← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المبحث الثاني آراؤه في أشراط الساعة عرف ابن حجر ﵀ أشراط الساعة، وبيّن أقسامها، وتحدث عن بعضها، وفيما يلي بيان آرائه في ذلك وتقويمها. أولًا: تعريف أشراط الساعة: عرف ابن حجر ﵀ أشراط الساعة، وبيّن أقسامها فقال: "الساعة: يوم القيامة، سمي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته، فإنها تقوم بغتة في ساعة ... وأَماراتها: بفتح الهمزة ... أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها ... ولها أمارات صغار وعظام ... " (١). التقويم: الأشراط: جمع شرط، والشَّرَطُ بالتحريك العلامة، وأشراط الشيء أوائله. قال ابن فارس: "الشين والراء والطاء أصل يدل على عَلَم وعلامة ... " (٢). والساعة: قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة

стр. 492

وعشرين جزءًا من اليوم والليلة (١). والمراد بها هنا: يوم القيامة، واختلف في سبب تسميته بذلك، فقيل: "إشارة إلى أنها ساعة خفيفة يقع فيها أمر عظيم، وقيل: لوقوعها بغتة، أو لطولها، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس" (٢). وعليه فأشراط الساعة: هي العلامات والآيات التي تسبق قيام الساعة وتدل على قربها (٣). وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تقسيمها، وتعددت مناهجهم في ذكرها (٤)، والمشهور تقسيمها إلى قسمين: الأول: الأشراط الكبرى: وهي التي تظهر قرب قيام الساعة، وإذا ظهر أولها تتابعت سريعًا، وتكون غير معتادة الوقوع. وهي العشر الواردة في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ وفيه: "أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (٥). والثاني: الأشراط الصغرى: وهي التي تتقدم قيام الساعة بأزمان متطاولة، ولا تزال، وتكون في

стр. 493

أصلها معتادة الوقوع، وهي كل ما عدا العشر المتقدمة (١). وقد جرى ابن حجر ﵀ على هذا التقسيم، وذكر جملة من الأشراط، وسأورد كلامه فيها وفقًا لذلك. ثانيًا: أشراط الساعة الصغرى: أورد ابن حجر ﵀ جملة من أشراط الساعة الصغرى، أجمل في بعضها وفصل في أخرى، وسأكتفي بالإحالة فيما أجمله، والتفصيل فيما فصله. فأما ما أجمله منها فهو: • بعثته ﷺ (٢). • ولادة الأمة ربتها (٣). • التطاول في البنيان (٤). • التساهل في الكسب من الحرام (٥). • فشو الربا (٦). • تعلق الناس بالدينار والدرهم (٧). وأما ما فصله فهو: ظهور المهدي، وتخريب الكعبة، ونفي المدينة شرارها، وفيما يلي بيان آرائه فيها وتقويمها: ١ - ظهور المهدي: قرر ابن حجر تواتر الأخبار بظهور المهدي، واستفاضتها بأخباره حيث قال: "تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض

стр. 494

عدلًا، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه في طول من قصته وأمره" (١). وبيّن ابن حجر حقيقته وأنه من ولد النبي ﷺ ، وأجاب عما ورد فيه من كونه من ولد عمه العباس أوهو عيسى ابن مريم نفسه، حيث قال: "هذه كلها لا تنافي ما تقرر أولًا من أنه من ذريته ﷺ ومن ولد فاطمة؛ لأن أحاديثه أكثر وأصح ... ويمكن الجمع بأنه لا مانع من أن يكون من ذريته ﷺ وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية ... وفي حديث ... "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" (٢) على أنه ضعيف. والذي في الأحاديث الثابتة التصريح بأنه من عترته من ولد فاطمة، فوجب تقديمها عليه" (٣). وسئل عن مكان خروجه، فأجاب بقوله: "ثبت في أحاديث أنه يخرج من قبل المشرق، وأنه يبايع له بمكة بين الركن والمقام، ويسكن بيت المقدس" (٤). وقرر "أن خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ ... وأما ما قيل إنه بعد

стр. 495

نزوله، فبعيد والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه" (١). وقد أفاض ابن حجر ﵀ في ذكر علامات المهدي وخصوصياته التي جاءت عن النبي ﷺ (٢)، والصحابة (٣)، والتابعين، وتابعيهم (٤). التقويم: وردت الأحاديث عن النبي ﷺ بظهور المهدي، وتكاثرت في الدلالة على ذلك، واختلف الناس في ثبوتها، والمحققون من أهل العلم على تواترها (٥). يقول العلامة الشوكاني ﵀: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (٦).

стр. 496

"وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجَنَدي المتقدم، وقد بينّا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله ﷺ وبين الساعة ... الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه ... وهذا ... المهدي الذي تولى من بنى العباس ليس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه ... الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملأها قسطًا وعدلًا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل ... الرابع: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار ... " (١) وهو قول الرافضة الإمامية (٢). وما قرره ابن حجر ﵀ بشأن المهدي من كونه من ولد النبي ﷺ ، وأنه يخرج من قبل المشرق، وأن خروجه قبل نزول عيسى ﵇ موافق لما قرره أهل العلم ﵏ (٣). وأما ما ذكره من علاماته وخصوصياته فقد اعتمد فيها على النقل عن

стр. 497

غيره دون التحقق من صحته؛ ولهذا كثر فيها الضعف والوضع (١). ٢ - خراب الكعبة: يقول ابن حجر: "صح عنه ﷺ أنه قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (٢)، أي: الذي له ساقان دقيقان، فالتصغير لذلك ... وهذا الهدم يكون في زمن عيسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ... قاله الحليمي (٣) (٤). وقال غيره: بل يكون بعد موته، وبعد رفع القرآن، وصححه بعض المتأخرين، ويؤيده حديث البخاري: "ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" (٥). فإن قلت: هل يمكن الجمع بين القولين بتقدير صحتهما؟ قلت: يمكن؛ إذ يحتمل أنه يهدم بعضه في زمن عيسى فيُبْعث إليه فيهرب، ثم بعد موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه، إشارة إلى هدم معالم الدين من أصلها وأنه لم يبق في الأرض منها بقية أصلًا، بل لم يبق على ظهرها من يقول: الله الله ... وعُلِمَ مما نقل ... أن هذا التخريب لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] ... لما تقدم أن تخريبه مقدمة لخراب

стр. 498

الدنيا فكونه آمنًا محترمًا إنما هو قبل ذلك، على أن الحكم بالحرمة والأمن باق إلى يوم القيامة وكذا وجودهما بالفعل، لكن باعتبار أغلب أوقاته وإلا فكم وقع فيه من قتال وإخافة لأهله جاهلية وإسلامًا ... " (١). التقويم: خراب الكعبة - شرفها الله - أمر ثابت، وهو من أشراط الساعة التي لم تقع بعد (٢). واختلف أهل العلم في وقت وقوعه: فقيل: إنه زمن عيسى ﵇. وقيل: إنه بعده وبعد هلاك يأجوج ومأجوج. وقيل: إنه بعد خروج الدابة. وقيل: إنه بعد الآيات كلها وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحاج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله (٣). قال ابن كثير ﵀: "الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇ ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى ﵇ ويصلي عليه المسلمون، ويدفن بالحجرة النبوية مع رسول الله ﷺ ، ثم يكون خراب الكعبة على يد ذي السويقتين بعد هذا، وإن كان ظهوره في زمن المسيح ... " (٤). وبهذا يظهر - والله أعلم - أن القول الصحيح أن ظهور ذي السويقتين

стр. 499

في زمن عيسى، وأما تخريبه الكعبة فبعد هلاك يأجوج ومأجوج ووفاة عيسى ﵇ وخروج الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وقرب قيام الساعة حين ينقطع الحج ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله. وبتقرير ما سبق يظهر - والله أعلم - أن ما ذكره ابن حجر في الجمع بين القول بوقوعها قبل عيسى والقول بوقوعها بعده غير صحيح. وأما ما ذكره من كون خرابها لا ينافي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فهو ظاهر، وقد قرره غير واحد من أهل العلم (١). ٣ - نفي المدينة شرارها: قال ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (٢). "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها: إما بأن يضيق عليهم المعيشة فيها فيخرجون إلى بلاد السعة. وإما بأن يزيد شرهم وأذاهم لبقية أهلها فيوقع الله في قلوبهم الخروج منها كرهًا عليهم وإن كانت معيشتهم مستقيمة بها. وإما بأن يتوجه أهل الطاعة بالنبي ﷺ في إخراجهم من بينهم لما في بقائهم من المفاسد وخروجهم من المصالح فيلقي الله تعالى الرعب في قلوبهم فيخرجون هاربين خائفين على غاية من الذلة والجهادة والحقارة. وهذا كله إن قلنا إن هذا النفي في أزمنة متفرقة قبل خروج الدجال وهو أحد احتمالين ... وثانيهما: أنه مختص بزمن الدجال لأنه إذا قصد المدينة رجفت ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ...

стр. 500

وقيل: يحتمل أنه ﷺ لأن بعثته من أشراط الساعة وعلاماتها" (١). التقويم: نفي المدينة شرارها من أشراط الساعة الصغرى، والمراد به: إخراج المدينة النبوية الشريفة من سكنها وهو خبيث ونفيها له (٢). واختلف أهل العلم في زمن وقوعه: فمنهم من قال بأن هذا مختص بزمن النبي ﷺ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام بالمدينة إلا من ثبت إيمانه. ومنهم من قال بأن هذا مختص بزمن الدجال (٣). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين، وكان الأمر في حياته ﷺ كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي ... فإنه ﷺ ذكر هذا الحديث معللًا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة (٤). ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه ... وأما ما بين ذلك فلا" (٥). وبهذا التقرير يظهر أن ما ذكره ابن حجر في معنى نفي المدينة شرارها وزمن وقوع ذلك اجتهاد منه لا يوافق عليه، فإن القول بعموم ذلك في الأزمنة المتفرقة لا يصح. وقوله في احتمال خروجهم منها بسبب توجه أهل الطاعة بالنبي ﷺ

стр. 501

جار على قوله في التوسل وقد سبق رده (١). ثالثًا: أشراط الساعة الكبرى: ذكر ابن حجر ﵀ جملة من أشراط الساعة الكبرى، منها: ١ - خروج الدجال: قال ابن حجر: "الدجال يخرج في زمن المهدي فهو من علاماته ... قال النووي وغيره: كان السلف يستحبون أن يُلَقَّن الصبيان أحاديث الدجال ليحفظوها وترسخ في قلوبهم ويتوارثها الناس (٢)؛ لقوله ﷺ : "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق كبر من الدجال" (٣) ... وورد له علامات: خروجه من خراسان أو من أصبهان ... أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة - أي بالهمزة: ذاهبة النور وفُقئت فطفئت - وفي رواية: "اليسرى"، وفي أخرى: "ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة" وبها عُلم أن له عينًا ممسوحة وعينًا عوراء، ثم رأيت بعضهم جمع بأن العَوَر في اللغة: العيب، وعيناه كذلك، وهو موافق لما ذكرته. ومكتوب بين عينيه: (ك ف ر) يقرؤه كل مؤمن قارئ وغيره. معه جنة هي نار، وعكسه، ينجو من ناره من قرأ فواتح الكهف، ونهر يُرى ماؤه أبيض، ونهر عكسه، وهو الماء البارد ... " (٤). "وأنه يصيح ثلاث صيحات، فيسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب. وأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة، وكذا بيت المقدس، ومسجد الطور كما في رواية، إلا دمشق وعسقلان، وما جاء فيهما لا يثبت ...

стр. 502

يلبث أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم .. " (١). "ومن فتنته: أن يقول للأعرابي: أبعث لك أبويك وتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان بصورتيهما، ويقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك. وأنه يسلط على نفس واحدة فينشرها شقين، ثم يمشي بينهما ويقول: انظروا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربًا غيري! ! ثم يبعثه الله، فيقول: أنت عدو الله الدجال ... ويأمر السماء فتمطر، والأرض أن تنبت فتُنبت، ويأمر النهر أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس ... ويمر بالحي فيكذبونه فلا يبقي لهم سائمة إلا هلكت، وبالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فترعى مواشيهم في يومها، وتكون فيه أسمن ما كانت وأملأ ضروعًا. ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ... " (٢). "وكان موجودًا في العهد النبوي، وهو محبوس ببعض الجزائر، وليس هو ابن صياد (٣) كما دل عليه حديث الجساسة في مسلم (٤)، وكون ابن صياد فيه كثير من صفاته لا يقتضي أنه هو ... " (٥).

стр. 503

التقويم: خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى بدلالة السنة المتواترة (١). ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ وفيه: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها الدجال" (٢). والدجال: المموه الكذاب، وإذا أطلق انصرف إلى المسيح الأعور (٣). والذي تدل عليه الأحاديث أنه أول الأشراط الكبرى وقوعًا (٤). وما ذكره ابن حجر في علامات الدجال، وأحوال فتنته وارد في عدة أحاديث، منها: حديث النواس بن سمعان ﵁ حيث قال: "ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا فسألناه، فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: "غيرُ الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب جعدٌ قططٌ عينه طافية، وإنه يخرج خلّة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا يا عباد الله اثبتوا". قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كلجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذُرَى

стр. 504

وأمده خواصر وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحي فيدعوهم، فيردوا عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، قال: ويأمر برجل فيُقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه يتهلل وجهه، قال: فبينا هو على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي" (١). وحديث أنس ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "مما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر" (٢). وقول ابن حجر بأن المراد بالعور في عينيه عيبهما جمعًا بين الروايات موافق لما قرره جمع من أهل العلم (٣). وقوله بأنه يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس والطور حق. إذ استثناء مكة والمدينة وارد في أحاديث عدة، والقول بمقتضى ذلك هو مذهب الجمهور سوى من شذ (٤). واستثناء بيت المقدس والطور وارد في حديث جنادة بن أمية عن بعض أصحاب النبي ﷺ وفيه أن النبي ﷺ قال: "لا يأتي - يعني: الدجال - أربعة مساجد: الكعبة، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، والطور" (٥).

стр. 505

وحكمه بضعف الأحاديث الواردة في استثناء دمشق وعسقلان صواب كما حققه الحافظ السخاوي ﵀ (١). وأما ما قرره من كون الدجال موجودًا في عهد النبي ﷺ فيدل عليه حديث الجساسة المشهور (٢). وقوله بأنه ليس ابن صياد، وتعليله ذلك بأن مشابهة ابن صياد له في كثير من صفاته لا تقتضي أن يكون هو، موافق لقول جماعة من أهل العلم، وهو الصحيح - إن شاء الله - (٣). يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك، فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته، وأما الدجال الأكبر فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري وفيه قصة الجساسة" (٤). ٢ - نزول عيسى ﵇: يقول ابن حجر ﵀: "خروج المهدي قبل نزول عيسى ﵇ وأما ما قيل: إنه بعد نزوله فبعيد، والأحاديث ترد على قائله، فلا ينظر إليه" (٥). "والأشهر ما صح في مسلم أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. وفي رواية: بالأردن. وفي أخرى: بعسكر المسلمين. ولا تنافي لأن عسكرهم بالأردن ودمشق وبيت المقدس من ذلك" (٦)

стр. 506

"ويقيم سبع سنين كما صح في حديث مسلم، ولا ينافيه حديث الطيالسي (١) أنه يقيم أربعين سنة؛ لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده فإنه رفع وسنه ثلاث وثلاثون سنة" (٢). "وجاء لعيسى ﵇ علامات: لا يجد ريح نَفَسه - بفتح الفاء - وهو ينتهي حيث ينتهي طرفه كافر إلا مات. يذق الصليب، ويذبح الخنزير والقردة، أي: يبطل دين النصرانية ويتخذ دين الإسلام فلا يُعبد غير الله. ويضع الجزية أي: أنه لا يقبل إلا الإسلام. وتترك الصدقة أي: الزكاة؛ لعدم من يقبلها لنزول البركات وظهور الكنوز ... " (٣). التقويم: نزول عيسى ﵇ من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (٤). قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]. فسرتا بنزول عيسى ﵇ (٥).

стр. 507

وقد تواترت الأحاديث بنزوله آخر الزمان (١)، ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ وفيه: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات"، وذكر منها: نزول عيسى ﵇" (٢). وأجمعت الأمة على القول بموجبها، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل الشريعة (٣). والذي تدل عليه النصوص أن نزوله بعد ظهور المهدي وخروج الدجال، وأنه يأتم بالمهدي ويقود المسلمين في قتال الدجال، وعلى يده تكون هلكته. وأما مكان نزوله فقد اختلفت الأحاديث في تحديده. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق ... وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة ... وورد في بعض الأحاديث أنه ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن، وفي رواية بعسكر المسلمين ... " (٤). وأما مدة مكثه في الأرض فقد اختلفت الأحاديث في تحديدها أيضًا والجمع بينها بما ذكره ابن حجر هو قول طائفة من أهل العلم (٥)، وهو متعقب. يقول العلامة السفاريني ﵀: "جمع بعضهم أن سيدنا عيسى حين رفع كان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة وينزل سبعًا فهذه أربعون سنة.

стр. 508

وهذا والله أعلم ليس بشيء لما مر من حديث عائشة ﵂ عند أحمد وغيره "فيقتل الدجال ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة" (١). وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: كنت أفتيت بأن ابن مريم يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، قال: واستمريت على ذلك مدة من الزمان حتى رأيت الحافظ البيهقي اعتمد أن مكثه في الأرض أربعين سنة معتمدًا ما أفاده الإمام أحمد في روايته بلفظ: ثم يمكث ابن مريم في الأرض بعد قتل الدجال أربعين سنة. وهذا هو المرجح؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم" (٢). وأما علاماته التي ذكرها ابن حجر فقد وردت في أحاديث عدة، منها حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ... " (٣). ٣ - خروج يأجوج ومأجوج: بين ابن حجر وقت خروج يأجوج ومأجوج، وأصلهم، وبعضًا من صفاتهم، حيث قال: "بعده [يعني: الدجال] خروج يأجوج ومأجوج.

стр. 509

وهم من ولد آدم وحواء للحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، وهو من ذريتهما، قطعوا به لعدم رؤية نقل عن أحد من السلف، ما عدا كعبًا بخلافه. اعتُرض قول النووي من فتاويه: أنهم من ولده لا من حواء عند جماهير العلماء، قيل: نام فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلقوا منها. واعتُرض بأن النبي لا يحتلم، ورد بأن المنفي احتلامه عن رؤية جماع لا مجرد دفق الماء. وفي حديث: "يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح". يجامعون ما شاؤوا، طولهم شبر، وأطولهم ثلاثة، سيوقد المسلمون بقسيِّهم ونشابهم وأثر سهمهم سبع سنين، ويؤمر عيسى ﵇ بعد أن يعلم أنه لا بد لأحد من قتالهم بإحدار المسلمين إلى جبل الطور، يمرون ببحيرة طبرية، فيشرب أولهم ماءها، ثم ينتهون إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض كلهم، فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد مخضوبًا دمًا، ويُحصَرُ عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور أو القطعة من الأقط خيرًا لأحدهم من مائة دينار لأحدنا اليوم، فيرغبون إلى الله، فيرسل عليهم دودًا في رقابهم، فيصبحون قتلى، فيهبط عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبر منها إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغبون إلى الله ، فيرسل طيرًا تطهرها منهم، ثم مطرًا يغسلها حتى يجعلها كالمرآة، ثم تؤمر الأرض بإنبات ثمرتها وردّ بركتها، ثم يبعث الله بعد موت عيسى ﵇ ريحًا طيبة فتأخذ تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس" (١).

стр. 510

التقويم: خروج يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (١). قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]. وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]. فسر الوعد في الآيتين: بيوم القيامة، أو يوم خروجهم. وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: خروج يأجوج ومأجوج" (٢). واتفق أهل العلم على أنهم من جنس البشر، واختلفوا في أصل نسبهم: فقال الجمهور - وحكاه بعضهم إجماعًا - إنهم من ولد يافث بن نوح، وهو من ذرية آدم وحواء. وقال كعب الأحبار ﵁ ووافقه بعض أهل العلم إنهم من ولد آدم وحده، وذلك أنه احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك (٣). ورُد بما يلي: ١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون، وجوابهم عن ذلك بأن المنفي احتلامهم عن رؤية الجماع لا مجرد دفق الماء يحتاج إلى دليل (٤). ٢ - أن هذا القول لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب (٥).

стр. 511

٣ - أن هذا القول يرده الحديث المرفوع عنه ﷺ ، وفيه: "ولد نوح: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير منهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ... وولد لحام القبط والبربر والسودان" (١)، ويافث بن نوح من ذرية آدم وحواء قطعًا. وأما ما نقله ابن حجر عن العلامة النووي في فتاويه من كون القول بأنهم ولد آدم من غير حواء هو مذهب الجمهور فغير محرر؛ إذ كلام النووي في فتاويه نص في أن مذهب الجمهور أنهم من ولد آدم وحواء لا من ولد آدم فقط، حيث سئل عن يأجوج ومأجوج هل هم من أولاد حواء؟ فأجاب بقوله: "هم من ولد آدم من حواء عند جماهير العلماء، وقيل: إنهم من بني آدم لا من حواء، فيكونون إخوتنا لأب ... " (٢). ولعل الذي أوقع ابن حجر في هذا متابعته للحافظ السخاوي في كتابه القناعة (٣) الذي نقل ذلك عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني (٤)، ويدل لذلك كون ابن حجر قد اعتمد اعتمادًا ظاهرًا في كلامه على أشراط الساعة الكبرى على كتاب القناعة للسخاوي. وبهذا يظهر أن يأجوج ومأجوج من جنس البشر، وأنهم من ذرية يافث بن نوح الذي هو من ولد آدم وحواء، وبطلان القول بما عداه.

стр. 512

وما ذكره ابن حجر في عددهم وصفاتهم وأحوالهم مروي في عدة أحاديث وآثار: فقوله: "يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح": ورد في حديث أخرجه الطبراني (١) من طريق يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة ﵁، به. ويحيى بن سعيد العطار ضعيف (٢). وقوله: "طولهم شبرًا، وأطولهم ثلاثة": ورد في بعض الآثار الضعيفة التي لا تقوم بها حجة، وأنكرها الحافظ ابن كثير ﵀ (٣). وقوله: "سيوقد المسلمون ... " إلى آخر كلامه في وصفهم: ورد في حديث النواس بن سمعان ﵁ وفيه: "أوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵇ إني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم كما قال : ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ". قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل، قال ابن جرير: فقلت: يا أبا يزيد فأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس، قال: "ويرسل الله مطرًا لا يكنُّ منه بيت وبر ولا مدر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها

стр. 513

كالزَّلَفة ويقال للأرض أنبتي ثمرتك وردّي بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ من الناس، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينا هم على ذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، أو قال: كل مؤمن ويبقى شرار الناس، يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم أو قال: وعليه تقوم الساعة" (١). ٤ - طلوع الشمس من مغربها: قال ابن حجر ﵀: "ثم تطلع الشمس من مغربها، قيل: ردًا على الملحدة، والمنجمة، فإنهم عن آخرهم ينكرون ذلك. وجاء أنها كلما غربت سجدت تحت العرش، ثم تستأذن في الرجوع فيؤذن لها، ثم في تلك الليلة لا يُرد عليها مرةً بعد أخرى ثلاثًا، فإذا أيست من إدراك المشرق أذن لها، فيؤذن لها في الطلوع من مكانها، وإن تلك الليلة تعدل ثلاث ليال من ليالينا هذه، يعرف ذلك المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك صاح الناس وفزعوا إلى المساجد، فإذا هم بها قد طلعت من مغربها، حتى صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها ... فلا يقبل إسلام كافر ولا توبة مخلط ... وجرى القرطبي على أن عدم قبول ذلك إنما هو في منكر طلوعها من مغربها، وآية ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] وآخر سورة غافر يؤيدان الأول. وعن ابن عمرو (٢) ﵀: "يبقى الناس بعد ذلك مائة وعشرين سنة". قيل: إن صح يحتاج إلى تأويل. وما ورد أن هذه أولى الآيات لا ينافيه رواية أن أولها الدجال؛ لأنه

стр. 514

أول الآيات الأرضية، وهذه أول الآيات السماوية" (١). التقويم: طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (٢). قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (٣). وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات، وذكر منها: طلوع الشمس من مغربها" (٤). والذي تدل عليه النصوص أن طلوعها في آخر الزمان قرب قيام الساعة، وأنها من آخر الأشراط الكبرى وقوعًا (٥). وما ذكره ابن حجر في صفة طلوعها من مغربها وارد في عدة أحاديث، منها: حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي

стр. 515

ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها ... " (١). وحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون فإن أحدهم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها ... " (٢). وإذا طلعت الشمس من مغربها فإنه لا يقبل الإيمان ممن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا، كما لا تقبل توبة العاصي؛ وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] (٣).

стр. 516

وأما ما ذكره ابن حجر عن القرطبي من كون عدم قبول التوبة خاصًا بمنكر ذلك دون غيره فهو باطل؛ لعموم النصوص وعدم المخصص. وسياق القرطبي لذلك يدل على احتماله له دون قطعه به؛ فإنه قال: "والملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: هو غير كائن؛ فيطلعها الله تعالى يومًا من المغرب ليُري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه ... وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي ﷺ بطلوعها، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك" (١). وأما ما نقله ابن حجر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ من كون الناس يبقون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة واعتراضه عليه بقول الحافظ السخاوي الذي أبهمه بقوله: "وقيل: إن صح يحتاج إلى تأويل". فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، ونعيم بن حماد (٣) (٤) من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ به. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقد ورد عنه ما يعارضه ... ويمكن الجواب عنه بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورًا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو

стр. 517

دون ذلك ... " (١). وقول ابن حجر بأن ما ورد في أن طلوع الشمس من مغربها أولى الآيات لا ينافي رواية أن أولها الدجال، وجمعه بين الروايتين بما ذكر قرره غير واحد من أهل العلم (٢). ٥ - خروج الدابة: يقول ابن حجر ﵀: "ثم تخرج الدابة من صدع من الصفا - وبه جزم غير واحد - أو من المروة، أو من شعب جياد، أو من بعض أودية تهامة، أو من وراء مكة، أو من مدينة قوم لوط، ليلة مزدلفة. ولها ثلاث خرجات: مرة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها مكة ثم تكمن زمانًا. ثم أخرى يدخل ذكرها مكة. قال ﷺ : "بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمه وأكرمها المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تربو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب ... " (٣). قيل: . طولها ستون ذراعًا. وقيل: مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات. وقيل: أخذ من قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] أنها إنسان تناظر أهل البدع والكفر ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.

стр. 518

ومن الغريب ما قيل إنها تقتل إبليس" (١). التقويم: خروج الدابة من أشراط الساعة الكبرى بدلالة الكتاب والسنة (٢). قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢]. وفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁: "لا تقوم الساعة حتى ترون عشر آيات ... " وذكر منها: "الدابة" (٣). والذي تدل عليه النصوص أن خروجها بعد طلوع الشمس من مغربها حين يغلق باب التوبة، فتخرج تميز المؤمن من الكافر (٤). وأما مكان خروجها فقد اختلف فيه على أقوال ذكر ابن حجر بعضًا منها، وأشهرها مكة. واختلف القائلون بذلك في تعيينه منها: فقال بعضهم: تخرج من صدع في الصفا. وقال آخرون: تخرج من صدع بالمروة. وقيل: تخرج من شعب أجياد (٥). وأما ما ذكره ابن حجر من كونها تخرج ثلاث خرجات فقد ورد في حديث حذيفة السابق، ولا يصح.

стр. 519

والظاهر من النصوص - والله أعلم - أنها تخرج مرة واحدة من مكان واحد. وأما حقيقة هذه الدابة وأوصافها فقد اختلفت أقوال الناس فيها اختلافًا بينًا: فقال بعضهم: هي من جنس الإنسان، وادعى قوم أنها علي بن أبي طالب ﵁، وادعى آخرون أنها إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم. وقال آخرون: هي من جنس الحيوان، واختلفوا في تعيينه، فقيل: هي فصيل ناقة صالح، وقيل: هي ثعبان كان بالكعبة، وقيل: هي الجساسة (١). قال العلامة الآلوسي ﵀: "المشهور - وهو الحق - أنها دابة ليست من نوع الإنسان" (٢).

стр. 520

المبحث الثالث آراؤه في الحياة الآخرة تحدث ابن حجر ﵀ عن الحياة الآخرة، وفصل في بعض مواقفها، وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها: أولًا: البعث: عرف ابن حجر ﵀ البعث بأنه: "رجوع الأجسام كما كانت على وجه أكمل وأفضل" (١). وذكر اختلاف الناس في حقيقته فقال: "المعاد للحشر جسماني ثم قيل: هو إيجاد أجزاء البدن بعد فنائها، وقيل: هي جمع متفرقها، والحق فناؤها إلا عجب الذنب. وقيل: جسماني وروحاني أي: جسم وروح تعاد إليه على أنها جوهر مجرد يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف من غير أن تحل فيه ولا تفنى بفنائه بل ترجع إليه على ما كانت من التجرد" (٢). وقال: "اعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها" (٣). وبيّن ابن حجر أن البعث يشمل الحيوان والآدميين والجان، فقال: "اختلفوا في إعادة الحيوان، والأصح إعادته لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، ولحديث الصحيحين في الاقتصاص

стр. 521

للحيوان بعضه من بعض (١)، وقيل: لا يعاد شيء منها، وحشرت معناه ماتت، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول (٢). وأما الآدميون المكلفون منهم يعودون إجماعًا، وكذا الصغار العقلاء ... ومثلهم من بلغ مجنونًا، وَتَوَقُّفُ الباقلاني في الصغار وتَردُّدُ غيره في المجانين لا يُعَوّلُ عليه. وأما الجان ... فهم مكلفون قطْعًا، ومن ثم وعدوا بمغفرة الذنوب والإجارة من عذاب أليم في الآية التي في السؤال [يريد بها قوله سبحانه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]]، وتوعدوا بالعقاب ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] ولا ينذر بالإعادة إلا مكلف ... " (٣). التقويم: البعث في اللغة: هو الإثارة. يقول ابن فارس: "الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة" (٤). وهو يختلف باختلاف ما علق به؛ ولهذا يطلق على معان عدة، منها: ١ - الإرسال: يقال بعثه وابتعثه بمعنى أرسله. ٢ - الإسراع: يقال انبعث في السير بمعنى أسرع. ٣ - الإحياء: سواء بعد النوم كقولهم: بعثه من منامه إذا أيقظه، أو بعد

стр. 522

الموت كقولهم: بعثه من موته إذا أحياه (١). والمراد به في الشرع: إحياء الأموات، وخروجهم من قبورهم ونحوها؛ للجزاء يوم القيامة (٢). وهو ثابت بالأدلة النقلية والعقلية، بأوجه متعددة، وطرق متنوعة، توجب القطع به، والإيمان بحصوله (٣)، ولهذا "أجمع أهل الملل عن آخرهم على جوازه ووقوعه" (٤)، ولم يشذ منهم إلا طوائف لا عبرة بها (٥). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "معاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى" (٦). وقد اختلف أهل الكلام في بعض فروعه، وذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضها، وهي: الاختلاف فيه هل هو جسماني أم روحاني، والاختلاف في كونه بعثًا من عدم أو تفريق، والاختلاف في المبعوث هل هو الجسم الأول بعينه أو غيره (٧)؟ وما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه الفروع منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.

стр. 523

فأما قوله بأن البعث جسماني فقط فهو موافق لقول كثير من المتكلمين من الجهمية والمعتزلة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال: أحدها: وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار وهو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا ... والقول الثاني: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين وذلك غلط؛ فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة، الذين ذمهم السلف والأئمة. والقول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد، وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، لا المسلمين، ولا اليهود، ولا النصارى، بل كل هؤلاء متفقون على إعادة الأبدان ... ولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة (١) والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة ... وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، وهؤلاء ملاحدة كفار ...

стр. 524

والقول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، كما هو قول أهل الكفر من العرب، واليونان، والهند، والترك وغيرهم ... " (١). وعليه فالحق أن البعث جسماني روحاني، وأن تعلق الروح بالجسد يوم البعث هو أكمل أنواع تعلقها؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا (٢). وأما قوله بأن الحق فناء أجزاء البدن إلا عجب الذنب فهو قول مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا. فإن أراد بفنائها استحالتها فهو حق. وإن أراد بفنائها عدمها فهو باطل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض سياقه لمذاهب المتكلمين في هذه المسألة: "اضطربوا في المعاد، فإن معرفة المعاد مبنيَّة على معرفة المبدأ، والبعث مبني على الخلق. فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها وهي باقية بأعيانها. وقال بعضهم: بل يُعدمها ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثم يعيدها، وإذا أعادها فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية إلى أن حصلت في هذا الإنسان. فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني، وبالعكس ... والمشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خلق من تراب ... " (٣). والقول باستحالة الأجساد بعد موتها ترابًا كما كانت إلا عجب الذنب هو ما عليه أهل السنة والجماعة (٤)، ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 525

رسول الله ﷺ قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (١)، منه خلق وفيه يركب" (٢). ويستثنى من هذا الأنبياء والشهداء (٣). وأما قوله بأن المبعوث هو الجسم الأول بعينه لا غيره فهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، ومن شاركهم من الأشاعرة ونحوهم. يقول العلامة القرطبي ﵀: "وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم" (٤). ويدل عليه: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم: "كل ابين آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب". ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيت، فغفر له" (٥). ٣ - أن الإعادة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ورسوله ﷺ في سنته هي الإعادة التي فهمها المسلمون والمشركون، وهي تقتضي إعادة المخلوق من المادة التي استحال منها بعد فنائه، ولو كان المراد بها

стр. 526

إعادة جسم آخر، لم يكن هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب منه وإنكاره، لأنهم يرون خلق البشر يومًا بعد يوم ماثلًا للعيان، ولما صح تسميته بعثًا بل يسمى حينئذ خلقًا جديدًا (١). وأما ما ذكره ابن حجر من كون البعث عامًا في الإنس والجن فهو حق، ويشهد له عموم الأدلة الدالة على تكليفهم. وأما الحيوان فقد اختلف في بعثه على قولين حكاهما ابن حجر في كلامه السابق، والخلاف فيهم جار بين أهل السنة والجماعة، والراجح - والله أعلم - ما اختاره ابن حجر من بعثهم، وبعثهم للقصاص بينهم لا للحساب لعدم تكليفهم، ولهذا فإنهم يفنون بعد ذلك فلا يصيرون إلى جنة ولا نار (٢). ثانيًا: الشفاعة: عرف ابن حجر ﵀ الشفاعة بقوله: "الشفاعة: هي السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه" (٣). وبيّن أن الشفاعة في الآخرة خمسة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ومنها ما يشاركه فيه غيره، فقال: "الشفاعة الأخروية خمسة أنواع كلها ثابتة لنبينا ﷺ وبعضها يختص به دون غيره، وفيما شورك فيه يكون هو ﷺ المقدم على غيره، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته وهو صاحب الشفاعة على الإطلاق ... إذ الذي في الأحاديث أنه ﷺ يكون في ذلك اليوم إمام النبيين وصاحب شفاعتهم فكل ما صح من شفاعتهم ينسب إليه بذلك، فلا يخرج شيء عن شفاعته لا من أنواع الشفاعة ولا من الأشخاص المشفوع لهم، من ملته ومن غير ملته؛ لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل

стр. 527

تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة، وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له ﷺ فكل شيء تقع شفاعة النبيين فيه هو داخل تحت شفاعة نبينا ﷺ ، ومن شفع فيه من المؤمنين كذلك بطريق الأولى. فهو ﷺ شفيع الشفعاء لا تخرج شفاعة عن حيطة شفاعته، وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة، وقد تميز عن جميعهم بشفاعات ليظهر لا سيما في ذلك سؤدده الأعظم على الكل صلوات الله عليهم أجمعين" (١). وقد ذكر بعض شفاعاته ﷺ فقال: "له ﷺ شفاعات غير العظمى: كالشفاعة لمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه ﷺ . ولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟ ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يَشْرَكه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء. وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة. ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها من ذُكر أيضًا ... ولفتح باب الجنة ... ولقوم كفار سابق لهم خدمة له ﷺ في تخفيف عذابهم" (٢). التقويم: الشفاعة لغة: خلاف الوتر. قال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر" (٣).

стр. 528

يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقْبَل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقْبل شفاعته (١). والشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٢). وما ذكره ابن حجر في تعريفها بمعنى ما سبق؛ إذ إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه تارة يقع بجلب المصلحة له، وأخرى بدفع المفسدة عنه. والشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثبات الشفاعة (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفى السنن والمسانيد مما يكثر عدده" (٤).

стр. 529

وقد جمع الحافظ الذهبي ﵀ جزءًا في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة (١). وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (٢). يقول أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان من مذهبهم ... الشفاعة حق" (٣). والشفاعة المثبتة هي الشفاعة التى استجمعت شروطها، وانتفت موانعها (٤). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله ... وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول. فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها" (٥). والشفاعة قسمان: أحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي ﷺ ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين. وثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ ، والتي لا يشاركه فيها أحد. والشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعًا لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد أوردها ابن حجر في كلامه السابق.

стр. 530

وذِكْرُ أدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم (١). وقول ابن حجر - عفا الله عنه - بأن الشفاعة بقسميها وأنواعها راجعة إلى شفاعة الرسول ﷺ يحتمل حقًّا وباطلًا. فأما احتمال الحق فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له ﷺ ... ". وأما احتمال الباطل فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة". فإن أراد به أنهم يشفعون بأمره وإذنه فهذا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وإن أراد به أنهم إنما يشفعون بعده وتبعًا له فهذا حق، كما دل عليه حديث الشفاعة الطويل (٢). ثالثًا: الصراط: يرى ابن حجر ﵀ وجوب الإيمان بالصراط، حيث يقول: "ومما يجب الإيمان به ... الصراط" (٣).
следующие страницы →