← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إعادة جسم آخر، لم يكن هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب منه وإنكاره، لأنهم يرون خلق البشر يومًا بعد يوم ماثلًا للعيان، ولما صح تسميته بعثًا بل يسمى حينئذ خلقًا جديدًا (١). وأما ما ذكره ابن حجر من كون البعث عامًا في الإنس والجن فهو حق، ويشهد له عموم الأدلة الدالة على تكليفهم. وأما الحيوان فقد اختلف في بعثه على قولين حكاهما ابن حجر في كلامه السابق، والخلاف فيهم جار بين أهل السنة والجماعة، والراجح - والله أعلم - ما اختاره ابن حجر من بعثهم، وبعثهم للقصاص بينهم لا للحساب لعدم تكليفهم، ولهذا فإنهم يفنون بعد ذلك فلا يصيرون إلى جنة ولا نار (٢). ثانيًا: الشفاعة: عرف ابن حجر ﵀ الشفاعة بقوله: "الشفاعة: هي السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه" (٣). وبيّن أن الشفاعة في الآخرة خمسة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ومنها ما يشاركه فيه غيره، فقال: "الشفاعة الأخروية خمسة أنواع كلها ثابتة لنبينا ﷺ وبعضها يختص به دون غيره، وفيما شورك فيه يكون هو ﷺ المقدم على غيره، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته وهو صاحب الشفاعة على الإطلاق ... إذ الذي في الأحاديث أنه ﷺ يكون في ذلك اليوم إمام النبيين وصاحب شفاعتهم فكل ما صح من شفاعتهم ينسب إليه بذلك، فلا يخرج شيء عن شفاعته لا من أنواع الشفاعة ولا من الأشخاص المشفوع لهم، من ملته ومن غير ملته؛ لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل

стр. 527

تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة، وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له ﷺ فكل شيء تقع شفاعة النبيين فيه هو داخل تحت شفاعة نبينا ﷺ ، ومن شفع فيه من المؤمنين كذلك بطريق الأولى. فهو ﷺ شفيع الشفعاء لا تخرج شفاعة عن حيطة شفاعته، وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة، وقد تميز عن جميعهم بشفاعات ليظهر لا سيما في ذلك سؤدده الأعظم على الكل صلوات الله عليهم أجمعين" (١). وقد ذكر بعض شفاعاته ﷺ فقال: "له ﷺ شفاعات غير العظمى: كالشفاعة لمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه ﷺ . ولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟ ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يَشْرَكه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء. وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة. ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها من ذُكر أيضًا ... ولفتح باب الجنة ... ولقوم كفار سابق لهم خدمة له ﷺ في تخفيف عذابهم" (٢). التقويم: الشفاعة لغة: خلاف الوتر. قال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر" (٣).

стр. 528

يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقْبَل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقْبل شفاعته (١). والشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٢). وما ذكره ابن حجر في تعريفها بمعنى ما سبق؛ إذ إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه تارة يقع بجلب المصلحة له، وأخرى بدفع المفسدة عنه. والشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثبات الشفاعة (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفى السنن والمسانيد مما يكثر عدده" (٤).

стр. 529

وقد جمع الحافظ الذهبي ﵀ جزءًا في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة (١). وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (٢). يقول أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان من مذهبهم ... الشفاعة حق" (٣). والشفاعة المثبتة هي الشفاعة التى استجمعت شروطها، وانتفت موانعها (٤). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله ... وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول. فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها" (٥). والشفاعة قسمان: أحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي ﷺ ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين. وثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ ، والتي لا يشاركه فيها أحد. والشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعًا لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد أوردها ابن حجر في كلامه السابق.

стр. 530

وذِكْرُ أدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم (١). وقول ابن حجر - عفا الله عنه - بأن الشفاعة بقسميها وأنواعها راجعة إلى شفاعة الرسول ﷺ يحتمل حقًّا وباطلًا. فأما احتمال الحق فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له ﷺ ... ". وأما احتمال الباطل فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة". فإن أراد به أنهم يشفعون بأمره وإذنه فهذا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وإن أراد به أنهم إنما يشفعون بعده وتبعًا له فهذا حق، كما دل عليه حديث الشفاعة الطويل (٢). ثالثًا: الصراط: يرى ابن حجر ﵀ وجوب الإيمان بالصراط، حيث يقول: "ومما يجب الإيمان به ... الصراط" (٣).

стр. 531

ويرى أيضًا أن المرور عليه خاص بالمؤمنين والمنافقين دون الكفار، فقد سئل بما صورته: هل يمر الكافر على الصراط؟ . فأجاب بقوله: "في أحاديث ما يقتضي أنهم يمرون، وفي أحاديث ما يقتضي خلافه، وجمع بحمل الأول على المنافقين" (١). التقويم: الصراط لغة: أصله السراط بالسين، انقلبت سينه مع الطاء صادًا لقرب مخرجها (٢). يقول ابن فارس: "الصاد والراء والطاء هو من باب الإبدال - وقد ذكر في السين - وهو الطريق" (٣). والمراد به هنا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة (٤). وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]. "اختلف المفسرون (٥) في المراد بالورود المذكور ... ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط" (٦). وقال ﷺ : "يُضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم

стр. 532

سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى ... " (١). وأجمع أهل السنة والجماعة على القول بمقتضى ذلك، وإثبات الصراط في الآخرة (٢). وقد اختلف في الصراط هل يمر عليه جميع الخلق أم هو خاص بالمؤمنين والمنافقين دون المشركين، والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن حجر من القول بالخصوصية. وقد بسط العلامة ابن رجب ﵀ أدلة ذلك بما لا مزيد عليه (٣). رابعًا: الميزان: عرف ابن حجر ﵀ الميزان، وبين شموله المؤمن والكافر، وعرض للخلاف في عدده، وذكر أنواع الوزن، ورد على المعتزلة المنكرين له، فقال: "الميزان: هو مفعال من الوزن، قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها كميعاد. وفي الآيات والأحاديث الشهيرة إثبات الميزان ذي الكفتين واللسان ووزن الأعمال بها بعد أن تُجَسَّم ... تحقيقًا لتمام العدل. والكافر كالمؤمن في ذلك، ومعنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: قدرًا.

стр. 533

قيل: ولكل إنسان ميزان؛ لظاهر ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والأصح أنه ليس إلا ميزان واحد، والجمع إما لتعظيم شأنها وتفخيمه ... أو باعتبار الموزونات، أو لكونه ذا أجزاء على حد شابت مفارقه مع أنه ليس للإنسان إلا مفرق واحد ... والوزن أقسام: وزن الإيمان بجميع السيئات، والكفر بجميع الحسنات، ليخلد المؤمن في النعيم، والكافر في الجحيم. ووزن الأعمال بالمثاقيل؛ لظهور مقادير الجزاء كما دل عليه آخر سورة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١]. ووزن مظالم العباد؛ لما صح أنه يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر حقه فإن لم يكن له حسنات طرح عليه من سيئاته. وإنكار المعتزلة للميزان وحملها على مجازها من إقامة العدل في الحساب من تقولهم على الشريعة، وتصرفهم في نصوصها بصرفها عن ظواهرها بمجرد الحزر والتخمين ... " (١). التقويم: الميزان لغة: أصله موزان فقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فأصبحت ميزان. قال ابن فارس: "الواو والزاي والنون بناء يدل على تعديل واستقامة، وَزَنْتُ الشيءَ وَزْنًا، والزِّنَة: قدرُ وزن الشيء" (٢). والميزان: الآلة التي يوزن بها الأشياء (٣). والميزان شرعًا: هو ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وهو

стр. 534

ميزان حقيقي له لسان وكفتان لا يعلم قدره إلا الله (١). وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع (٢). قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. وقال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال : ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (٣). وقال ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... " (٤) الحديث. و"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (٥).

стр. 535

قال الإمامان الجليلان أبو حاتم (١) وأبو زرعة (٢) الرازيان - رحمهما الله تعالى -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... وكان من مذهبهم ... أن الميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها" (٣). وقد اختلف في الوزن هل يشمل الكافر وأعماله أم لا، والخلاف جار في أقوال أهل السنة والجماعة (٤). والراجح - والله أعلم - عدم شموله له؛ لأنه ليس له من الأعمال الصالحة ما يوزن وإنما يجازى عليها في الدنيا، ولعموم الأدلة الدالة على بطلان عمله وعدم وزنه كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى، فيقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها" (٥).

стр. 536

وعليه فقول ابن حجر بشمول الوزن للكافر وأعماله خلاف الراجح من أقوال أهل العلم، وجوابه عن الآية بما ذكر مبني على قول من قال بشمول الوزن للكافر وأعماله والراجح خلافه كما سبق. واختلف أيضًا في الميزان هل هو واحد أم متعدد، والخلاف في ذلك أيضًا جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة. والراجح - والله أعلم - ما قرره ابن حجر من أن الميزان ميزان واحد، وهو قول أكثر أهل العلم (١). يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه" (٢). وقول ابن حجر إن الوزن على أقسام ثلاثة يشهد له الأدلة الواردة في الوزن والموزونات، وقد ساق ابن حجر للأول والثاني ما يدل عليها، وترك الاستدلال للثالث، وهو وزن الإيمان بجميع السيئات والكفر بجميع الحسنات. فأما وزن الإيمان بجميع السيئات فيشهد له حديث البطاقة، وفيه: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله : أتنكر من هذا شيئًا، فيقول: لا يا رب، فيقول ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول : إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول : إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" (٣).

стр. 537

وأما وزن الكفر بجميع الحسنات فهو على قول من يقول بشمول الوزن للكافر وأعماله، وقد سبق أن الراجح خلافه. وقول ابن حجر بأن من الوزن وزن الإيمان مخالف لقول بعض أصحابه الأشاعرة في استثناء الإيمان من الوزن (١)؛ وذلك بناء على قولهم بأن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان - كما سيأتي - (٢). وقد حكى العلامة السفاريني قولهم هذا وعقب عليه بقوله: "وفيه نظر لا يخفى" (٣). وأما ما ذكره ابن حجر عن المعتزلة من إنكار الميزان فيحتاج إلى تقييده ببعضهم؛ إذ إنكاره ليس مجمعًا عليه بينهم. يقول القاضي عبد الجبار (٤): "أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى به في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى.

стр. 538

ولم يرد الله وتعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف عليه فيما بيننا، دون العدل وغيره علىِ ما يقوله بعض الناس؛ لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] فدل ذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز، يبين ذلك ويوضحه أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشتمل عليه الموازين فيما بيننا" (١). وكلام القاضي عبد الجبار كافٍ في إثبات كون القول بإنكار الميزان ليس قولًا لجميع المعتزلة، وفي الرد على من أنكره منهم. خامسًا: الرؤية: ١ - رؤية الله تعالى في الدنيا: سئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الدنيا، فأجاب بقوله: "الكلام هنا في مقامين: الأول: في إمكانها عقلًا: الذي عليه أهل السنة أنها ممكنة عقلًا وشرعًا في الدنيا، واستدلوا لذلك بأمور عقلية وأمور نقلية، لكن أدلتهم العقلية لا تخلو من دَخَل وخفاء، فالمعول عليه في إمكانها إنما هو الأدلة النقلية. فمنها أن موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - قد سألها بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فلو لم تكن الرؤية ممكنة جائزة الوقوع في الخارج لكان طلب موسى لها جهلًا منه بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو سفهًا أو عبثًا أو طلبًا للمحال، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منزهون عن كلٍّ فردًا فردًا من ذلك إجماعًا، بل من جوّز واحدًا من هذه على واحد منهم فهو كافر مهراق الدم.

стр. 539

وأيضًا فالله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، فوجب كون المعلق به كذلك؛ إذ المحال لا يعلق بممكن أصلًا. وأوَّلَ المعتزلة الآية بتأويلات تخالف ظاهرها حتى يخرجوها عنه إلى ما يوافق اعتقادهم الفاسد، أنها من قسم المحال العقلي الذي لا يمكن وقوعه في الدنيا كالآخرة، ومحل بسطها وردها كتب التفسير والأصول. الثاني: في وقوعها: ... الرؤية وإن كانت ممكنة عقلًا وشرعًا عند أهل السنة لكنها لم تقع في هذه الدار لغير نبينا ﷺ ، وكذا له على قول عليه بعض الصحابة ﵃ لكن جمهور أهل السنة على وقوعها له ﷺ ليلة المعراج بالعين ... " (١). التقويم: رؤية الله في الدنيا جائزة في الشرع والعقل، غير واقعة بإجماع أهل السنة والجماعة (٢)، سوى رؤية النبي ﷺ له ليلة المعراج - كما سيأتي -. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في نبينا محمد ﷺ خاصة" (٣). والأدلة على ذلك متضافرة نقلًا وعقلًا. فمن الأدلة النقلية: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا

стр. 540

تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والاستدلال بها من وجوه، منها: أ - أنه لا يظن بكليم الله ورسوله، وأعلم الناس به في وقته أن يَسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال. ب - أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. جـ - أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر. د - أن الله تعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علّق به الرؤية، ولا يجوز تعليق المحال بممكن (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ووجه الاستدلال بها: أن النفي الوارد في الآية المراد به أبصار أهل الدنيا على أحد القولين في الآية (٢). يقول الإمام أحمد ﵀ في تفسيرها: "يعني في الدنيا دون الآخرة؛ وذلك أن اليهود قالوا لموسى: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا وعوقبوا بقولهم أرنا الله جهرة، وقد سأل مشركو قريش النبي ﷺ فقالوا: أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا، فلما سألوا النبي ﷺ هذه المسألة قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] حين قالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، فأنزل الله سبحانه يخبر أنه لا تدركه الأبصار أي: أنه لا يراه أحد في الدنيا دون الآخرة، فقال: لا تدركه

стр. 541

الأبصار يعني في الدنيا" (١). ٣ - قوله ﷺ : "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٢). وجه الاستدلال به: أن الحديث صريح في نفي رؤية الله تعالى في الدنيا، وقد خاطب به رسول الله ﷺ أصحابه، فإذا كانت الرؤية الدنيوية منتفية في حقهم فغيرهم من باب أولى (٣). وأما الأدلة العقلية: "فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم ... وإذا كان كذلك فقد عُلِمَ أن الله تعالى هو أحق بالوجود وكماله من كل موجود؛ إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده؛ وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود. وحينئذ فيكون الله - وله المثل الأعلى - أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه ... " (٤). وقول ابن حجر بأن الأدلة العقلية لا تخلو من دخل وخفاء وأن المعول عليه في إمكانها الأدلة النقلية موافق لقول جماعة من أصحابه الأشاعرة (٥)؛ ولعل ذلك راجع إلى ضعف ما ذكروه منها وكون ما استدل به السلف لا يتأتى على أصولهم.

стр. 542

وما ذكره ابن حجر في الرد على المعتزلة وتمحلاتهم في تأويل أدلة الرؤية (١) موافق لما قرره أهل السنة والجماعة (٢). ٢ - رؤية النبي ﷺ لله ليلة المعراج: ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف أهل العلم في رؤية النبي ﷺ لله ليلة المعراج، ورجح رؤيته له بعيني رأسه، حيث قال: "اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في أن نبينا ﷺ رأى ربه في هذا المقام الذي وصل إليه دون غيره من الخلق بعين رأسه أو بعين قلبه فقط؟ والذي صح عن ابن عباس في رواية: أنه رآه ببصره، وفي أخرى: أنه رآه بقلبه ولا تخالف؛ لأنه صح عنه كما رواه الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا واحدًا، فوثقه ابن حبان: "أنه رآه مرتين: واحدة بالعين، وواحدة بالقلب" ... ورواية ابن مردويه عنه: "لم يره بعينه" لم تصح (٣)، وبتسليمها فالإثبات مقدم على النفي.

стр. 543

وجاء عن أنس بإسناد قوي: "رأى محمد ربه" (١) وإطلاق الرؤية إنما ينصرف لرؤية العين. وكان الحسن البصري يحلف أنه رأى ربه (٢). وبذلك قال عروة (٣)، وسائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب الأحبار (٤)، والزهري (٥)، ومعمر (٦) وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه. وأنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية ...

стр. 544

وسئل أحمد عن قول عائشة: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، فقال: يدفع قولها بقول النبي ﷺ : "رأيت ربي" (١)، وقول النبي ﷺ "أكبر" (٢). وقال في سياق ذكر معتقده في الرؤية: "وتجوز رؤيته في الدنيا، لكن لم تقع يقظة إلا لنبينا ﷺ بعيني رأسه ليلة المعراج التي أسرى فيها بجسمه الشريف يقظة" (٣). التقويم: اختلفت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب: الأول: أقوال تثبت الرؤية مطلقًا. الثاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقًا. الثالث: أقوال تقيد الرؤية بالرؤية القلبية لا البصرية. ومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين: المذهب الأول: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينها لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه. والمذهب الثاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا

стр. 545

تضاد يوجب الجمع لا الترجيح (١). والمذهب الثاني هو الصحيح -والله أعلم- واختاره جمع من المحققين منهم شيخ الاسلام ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، وابن كثير (٤)، وابن أبي العز (٥)، والسفاريني (٦)، والشنقيطي (٧)، وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد" ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه ... وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل: كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل

стр. 546

رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" (١). وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان قد رآه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذا قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ [النجم: ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به" (٢) وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" (٣). وأما ما قرره ابن حجر من القول بالرؤية البصرية فهو قول مرجوح، واستدلاله بما ذكر لا يُسلَّم له، وبيان ذلك فيما يلي: أ- أما ما ذكره عن ابن عباس ﵄ فالجواب عنه: أن الروايات عن ابن عباس متعددة، ورواتها اختلفوا عليه فيها، والثابت عنه إطلاق الرؤية أو تقييدها بالفؤاد، وما عداهما ضعيف لا يثبت (٤). يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ

стр. 547

مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١١ - ١٢] ... قال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين ... وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد. ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃" (١). ب- وأما ما ذكره عن أنس، وكعب الأحبار، والحسن البصري، وعروة، ومعمر، والزهري من القول بالرؤية البصرية، فالجواب عنه: أن أقوال هؤلاء لا تدل على الرؤية البصرية، بل على مطلق الرؤية (٢). ولهذا يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃[يعني: الرؤية البصرية]. وقول البغوي في تفسيره (٣): ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر، والله أعلم" (٤). وأما قول ابن حجر بأن إطلاق الرؤية ينصرف لرؤية العين فهو متعقب بأن (الرؤية) لفظ مشترك يحدده سياق الكلام وقرائنه. جـ- وأما ما ذكره عن الإمام أحمد ﵀ من إنكاره قول عائشة ﵂، فالجواب عنه: أن المروي عن أحمد إطلاق الرؤية أو تقييدها برؤية الفؤاد دون الرؤية

стр. 548

البصرية، ومن حكى عنه القول بالرؤية البصرية فقد وهم عليه (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك" (٢). وأما إنكاره قول عائشة ﵂ فالجواب عنه ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ حيث قال: "في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة ... وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث. وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأُطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة، وكيف يقول أحمد بعيني رأسه يقظة ولم يجد في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلًا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه، والله أعلم" (٣). ٣ - رؤية الله تعالى في الموقف: سئل ابن حجر ﵀ عن رؤية الله تعالى في الموقف هل هي خاصة بالمؤمنين أم تشمل المنافقين والكافرين؟ .

стр. 549

فأجاب بقوله: "قال جمع من أهل السنة إنها تحصل للمنافقين في الموقف، وجمع إنها تحصل للكافرين" (١). التقويم: رؤية الله تعالى في الموقف "تنازع الناس فيها ... بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم، وتكلم فيها آخرون، فاختلفوا على ثلاثة أقوال: " (٢). "أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر، ولا المسر له. وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك. وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يعلى نحوه في حديث إتيانه لهم في الموقف الحديث المشهور (٣). الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب عنهم، ليعظم عذابهم، ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم (٤) وأصحابه، وقول غيرهم ... " (٥). والراجح -والله أعلم- القول الثالث، وهو رؤبة جميع أهل الموقف لله تعالى بحسب أعمالهم.

стр. 550

يقول العلامة ابن القيم ﵀: "دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا" (١). والمقصود هنا بيان أن ابن حجر ﵀ لم يخرج في كلامه عن هذه المسألة عن سياق أقوال من تقدمه، وأما بسط المسألة وبيان أدلتها فهو مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم (٢). ٤ - رؤية الله تعالى في الجنة: يقرر ابن حجر ﵀ ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حيث يقول: "رؤيته تعالى ... في الآخرة ممكنة بل واقعة كما صرحت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي كادت تتواتر. وخلاف المعتزلة في ذلك لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بآرائهم القاصرة الفاسدة نعوذ بالله من أحوالهم" (٣). ويرى أن الرؤية متحققة في الجنة لكل من دخلها من الرجال بالإجماع، ومن النساء على خلاف، حيث يقول: "الرؤية في الجنة أجمع أهل السنة أنها حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة. واختلف في نساء هذه الأمة: فقيل: لا يرين؛ لأنهن مقصورات في الخيام، ولم يرد تصريح برؤيتهن. وقيل: يرين؛ لعموم النصوص. وقيل: يرين في مثل أيام الأعياد التي كانت في الدنيا كيوم الجمعة فإن التجلي فيها عام، وأخرج الدارقطني حديث: "إذا كان يوم القيامة رأى

стр. 551

المؤمنون ربهم "، وفيه: "ويراه المؤمنات يوم الفطر والأضحى" (١) " (٢). ويقيد ابن حجر رؤية الله تعالى في الجنة والنظر إليه بما يوافق معتقده في نفي العلو عنه سبحانه، فيقول: "ستلقون ربكم في الدار الأخرى ناظرين إليه على وجه منزه من الحلول والجهة والمكان والتحيز والإحاطة ... " (٣). التقويم: رؤية الله تعالى في الجنة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع (٤). فأما الكتاب فمنه: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وجه الاستدلال: إضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب تعالى، وهذا قول كل مفسري أهل السنة (٥).

стр. 552

وقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وجه الاستدلال: أن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم كما فسرها بذلك الرسول ﷺ (١)، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، ويبيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" (٢). وقوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلًا على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف (٣). وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثباتها (٤)، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة (٥)، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثًا (٦).

стр. 553

قال ﵀: "الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية متواترة، رواها عنه: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب، وابن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص -وحديثه موقوف- وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيدة -وحديثه موقوف- ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى" (١). وعليه فقول ابن حجر: "والأحاديث النبوية كادت تتواتر" متعقب بتواترها حقيقة، فإن الحكم بالتواتر وإن كان نسبيًا إلا أنه هنا ظاهر جدًّا. وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم (٢). وما ذكره ابن حجر من ثبوت الرؤية لكل من دخل الجنة من الرجال حق. وأما النساء فقد اقتصر على ذكر أقوال الناس في رؤيتهن دون ترجيح، وجملتها ثلاثة: أحدها: أنهن لا يرينه مطلقًا. والثاني: أنهن يرينه كالرجال.

стр. 554

والثالث: أنهن يرينه في مثل أيام الأعياد دون غيرها (١). والراجح -والله أعلم- أن النساء يرين الله تعالى في الجنة كالرجال؛ وذلك لما يلي: ١ - أن الأدلة في الرؤية عامة للرجال والنساء، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي تخصيصه (٢). ٢ - أن النساء يشاركن الرجال في الأعمال التى توجب الرؤية فوجب أن يشاركنهم في الثواب (٣). ٣ - ضعف ما استدل به أصحاب القولين اآخرين؟ إذ الآية لا تمنع من رؤيتهن الله وهن في خيامهن، والحديث لا يراد حصر رؤيتهن له في أيام الأعياد، وإنما مجرد الإخبار بذلك فلا ينفي وقوع الرؤية لهن في غيرها (٤). وأما ما قرره ابن حجر من تقييد رؤية الله في الجنة بالرؤية المنزهة عن الحلول والاحاطة والجهة والمكان والتحيز، فهو يتضمن حقًّا وباطلًا. فاما الحق الذي يتضمنه: فهو تنزيه رؤية الله عن الحلول والإحاطة؛ إذ الله منزه عن أن يكون حالًا في غيره أو غيره حالًا فيه إذ كل ما سواه ناقص لا يليق بكماله مخلوق لا دوام له، وهو منزه أيضًا عن أن يحاط به لكمال عظمته سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به كما يُعْلَم ولا يحاط به علمًا (٥). وأما الباطل الذي تضمنه: فهو تنزيه رؤية الله -بزعمه- عن الجهة والمكان والتحيز؛ ووجه بطلانه ما يلي: ١ - أن (الجهة) و (المكان) و (التحيز) ألفاظ مجملة لم ترد في الكتاب

стр. 555

والسنة، فلا تثبت بإطلاق ولا تنفي بإطلاق وإنما يستفصل عن معناها، ويعبر عنها بالألفاظ الشرعية، وقد سبق مناقشتها بالتفصيل بما يغني عن إعادته (١). ٢ - أن مراد ابن حجر بنفي الجهة والمكان والتحيز نفي علو الله تعالى وهو باطل -كما سبق- (٢) وقوله بنفي الرؤية إلى جهة مبني عليه، وما بني على باطل فهو باطل. ٣ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف لظواهر نصوص الكتاب والسنة (٣)، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من ثبوت الرؤية إلى جهة العلو (٤). ٤ - أن إثبات الرؤية إلى غير جهة مخالف للفطرة، ومناقض للعقل، يفضي بإثباتها إلى نفيها، وبمامكانها إلى استحالتها، ولهذا خرج الأشاعرة -ومنهم ابن حجر- بقولهم هذا عن إجماع عقلاء بني آدم من مثبتة الصفات ونفاتها، وألزمهم كلا الفريقين بإثبات الرؤية والجهة معًا أو نفيهما معًا (٥). سادسًا: الجنة والنار: ١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن: يرى ابن حجر ﵀ أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن خلافًا لمن زعم غير ذلك، يقول في شرحه لقوله ﷺ : "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ... ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ... " (٦): "فيه أبلغ الرد على المعتزلة ومن وافقهم، إذ هو

стр. 556

صحيح في وجود الجنة والنار الآن ... " (١). التقويم: القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة سلفًا وخلفًا (٢) ومن وافقهم من الأشاعرة (٣) والماتريدية (٤)، وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم (٥) فقالوا بنفي خلقهما ووجودهما الآن. يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة ... وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢] ... [ومن نصوص السنة: ] في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ

стр. 557

قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك يبعثك الله يوم القيامة" (١) ... " (٢). وبما سبق يُعلم أن ما قرره ابن حجر من القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن موافق لقول أهل السنة والجماعة. ٢ - دوام الجنة والنار: يرى ابن حجر ﵀ دوام الجنة والنار، ويرد على من قال بفنائهما، حيث يقول: "قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية، واستدلوا: بهذه الآية [يريد قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]]. وبـ ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣]. وبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم" (٣). "ونقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة. قال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة (٤)، وجماعة من المفسرين" (٥). والجواب: "دلت الآيات والأحاديث على أن عذاب الكفار في جهنم دائم مؤبد، وما ورد مما يخالف ذلك يجب تأويله، فمن ذلك:

стр. 558

قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون خالدين فيها، وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجهًا يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بدوام السموات والأرض، وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه ... وقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام. ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازمًا على الكفر ما دام حيًّا فعوقب دائمًا، فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقًا" (١). "ويرد ما نقله -يعنى: ابن تيمية- عن الحسن قول غيره ... قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره. والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شيء وعلى التنزل بمعنى كلامهم -كما قاله العلماء- ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبدًا كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة" (٢). "واعلم أن التقييد والاستثناء في أهل الجنة ليس المراد بهما ظاهرهما باتفاق الكل، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فيؤول بنظير ما مر، ويكون المراد بها إذا جعلناها بمعنى من أهل الأعراف وعصاة المؤمنين الذين لم يدخلوها إلا بعد" (٣). وقد نقل ابن حجر القول بفناء النار عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعده من جملة ما خالف به الناس، وخرق به الإجماع (٤).

стр. 559

التقويم: أجمع أهل السنة والجماعة (١) ومن وافقهم (٢) على القول ببقاء الجنة، ودوام نعيمها، وخلود أهلها، وخالف في ذلك الجهمية فقالوا بفنائها وأهلها. وأما النار فقد اختلف الناس في بقائها، ودوام عذابها، وخلود أهلها على ثمانية أقوال (٣)، أهمها ثلاثة: الأول: أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ويبقى فيها الكفار بقاءً أبديًا لا انقضاء له. والثاني: أن النار تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ثم يبقيها ما يشاء، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه. والثالث: الإمساك عن ذلك كله، والوقوف عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. والقول الصحيح -والله أعلم- أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة (٤)، وحكاه بعضهم إجماعًا (٥).

стр. 560

وأدلة ذلك متظافرة من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]. وقوله : ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة، وبدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه" (١). وقوله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة ... " (٢). والقولان الآخران لا تنهض أدلتهما لمعارضة هذه الأدلة الصريحة، والجواب عنها يطول المقام بتسطيره، وما ذكره ابن حجر في كلامه السابق يغني عن إعادته. وأما ما ذكره ابن حجر عن شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ من القول بفناء النار، فالجواب عنه: أن الناس على اختلاف مشاربهم قد اختلفوا في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من هذه المسألة، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب: الأول: من ينفي قوله بفناء النار.

стр. 561

الثاني: من يثبت قوله بفناء النار. الثالث: من يقول بميله إلى القول بفناء النار دون جزمه به (١). ونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة محتملة لهذه المذاهب كلها (٢)، وسواء ثبت عنه القول بذلك أو الميل له أو عدمه فإنه لا طعن عليه فيه؛ إذ الخلاف في المسألة مشهور مأثور، والمجتهد فيها دائر بين الأجر والأجرين، والتثريب عليه ممتنع (٣). * * *

стр. 562

الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما. المبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه. المبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم. المبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.

стр. 563

تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما القضاء في اللغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت. يقول ابن فارس: "القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (١). ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (٢). والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا. يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٣). ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (٤). والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (٥).

стр. 564

وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتّغاير بينهما في تحديد وجهه (١). يقول ابن حجر ﵀ في ذلك: "اعلم أنّ من المهمّ الفرق بين القضاء والقدر، فإنّه قد استشكل، فالقضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، أي: فأبرزه على ما سبق في علمه، فجاء الوجود الخارجي على طبق الوجود العلمي" (٢). وقال في موضع آخر: "القضاء -عند الأشعرية- إرادته الأزليّة المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأفعالها. والقضاء: علمه أولًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إيّاها على ما يطابق العلم" (٣). وما ذكره ابن حجر ﵀ هو مذهب بعض الأشاعرة لا كلّهم كما تُوهِمُ عبارته (٤).

стр. 565

والرّاجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل القضاء. وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (١). * * *
следующие страницы →