أحدهما: النّقض، فيقال:
أولًا: إنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان مبني على القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى - وهو ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر - والتزموا لوازمه (١)، وهو باطل - كما سيأتي (٢) - وما بني على باطل فهو باطل.
ثانيًا: إنّ ما قرّره الأشاعرة ومنهم ابن حجر في التّحسين والتّقبيح يناقض قولهم بوجوب النّظر أو القصد إليه - كما سبق - (٣) وقولهم بالكمال والنّقص في الأفعال وأنّها تُدرك بالعقل؛ إذ الكمال بمعنى التّحسين والنّقص بمعنى التّقبيح (٤).
ثالثًا: أنّ القول بأنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان لا عقليّان يلزم منه أن تكون الأفعال كلّها سواء في نفس الأمر، وأنّها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح، ومصلحة ومفسدة، فلا فرق بين السّجود للرّحمن والسّجود للشّيطان، ولا بين الصّدق والكذب، ولا بين العدل والظّلم سوى في الأمر والنّهي، وهو من أبطل الباطل (٥).
رابعًا: أنّ أئمّة الأشاعرة القائلين بهذا القول قد اضطربوا في سياق أدلّته وتقريرها، وقدح بعضهم في أدلّة بعض؛ بما يضعف قولهم، ويغني عن تكلّف البحث فيه (٦).
وما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من الاستدلال عليه بقوله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] متعقب بكون الآية إنّما تدلّ على عدم المؤاخذة على الأفعال قبل إرسال الرّسل وورود الشّرع، دون نفي الحسن والقبح عن الأفعال نفسها - وهي محلّ البحث هنا - (٧).
стр. 597
والآخر: المعارضة:
بما تقدّم ذكره من الأدلّة الدّالّة على أنّ الفعل نفسه حسن وقبيح.
ثانيًا: الحكمة والتّعليل في أفعال الله:
يرى ابن حجر - عفا الله عنه - أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بحكم موضّحة لأفعاله لا مترتّبة عليها.
يقول في ذلك: "أفعال الله هل تعلّل؟
قيل: نعم؛ لأنّ فعلًا لا علّة له عبث والله مُنَزّه عنه، ولأنّ القرآن مملوء من تعليل أفعاله تعالى نحو ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
وقيل: لا؛ لأنّ كلّ من فعل فعلًا لعلّة كان مستكملًا بها ما لم يكن له قبلها فيكون ناقصًا بذاته كاملًا بغيره، والنّقص على الله تعالى مُحال، ورد بمنع الكلّيّة وأنّ ذلك لا يلزم إلّا في حقّ المخلوقين.
والتّحقيق: أنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله تعالى وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضّحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" (١).
التّقويم:
مسألة الحكمة والتّعليل في أفعال الله "من أجل مسائل التّوحيد المتعلّقة بالخلق والأمر، والشّرع والقدر" (٢).
والمراد بها: "هل أفعال الرّبّ تعالى وأوامره معلّلة بالحكم والغايات؟ " (٣).
وقد اختلف النّاس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها:
فذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل غير مرتّب على الحكمة بل هو محض المشيئة وصرف
стр. 598
الإرادة؛ إذ لو كان مترتبًا عليها لكان الله محتاجًا إليها في فعله منتفعًا بها.
ومن ثم قالوا بعدم تعليل أفعال الله سبحانه (١).
وذهب المعتزلة إلى إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: بأنّ الفعل مترتّب على الحكمة، وأجابوا عمّا أورده الأشاعرة بأنّ الحكمة تعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهي حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه.
ومن ثَمّ قالوا بتعليل أفعاله تعالى (٢).
وهدى الله أهل السّنّة والجماعة للقول الحقّ والسّبيل الوسط، فقالوا: بأنّ الله تعالى حكيم، ولا يخلو فعل من أفعاله تعالى عن حكمة.
والحكمة مقصودة له سبحانه، يفعل لأجلها لأنّه يحبّها ويرضاها، والفعل مترتّب عليها، وليست هي مترتّبة على الفعل وحاصلة عقيبه كما يقول الأشاعرة، ولا مخلوقة منفصلة عنه كما يقول المعتزلة (٣).
إذ الحكمة تتضمّن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبّها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به؛ لأنّ الله لا يوصف إلا بما قام به.
وثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات (٤).
стр. 599
والحكمة العائدة إليه سبحانه، والمتعلّقة بأفعاله نوعان:
١ - حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
٢ - حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كما في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣] (١).
وحكمته سبحانه بنوعيها لا يحاط بها علمًا، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مِمّا يخفى عليهم.
يقول العلّامة ابن القيّم ﵀: "الله سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا في مواضع لا تكاد تُحصى" (٢).
ومما سبق يتّضح اضطراب ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه المسألة فقد وافق أهل السّنّة في إثبات الحكمة والتّعليل في أفعال الله، ووافق الأشاعرة في قوله بأن "تلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا أغراض باعثة عليها" فوقع بذلك في التّناقض؛ إذ القول بإثبات الحكمة والتّعليل يناقض القول بأنّها موضّحة لأفعاله لا باعثة عليها، ولهذا طرد أهل السّنّة والجماعة قولهم، وطرد الأشاعرة قولهم.
وقول ابن حجر: "بأنّ أفعاله تعالى معلّلة بحكم غايتها تعود لنفع المكلّفين وكمالهم لا لنفع الله وكماله؛ لاستغنائه بذاته عمّا سواه، فتلك العلل حكم موضحة لأفعاله لا باعثة عليها لأنّه تعالى مُنَزّه عن أن يبعثه شيء على شيء" متعقّب بما يلي:
١ - أنّ حصر الحكمة في حصول النّفع الذي يُراد به دفع المفسدة
стр. 600
وجلب المنفعة ممنوع؛ ذلك أنّه إن أراد أنّ هذه الحكمة هي التي لأجلها يفعل الإنسان فهذا مُسَلَّم ولا ينفعه شيئًا، وإن أراد أنّها الحكمة التي يفعل الله لأجلها أو ما هو أعمّ من ذلك، فإنّ حكمة الرّبّ فوق ذلك، والله يتعالى عن ذلك، فيكون استدلاله هذا مستندًا إلى قياس الخالق على المخلوق قياس تساوٍ، وهو باطل (١).
٢ - أنّ التّعبير عن الحكمة بالأغراض الباعثة في حقّ الله تعالى مِمّا لا يدلّ عليه الشّرع، والتّعبير بذلك لاستبشاع المعنى الشّرعي الثّابت له سبحانه لا يجوز (٢).
٣ - أنّ قوله بلزوم القول بترتّب الفعل على الحكمة لنقص الباري سبحانه في ذاته واستكماله بتحصيل الغرض، مبني على أنّ الحكمة مغايرة له، والحقّ -الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة- أنّ الحكمة التي يعود حكمها إلى الله تعالى صفة له، وما كان صفة لله تعالى لا يتصوّر أن ينفكّ عنه، وعليه فلا صحّة بلزوم ذلك (٣).
ثالثًا: تكليف ما لا يطاق:
يرى ابن حجر - غفر الله له - جواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال، حيث يقول: "له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق" (٤).
ويقول أيضًا: "أجمعت الأمّة على التّكليف بالمحال كغيره، كتكليف أبي جهل مثلًا بالإيمان مع علم الله بأنّه لا يؤمن؛ وذلك لأنّ التكليف بذلك إنّما هو بالنّظر للحالة الرّاهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم بالنّسبة إليها مكلّفون بالإيمان لقدرتهم عليه ظاهرًا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنًا، لعلم الله تعالى بأنّهم لا يؤمنون، لأنّ هذا لا نظر إليه وإلا لارتفع الاختيار،
стр. 601
وثبت القول بالجبر المنابذ لِمَا جاءت به الشّرائع، فاحذر أن تميل إليه فتزلّ قدمك، ويحق ندمك، واستحضر قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣] (١).
التّقويم:
التّكليف في اللغة: الأمر بما يشقّ، يقال: كلّفه تكليفًا، إذا أمره بما يشقّ عليه، وتكلّفت الشّيء: تجشّمته (٢).
وفي الاصطلاح: الإلزام بمقتضى خطاب الشّرع.
وخطاب الشّرع قسمان: أمر ونهي، فالأمر: يتضمّن الواجب والمندوب، والنّهي: يتضمّن الحرام والمكروه، والمباح تخيير بينهما (٣).
وتكليف ما لا يطاق ضربان:
أحدهما: التكليف بالممتنع لذاته كالجمع بين النّقيضين، والممتنع عادة كالطيران في الهواء، والممتنع للعجز عنه كنقط المصحف للأعمى.
فهذا اختلف النّاس في جوازه عقلًا على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم جوازه، وهو قول المعتزلة (٤).
والثّاني: جوازه، وهو قول أكثر الأشاعرة (٥).
والثّالث: جواز التّكليف بالممتنع عادة وبما لا يقدر عليه للعجز عنه، دون التّكليف بالممتنع لذاته (٦).
وأمّا وقوعه شرعًا:
стр. 602
فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم وقوعه (١)، ونازع في ذلك الرّازي وطائفة (٢)، فذهبوا إلى القول بوقوعه، وهو ظاهر البطلان.
وثانيهما: التّكليف بالممتنع لغيره وهو المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر أنه لا يكون، وما لا يطاق للاشتغال بضدّه كالتّكليف بالقيام حال الجلوس، والتكليف بعموم التكاليف الشّرعيّة.
فهذا التّكليف به جائز عقلًا وواقع شرعًا بإجماع أهل العلم (٣)، والخلاف فيه إنّما هو من جهة تسميته تكليفًا بما لا يطاق.
فالأشاعرة ومن وافقهم قالوا بصحّة تسميته بذلك (٤).
وأهل السّنّة ومن وافقهم قالوا بعدم صحّة ذلك (٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطّيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشّريعة عند جماهير أهل السّنّة المثبتين للقدر ...
والثّاني: ما لا يطاق للاشتغال بضدّه، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنّه هو الذي صدّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإنّ اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا ... وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.
ومثل هذا ليس بقبيح عقلًا عند أصدق العقلاء، بل العقلاء متّفقون
стр. 603
على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنّهي لاشتغاله بضدّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضّدّ ويفعل الضّدّ المأمور به.
وإنّما النّزاع هل يسمّى هذا تكليف ما لا يطاق لكونه تكليفًا بما اتّفقت فيه القدرة المقارنة للفعل.
فمن المثبتين للقدر من يدخل هذا في تكليف ما لا يطاق ...
ومنهم من يقول هذا لا يدخل فيما لا يطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسّنّة وكلام السّلف، فإنّه لا يقال للمستطيع المأمور بالحجّ إذا لم يحجّ إنّه كلّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أمر بالطّهارة والصّلاة فترك ذلك كسلًا إنّه كلّف ما لا يطيق" (١).
وعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - من القول بجواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال قول مُجمل.
وأمّا قوله بأنّ الأمّة أجمعت على التكليف بالمحال كغيره، ومنه تكليف أبي جهل بالإيمان مع علم الله تعالى بعدم إيمانه، فهو متعقّب بما يلي:
١ - أنّ الفعل الممكن في نفسه لا يقال إنّه مُحال لتعلّق العلم بعدمه، وإلا لزم هذا بعينه فيما علم الله أنّه لا يفعله وهو مقدور له، فإنه لا يقع البتّة، مع كونه مقدورًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣]، فإيمان كلّ النّاس أخبر الله أنّه ممكن له مقدور، مع علمه بأنّه لا يقع منهم كلّهم وإنّما من بعضهم (٢).
٢ - أنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من قبيل التّكليف بالممتنع لغيره لا الممتنع لذاته؛ إذ الممتنع لذاته ليس شيئًا حتى يفرض فيه بخلاف الممتنع لغيره فإنّه ممكن ولكنّه امتنع لعدم تعلّق الإرادة بإحداثه وعلم الله بأنّه لا يفعله فلا يصحّ إطلاق المستحيل عليه (٣).
стр. 604
٣ - أنّ التّكليف بما يمتنع لغيره لا يُعدّ تكليفًا بما لا يُطاق، ولا يصحّ تسميته بذلك (١).
٤ - أنّ القول بأنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من تكليف ما لا يطاق مبني على القول بأنّ الاستطاعة واحدة وهي المقارنة للفعل فقط وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أنّ الاستطاعة نوعان: استطاعة قبل الفعل بمعنى الصّحة والوسع والتّمكّن وسلامة الآلات وهي مناط التّكليف، واستطاعة مقارنة للفعل وليست مناطًا للتّكليف وإنّما هي محض فضل الله تعالى يؤتيها من يشاء وفق حكمته سبحانه (٢).
стр. 605
الباب الثالث آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام
وفيه فصلان:
الفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة.
الفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام.
стр. 606
الفصل الأول آراؤه في الصحابة والإمامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراؤه في الصحابة.
المبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.
стр. 607
المبحث الأول آراؤه في الصحابة
عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالصحابة، وهي: تعريف الصحابة، وبيان فضلهم، والمفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم، وحكم سبهم.
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
أولًا: تعريف الصحابة:
عرّف ابن حجر ﵀ الصحابة في مواطن كثيرة من كتبه أجمل في بعضها، وأسهب في أخرى بالنقل عن غيره (١).
وأجمعها قوله: "الصحب: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي ﷺ ولو لحظة وإن لم يره ولم يرو عنه، مؤمنًا، ومات على الإيمان" (٢).
التّقويم:
الصّحابة: جمع صحابي.
وهو في اللغة: مشتقّ من الصّحبة، والصّحبة مصدر صحب فهو صاحب (٣).
стр. 608
يقول ابن فارس: "الصّاد والحاء والباء أصل واحد يدلّ على مقارنة الشّيء ومقاربته، ومن ذلك الصّاحب، والجمع صحب ... " (١).
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم فيمن يصدق عليه اسم الصحابي، وتعددت تعريفاتهم له (٢).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "أصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
فيدخل فيمن لقيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يَرْوِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد "الإيمان": من لقيه كافرًا أو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتح به مرة أخرى.
وقولنا "به": يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال ...
ويدخل في قولنا "مؤمنًا به": كل مكلف من الجن والإنس ... وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثًا إليهم أم لا؟ ... وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.
وخرج بقولنا "ومات على الإسلام": من لقيه مؤمنًا به ثم ارتدّ ومات على ردته والعياذ بالله ...
ويدخل به من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا ...
стр. 609
وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري (١) وشيخه أحمد بن حنبل (٢) ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة ... " (٣).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر ﵀ موافق لقول المحققين من أهل العلم.
ثانيًا: فضل الصحابة:
قرر ابن حجر ﵀ فضل الصحابة، ودلالة النصوص على ذلك فقال: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة ... والثناء عليهم، فقد أثنى الله عليهم في آيات من كتابه.
منها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يُعادل شهادة الله لهم بذلك ...
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله ﷺ حقيقة ...
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، فآمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه ورسوله عنهم راضيان، فأمْنُهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وفي أن الله لم يزل راضيًا عنهم، وكذلك رسول الله ﷺ .
ومنها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
стр. 610
الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، فصرح تعالى برضاه عن أولئك، وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ لا يمكن موته على الكفر ...
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآيات، تعلم به ضلال من طعن فيهم ...
ومنها: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية ... " (١).
"وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها ﷺ حيث جعل محبتهم محبة له، وبغضهم بغضًا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفًا، فحبهم عنوان محبته، وبغضهم عنوان بغضه ...
وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه ﷺ وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين
стр. 611
وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم لما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع ... " (١).
ولم يكتف ابن حجر ﵀ بتقرير فضل الصحابة عمومًا، بل ساق النصوص الواردة في فضائل بعضهم على وجه الخصوص كأبي بكر (٢)، وعمر (٣)، وعثمان (٤)، وعلي (٥)، ومعاوية (٦)، وأزواجه ﷺ (٧)، وابنته فاطمة (٨) وولديها الحسن (٩) والحسين (١٠) وآل بيته ﷺ (١١).
التقويم:
"أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم" (١٢).
والقول بمقتضى ذلك من معاقد العقائد التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة (١٣)، وصنفوا فيها المصنفات، وأفردوا في تقريرها المؤلفات (١٤).
стр. 612
يقول الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: "من السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم أو انتقصه أو طعن عليه أو عرّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة" (١).
وبما سبق يعلم موافقة ابن حجر ﵀ لِمَا عليه أهل السنة والجماعة من الإقرار بفضل الصحابة ﵃ ومحبتهم، والترضي عنهم.
ثالثًا: المفاضلة بين الصحابة:
بيّن ابن حجر ﵀ أن الصحابة ﵃ متفاوتون في الفضل، وذكر أقوال أهل العلم في المفاضلة بينهم، ورجّح ما يراه منها، فقال:
"اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم اختلفوا:
فالأكثرون - ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك - أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي ﵃.
وجزم الكوفيون - ومنهم سفيان الثوري - بتفضيل علي على عثمان.
وقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك ... وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضي عياض عنه أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ... " (٢).
"والأصح عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وقيل: أهل أحد" (٣).
стр. 613
"ثم الصحابة أصناف: مهاجرون، وأنصار، وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده.
فأفضلهم إجمالًا: المهاجرون، فمن بعدهم على الترتيب المذكور.
وأما تفصيلًا: فسُبَّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وسُبَّاق المهاجرين أفضل من سُبَّاق الأنصار، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون، فرب متأخر إسلامًا كعمر أفضل من متقدّم كبلال" (١).
التقويم:
اختلف الناس في الكلام في المفاضلة بين الصحابة ﵃:
فمنهم من أمسك عن الخوض فيها.
ومنهم من تكلم بمقتضى النصوص.
والذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة قاطبة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر ﵄ (٢) واختلفوا بعدهما في عثمان وعلي ﵄.
يقول الإمام الشافعي ﵀: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان" (٣).
قال البيهقي ﵀ بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده: "وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا" (٤).
وقال يحيى بن سعيد القطان (٥) ﵀: "من أدركت من أصحاب النبي
стр. 614
والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (١).
وجملة أقوال السلف ﵏ في المفاضلة بين عثمان وعلي ثلاثة:
الأول: تفضيل عثمان على علي، وهو قول جمهورهم (٢).
افماني: تفضيل علي على عثمان، وهو قول أكثر أهل الكوفة (٣).
ونسبة ابن حجر ﵀ القول بذلك إلى سفيان الثوري ﵀ متعقبة بكونه رجع عنه إلى قول الجمهور (٤).
الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وهو قول بعض أهل المدينة، ورواية عن الإمام مالك ﵀ (٥).
وما ذكره ابن حجر ﵀ من رجوع الإمام مالك عنها إلى قول الجمهور هو المعتمد عند المحققين من أصحابه (٦) وغيرهم (٧).
وقد استقر إجماع أهل السنة والجماعة بَعْدُ على تقديم عثمان على علي.
يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀ بعد ذكره الأقوال السابقة: "وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر،
стр. 615
وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي ﵃" (١).
ويقول الحافظ ابن الصلاح ﵀: "تقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة" (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي" (٣).
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الإجماع انعقد بأخرة بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة" (٤).
وأفضل الصحابة بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد ﵃ أجمعين -.
ثم أهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر.
ثم أهل بيعة الرضوان، على الصحيح.
ثم أهل أحد.
ثم بقية المهاجرين ثم بقية الأنصار (٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة: "ومن أصول أهل السنة والجماعة [أنهم] ... يقبلون ما جاء به الكتاب أو السنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل.
ويقدمون المهاجرين على الأنصار.
стр. 616
ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ ، بل قد رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ كالعشرة ... " (١).
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر ﵀ لأهل السنة والجماعة في القول بالمفاضلة بين الصحابة وتحقيقها.
رابعًا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم:
قرر ابن حجر ﵀ تفضيل الصحابة ﵃ على كل من جاء بعدهم جماعات وأفرادًا، ورد على من قال بخلاف ذلك، فقال: "اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة" (٢).
"وأشار بعضهم إلى أن محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه" (٣).
"فذهب أبو عمر بن عبد البر (٤) إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة ...
والجواب عنه ...
أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل.
وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة.
وأيضًا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة - رضوان الله عليهم - وفازوا به من مشاهدة طلعته ﷺ ورؤية ذاته المشرفة
стр. 617
المكرمة فأمر من وراء العقل؛ إذ لا يسع أحدًا أن يأتي من الأعمال وإن جَلَّت بما يُقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله.
ومن ثم سئل عبد الله بن المبارك، وناهيك به جلالة، وعلمًا، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة.
أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته ﷺ ورؤيته لا يعدلها شيء ...
فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفًا وخلفًا ... أن من بعدهم لو عمل ما عساه أن يعمل لا يمكنه أن يُحَصِّل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلًا أن يساويها، هذا فيمن لم يفز إلا بذلك، فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه ﷺ أو في زمنه بأمره، أو نقل شيئًا من الشريعة إلى من بعده، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، فهذا مما لا خلاف في أن أحدًا من الجائين بعده لا يدركه، وثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] ... " (١).
التقويم:
اتفق أهل العلم على أفضلية من صحب النبي ﷺ فأقام معه، أو روى عنه، أو قاتل بين يديه، أو أنفق من ماله بسببه على من بعده (٢).
واختلفوا فيمن ثبتت له الصحبة وليس له إلا مجرد رؤيته ﷺ هل يفضل كل من بعده أو يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه، على قولين:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات وأفرادًا مطلقًا (٣).
стр. 618
والثاني: مذهب ابن عبد البر (١) والقرطبي (٢) - رحمهما الله - وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات لا أفرادًا، وأنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من يفوق أحدهم.
والحق ما عليه الجمهور لتواتر الأدلة الدالة على تفضيل الصحابة على من بعدهم وإطلاقها بما يفيد عمومها في أفرادهم.
والأحاديث التي استدل بها ابن عبد البر والقرطبي - رحمهما الله - على مذهبهما لا تخرج عن ثلاثة أحوال: إما أنها ضعيفة فلا يحتج بها، أو حسنة، أو صحيحة بمجموع طرقها فهي دون الأحاديث المطلقة في الصحة.
وجملة الأجوبة عنها ثلاثة أيضًا:
أحدها: أنها لا تستلزم المساواة فإنه قد يكون في المفضول مزية لا تكون في الفاضل.
وثانيها: أن ما تدل عليه من المساواة إنما هو باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فهذا الذي يقع فيه التساوي، أما ما اختص به الصحابة من المشاهدة والسابقة فإنه لا يسع أحدًا أن يأتي بما يقاربه فضلًا عن أن يماثله.
وثالثها: أن ما تدل عليه من المساواة المقصود به ما يظهر للرائي دون ما هو حقيقة في نفس الأمر (٣).
وبكل حال فما قرره ابن حجر ﵀ في هذه المسألة مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ ولعله المشار إليه في قوله المتقدم "أشار بعضهم ... ".
يقول الحافظ ﵀: "الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.
стр. 619
والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث ...
والأحاديث المذكورة ... لا تدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد ... " (١).
خامسًا: عدالة الصحابة:
قرر ابن حجر ﵀ عدالة جميع الصحابة، وحكى إجماع أهل العلم عليها، ورد على من قصرها على من لازم النبي ﷺ ونصره منهم.
يقول في ذلك: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله عليهم في آيات من كتابه"، والنبي ﷺ في "الأحاديث الكثيرة الشهيرة ... [بما] يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه؛ لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتمد قوله، ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا، فلا يُلتفت إليهم، ولا يعول عليهم ...
وزَعْمُ المازري (٢) اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون
стр. 620
من اجتمع به يومًا أو لغرض غير موافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء.
قال شيخ الإسلام العلائي (١): "هو قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ﷺ ، ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر". انتهى" (٢).
التقويم:
العدالة في اللغة: مصدر عَدُل، يقال: عَدُل يعدِلُ عدولة وعدالة (٣).
يقول ابن فارس: "العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج.
فالأول: العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة، يقال: هذا عَدْلٌ، وهما عَدْلٌ ... وتقول: هما عَدْلان أيضًا، وهم عدول ...
والآخر: يقال في الاعوجاج، عَدَل، وانعدَل: أي: انعرج" (٤).
وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا
стр. 621
كثيرًا (١)، وأجمع ما رأيته من أقوالهم فيها قول الحافظ السيوطي ﵀ فإنه عرفها بقوله: "هي ملكة - أي: هيئة راسخة في النفس - تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة".
ثم أعقب ذلك بقوله: "وهذه أحسن عبارة في حدها" (٢).
والصحابة ﵃ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرته، وتبليغ شرعه وإعلاء كلمته، وكلهم ﵃ عدول، قد تحققت فيهم صفة العدالة، وظهر فيهم معناها على ما مرّ ذكره في تعريفها.
يقول الحافظ العلائي ﵃: "الذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃ وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لِمَا يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم - بحمد الله - فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم" (٣).
والأدلة على ذلك متظافرة:
"أحدها: ثناء الله عليهم، ومدحه إياهم، ووصفه لهم بكل جميل ...
الثاني: ثناء النبي ﷺ وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهنم خير القرون من أمته وأفضلها، وأن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل الله ...
الثالث: الإجماع على ذلك ممن يعتد به ... فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة" (٤).
وما ذكره الحافظ العلائي ﵀ من ثبوت الإجماع منقول عن جماعة من أهل العلم، منهم: الخطيب البغدادي (٥)، وابن عبد البر (٦)،
стр. 622
وابن الصلاح (١)، والنووي (٢)، وابن كثير (٣)، والعراقي (٤)(٥)، وابن حجر العسقلاني (٦)، والسخاوي (٧)، والألوسي (٨).
والعدالة الثابتة للصحابة ﵃ تعمّ جميعهم ممن لازم النبي ﷺ ونصره ومن ليس له إلا مجرد رؤيته ﷺ ، لعموم الأدلة الدالة على عدالتهم، وثبوت معنى الصحبة لجميعهم؛ ولِمَا يلزم القول بقصرها على من لازم النبي ﷺ من إخراج جملة ممن اشتهرت صحبته.
وما ذكره ابن حجر ﵀ عن المازري وما تعقبه به ونقله عن الحافظ العلائي في الرد عليه مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحم الله الجميع - (٩).
وبكل حال فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لِمَا قرره أهل السنة والجماعة وأجمعوا عليه من إثبات العدالة لجميع الصحابة ﵃.
سادسًا: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة:
قرر ابن حجر ﵀ وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة، وذكر أنهم مجتهدون فيما صدر منهم، واعترف بأن عليًّا كان أولى بالحق، ونبه على أن كثيرًا مما نقل من أخبارهم مكدوب أو ضعيف.
يقول في ذلك: "يجب الإمساك عما جرى بين الصحابة، بمعنى: أنه يجب على من تأهل إعطاء كل منهم ما يستحقه شرعًا، وغيره يلزمه اعتقاد
стр. 623
ما عليه أهل السنة فيهم تفصيلًا إن سهل وإلا إجمالًا كما هو، لا الكف عن معرفة أخبارهم وسيرهم إلا لمن خشي عليه من الاطلاع عليها أن يعتقد في بعض منهم ما لا يليق به كما هو الغالب على العوام عند سماعها ممن لا يُبَيّنُ لهم الحق عند أهل السنة من مشكلها.
فتأمله فإنه الحق الذي تشهد له القواعد، ولهذا لم يبالوا بإطلاق الوجوب الموهم.
وكلهم عدول مأجورون لكن أجر المصيب أكثر كما صحّ به الخبر" (١).
ويقول أيضًا: "ما وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من القتال مقصور على الدنيا فقط، وأما في الآخرة فكلهم مجتهدون مثابون، وإنما التفاوت بينهم في الثواب؛ إذ من اجتهد وأصاب كعلي - كرم الله وجهه (٢) - وأتباعه له أجران ... ومن اجتهد وأخطأ كمعاوية ﵃ له أجر واحد" (٣).
ويقول أيضًا: "فعلي ﵁ مجتهد مصيب، فله أجران ... ومقاتلوه كعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن تبعهم من الصحابة الكثيرين من أهل بدر وغيرهم مجتهدون غير مصيبين، فلهم أجر واحد ... " (٤).
ويقول أيضًا: "كثير مما نقل عنهم إما كذب، وإما في سنده علة أو علل ... " (٥).
التقويم:
"الإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زلاتهم، ونشرُ
стр. 624
محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] " (١).
والقول بذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة قولًا وعملًا (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير عقيدتهم: "ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
والصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم ...
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه.
فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل مغمور في جنب فضائل
стр. 625
القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله" (١).
ويقول: "وأهل السنة متفقون على عدالة القوم، ثم لهم في التّصويب والتّخطئة مذاهب لأصحابنا وغيرهم:
أحدها: أن المصيب علي فقط.
والثاني: الجميع مصيبون.
والثالث: المصيب واحد لا بعينه.
والرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا.
مع العلم بأن عليًّا وأصحابه هم أولى الطائفتين بالحق ... " (٢).
والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن عليًّا ﵁ هو أولى بالحق في قتاله مع معاوية، وفي قتاله مع عائشة وطلحة والزبير ﵃ أجمعين - (٣).
وبما سبق نقله يتبين موافقة ابن حجر ﵀ لما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة من الإمساك عما شجر بين الصحابة واعتقاد الفضل لجميعهم والحكم باجتهادهم، وموافقته لِمَا عليه جمهورهم من كون علي ﵁ أولى بالحق من فيره.
سابعًا: حكم سب الصحابة:
يرى ابن حجر ﵀ كفر من طعن في الصحابة أو سبهم إذا كان طعنه أو سبه يخالف دليلًا قطعيًا، وتبديعه وتفسيقه مع عدم ذلك.
стр. 626
يقول ﵀: "سب الصحابة والطعن فيهم إن خالف دليلًا قطعيًا كقذف عائشة ﵂ أو إنكار صحبة أبيها كان كفرًا، وان كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقًا" (١).
وقد أكثر - غفر الله له - من النقل عن أهل العلم في تقرير قوله هذا وتأييده (٢).
التقويم:
سب الصحابة ﵃ محرم بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (٣).
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] "وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا" (٤).
وقوله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]، "والطاعن عليهم همزة لمزة" (٥).
وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، "وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث ذكرت" (٦).
стр. 627
وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
ومن السُّنّة: قوله ﷺ : "الا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" (١).
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على تحريم سبهم والطعن عليهم إجماعًا قطعيًا.
يقول العلامة الألوسي ﵀: "حرمة سب الصحابة ﵃ مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان" (٢).
وسب الصحابة ﵃ ليس على مرتبة واحدة، بل له مراتب متفاوتة، فإن سبهم أنواع، فمنها سب يطعن في عدالتهم، ومنها سب لا يوجب الطعن في عدالتهم، والسب قد يكون لجميعهم أو أكثرهم، وقد يكون لبعضهم، وهذا البعض قد يكون ممن تواترت النصوص بفضله وقد لا يكون كذلك (٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرّد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.
стр. 628
وأما من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ فإنه مكذب لِمَا نصّه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ... " (١).
ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "من اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتدادهم وارتداد معظمهم عن الدين، أو اعتقد حقيّة سبهم وإباحته، أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم أو حليّته فقد كفر بالله ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم عما يوجب الفسق والارتداد وحقية السب أو إباحته، ومن كذبهما فيما ثبت قطعًا صدوره عنهما فقد كفر ...
ومن خص بعضهم بالسب:
فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله ﷺ ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا، والله أعلم.
وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله ﷺ فإن ذلك كفر" (٢).
وعليه فحكم الساب يختلف باختلاف اعتقاده، ومن سبَّه، ومتعلق سبِّه، وكلام ابن حجر ﵀ المتقدم اقتصر على بعض هذه الاعتبارات.
стр. 629
المبحث الثاني آراؤه في الإمامة
عرض ابن حجر ﵀ لبعض المسائل المتعلقة بالإمامة، وهي: تعريف الإمامة، وحكمها، وطرق انعقادها، وما يجب نحو من وليها، وإثبات إمامة الخلفاء الراشدين ﵃.
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها:
أولًا: تعريف الإمامة:
يرى ابن حجر ﵀ أن الإمامة هي: "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" (١).
التقويم:
الإِمامة في اللغة: مصدر من الفعل أمَّ، يقال: "أمَّهم وأمّ بهم: تقدَّمهم ... " (٢).
"والإمام: كل من اقتدي يه وقدم في الأمور، والنبي ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين" (٣).
وأما في الاصطلاح: فقد عرّفها أهل العلم بتعريفات عدّة، وهي وإن
стр. 630
اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني (١)، ومن أشهرها تعريفا الماوردي (٢) وابن خلدون - رحمهما الله -.
يقول الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (٣).
ويقول ابن خلدون: "الإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (٤).
وبالنظر فيما ذكراه في تعريف الإمامة يلاحظ متابعة ابن حجر ﵀ لهما في تعريفه لها.
ثانيًا: حكم الإمامة:
يرى ابن حجر ﵀ وجوب نصب الإمام، ويرد على من قال بخلافه.
يقول في ذلك: "اعلم أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ ، واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور ...
ثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع أي: من جهة التواتر والإجماع المذكور، وقال كثير بالعقل.
ووجه ذلك الوجوب: أنه ﷺ أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور،
стр. 631
وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الاسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا ...
وأما مخالفة الخوارج (١) ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها؛ لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه.
ودعوى أن في نصبه ضررًا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به، فيؤدي إلى الفتنة، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضر بالناس، وإن عُزل أدى إلى محاربته، وفيها ضرر أي ضرر، باطلة لا ينظر إليها؛ لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح، بل لا نسبة بينهما، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة، كما هو مشاهد" (٢).
التقويم:
نصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية (٣).
стр. 632
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
فالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده.
وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
فهذا الأمر من الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي: بشرعه - وخطاب الرسول ﷺ خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، ولا دليل هنا على التخصيص فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله وذلك لا يتحقق إلا بنصب الإمام.
ومن السُّنّة: قوله ﷺ : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١).
وفعله ﷺ حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى.
وأما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات (٢) من
стр. 633
الخوارج ونفر من المعتزلة (١).
يقول العلامة ابن حزم ﵀: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" (٢).
ولهذا أجمع الصحابة ﵃ على الاشتغال بها قبل دفن النبي ﷺ ، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم (٣).
ولَمّا كان الاستدلال بالإجماع على وجوب نصب الإمام أظهر من الاستدلال بغيره، اعتمد عليه غير واحد من أهل العلم، وأغفلوا ما سواه (٤)، ومنهم ابن حجر ﵀ في كلامه السابق.
وأما دلالة القواعد الشرعية:
فهي متقررة بقاعدتي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، و"رعاية الشريعة لجلب المنافع ودفع المضار".
وهي ما أشار إليه ابن حجر ﵀ في كلامه السابق في تقرير وجه القول بوجوب نصب الإمام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا
стр. 634
تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة" (١).
وبناء على ما سبق فالحق ما رجحه ابن حجر ﵀ من كون وجوب الإمامة بدلالة السمع؛ فإن العقل وإن كان يدل عليها إجمالًا، ويقضي بحسنها ابتداءً، إلا أنه لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب - كما سبق (٢).
وأما ما ذكره عن الخوارج من القول بعدم وجوب نصب الإمام ومخالفتهم لإجماع عموم الأمة القاضي بذلك، فهو متعقب بأنه قول طائفة منهم لا جميعهم وهم النجدات، وقد تابعهم عليه نفر من المعتزلة - كما سبق - (٣).
ولا ريب أن قولهم هذا خروج عن إجماع الأمة، ومفارقة لسبيل الجماعة، وما سبق ذكره كاف في الرد عليهم وبيان تهافت قولهم.
ثالثًا: طرق انعقاد الإمامة:
يرى ابن حجر ﵀ أن الإمامة تنعقد بالاستخلاف، أو البيعة، أو الغلبة.
يقول في ذلك: "تنعقد الإمامة بطرق:
أحدها: بالبيعة: كما بايع الصحابة أبا بكر - رضي الله تعالى عنهم - والأصح أن المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة ...
وثانيها: باستخلاف الإمام واحدًا بعده ولو فرعه أو أصله، ويعبر عنه بعهده إليه كما عهد أبو بكمر إلى عمر ﵄ وانعقد الإجماع على الاعتداد بذلك ...
стр. 635
وثالثها: باستيلاء جامع الشروط [يعني: المعتبرة في الإمام] بالشوكة ... وكذا فاسق وجاهل وغيرهما وإن اختلت فيه الشروط كلها في الأصح وإن عصى بما فعل حذرًا من تشتت الأمر وثوران الفتن" (١).
التقويم:
الإمامة ضربان: اختيارية وقهرية.
فالاختيارية تنعقد بطريقين:
أحدهما: البيعة: والمراد بها مبايعة أهل الحل والعقد - وهم العلماء والأمراء ووجوه الناس - من يرون فيه الكفاءة لولاية الإمامة، وبهذا الطريق تمت خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (٢).
والصحيح ما ذكره ابن حجر ﵀ من أن المعتبر بيعة جمهور أهل الحل والعقد دون اشتراطٍ لعدد معين منهم، أو إجماعهم على البيعة (٣).
وثانيهما: الاستخلاف: والمراد به استخلاف الإمام القائم وعهده بالإمامة إلى من بعده، وبهذا الطريق تمت خلافة عمر ﵁ (٤).
والصحيح ما ذكره ابن حجر ﵀ من جواز استخلاف الإمام لأحد فروعه أو أصوله (٥).
والإمامة الاختيارية بطريقيها مجمع على صحتها، وانعقاد الإمامة بها، وثبوت أحكام الإمامة لمن تمت له.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا