الأحاديث ما ينفي ذلك (١). وتوقف آخرون، وللتوقف وجه؛ لأن قوله "إن هذه الأمة" فيه تخصيص، فتعدية السؤال لغيرهم تحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم لخفة أهوال المحشر عليهم ففيه رفق بهم، أكثر من غيرهم؛ لأن المحن إذا فرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت فتفريقها لهذه الأمة عند الموت، وفي القبور، والمحشر، دليل ظاهر على تمام عناية ربهم بهم أكثر من غيرهم، وكان اختصاصهم بالسؤال في القبر من التخفيفات التي اختصوا بها عن غيرهم لما تقرر، فتأمل ذلك" (٢). التقويم: اختلف الناس في سؤال منكر ونكير وفتنتهما، هل هي خاصة بهذه الأمة أو عامة لها ولغيرها على ثلاثة أقوال: الأول: القول بالعموم، وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث الواردة فيها. الثاني: القول بالخصوصية، وهو قول بعض أهل العلم، واستدلوا عليه بما يلي: ١ - قوله ﷺ : "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" (٣). ٢ - قوله ﷺ : "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم" (٤). ٣ - قوله ﷺ : "إنكم بي تمتحنون وعني تسألون".

стр. 482

وقول الملائكة للمقبور: "ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ " (١). الثالث: التوقف (٢). والراجح - والله أعلم - قول الجمهور، وهو القول بعموم السؤال لهذه الأمة ولغيرها. يقول العلامة ابن القيم ﵀ بعد سياقه للأقوال وأدلتها: "الظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك [يعني: يسأل عنه كنبينا ﷺ مع أمته] وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة، والله أعلم" (٣). وأما ما استدل به القائلون بالخصوصية فإنه لا يعدو أن يكون إخبارًا عن فتنة هذه الأمة، لا عن اختصاصها بها، فلا ينافي ذلك فتنة غيرها (٤). وعليه فالقول بالتوقف لا وجه له، خلافًا لابن حجر ﵀ إذ الأدلة على العموم ظاهرة، والأدلة التي استدل بها القائلون بالخصوصية لا تعارضها. ٣ - عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسماؤهم، وصفاتهم، ولغتهم: عرض ابن حجر ﵀ لعدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم فقال: "قول [بعضهم] اسمهما على المذنب: منكر ونكير ... وأما على المطيع: مبشر وبشير. قال بعض المتأخرين: لم نقف له على أصل، ومقتضى الأحاديث استواء سائر الثاس في اسمهما وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي

стр. 483

وقال: حسن غريب ..... (١). وفي مرسل ضعيف زيادة اثنين آخرين وهما: ناكور ورومان (٢). فعليه يكون الملائكة الذين يسألون أربعة. وفي صفتهما ... حديث ابن حبان والترمذي: "يأتيه ملكان أسودان أزرقان" (٣). وبما تقرر عُلِمَ أن منكرًا ونكيرًا هما اللذان يسألان المؤمن وغيره ... وظاهر الأحاديث هو السؤال لسائر الناس بالعربية، نظير ما مر أنه لسان أهل الجنة، إلا إن ثبت خلاف ذلك، ولا يستبعد تكلم غير العربي بالعربية؛ لأن ذلك الوقت وقت تخرق فيه العادات ... " (٤). التقويم: تعددت الروايات في بيان من يتولى سؤال المقبور، فورد ذكره في بعضها كرواية: "يأتيه مَلَك"، ورواية: "يأتيه ملكان"، ورواية: "يأتيه آت"، ولم يذكر في بعضها الآخر كرواية: "يُؤتى"، ورواية: "يُسأل"، ورواية: "يُقال له". قال العلامة القرطبي ﵀: "لا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى:

стр. 484

بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعًا ويسألانه جميعًا في حال واحدة ... لتكون الفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام ... وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال. وقد يحتمل وجهًا آخر وهو أن الملكين يأتيان جميعًا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره ... " (١). وعليه فالملائكة الموكلون بسؤال القبر اثنان، والأحاديث الواردة بأنهما ثلاثة أو أربعة موضوعة (٢). وأما اسمهما فهو منكر ونكير، والأصل في ذلك الحديث الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السابق، وفيه: "يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير ... " (٣). وما قرر ابن حجر من عدم ورود الدليل على التفريق بين المؤمن والكافر في اسمي الملكين الموكلين بالسؤال، واستواء سائر الناس فيهما حق (٤)، وقوله بضعف زيادة ناكور ورمان هو المعتمد الذي عليه أهل التحقيق (٥). وما ذكره من صفاتهما فهو مما صح به الخبر - كما سبق - (٦) وقد وردت أحاديث وآثار تبين صفات أخرى لهما (٧). وأما البحث في لغتهما فقد سئل عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني،

стр. 485

فأجاب بقوله: "سؤال الملكين ظاهر الحديث أنه بالعربي؛ لأن فيه "أنهما يقولان له: ما علمك بهذا الرجل؟ " إلى آخر الحديث، ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل أحد بلسانه" (١). وبهذا يظهر صواب ابن حجر ﵀ فيما قرره في عدد الملائكة الموكلين بالسؤال، وأسمائهم، وصفاتهم، ولغتهم، وموافقته في ذلك لما عليه المحققون من أهل العلم. ثانيًا: عذاب القبر ونعيمه: ١ - وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه: يرى ابن حجر ﵀ وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، حيث قال: "ومما يجب الإيمان به عذاب القبر ... " (٢). التقويم: المراد بعذاب القبر ونعيمه: ما يحصل في البرزخ من العذاب والنعيم. يقول الحافظ السيوطي ﵀: "قال العلماء: عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه ناله ما أراد به قبر أو لم يقبر ... وكذا القول في النعيم" (٣). والأصل في ثبوته ووجوب الإيمان به الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام: ٩٣]. فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ دليل واضح على عذاب

стр. 486

القبر ولو تأخر عنهم العذاب إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١]. فالمراد بقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عذاب الدنيا بالمصائب، وعذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فقد ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). وقال : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. فالعذاب الحاصل لآل فرعون إنما كان بعد موتهم وهو عذاب القبر، وأما عذاب الآخرة فهو مذكور بعده في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولهذا فإن "هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (٣). وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث الدالة على عذاب القبر، وتعدد رواتها فبلغوا تسعة وثلاثين صحابيًّا (٤)، ونص على ذلك جماعة من أهل العلم (٥).

стр. 487

أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة وأئمتها على إثبات الثواب والعقاب في البرزخ (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات ... الثواب والعقاب في البرزخ" (٢). وعليه فما قرره ابن حجر من وجوب الايمان بعذاب القبر ونعيمه موافق لقول أهل السنة والجماعة. ٢ - وقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد: سئل ابن حجر هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟ فأجاب بقوله: "الأصح أن العذاب على الروح والجسد" (٣). التقويم: اختلف الناس في عذاب القبر هل هو واقع على الروح؟ أم الجسد؟ أم هما جميعًا؟ . والقول بوقوع عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد محل اتفاق أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن" (٤). ومما يشهد لذلك ويدل عليه الأحاديث الواردة في إعادة روح المقبور إلى بدنه عند السؤال، واختلاف أضلاعه إذا لم يوفق للإجابة، وهي مخرجة من طرق مختلفة عن عدة من الصحابة ﵃ (٥).

стр. 488

وبسط أدلة هذا القول، ومحاجة من خالفه، مذكورة في مواضعها من كتب أهل العلم (١). وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لما عليه أهل السنة والجماعة. ثالثًا: حقيقة الروح: يرى ابن حجر ﵀ الإمساك عن الكلام في حقيقة الروح؛ امتثالًا لكتاب الله واقتداء بالنبي ﷺ وتأدبًا معهما حيث يقول: "الروح ...... لم يتكلم عليها ﷺ فنمسك عنها أدبًا. وجمهور الخائضين أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد به؛ لأنها وصفت بأوصاف الجسم في الكتاب والسنة" (٢). التقويم: الروح: مأخوذة من الريح. يقول ابن فارس: "الراء والواو والحاء أصل كبير مطّرد، يدل على سعة وفسحة واطّراد، وأصل ذلك كله الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها، فالروح رُوح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذا الباب كله" (٣). ولفظ (الروح) يطلق على معان عدة، منها: القرآن، والوحي، وجبريل، والقوة، والمسيح ابن مريم، وروح الإنسان التي بها حياته (٤) -وهي المراد بالبحث هنا-.

стр. 489

وقد اختلف الناس في الخوض فيها بناء على اختلافهم في المراد بالروح التي وقع السؤال عنها في قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] (١). فمن فسرها بروح الإنسان التي بها حياته، أمسك عن الكلام فيها، ومن فسرها بغيرها خاض في ذلك (٢). واختلف الخائضون في بيان حقيقتها، وتعددت مذاهبهم في ماهيتها. يقول العلامة السفاريني ﵀: "اختلف الناس في حقيقة الروح؛ وهل هي النفس أو غيرها، وهل هي جزء من البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ وقد تكلم الناس في هذه المسائل من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم، ومن الناس من أمسك عن الكلام والخوض فيها لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهدى الله أتباع الرسول وسلف الأمة وأهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قال ابن القيم بعد ما ساق أقوال الناس في حقيقة الروح: "والصحيح أن الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الوِرْد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحسن والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط عليها

стр. 490

وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح" (١) وذكر لكلامه مائة دليل وستة عشر دليلًا وأجاد وأفاد" (٢). وبهذا يظهر أن القول بالإمساك عن البحث في حقيقة الروح وإن كان مأثورًا عن بعض أهل العلم، إلا أن جمهورهم على خلافه، وأكثرهم على ما قرره العلامة ابن القيم ﵀ في كلامه السابق. * * *

стр. 491

المبحث الثاني آراؤه في أشراط الساعة عرف ابن حجر ﵀ أشراط الساعة، وبيّن أقسامها، وتحدث عن بعضها، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها. أولًا: تعريف أشراط الساعة: عرف ابن حجر ﵀ أشراط الساعة، وبيّن أقسامها فقال: "الساعة: يوم القيامة، سمي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته، فإنها تقوم بغتة في ساعة ... وأَماراتها: بفتح الهمزة ... أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها ... ولها أمارات صغار وعظام ... " (١). التقويم: الأشراط: جمع شرط، والشَّرَطُ بالتحريك العلامة، وأشراط الشيء أوائله. قال ابن فارس: "الشين والراء والطاء أصل يدل على عَلَم وعلامة ... " (٢). والساعة: قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة

стр. 492

وعشرين جزءًا من اليوم والليلة (١). والمراد بها هنا: يوم القيامة، واختلف في سبب تسميته بذلك، فقيل: "إشارة إلى أنها ساعة خفيفة يقع فيها أمر عظيم، وقيل: لوقوعها بغتة، أو لطولها، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس" (٢). وعليه فأشراط الساعة: هي العلامات والآيات التي تسبق قيام الساعة وتدل على قربها (٣). وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تقسيمها، وتعددت مناهجهم في ذكرها (٤)، والمشهور تقسيمها إلى قسمين: الأول: الأشراط الكبرى: وهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع. وهي العشر الواردة في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ وفيه: "أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (٥). والثاني: الأشراط الصغرى: وهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في

стр. 493

أصلها معتادة الوقوع، وهي كل ما عدا العشر المتقدمة (١). وقد جرى ابن حجر ﵀ على هذا التقسيم، وذكر جملة من الأشراط، وسأورد كلامه فيها وفقًا لذلك. ثانيًا: أشراط الساعة الصغرى: أورد ابن حجر ﵀ جملة من أشراط الساعة الصغرى، أجمل في بعضها وفصل في أخرى، وسأكتفي بالإحالة فيما أجمله، والتفصيل فيما فصله. فأما ما أجمله منها فهو: • بعثته ﷺ (٢). • ولادة الأمة ربتها (٣). • التطاول في البنيان (٤). • التساهل في الكسب من الحرام (٥). • فشو الربا (٦). • تعلق الناس بالدينار والدرهم (٧). وأما ما فصله فهو: ظهور المهدي، وتخريب الكعبة، ونفي المدينة شرارها، وفيما يلي بيان آرائه فيها وتقويمها: ١ - ظهور المهدي: قرر ابن حجر تواتر الأخبار بظهور المهدي، واستفاضتها بأخباره حيث قال: "تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض

стр. 494

عدلًا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه في طول من قصته وأمره" (١). وبيّن ابن حجر حقيقته وأنه من ولد النبي ﷺ ، وأجاب عما ورد فيه من كونه من ولد عمه العباس أوهو عيسى ابن مريم نفسه، حيث قال: "هذه كلها لا تنافي ما تقرر أولًا من أنه من ذريته ﷺ ومن ولد فاطمة؛ لأن أحاديثه أكثر وأصح ... ويمكن الجمع بأنه لا مانع من أن يكون من ذريته ﷺ وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية ... وفي حديث ... "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" (٢) على أنه ضعيف. والذي في الأحاديث الثابتة التصريح بأنه من عترته من ولد فاطمة، فوجب تقديمها عليه" (٣). وسئل عن مكان خروجه، فأجاب بقوله: "ثبت في أحاديث أنه يخرج من قبل المشرق، وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام، ويسكن بيت المقدس" (٤). وقرر "أن خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ ... وأما ما قيل إنه بعد

стр. 495

نزوله، فبعيد والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه" (١). وقد أفاض ابن حجر ﵀ في ذكر علامات المهدي وخصوصياته التي جاءت عن النبي ﷺ (٢)، والصحابة (٣)، والتابعين، وتابعيهم (٤). التقويم: وردت الأحاديث عن النبي ﷺ بظهور المهدي، وتكاثرت في الدلالة على ذلك، واختلف الناس في ثبوتها، والمحققون من أهل العلم على تواترها (٥). يقول العلامة الشوكاني ﵀: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (٦).
следующие страницы →