← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الثاني: من يثبت قوله بفناء النار. الثالث: من يقول بميله إلى القول بفناء النار دون جزمه به (١). ونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة محتملة لهذه المذاهب كلها (٢)، وسواء ثبت عنه القول بذلك أو الميل له أو عدمه فإنه لا طعن عليه فيه؛ إذ الخلاف في المسألة مشهور مأثور، والمجتهد فيها دائر بين الأجر والأجرين، والتثريب عليه ممتنع (٣). * * *

стр. 562

الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما. المبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه. المبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم. المبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.

стр. 563

تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما القضاء في اللغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت. يقول ابن فارس: "القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (١). ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (٢). والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا. يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٣). ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (٤). والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (٥).

стр. 564

وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتّغاير بينهما في تحديد وجهه (١). يقول ابن حجر ﵀ في ذلك: "اعلم أنّ من المهمّ الفرق بين القضاء والقدر، فإنّه قد استشكل، فالقضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، أي: فأبرزه على ما سبق في علمه، فجاء الوجود الخارجي على طبق الوجود العلمي" (٢). وقال في موضع آخر: "القضاء -عند الأشعرية- إرادته الأزليّة المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأفعالها. والقضاء: علمه أولًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إيّاها على ما يطابق العلم" (٣). وما ذكره ابن حجر ﵀ هو مذهب بعض الأشاعرة لا كلّهم كما تُوهِمُ عبارته (٤).

стр. 565

والرّاجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل القضاء. وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (١). * * *

стр. 566

المبحث الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه أوضح ابن حجر ﵀ معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن ما يتضمّنه، وذكر بعض الأمور التي قد يظنّ أنها تنافيه وأجاب عنها. وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها. أولًا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمّنه: يقول ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث جبريل: "قوله: "وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" ... أي بأنّ ما قدّره الله في أزله لا بدّ من وقوعه وما لم يُقدّره يستحيل وقوعه، وبأنّه تعالى قدّر الخير والشّرّ قبل خلق الخلق، وأنّ جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] ... ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩] ... " (١). "ولخبر: "كلّ شيء بقدر حتى العجر والكيس" (٢) " (٣). "ولإجماع السّلف والخلف على صحّة قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (٤).

стр. 567

"واعلم أنّ الإيمان بالقدر على قسمين: أحدهما: الإيمان بأنّه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشرّ وما يجازون عليه، وأنّه كتب ذلك عنده وأحصاه وأنّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلّها من خير وشرّ، وكفر وإيمان ... " (١). التّقويم: الإيمان بالقضاء والقدر هو الرّكن السّادس من أركان الإيمان التي لا يصحّ إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمّن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكلّ شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك مِمّا يتعلّق بأفعاله أو بأفعال عباده. الثاني: الإيمان بأنّ الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ. وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (٢). الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلّق بفعله أم مما يتعلّق بفعل المخلوقين. قال الله تعالى فيما يتعلّق بفعله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [القصص: ٦٨]، وقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. وقال تعالى فيما يتعلّق بفعل المخلوقين: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ

стр. 568

فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. الرابع: الإيمان بأنّ جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزّمر: ٦٢]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عن نبي الله إبراهيم ﵊ أنّه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] " (١). وبما سبق تقريره يُعلم أنّ ما ذكره ابن حجر في بيان معنى الإيمان بالقضاء والقدر لا يخرج عمّا قرّره أهل السّنّة والجماعة. ثانيًا: بيانه لبعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر: ذكر ابن حجر ﵀ بعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن وجه عدم منافاتها، وأجاب عن الإشكالات الواردة عليها، وفيما يلي سياق أقواله: ١ - القضاء بالمعاصي: والكلام فيه من جهتين: الأولى: من حيث الرّضا به: يقول ابن حجر ﵀: "القضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان ... وقد يطلق على المقضي نفسه كما في حديث البخاري: "اللهم إني أعوذ بك من درك الشّقاء وسوء القضاء" (٢) أي: المقضي، وهو بهذا المعنى

стр. 569

لا يجب الرّضا به بل قد لا يجوز، ومن ثَمّ استعاذ منه ﷺ ، بخلافه على المعنى الأوّل فإنّه يجب الرّضا به ... " (١). وقال أيضًا: "أمّا المقضي فقد يجب الرّضا به إن وجب، وقد يندب إن نُدِب، ويُباح إن أبيح، ويُكره إن كُره، ويحرم إن حرم. فمن قُضي عليه بمعصية إن لاحظها من حيث كونها كسبه لزمه أن يكرهها، أو من حيث كونها قضاء الله وخلقه لزمه أن يرضى بها لئلا يسفه الرّبوبيّة بقوله: لِمَ فَعَل هذا بي وأنا لا أستحقّه؟ أو نحوه ... " (٢). التّقويم: الرّضا: ضدّ السّخط، والسّخط: الكراهية للشّيء. يقول ابن فارس: "الرّاء والضّاد والحرف المعتلّ أصل واحد، يدلّ على خلاف السّخط، تقول: رضي يرضى رضًا، وهو راضٍ، ومفعوله مرضيٌّ عنه" (٣). والمراد به هنا: التّسليم بالقضاء، والقناعة بما قُسم، والسّكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك ما ينافي ذلك (٤). وقد وردت الآيات والأحاديث بالحثّ على الرّضا بالقضاء، والحضّ عليه. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].

стр. 570

وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. وقال ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" (١). وقال ﷺ في حقّ ابنه إبراهيم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، والله يا إبراهيم إنّا بك لمحزونون" (٢). وقضاء الله تعالى بالمعاصي على العبد لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر؛ إذ الرّضا بالقضاء يختلف حكمه باختلاف حكم المقضي، والمراد بالقضاء، ومتعلّق القضاء (٣). يقول العلامة ابن أبي العزّ ﵀: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟ فالجواب: أن يُقال أولًا: نحن غير مأمورين بالرّضا بكلّ ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة، بل من المقضي ما يُرضى به، ومنه ما يُسخط ويُمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من

стр. 571

القضاء ما يُسخط، كما أنّ من الأعيان المقضيّة ما يُغضب عليه ويُمقت ويُلعن ويُذمّ. ويُقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، فيرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به. ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلّقه بالرّبّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به. والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به ... " (١). وبما سبق تقريره يتبيّن صحّة كلام ابن حجر ﵀ في الرّضا بالقضاء وبيان حكمه، وعدم منافاة القضاء بالمعاصي للإيمان بالقضاء والقدر. الثانية: من حيث الاحتجاج به عليها: يقول ابن حجر ﵀: "لا عذر لعاص يحتج على الله تعالى فيما يسوق إليه القضاء والقدر من المعاصي؛ لأنّ الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب ... فإن قلت: ينافيه احتجاج آدم بالقضاء والقدر في قصّته المشهورة مع موسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام (٢) ... قلت: لا ينافيه؛ لأنّ الاحتجاج بالقدر إن كان قبل الوقوع في الذّنب ليكون وسيلة للوقوع فيه لم يجز، وإن كان بعد الوقوع فيه وقبل أن يستوفي

стр. 572

منه ما وجب عليه به ليمنع بذلك مؤاخذته به لم يجز أيضًا، وإن كان لا ليمنع ذلك بل ليمنع تعييره به ساغ له ذلك كما صرّح به قوله ﷺ : "فحجَّ آدم موسى"" (١). التّقويم: القضاء بالمعاصي لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والاحتجاج به عليها باطل في الشّرع والعقل (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس لأحد أن يحتجّ بالقدر على الذّنب باتّفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإنّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلّ أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النّفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض ويحتجّ بالقدر. ونفس المحتجّ بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتجّ المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدلّ على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول" (٣). وأمّا حديث احتجاج آدم وموسى ﵈ الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السّابق، فقد اختلفت مواقف النّاس تجاهه، وتعدّدت مذاهبهم فيه، وكثرت إجاباتهم عنه (٤). والصّحيح أنّ الحديث لا دلالة فيه لمن احتجّ بالقدر على المعصية؛ ووجه ذلك أنّ الحديث يحتمل أحد أمرين:

стр. 573

الأول: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المصيبة لا على المعصية، والقدر يحتج به على المصائب دون المعايب. والثاني: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المعصية لا على المصيبة، ولكن احتجاجه به بعد وقوعه في المعصية وتوبته منها لدفع ملامة موسى ﵇. ولا خلاف في جواز الاحتجاج بالقدر في هاتين الحالتين بخلاف ما دونهما، وعليهما يحمل الحديث (١). ومما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيهه احتجاج آدم ﵇ بوقوعه بعد التّوبة ولغرض دفع الملامة. ٢ - ردّ القضاء بالدّعاء: يقول ابن حجر ﵀: "قال بعض المبتدعة [بإبطال] الدّعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ لأنّه إن سبق وصول المدعو به للدّاعي، فالدّعاء بوصوله عبث، وإلا فهو عبث أيضًا. وردّ عليهم أهل السّنّة: ... أنّ المقدّرات على قسمين: منها ما أُبرم وهو المعبّر عنه بما في أمّ الكتاب الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا، ومنها ما عُلّق على فعل شيء، وهو المعبّر عنه باللوح المحفوظ القابل للتّغيير والتّبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] ... وكذلك الدّعاء قد يكون المدعو به معلّقًا على الدّعاء فكان للدّعاء فائدة أي فائدة. على أنّ الدّعاء لا يخيب أبدًا؛ لأنّه إن كان بما عُلِّق على الدّعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يحمل قوله ﷺ : "لا يردّ القضاء إلا

стр. 574

الدّعاء" (١)، وإن كان بما لم يُعلَّق على ذلك ففائدته الثّواب لأنّ الدّعاء من العبادة بل من أنهاها ... وأيضًا فيبدل الله الدّاعي بدل ما دعا به بما لم يقدر له بما هو مثل ذلك، أو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله وحلمه ... " (٢). التّقويم: تواترت آي الكتاب ونصوص السّنّة في الحثّ على الدّعاء، والتّحذير من تركه (٣). قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقال : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وقال ﷺ : "الدّعاء هو العبادة" (٤).

стр. 575

"وإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له" (١). والذي يدلّ عليه الكتاب، والسّنّة، والفطرة، والعقل، والمشاهدة، والحسّ، أنّ الدّعاء سبب من الأسباب وأنّ له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدّرة والمشروعة، والقول بذلك مذهب أهل الملل كلّهم سوى من شذّ منهم (٢). يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "الذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أنّ الدّعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار ... وذهب قوم من المتفلسفة، وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة: الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه، فلا فائدة في الدّعاء ... وجواب الشّبهة: بمنع المقدمتين. فإن قولهم عن المشيئة الإلهية إمّا أن تقتضيه أو لا، ثم قسم ثالث، وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدّعاء من شرطه ...

стр. 576

وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدّعاء. قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرّة أخرى عاجلة وآجلة. وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه. قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار كما نبّه عليه النبي ﷺ ، بل ما يُعجِّل للعبد من معرفته بربّه، وإقراره به، وبأنّه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه، واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العليَّة، والأحوال الزّكيّة، التي هي من أعظم المطالب" (١). وبما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ في تقريره عدم منافاة الدّعاء للقدر، وردّه على من زعم المعارضة بينهما. وأمّا ما ذكره من كون المقادير على قسمين مبرم ومعلّق، وأنّ المقدّرات المعلّقة يقع فيها المحو والإثبات، وهي المعبّر عنها باللوح المحفوظ. فمتعقّب بأنّ المحو والإثبات على الصّحيح إنّما هو في المكتوب عند الملائكة، وأمَّا اللوح المحفوظ فلا يقع فيه محو ولا إثبات (٢)، وهو المراد بأمّ الكتاب في الآية (٣). ٣ - زيادة العمر بالبرّ والصلة: ساق ابن حجر ﵀ جملة من الأحاديث الدّالّة على زيادة العمر بالبرّ والصّلة، ثم عقب عليها بقوله: "في الأحاديث أنّ صلّة الرّحم تزيد في العمر، وللعلماء فيها قولان هما: الأوّل: أنّها زيادة حقيقيّة. والثّاني: أنّها زيادة مجازيّة، والمراد زيادة الأعمال والبركة والآثار

стр. 577

الصّالحة التي يدوم له ثوابها بعد الموت ... " (١). وقال في موضع آخر: "الأحاديث المصرّحة بأنّ صلة الرّحم تزيد في العمر محمولة على ظاهرها وأنّ الزّيادة فيها حقيقيّة، أي: بالنّسبة لعلم الملائكة واللوح المحفوظ بأن يكتب به معلّقا، كإن وصل فلان رحمه عاش عشرين سنة، وإلا عاش عشرة، وما في أمّ الكتاب الواقع لا غير، لأنّها علم الله القديم وهو لا تعليق فيه ولا يطّلع أحد عليه. وقيل: المراد بالزّيادة في العمر البركة فيه، بأن يبارك له في عشرين مثلًا، فيحصل له من أعمال الخير ما لا يحصله غيره في أربعين مثلًا" (٢). التقويم: زيادة العمر بالبرّ والصّلة ثابتة بالسّنّة المتواترة، حيث وردت أحاديثها عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وتعدّدت طرقها، واختلفت ألفاظها، بما يؤكّد دلالتها، وجمعها غير واحد من أهل العلم وتكلّموا عليها رواية ودراية (٣)، ومنها: حديث أنس بن مالك ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه" (٤). وحديث أبي هريرة ﵁ بنحوه أنّ النبيّ ﷺ قال: "من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" (٥). وقد اختلفت مذاهب أهل العلم في إثبات الزّيادة وعدمها، وذهبوا فيها مذهبين:

стр. 578

أحدهما: القول بعدمها، واستدلّ هؤلاء بعموم النّصوص الدّالّة على تقدير الأعمال وضرب الآجال. والثّاني: القول بإثباتها، واستدلّ هؤلاء بالأحاديث الدّالّة عليها (١). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الحقّ أنّ النّزاع لفظي، وأنّ الذي سبق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، وأنّ الذي يجوز عليه التّغيير والتّبديل ما يبدو للنّاس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلّق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات كالزّيادة في العمر والنّقص، وأمّا ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (٢). واختلفت أيضًا مذاهبهم في المراد بالزّيادة على مذهبين: أحدهما: أنّ الزّيادة حقيقيّة. والثّاني: أنّ الزّيادة مجازيّة. والرّاجح -والله أعلم- الأوّل واعتمده جمع من المحقّقين، منهم: الإمام ابن قتيبة (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والحافظ ابن حجر (٥)، والعلّامة مرعي الكرمي (٦)، والعلّامة الشّوكاني (٧). يقول شيخ الإسلام ﵀: "والجواب المحقّق أنّ الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في المكتوب، وإن عمل ما يوجب النّقص نقص من ذلك المكتوب" (٨). وعليه فما ذكره ابن حجر ﵀ في زيادة العمر بالبرّ والصّلة موافق لِمَا عليه المحقّقون من أهل العلم، سوى قوله بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ -وقد سبق تعقّب ذلك-.

стр. 579

المبحث الثاني آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضّلال، وتنزيه الله عن الظّلم عرض ابن حجر لمسألة أفعال العباد وما يتّصل بها من الهدى والضّلال، وتنزيه الله سبحانه عن الظّلم، وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها: أولًا: أفعال العباد: يرى ابن حجر أنّ أفعال العباد من خلق الله تعالى ومن كسب العباد، فهي تنسب لله خلقًا، وللعباد كسبًا، وأنّه بهذا يفارق القدريّة والجبريّة بزعمه، يقول في ذلك: "الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب، وينسب وقوعها إليها، نظرًا للصّورة الوجوديّة، وإن كان الكلّ في الحقيقة إنّما هو بقضائه وقدره كما يدلّ على ذلك كلّه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]. فأسند تعالى إليه ﷺ الرّمي، وإليهم القتل باعتبار الصّورة الوجوديّة، ونفاهما عنهم باعتبار الحقيقة الإيجاديّة، إشارة إلى أنه يجب علينا رعاية المقامين، بأن نسند الأفعال إلى فاعليها صورة ليمدحوا أو يذمّوا باعتبار جريان تلك الصّور عليهم، وإلى الله حقيقة من حيث عجز العبد عن ذلك وانفراد الحقّ ﵎ به. وأن نعتقد بطلان مذهب القدريّة الذين ينفون قدرة الحقّ، ويثبتون قدرة العبد تخيّلًا منهم أنهم فرّوا بذلك عن نسبة القبيح إلى الله تعالى، وغفلة عن

стр. 580

أنّه يلزمهم ما هو أقبح من ذلك وهو أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه، على أنّ نسبة أفعال العباد إليه تعالى لا تستلزم نسبة القبيح إليه؛ لأنّ الشّيء إنّما هو قبيح بالنّسبة لفعلنا لا لفعله تعالى لأنّه يتصرّف في ملكه بما يشاء ... وأن نعتقد بطلان مذهب الجبرية أيضًا، لأنّه يلزم عليه أن لا ثواب ولا عقاب، ولا مدح ولا ذمّ، لأنّ المجبر المكره على الشّيء من كلّ وجه لم يصدر منه فعل ينسب إليه حتى يُدار عليه حكم ... وقد عُلم من الشّريعة الغرّاء أنّ الله تعالى أسند الأفعال لعباده، ومدحهم عليها تارة، وذمّهم أخرى، فنتج ما قلناه من التّوسّط بين المذهبين بأن نظرنا إلى الأفعال من حيث الصّورة وأنطنا بها أحكامًا، ومن حيث الحقيقة وأنطنا بها أحكامًا، لأنّ هذا هو العدل السّويّ، والطّريق الواضح الجليّ" (١). ويقول أيضًا: "أفعالنا كلّها بقدرته تعالى أوجدها فليس لقدرتنا في إيجادها تأثير البتّة، وإنّما خلق لنا قدرة واختيارًا فحيث لا مانع أوجدها مقارنة لها بالحكمة، فهو مُبدعها والعبد مُكتسبها فيجازى بفعله إن خيرًا فجزاؤه خير وإن شرًّا فالجزاء شرّ ... " (٢). التّقويم: أفعال العباد قسمان: اضطراريّة واختياريّة. فالاضطراريّة: كحركات المرتعش ونبضات العروق ونحو ذلك، وهذه لا خلاف بين النّاس في كونها خارجة عن قدرة العبد. والاختياريّة: ما سوى ذلك (٣) -وهي محلّ البحث هنا- وقد اختلف الناس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها، وحاصل الكلام عليها ما يلي:

стр. 581

أفعال العباد الاختياريّة لها متعلّقان: الأوّل: تعلّقها بالله من حيث خلقه لها وعدمه. والثّاني: تعلّقها بالعباد من حيث قدرتهم عليها وعدمها. فأهل السّنّة والجماعة قالوا: بأنّ أفعال العباد كلّها من طاعة ومعصية، وخير وشرّ، مخلوقة لله تعالى، وأنّ العباد لهم قدرة على أفعالهم، وهم فاعلون لها على الحقيقة، وهي قائمة بهم، ومنسوبة إليهم، ومن ثم فإنّهم يستحقّون عليها المدح والذّمّ والثّواب والعقاب. فجمعوا في قولهم بين المتعلّقين، وقالوا بكلا الجهتين، لدلالة نصوص الوحيين. فمن الأدلّة على خلق الله لأفعال العباد: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. ومن الأدلّة على قدرة العباد على أفعالهم ونسبتها لهم حقيقة. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]. وقوله سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وجمع الله بين الأمرين في قوله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠] (١). وقد خالف أهل السّنّة والجماعة في ذلك عامّة الطّوائف والفرق. فالجهميّة الجبريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الأوّل دون الثّاني فأثبتوا خلق الله لأفعال العباد ونفوا قدرة العباد عليها، وسووا بين أفعالهم

стр. 582

الاختياريّة وأفعالهم الاضطراريّة (١). والمعتزلة القدريّة ومن وافقهم قالوا بالمتعلّق الثّاني دون الأوّل فنفوا خلق الله لأفعال العباد، وقالوا بأنّ العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأثبتوا قدرة العباد المطلقة على أفعالهم (٢). ورامت الأشعريّة التّوسّط بين الجبريّة والقدريّة فأحدثت نظريّة الكسب، وحارت أفهامهم في تصوّرها، واضطربت أقوالهم في التّعبير عنها (٣). وحاصلها أنّ الكسب هو الاقتران العادي بين قدرة العبد الحادثة وفعله الواقع بقدرة الله وجدها (٤). وبناء على ذلك قالوا: إنّ أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد، وليس لقدرة العبد المخلوقة فيه أثر في فعله، ولكن الفعل يحدث عندها لا بها (٥). والمتأمّل في كلام ابن حجر -عفا الله عنه- المتقدّم يظهر له موافقته لهم على قولهم. والرّدّ على الكسب الأشعري، وبيان بطلانه يطول، فأكتفي بطرف منه:

стр. 583

١ - أنّ النّصوص الشّرعيّة قد دلّت على خلق الله لأفعال العباد وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح والذّمّ والثّواب والعقاب وفقًا لها، وقد تقدّم ذكر بعضها. ٢ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول حادث بعد انقضاء القرون الثّلاثة المفضّلة فلم يعرف القول به إلا في زمن الأشعري. ٣ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول متناقض؛ إذ القائل به لا يستطيع أن يوجد فرقًا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، ولهذا فإن حقيقته القول بالجبر (١). ٤ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى قول غير معقول؛ إذ لا حقيقة له ولا حاصل تحته، ولذا شنع أعداء الأشاعرة به عليهم، وعدّه بعض الأشاعرة عقدة تورّط فيها أصحاب الأشعري (٢). ٥ - أنّ القول بالكسب بهذا المعنى مبني على أصلين باطلين، قال بهما الأشعري وجمهور أصحابه والتزموا ما يرد عليهما، وهما: القول بأنّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، وأنّ قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا مقارنًا للفعل لا خارجًا عنه (٣). ٦ - أنّ كبار أعلام الأشاعرة اضطربت أقوالهم في الكسب، وذهب كلّ منهم إلى رأي، وفرّ إلى قول، فمنهم من نحا إلى التّصريح بحقيقة المذهب وهو الجبر، ومنهم من اقترب إلى القول بمذهب أهل السّنّة والجماعة في ذلك، ومنهم من سعى إلى النّهوض بالمذهب الأشعري من عثرته وتوجيه قول إمامه بما لا يوافقه عليه أصحابه الأشاعرة فضلًا عن غيرهم (٤). وبما سبق إيراده في الرّدّ على الكسب الأشعري يتّضح خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في قوله به، وتقريره له.

стр. 584

ثانيًا: الهدى والضّلال: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الهدى والضّلال بخلق الله وإرادته، وأنّ الهداية والإضلال محض فعل الله تعالى، لا فعل للعبد فيهما، ولا دخل له في واحد منهما. يقول عقب إيراده لقوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]. "اعلم أنّ في هذه الآية دلالة ظاهرة وحجّة واضحة لردّ ما عليه المعتزلة، والحقيقة ما عليه أهل السّنّة من أنّ الزّيغ والهداية بخلق الله وإرادته. وبيانه: أنّ القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشّرّ، وإلى الإيمان وإلى الكفر، ومُحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية بل لا بدّ في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يُحدثها الله تعالى، فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطّبع والرّين والقسوة والوقر والكنان وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وإن كان داعية الإيمان فهو التّوفيق والإرشاد والهداية والتّسديد والتّثبيت والعصمة وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن" (١). ويقول أيضًا: "أمر الله تعالى عباده أن يسألوه في كلّ ركعة من صلاتهم اهدنا الصراط المستقيم، وفي هذه الجملة دليل لقول أهل الحقّ أنّ الهداية والضّلال من خلق الله وإيجاده لا دخل للعبد في واحد منهما خلافًا للمعتزلة. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٥، التكوير: ٢٩]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات]. وأصرح من ذلك في إبطال مذهبهم الفاسد أنّه تعالى أراد هداية

стр. 585

الجميع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥] فعمّ الدّعوى وخصّ الهداية ... " (١). التّقويم: وردت النّصوص بإثبات الهداية لمن شاء الله هدايته والإضلال لمن شاء إضلاله. قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]. وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال : ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدّثّر: ٣١]. ووردت النّصوص أيضًا بإضافة الهدى والضّلال إلى العباد. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]. واختلف الناس في المراد بهما وفاعلهما هل هو الله أم العبد بناء على اختلافهم في أفعال العباد. فذهبت المعتزلة القدريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل العبد لا فعل الله تعالى، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى تسميته سبحانه من شاء من خلقه مهتديًا وضالًا (٢). وذهبت الجهميّة الجبريّة إلى أنّ الهداية والإضلال من فعل الله لا فعل العبد، وأنّ المراد بهما في حقّ الله تعالى ما يخلقه سبحانه في العبد دون

стр. 586

فعل منه أو اختيار (١). واضطرب الأشاعرة في ذلك بناء على اضطرابهم في الكسب وحقيقته، فقالوا: إنّ الهداية والإضلال فعل الله لا فعل العبد يخلقهما في العبد، وليس للعبد فيهما دخل ولا اختيار، فوافقوا بقولهم هذا الجهميّة الجبريّة (٢). والحقّ هو ما عليه أهل السّنّة والجماعة من أنّ الهداية والإضلال فعل الله تعالى، والاهتداء والضّلال فعل العبد. وأنّ المراد بالهداية في حقّه سبحانه: بيانه الحقّ وإرشاده له، وتوفيقه وتسديده من شاء من خلقه إليه. والمراد بالإضلال في حقّه تعالى: إضلاله من شاء من خلقه بأن يكلهم إلى أنفسهم ولا يعينهم على الخير فيضلّون فيعاقبهم بجنس عملهم. والمراد بالاهتداء والضلال في حقّ العبد: أنّه فاعل الهدى والضّلال والطّاعة والعصيان على الحقيقة، وليس فاعل ذلك أحدًا غيره (٣). يقول العلّامة ابن القيّم ﵀ في تقرير ذلك: "اتّفقت رسل الله من أوّلهم إلى آخرهم، وكتبه المنزّلة عليهم على أنّه سبحانه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنّه من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأنّ الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأنّ العبد هو الضّالّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضّلال فعل العبد وكسبه" (٤). ومما سبق يتّضح أنّ ما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة وعزاه إلى أهل السّنّة وأهل الحقّ، وانتصر له وَرَدّ على من خالفه هو مذهب أصحابه الأشاعرة.

стр. 587

وقولهم هذا مبني على قولهم بالكسب في أفعال العباد، وقولهم بنفي تأثير الأسباب والطّبائع. وهما باطلان، وما بني على باطل فهو باطل. والرّدّ عليهم من طريقين: أحدهما: النّقض: بأن يُقال إنّ حقيقة هذا القول هو الجبر، إلا أنّ الجهميّة صرّحوا به، والأشاعرة امتنعوا عن ذلك وتستّروا تحت مسمّى الكسب. ولهذا فإنّ الرّازي وهو من كبار الأشاعرة لَمّا أيقن بذلك صرّح بالجبر، وامتنع عن التزام لوازمه، وقال: "إنّ الإنسان مضطر في اختياره، وإنّه ليس في الوجود إلا الجبر" (١). ولا ريب في بطلان القول بالجبر، وقد تقدّم في كلام ابن حجر بيان ذلك والرّدّ على القائلين به، فكلامه هنا منقوض بكلامه هناك. ثانيهما: المعارضة: بما تقدّم إيراده من الأدلّة الشّرعيّة الدّالّة على أنّ العبد فاعل لفعله حقيقة، والاهتداء والضّلال منسوب إليه. ويتبيّن مِمّا سبق خطأ ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، ومجانبته لقول أهل السّنّة والجماعة فيها. ثالثًا: تنزيه الله عن الظّلم: يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أنّ الظّلم مستحيل على الله تعالى؛ لأنّ معناه ممتنع في حقّه سبحانه. يقول في ذلك: "الظّلم لغة: وضع الشّيء في غير محلّه ... وهو مستحيل عليه تعالى؛ إذ هو تصرّف في حقّ الغير بغير حقّ أو مجاوزة الحدّ وكلاهما مُحال؛ إذ لا مُلك ولا حقّ لأحد معه بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضّل عليهم بها وحدّ لهم الحدود، وحرّم وأحلّ فلا حاكم معه يتبعه ولا حقّ يترتّب عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا

стр. 588

كبيرًا، وما ذُكر من استحالة الظّلم عليه تعالى هو قول الجمهور. وقيل: بل هو متصوّر منه لكنّه لا يفعله عدلًا منه وتنَزّهًا عنه ... وهو غير سديد" (١). التّقويم: وردت النّصوص بِتَنْزِيه الله عن الظّلم، وتحريمه سبحانه له على نفسه. قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقال : ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]. وقال ﷺ : "قال الله تعالى: يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرّمًا فلا تظالموا ... " (٢). "وقد اتّفق المسلمون وغيرهم على أنّ الله مُنَزّه عن الظّلم" (٣). واختلفوا في حقيقته، ومعنى تنزيه الله عنه: فذهبت القدريّة من المعتزلة ومن تبعهم إلى أنّ الظّلم الذي يُنَزّه عنه الخالق من جنس الظّلم الذي يُنَزّه عنه المخلوق. فقالوا: إنّ الظلّم إضرار لا نفع فيه للمفعول به، ولا رفع لضرر آخر عنه، ولا هو مستحقّ له فإذا اتّفقت هذه الأمور عن أيّ فعل فإنّه يكون ظلمًا، ويستوي في ذلك الخالق والمخلوق (٤). وذهبت الجبريّة من الجهميّة ومن تبعهم من الأشاعرة وغيرهم إلى أنّ الظّلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وكلّ ممكن فهو في حقّه عدل.

стр. 589

فقالوا: الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما ممتنع في حقّه سبحانه، فالظّلم مستحيل عليه، ومعناه غير متحقّق فيه (١). والأصل الذي تفرّعت عنه مذاهبهم قولهم في أفعال العباد، وذلك أنّ أفعال العباد إن كانت من خلق الله تعالى كان عذابهم عليها ظلمًا؛ إذ كيف يعذبون على ما خلق فيهم؟ ومن ثم اختلفوا في أفعال العباد، وانبنى على اختلافهم فيها اختلافهم في حقيقة الظّلم ومعنى تنزيه الله عنه. والحقّ أنّ الظّلم في اللغة: وضع الشّيء في غير موضعه (٢)، وهو في الشّرع بمعناه في اللغة (٣). فالله سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها فلا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه، فلا يفرّق بين متماثلين ولا يسوّي بين مختلفين. وهو سبحانه حرّم الظّلم على نفسه بفعله وإرادته بعد قدرته عليه تفضّلًا منه سبحانه، وعدلًا منه . وقد فسّره سلف الأمّة وأئمّتها بأنّه لا يُحمّل المرء سيئات غيره، ولا يعذّبه بما لم تكسب يداه، وأنّه لا ينقص من حسناته فلا يجازى بها أو ببعضها (٤). وهذا هو الظّلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ

стр. 590

الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، قال المفسّرون: لا يخاف أن يحمل عليه سيّئات غيره، ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل، وقيل: لا يخاف ألا يجزى بعمله (١). وبناء على ما سبق فما قرّره ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة، وعزاه للجمهور هو قول أصحابه الأشاعرة. والرّدّ عليهم من طريقين: أحدهما: النّقض، فيقال: أولًا: إنّ الله مدح نفسه بعدم إرادة الظّلم، وعدم فعله، والمحال الذي لا يمكن، ولا يكون، لا يصحّ أن يمدح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد عليه؛ لأنّه ممتنع في نفسه وإنّما يكون المدح بترك الأفعال لمن هو قادر عليها، وتَنَزّه عنها (٢). ثانيًا: إنّ القول بأنّ الظّلم هو التّصرّف في ملك الغير، غير مطّرد ولا منعكس؛ فإنّ الإنسان قد يتصرّف في ملك غيره بحقّ ولا يكون ظالمًا، وقد يتصرّف في ملكه بغير حقّ فيكون ظالمًا، وظلم العبد نفسه كثير في القرآن الكريم (٣). وكذا القول بأنّ الظّلم مخالفة الآمر الذي تجب طاعته وأنّه لا يكون إلا من مأمور منهي فإنّه باطل، بدلالة الحديث المتقدّم "إنّي حرّمت الظّلم على نفسي" فالله تعالى هو من كتب على نفسه الرّحمة، وحرّم على نفسه الظّلم (٤). ثالثًا: أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض باطل؛ لأمرين:

стр. 591

١ - أنّ الله تعالى لا يوصف بالسّلب المحض الذي لا يتضمّن إثباتًا؛ لأنّ السّلب المحض ليس فيه مدح ولا كمال، لأنّه عدم محض، ليس بشيء، وما ليس بشيء، هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (١). ٢ - أنّ نفي الظّلم عن الله تعالى بطريق السّلب المحض يتضمّن أعظم القدح في الله ؛ ذلك أنّ فيه تشبيهًا لله تعالى بالجمادات التي لا تقبل الاتّصاف بصفات النّقص، فضلًا عن صفات الكمال (٢). رابعًا: أنّ ما استدلّوا به من النّصوص حقّ يجب القول بموجبها، لكن ليس فيها ما يدلّ على مذهبهم، وقد استوفى ذكرها والرّدّ عليها العلّامة ابن القيّم بما لا مزيد عليه (٣). والآخر: المعارضة: بما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على حقيقة الظّلم، وأقوال السّلف في تفسيرها. وبما سبق يتّضح بطلان ما ذهب إليه ابن حجر -غفر الله له- ومخالفته لمذهب أهل السّنّة والجماعة في هذه المسألة. * * *

стр. 592

المبحث الثّالث آراؤه في التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق * * * تحدّث ابن حجر ﵀ عن التّحسين والتّقبيح، والحكمة والتّعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق، وقرّر ما يراه فيها، وفيما يلي بيان آرائه وتقويمها. أولًا: التّحسين والتّقبيح: يرى ابن حجر -غفر الله له- أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وأنّه لا حكم بحسن ولا قبح ولا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشّرع، ويردّ على من قال بخلاف ذلك، حيث يقول: "اعلم أنّ الذي قرّره وأطبق عليه الأئمّة الأشاعرة الشّافعيّة وغيرهم أئمّة النّقل والأصول والفقه أنّه لا حكم قبل ورود الشّرع، وأنّ تحكيم المعتزلة للعقل باطل، وكذا قول بعضٍ إنّ الإيمان وحده يجب بالعقل ... فقد قامت الأدلّة المقرّرة في الأصول أنّه لا حكم قبل الشّرع، من جملتها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قال المحقّقون: معناه لا عذاب على أحد في شيء فعله إلا بعد أن تبلغه دعوة نبيّ له ولم يؤمن به، وقيل في الآية غير ذلك ولا تعويل عليه عند المحقّقين؛ لأنّ ما قلناه هو ظاهرها الذي لا يتبادر ذهن من له أدنى ذوق إلا إليه" (١).

стр. 593

ويقول أيضًا: "لا حكم قبل الشّرع؛ إذ لا يستقلّ العقل بإدراك حسن ولا قبيح من حيث ترتّب ثواب أو عقاب بل من حيث صفة الكمال أو النّقص وملاءمة الطّبع ومنافرته له ... " (١). التّقويم: التّحسين والتّقبيح: الحكم على الشّيء بكونه حسنًا أو قبيحًا، والحسن والقبح ضدّان (٢). وقد اختلف النّاس فيهما هل هما عقليّان أم شرعيّان، وهل يثبتان للأفعال ثبوت الصّفات الذّاتيّة أو الإضافيّة؟ فذهب جمهور المعتزلة ومن وافقهم إلى أنّهما عقليّان لا شرعيّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للأفعال، والعقل يستقلّ بإدراكهما، والشّرع إنّما هو كاشف ومبيّن لتلك الصّفات فقط. وقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح العقليين، وإن لم يرد الشّرع بذلك (٣). وذهب جمهور الأشاعرة ومن وافقهم إلى أنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان، وزعموا أنّ الحسن والقبح صفتان إضافيّتان في الأفعال فلا تُدرك بالعقل وإنّما بالشّرع، وعليه فلا يحكم بهما إلا بعد وروده. وقالوا: إنّ الثّواب والعقاب مترتّبان على التّحسين والتّقبيح الشّرعيّين، ولا عبرة فيهما بتحسين العقل وتقبيحه (٤).

стр. 594

وهدى الله أهل السّنّة والجماعة لِمَا اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فقالوا: بأنّ التحسين والتقبيح شرعيّان وعقليّان، والأفعال من حيث هي قد يدرك العقل حسنها وقبحها قبل ورود الشّرع وقد لا يدرك ذلك، إلا أنّ الثّواب والعقاب في الجميع معلّق على ورود الشّرع (١). يقول العلّامة ابن القيّم ﵀: "الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنّها نافعة وضارّة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيّات، ولكن لا يترتّب عليهما ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنّهي، وقبل ورود الأمر والنّهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله تعالى لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرّسل، فالسّجود للشّيطان والأوثان، والكذب والزّنا، والظّلم والفواحش، كلّها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشّرع" (٢). "وقد دلّ القرآن ... أنّه لا عقاب إلا بإرسال الرّسل، وأنّ الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبيّن دلالة الأمرين. أمّا الأوّل: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وفي قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] ... وأمّا الأصل الثاني - وهو دلالته على أنّ الفعل في نفسه حسن وقبيح - فكثير جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا

стр. 595

بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٣]. فأخبر سبحانه أنّ فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه، وأمر باجتنابه بأخذ الزينة ... ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر، ولو كان إنّما عُلم كونه فاحشة بالنّهي، وأنّه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلّق النّهي به، لصار معنى الكلام: إنّ الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يُصان عن التّكلّم به آحاد العقلاء فضلًا عن كلام العزيز الحكيم ... ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] دلّ على أنّه طيّب قبل التّحريم، وأنّ وصف الطّيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة. ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ولو كان كونها فواحش إنّما هو لتعلّق التّحريم بها، وليست فواحش قبل ذلك، لكان حاصل الكلام: قل إنّما حرّم ربّي ما حَرَّم. وكذلك تحريم الإثم والبغي، فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة كون الشّرك شركًا، فهو شرك في نفسه قبل النّهي وبعده ... " (١). وعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة موافق لقول الأشاعرة والرّدّ عليه من طريقين:

стр. 596

أحدهما: النّقض، فيقال: أولًا: إنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان مبني على القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى - وهو ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر - والتزموا لوازمه (١)، وهو باطل - كما سيأتي (٢) - وما بني على باطل فهو باطل. ثانيًا: إنّ ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر في التّحسين والتّقبيح يناقض قولهم بوجوب النّظر أو القصد إليه - كما سبق - (٣) وقولهم بالكمال والنّقص في الأفعال وأنّها تُدرك بالعقل؛ إذ الكمال بمعنى التّحسين والنّقص بمعنى التّقبيح (٤). ثالثًا: أنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان يلزم منه أن تكون الأفعال كلّها سواء في نفس الأمر، وأنّها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح، ومصلحة ومفسدة، فلا فرق بين السّجود للرّحمن والسّجود للشّيطان، ولا بين الصّدق والكذب، ولا بين العدل والظّلم سوى في الأمر والنّهي، وهو من أبطل الباطل (٥). رابعًا: أنّ أئمّة الأشاعرة القائلين بهذا القول قد اضطربوا في سياق أدلّته وتقريرها، وقدح بعضهم في أدلّة بعض؛ بما يضعف قولهم، ويغني عن تكلّف البحث فيه (٦). وما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من الاستدلال عليه بقوله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] متعقب بكون الآية إنّما تدلّ على عدم المؤاخذة على الأفعال قبل إرسال الرّسل وورود الشّرع، دون نفي الحسن والقبح عن الأفعال نفسها - وهي محلّ البحث هنا - (٧).

стр. 597

والآخر: المعارضة: بما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على أنّ الفعل نفسه حسن وقبيح. ثانيًا: الحكمة والتّعليل في أفعال الله: يرى ابن حجر - عفا الله عنه - أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بحكم موضّحة لأفعاله لا مترتّبة عليها. يقول في ذلك: "أفعال الله هل تعلّل؟ قيل: نعم؛ لأنّ فعلًا لا علّة له عبث والله مُنَزّه عنه، ولأنّ القرآن مملوء من تعليل أفعاله تعالى نحو ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وقيل: لا؛ لأنّ كلّ من فعل فعلًا لعلّة كان مستكملًا بها ما لم يكن له قبلها فيكون ناقصًا بذاته كاملًا بغيره، والنّقص على الله تعالى مُحال، ورد بمنع الكلّيّة وأنّ ذلك لا يلزم إلّا في حقّ المخلوقين. والتّحقيق: أنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله تعالى وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضّحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" (١). التّقويم: مسألة الحكمة والتّعليل في أفعال الله "من أجل مسائل التّوحيد المتعلّقة بالخلق والأمر، والشّرع والقدر" (٢). والمراد بها: "هل أفعال الرّبّ تعالى وأوامره معلّلة بالحكم والغايات؟ " (٣). وقد اختلف النّاس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها: فذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل غير مرتّب على الحكمة بل هو محض المشيئة وصرف

стр. 598

الإرادة؛ إذ لو كان مترتبًا عليها لكان الله محتاجًا إليها في فعله منتفعًا بها. ومن ثم قالوا بعدم تعليل أفعال الله سبحانه (١). وذهب المعتزلة إلى إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل مترتّب على الحكمة، وأجابوا عمّا أورده الأشاعرة بأنّ الحكمة تعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهي حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه. ومن ثَمّ قالوا بتعليل أفعاله تعالى (٢). وهدى الله أهل السّنّة والجماعة للقول الحقّ والسّبيل الوسط، فقالوا: بأنّ الله تعالى حكيم، ولا يخلو فعل من أفعاله تعالى عن حكمة. والحكمة مقصودة له سبحانه، يفعل لأجلها لأنّه يحبّها ويرضاها، والفعل مترتّب عليها، وليست هي مترتّبة على الفعل وحاصلة عقيبه كما يقول الأشاعرة، ولا مخلوقة منفصلة عنه كما يقول المعتزلة (٣). إذ الحكمة تتضمّن شيئين: أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبّها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به؛ لأنّ الله لا يوصف إلا بما قام به. وثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات (٤).

стр. 599

والحكمة العائدة إليه سبحانه، والمتعلّقة بأفعاله نوعان: ١ - حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٢ - حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كما في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣] (١). وحكمته سبحانه بنوعيها لا يحاط بها علمًا، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مِمّا يخفى عليهم. يقول العلّامة ابن القيّم ﵀: "الله سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا في مواضع لا تكاد تُحصى" (٢). ومما سبق يتّضح اضطراب ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة فقد وافق أهل السّنّة في إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله، ووافق الأشاعرة في قوله بأن "تلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها" فوقع بذلك في التّناقض؛ إذ القول بإثبات الحكمة والتّعليل يناقض القول بأنّها موضّحة لأفعاله لا باعثة عليها، ولهذا طرد أهل السّنّة والجماعة قولهم، وطرد الأشاعرة قولهم. وقول ابن حجر: "بأنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" متعقّب بما يلي: ١ - أنّ حصر الحكمة في حصول النّفع الذي يُراد به دفع المفسدة

стр. 600

وجلب المنفعة ممنوع؛ ذلك أنّه إن أراد أنّ هذه الحكمة هي التي لأجلها يفعل الإنسان فهذا مُسَلَّم ولا ينفعه شيئًا، وإن أراد أنّها الحكمة التي يفعل الله لأجلها أو ما هو أعمّ من ذلك، فإنّ حكمة الرّبّ فوق ذلك، والله يتعالى عن ذلك، فيكون استدلاله هذا مستندًا إلى قياس الخالق على المخلوق قياس تساوٍ، وهو باطل (١). ٢ - أنّ التّعبير عن الحكمة بالأغراض الباعثة في حقّ الله تعالى مِمّا لا يدلّ عليه الشّرع، والتّعبير بذلك لاستبشاع المعنى الشّرعي الثّابت له سبحانه لا يجوز (٢). ٣ - أنّ قوله بلزوم القول بترتّب الفعل على الحكمة لنقص الباري سبحانه في ذاته واستكماله بتحصيل الغرض، مبني على أنّ الحكمة مغايرة له، والحقّ -الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة- أنّ الحكمة التي يعود حكمها إلى الله تعالى صفة له، وما كان صفة لله تعالى لا يتصوّر أن ينفكّ عنه، وعليه فلا صحّة بلزوم ذلك (٣). ثالثًا: تكليف ما لا يطاق: يرى ابن حجر - غفر الله له - جواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال، حيث يقول: "له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق" (٤). ويقول أيضًا: "أجمعت الأمّة على التّكليف بالمحال كغيره، كتكليف أبي جهل مثلًا بالإيمان مع علم الله بأنّه لا يؤمن؛ وذلك لأنّ التكليف بذلك إنّما هو بالنّظر للحالة الرّاهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم بالنّسبة إليها مكلّفون بالإيمان لقدرتهم عليه ظاهرًا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنًا، لعلم الله تعالى بأنّهم لا يؤمنون، لأنّ هذا لا نظر إليه وإلا لارتفع الاختيار،
следующие страницы →