← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الاسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا ... وأما مخالفة الخوارج (١) ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها؛ لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه. ودعوى أن في نصبه ضررًا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به، فيؤدي إلى الفتنة، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضر بالناس، وإن عُزل أدى إلى محاربته، وفيها ضرر أي ضرر، باطلة لا ينظر إليها؛ لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح، بل لا نسبة بينهما، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة، كما هو مشاهد" (٢). التقويم: نصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية (٣).

стр. 632

فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. فهذا الأمر من الله تعالى لرسوله ﷺ بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي: بشرعه - وخطاب الرسول ﷺ خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، ولا دليل هنا على التخصيص فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله وذلك لا يتحقق إلا بنصب الإمام. ومن السُّنّة: قوله ﷺ : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١). وفعله ﷺ حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى. وأما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات (٢) من

стр. 633

الخوارج ونفر من المعتزلة (١). يقول العلامة ابن حزم ﵀: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" (٢). ولهذا أجمع الصحابة ﵃ على الاشتغال بها قبل دفن النبي ﷺ ، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم (٣). ولَمّا كان الاستدلال بالإجماع على وجوب نصب الإمام أظهر من الاستدلال بغيره، اعتمد عليه غير واحد من أهل العلم، وأغفلوا ما سواه (٤)، ومنهم ابن حجر ﵀ في كلامه السابق. وأما دلالة القواعد الشرعية: فهي متقررة بقاعدتي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، و"رعاية الشريعة لجلب المنافع ودفع المضار". وهي ما أشار إليه ابن حجر ﵀ في كلامه السابق في تقرير وجه القول بوجوب نصب الإمام. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا

стр. 634

تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة" (١). وبناء على ما سبق فالحق ما رجحه ابن حجر ﵀ من كون وجوب الإمامة بدلالة السمع؛ فإن العقل وإن كان يدل عليها إجمالًا، ويقضي بحسنها ابتداءً، إلا أنه لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب - كما سبق (٢). وأما ما ذكره عن الخوارج من القول بعدم وجوب نصب الإمام ومخالفتهم لإجماع عموم الأمة القاضي بذلك، فهو متعقب بأنه قول طائفة منهم لا جميعهم وهم النجدات، وقد تابعهم عليه نفر من المعتزلة - كما سبق - (٣). ولا ريب أن قولهم هذا خروج عن إجماع الأمة، ومفارقة لسبيل الجماعة، وما سبق ذكره كاف في الرد عليهم وبيان تهافت قولهم. ثالثًا: طرق انعقاد الإمامة: يرى ابن حجر ﵀ أن الإمامة تنعقد بالاستخلاف، أو البيعة، أو الغلبة. يقول في ذلك: "تنعقد الإمامة بطرق: أحدها: بالبيعة: كما بايع الصحابة أبا بكر - رضي الله تعالى عنهم - والأصح أن المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة ... وثانيها: باستخلاف الإمام واحدًا بعده ولو فرعه أو أصله، ويعبر عنه بعهده إليه كما عهد أبو بكمر إلى عمر ﵄ وانعقد الإجماع على الاعتداد بذلك ...

стр. 635

وثالثها: باستيلاء جامع الشروط [يعني: المعتبرة في الإمام] بالشوكة ... وكذا فاسق وجاهل وغيرهما وإن اختلت فيه الشروط كلها في الأصح وإن عصى بما فعل حذرًا من تشتت الأمر وثوران الفتن" (١). التقويم: الإمامة ضربان: اختيارية وقهرية. فالاختيارية تنعقد بطريقين: أحدهما: البيعة: والمراد بها مبايعة أهل الحل والعقد - وهم العلماء والأمراء ووجوه الناس - من يرون فيه الكفاءة لولاية الإمامة، وبهذا الطريق تمت خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (٢). والصحيح ما ذكره ابن حجر ﵀ من أن المعتبر بيعة جمهور أهل الحل والعقد دون اشتراطٍ لعدد معين منهم، أو إجماعهم على البيعة (٣). وثانيهما: الاستخلاف: والمراد به استخلاف الإمام القائم وعهده بالإمامة إلى من بعده، وبهذا الطريق تمت خلافة عمر ﵁ (٤). والصحيح ما ذكره ابن حجر ﵀ من جواز استخلاف الإمام لأحد فروعه أو أصوله (٥). والإمامة الاختيارية بطريقيها مجمع على صحتها، وانعقاد الإمامة بها، وثبوت أحكام الإمامة لمن تمت له. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا

стр. 636

يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره" (١). وخالف في ذلك المعتزلة حيث قصروا عقد الإمامة على بيعة أهل الحل والعقد فقط دون الاستخلاف (٢)، والرافضة حيث قصروا الإمامة على الاستخلاف والعهد فقط دون بيعة أهل الحل والعقد (٣). وأما القهرية: فالمراد بها قهر صاحب الشوكة وتوليه الإمامة بغير بيعة أو استخلاف (٤). وقد اختلف أهل العلم في انعقاد الإمامة بها، واتفقوا على أن صاحبها إذا غلب أعطي أحكامها (٥). يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء" (٦). وخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة فلم يعتبروا القهر والغلبة موجبة لأحكام الإمامة لمن ولي بطريقها (٧). وبما سبق تقريره يتبين صحة ما ذهب اليه ابن حجر ﵀ في هذه المسألة، وموافقته فيها لِمَا عليه أهل السنة والجماعة. رابعًا: الواجب نحو الأئمة: ١ - النصيحة لهم: يقول ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث تميم الداري ﵁ وفيه أن

стр. 637

رسول الله ﷺ قال: "الدين النصيحة ثلاثًا، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلين وعامتهم" (١). قوله: "النصيحة لأئمة المسلمين: هم الخلفاء ونوابهم؛ بطاعتهم فيما يوافق الحق كالصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم إن طلبوها أو كانوا عادلين، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء بالصلاح لهم، ومعاونتهم عليه، وتبيينه لهم، وتذكيرهم بالله وأحكامه وحكمه ومواعظه لكن برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألف قلوب الناس لطاعتهم وعدم إغرائهم بالثناء الكاذب عليهم" (٢). التقويم: دلت النصوص الشرعية على وجوب النصيحة لأئمة المسلمين وبذلها لهم، منها: قوله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" (٣). و"النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له ... وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن هذه الكلمة" (٤). وما ذكره ابن حجر ﵀ من كون النصيحة لأئمة المسلمين تتضمن أداء جملة من حقوقهم موافق لِمَا قرّره أهل العلم في معناها (٥).

стр. 638

يقول الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀: "النصيحة لأئمة المسلمين: حب طاعتهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة كلهم، وكراهية افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله" (١). ٢ - السمع والطاعة لهم: يقول ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث العرباض بن سارية ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد ... " (٢). قوله: "السمع والطاعة: جمع بينهما تأكيدًا للاعتناء بهذا المقام ومن ثم خصه بالذكر عاطفًا له على ما يشمله وغيره وهو تقوى الله تعالى فهو من عطف الخاص على العام لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه، ويصح أن يكون عطف مغاير من حيث أن أظهر مقاصد التقوى الأمور الأخروية وأظهر مقاصد هذا انتظام الأمور الدنيوية ... وانتظام الشريعة حتى توضع الولايات في غير أهلها والأمر بالطاعة حينئذ إيثار لأهون الضررين؛ إذ الصبر على ولاية من لا يجوز ولايته أهون من إثارة الفتن التي لا دواء لها ولا خلاص منها، ويرشد إلى هذا تعقيب ذلك بقوله: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... " (٣).

стр. 639

التقويم: دلّت النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقوله ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولاطاعة" (١). يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "دلّ الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يُفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل" (٢). ٣ - عدم الخروج عليهم: يقول ابن حجر ﵀: "يحرم الخروج عليه [يعني: الإمام] ولو جائرًا

стр. 640

درءًا للفتن" (١). ويقول: "الخروج على الإمام خرقه عظيم لا يتدارك؛ ولذا أجمعوا على حرمة الخروج على الخائن، وإذا كان خرقه كذلك وجب سد بابه على كل أحد ولم يسمع لأحد فيه قول، وإن بلغ من الاجتهاد ما بلغ، وهذا واضح فتعين المصير إليه فاعلمه" (٢). التقويم: دلّت النصوص الشرعية على تحريم الخروج على ولاة الأمور وأئمة المسلمين، منها: قوله ﷺ : "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يفي بذي عهدها، فَقِتْلةٌ جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميَّة يقاتل لعصبية أو يغضب لعصبية، فقتله قِتْلةٌ جاهلية" (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالأول: هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر، ويفارق الجماعة. والثاني: ... مثل الذي يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي ... والثالث: هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة، لا في سبيل الله" (٤). وما قرره ابن حجر ﵀ من لزوم النصيحة لأئمة المسلمين، ووجوب السمع والطاعة لهم ما لم يأمروا بمعصية، وتحريم الخروج عليهم ما لم يأتوا كفرًا بواحًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.

стр. 641

يقول الإمام الطحاوي ﵀ في سياق عقيدتهم: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" (١). ويقول أبو الحسن الأشعري ﵀ وهو يعدد ما أجمع عليه السلف من الأصول: "وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضى ورغبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل، وعلى أن يغزو معهم العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويصلى خلفهم الجمع والأعياد" (٢). ويقول الصابوني (٣) ﵀ في بيان عقيدة أهل الحديث: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، وبرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل" (٤). وكلام أئمة أهل السنة والجماعة في تقرير هذا الأصل كثير، وهو مبثوث في عقائدهم وكتبهم (٥).

стр. 642

خامسًا: إثبات إمامة الخلفاء الراشدين: يرى ابن حجر ﵀ أن الخلفاء الراشدين هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن ﵃ حيث يقول في شرحه لحديث العرباض بن سارية المتقدم، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". قوله: "الخلفاء الراشدين المهديين" هم: أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فالحسن- رضي الله تعالى عنهم- ... والدلائل على اتصاف أولئك الخلفاء بالرشاد -وهو ضد الضلال- والهداية لأقوم طريق وأصوبه كثيرة مشهورة ... " (١). وبين أن "استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب بلا تردد، وزَعْمُ أنه لا إجماع على خلافة علي باطل، وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى" (٢). فقال: "أحق الصحابة بالخلافة وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر ... ثم عثمان ثم علي" (٣). "وعلم مما قدمته أنه [يعني: عليًّا] الحقيق بالخلافة بعد الأئمة الثلاثة بالإجماع، ولا اكتراث ولا التفات إلى من زعم أنه لا إجماع على خلافته" (٤). وحكى إجماع الصحابة ﵃ على ذلك، فقال: "اتفق الصحابة -رضوان الله عليهم- على ترتيبها وأن من توقف في ذلك فضلًا عن أن يطعن فيه فإنما هو بمجرد خداعه وعناده" (٥). وقد أفاض ابن حجر ﵀ في وصف أحداث خلافة الخلفاء الراشدين، والرد على الطاعنين في خلافتهم تفصيلًا بما يطول ذكره (٦).

стр. 643

التقويم: وردت النصوص بأن الخلافة بعد رسول الله ﷺ ثلاثون سنة، في الحديث عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" (١). وقد نص جمع من أهل العلم في شرحه أن المراد بالخلافة فيه: خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن ﵃ (٢). فإن "خلافة أبي بكر الصديق سنتان وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصف، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر" (٣). يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين [يعني: الحسن] الحديث الذي أوردناه ... من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا"، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي" (٤). وما قرره ابن حجر ﵀ من كون استحقاقهم للخلافة على هذا الترتيب

стр. 644

بلا تردد هو ما عليه أهل السنة والجماعة (١). يقول الإمام الطحاوي ﵀ في سياق عقيدتهم: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁ ثم لعلي ﵁" (٢). ويقول الإمام ابن بطة (٣) ﵀: "ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم ... وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ... ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وهو الفاروق، ثم من بعدهما على هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان ﵁ وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين ﵁ ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ ... فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة" (٤). ويقول الإمام ابن قدامة ﵀: "وهو [يعني: أبا بكر] أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﵁ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه" (٥). وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر ﵀ لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في إثباتهم الخلافة لهؤلاء الخمسة ﵃ وقولهم باستحقاتهم لها على هذا الترتيب.

стр. 645

الفصل الثاني آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وأهميتها: المبحث الأول: آراؤه في مسائل الإيمان. المبحث الثاني: آراؤه في مسائل الكفر والتكفير. المبحث الثالث: آراؤه في مسائل البدعة.

стр. 646

تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وبيان أهميتها المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء (١). يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "هذه المسائل أعني: مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة ... وقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي (٣) -رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف" (٤).

стр. 647

وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى أهمّيّة هذه المسائل، وضرورة العناية بها، حيث قال: "اعلم أن مسائل الإيمان، والإسلام، والكفر، والنفاق، عظيمة جدًّا، فيتعين على كل أحد الاعتناء بتحقيقها ... " (١). وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها. * * *

стр. 648

المبحث الأول آراؤه في مسائل الإيمان عرض ابن حجر -غفر الله له- لجملة من المسائل المتعلقة بالإيمان، وذكر فيها رأيه، وهي: تعريف الإيمان، وزيادته ونقصانه، وحكم الاستثناء فيه، وهل هو مخلوق أم لا؟ ، والفرق بينه وبين الإسلام، وتعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها. وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها: أولًا: تعريف الإيمان: عرف ابن حجر -عفا الله عنه- الإيمان، وبيّن معناه في اللغة والشرع. فقال: "الإيمان هو لغة: مطلق التصديق من آمن بوزن أَفْعَلَ لا فَاعَلَ وإلا لجاء مصدره فَعالًا وهمزته للتعدية كان المصدق جعل الغير آمنًا من تكذيبه أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره، ويضمن معنى اعترف وأقر فيعدى بالباء، وأذعن وقَبِلَ فيعدى باللام نحو: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وشرعًا: التصديق بالقلب فقط أي: قبوله وإذعانه لِمَا علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ " (١). وقال: "الإيمان: التصديق مما علم من الدين ضرورة إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلًا في التفصيلي ...

стр. 649

وشرط خروج القادر عن عهدة التكليف به تلفظه وإلا خلد في النار بإجماع أهل السنة قاله الإمام النووي (١)، لكن مال جمع محققون إلى نجاته نظرًا لإيمان قلبه، والنطق بهما الإسلام، وطاعة الجوارح غير داخلة بل هي شرط لكمال الإيمان، وشرط الخروج عن عهدة اللزوم به الإيمان فلا يعتد بأحدهما بدون الآخر" (٢). وقال: "الإيمان: التصديق، الإجمالي في الإجمالي، والتفصيلي في التفصيلي ... ولا يكفي التصديق وحده بل لا بد معه من الإقرار بالشهادتين باللسان، فإن تركه مع القدرة عليه كان كافرًا مخلدًا في النار كما نقله النووي عن أهل السنة، لكن أشار الغزالي (٣) -رحمه الله تعالى- إلى ما اختاره جمع محققون غيره أنه من أهل الجنة، وتركه التلفظ به معصية فقط؛ لأن قلبه مملوء بالتصديق فكيف يخلد، والكلام فيمن يمتنع منه جحود أو إنكارٌ وإلا كان كافرًا إجماعًا. والأعمال من الإيمان عندنا -كأكثر المحدثين- أي: من كماله، فالميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة ... " (٤). التقويم: الإيمان في اللغة: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (٥)، وهو بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين: أحدهما: الإخبار.

стр. 650

وثانيهما: الالتزام. والتصديق إنما يتضمن الأول دون الثانى، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعًا (١). ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد" (٢). وبناء على ذلك فما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من كون الإيمان في اللغة هو مطلق التصديق مردود. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس ... وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظًا ومعنى. فأما اللفظ، فمن وجهين: أحدهما: أنه يقال: صدقه، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له ... كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ. والفرق الثاني: ... أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق؛ فإنه عام متناول لجميع الأخبار. وأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمأن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب ريبة؛ فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:

стр. 651

أحدهما: الإخبار ... والثاني: إنشاء الالتزام ... وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد" (١). وقول ابن حجر -عفا الله عنه- بأن الإيمان في اللغة يضمن معنى الاعتراف والإقرار والإذعان والقبول متعقب بكون معنى الإيمان المطابق له في اللغة هو الإقرار -كما تقدم- لا أنه ضمن معناه، وقوله بذلك إقرار ضمني بقصور لفظ التصديق عن لفظ الإيمان. وأما الإيمان في الشرع: فهو حقيقة مركبة من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وقوله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لأالبقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. ومن السُّنَّة: قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة

стр. 652

من الايمان" (١). "فهذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن" (٢)، وقد عني جمع من أهل العلم بعدها وفقًا لذلك (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل. يقول الإمام الشافعي ﵀: "كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" (٤). وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح (٥) (٦) وأبو عبيد القاسم بن سلام (٧)، والبخاري (٨)، والبغوي (٩)، وابن عبد البر (١٠) -رحم الله الجميع-. والقول بمقتضى ذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة (١١)، وإن

стр. 653

اختلفت عباراتهم في التعبير عنه إجمالًا وتفصيلًا (١). وقد خالف أهلَ السنة والجماعة في ذلك عامةُ الطوائف والفرق (٢)، ومنهم الأشاعرة فإنهم اتفقوا على أن الإيمان هو تصديق القلب، وأن أعمال الجوارح غير داخلة في مسماه، واختلفوا في إقرار اللسان على قولين -حكاهما ابن حجر في كلامه المتقدم- يقول الباجوري في بيان ذلك. وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق (٣) والذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأما إقرار اللسان وعمل الجوارح فهي خارجة عن مسماه (٤)، وهو ظاهر كلام ابن حجر المتقدم -غفر الله له-. والقول بذلك باطل، والرد عليه من طريقين: أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال: أولًا: أن الإيمان في اللغة ليس هو مجرد التصديق -كما سبق- بل هو الإقرار، والإقرار -كما تقدم- يتضمن الإخبار والالتزام. ثانيًا: أن الإيمان لو فرض أنه في اللغة مجرد التصديق فإن الأعمال داخلة في مسماه، وذلك من وجهين: ١ - أن التصديق يكون بالأعمال أيضًا، ودليل ذلك قوله ﷺ : "العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن تزني، وزناها السمع" إلى أن قال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (٥).

стр. 654

٢ - أن يكون المراد به تصديقًا خاصًا دل عليه الشرع، وهو تصديق يتضمن الاعتقاد والقول والعمل جميعًا (١). ثالثًا: أن الإيمان لو كان هو مجرد التصديق، فإن التصديق يلزم منه ضرورة تحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال والأعمال (٢). رابعًا: أن قول ابن حجر بأن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي يناقض قوله بزيادة الإيمان ونقصانه؛ إذ التصديق غير قابل لهما -كما سيأتي-. خامسًا: أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: ١ - أن من لم ينطق بالشهادتين وهو مصدق بقلبه كأبي طالب وبعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى يكون مؤمنًا، وهؤلاء متفق على كفرهم (٣). ٢ - أن من صدق بقلبه ولم يعمل بجوارحه فلم يصل ولم يصم ولم يزك مؤمن، لبقاء أصل التصديق بقلبه، وهذا باطل (٤). ٣ - أن من صدق بقلبه ثم أتى ناقضًا من نواقض الإسلام القولية أو العملية فإنه لا يكفر، بل يكون مؤمنًا لبقاء أصل التصديق في قلبه (٥)، وهو من أفسد اللوازم من جهة، ومناقض لِمَا قرره ابن حجر في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام من جهة أخرى. والآخر: المعارضة: بما تقدم من الأدلة الدالة على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل. ثانيًا: زيادة الإيمان ونقصانه: ذكر ابن حجر -غفر الله له- اختلاف الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصانه، وأقوالهم في ذلك، فقال:

стр. 655

"الزيادة والنقص: أنكرهما أبو حنيفة وأتباعه (١) واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين (٢) وآخرون ... وأثبتهما جمهور الأشاعرة ... " (٣). وبيّن في موضع آخر رأيه في المسألة فقال بأن الإيمان "يزيد وينقص قوة ومتعلقًا" (٤). التقويم: تواترت نصوص الوحيين في الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وقال : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وفي الحديث: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" (٥). وكل دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصه والعكس بالعكس، إذ ما قبل الزيادة قبل النقصان (٦).

стр. 656

والقول بمقتضى ذلك هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة (١)، وانعقد عليه إجماعهم (٢). يقول الإمام البخاري ﵀: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٣). وقد اضطرب الأشاعرة في هذه المسألة وتعددت فيها أقوالهم، وذلك مبني على تعريفهم الإيمان بأنه مجرد التصديق وإجماعهم على عدم دخول الأعمال في مسماه. فقال بعضهم: بأن التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، ومن ثم منعوا ذلك في الإيمان. وقال آخرون: التصديق يزيد بكثرة الدلائل ولا ينقص لأن نقصه شك، ومن ثم قالوا بزيادة الإيمان دون نقصه. وقال جمهورهم: الإيمان يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان في تقريره: أحدهما: القول بأن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمراته، فالزيادة والنقصان فيه ليست بحسب ذاته ولكن بحسب متعلقه.

стр. 657

ثانيهما: القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بزيادة الإيمان ونقصانه بحسب الذات الذي هو التصديق وذلك بكثرة النظر وتظافر الأدلة ووضوحها، وبحسب المتعلق الذي هو أفراد ما جاء به الرسول ﷺ ، وكل ما قبل الزيادة قبل النقص (١). وهذا القول هو ما اختاره ابن حجر -غفر الله له- وعبّر عنه في كلامه المتقدم بقوله "يزيد وينقص قوة ومتعلقًا"، وهو متعقب بما يلي: أولًا: أن قوله هذا مبني على قوله في تعريف الإيمان وأنه مجرد التصديق، وهو باطل -كما سبق- وما بني على باطل فهو كذلك. ثانيًا: أن قوله هذا يقصر الزيادة والنقصان على تصديق القلب، والحق أن الزيادة والنقصان تدخل الاعتقاد والقول والعمل (٢). ثالثًا: أن النصوص الدالة على الزيادة والنقصان في الإيمان بعمل الجوارح أكثر من غيرها (٣). ثالثًا: حكم الاستثناء في الإيمان: ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في حكم الاستثناء في الإيمان، وحرر محل نزاعهم، ورجح ما رآه من أقوالهم، حيث قال: "منع جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه قول أنا مؤمن إن شاء الله، وإنما يقال: أنا مؤمن حقًّا. وأجازه آخرون، وقال السبكي (٤): وهم أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية والكلابية ...

стр. 658

وليس الخلاف فيمن يأتي بإذن شاء الله شاكًا في ثبوت الإيمان له حالًا؛ لأنه كافر بل هو فيمن هو جازم به حالًا غير أن بقاءه على الموت عليه غير معلوم له. ووجه جوازه: أنه ليس القصد بالاستثناء فيه إلا التبرك، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فإنه يَعم طلب الاستثناء حتى في قطعي الحصول، وقد صرح به فيه، في ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أن خبره تعالى قطعي الصدق تعليمًا وتأديبًا لعباده في صرف الأمور كلها إلى مشيئته ... وأن المعتبر في النجاة هو الموت على الإيمان، وهذا غير معلوم وهو أمر مستقبل فصح ربطه بها لا تعليقًا بل تبركًا واتباعًا وخوفًا من سوء الخاتمة. وأما توجيه منعه بأن تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق فربما اعتادت نفسه التردد في الإيمان لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره. فجوابه: أنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها، وأيضًا إشعار اللفظ بما مرّ إنما هو بالنظر للتعليق وليس الكلام فيه؛ إذ الغرض أنه إنما قصد التبرك لِمَا مرّ، على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقًا ولا تبركًا فالذي يظهر أنه لا إثم عليه أيضًا؛ لأن الغرض أنه جازم بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن أحواله" (١). التقويم: المراد بالاستثناء في الايمان: قول الرجل مجيبًا لمن سأله: أمؤمن أنت؟ إن شاء الله، ونحوها من العبارات التي تشعر بعدم القطع (٢).

стр. 659

وهذه المسألة إنما حدث الخوض فيها بسبب الإرجاء الذي ظهر في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا عد السلف سؤال الرجل عن إيمانه بدعة، وفصلوا في جوابه (١). يقول الإمام الأوزاعي ﵀ لمن سأله عن الرجل يسأل غيره أمؤمن أنت؟ : "إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث" (٢). هذا، وجملة أقوال الناس في هذه المسألة ثلاثة: أحدها: القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، وهو قول الجهمية (٣)، والمرجئة (٤)، والماتريدية (٥)، وبعض الأشاعرة (٦). قالوا: لأن الإيمان شيء واحد يعلمه الإنسان من نفسه، ومن استثنى فقد شك، والشك في الإيمان كفر (٧). وثانيها: القول بوجوب الاستثناء في الإيمان، وهو قول الكلابية (٨)، وجمهور الأشاعرة (٩). قالوا: لأن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به، وإنما العبرة بالموافاة (١٠).

стр. 660

وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة (١). قالوا: والمعتبر في ذلك إرادة المستثني وما قام بقلبه. فإن أراد باستثنائه الشك في إيمانه، مُنع من الاستثناء بغير خلاف. وإن أراد باستثنائه عدم تحصيله الإيمان المطلق، أو خوفًا من تزكية نفسه، جاز له الاستثناء (٢). يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "الاستثناء في الإيمان ... الناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال" (٣). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ في هذه المسألة موافق لقول أهل السنة والجماعة، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي: ١ - عزوه ذلك إلى المتكلمين من الكلابية والأشاعرة، والصواب أنه قول لبعضهم؛ إذ جمهورهم على القول بوجوبه -كما سبق-. ٢ - تعليله ذلك بالتبرك والموافاة، وهذا التعليل فيه نظر. فأما الاستثناء باعتبار التبرك فهو متعقب بأن الأصل في الاستثناء أن يكون للمستقبل دون الماضي أو الحاضر، والمخبر بقوله أنا مؤمن إن شاء الله يريد الماضي والحاضر لا المستقبل، والاستثناء فيها بقصد التبرك يلزم منه طرده في كل خبر، وهو لا يعرف عن السلف. وأما الاستثناء باعتبار الموافاة فهو متعقب بأن القول بذلك لم يعرف عن أحد من السلف ﵏. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما مذهب السلف أصحاب

стр. 661

الحديث ... فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لِمَا يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم ... وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث" (١). رابعًا: هل الإيمان مخلوق أم لا ؟ ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في خلق الإيمان وعدمه، ورجح ما رآه منها، حيث قال: "قال جمع من الحنفية: الإيمان مخلوق، وكلام أبي حنيفة صريح فيه. وقال آخرون منهم: غير مخلوق. وهما متفقان على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله سبحاته وتعالي، وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لِمَا يلزم عليه من خلق كلامه ... والقول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجَّهه بأن الإيمان حينئذ ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا تعالى الله أن يقوم به حادث، بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية. وبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة، لأنه إن أريد بالإيمان المكلف

стр. 662

به فهو مخلوق قطعًا، أو ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعًا" (١). التقويم: القول في خلق الإيمان وعدمه "من مسائل الفضول، والسكوت أولى" (٢). وقد ورد عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "من قال مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع، وأنه يهجر حتى يرجع" (٣). وأصل هذه المقالة ترجع إلى القول باللفظ في القرآن، فقد نهى الإمام أحمد ﵀ عن قول إنه مخلوق أو غير مخلوق، وذلك لأن (اللفظ) كلمة مجملة تشترك بين الملفوظ الذي هو القرآن وهو غير مخلوق، وبين التلفظ الذي هو فعل العبد وهو مخلوق (٤). و (الإيمان) من هذا الباب، فإنه لفظ مجمل مشترك، يشترك فيه صفات الله وكلامه، وفعل العبد وكلامه. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله: "لا إله إلا الله" وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه المؤمن؟ فهو غير مخلوق. أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المُحدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول. فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل:

стр. 663

أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب" (١). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفصيل في هذه المسألة موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في الجملة، إلا أنه يؤخذ عليه أمران: أحدهما: حكايته عن الأشعري نسبته القول بعدم خلق الإيمان للإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث، وهي متعقبة بما يلي: ١ - أن الذي ذكره الأشعري ﵀ في حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة من المقالات خلاف ما نقله عنه ابن حجر حيث قال: "ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق" (٢). وقد تتبعت ما طبع من كتب الأشعري ﵀ فلم أجد في شيء منها ما نقله ابن حجر عنه. ولو صح ما ذكره ابن حجر ﵀ عن الأشعري فهو من جملة ما حكاه عن أصحاب الحديث وهو متعقب فيه، فإنه -غفر الله له- لم يكن خبيرًا بأقوالهم ومذاهبهم (٣). ٢ - أن الذي عليه جماهير أهل الحديث التفصيل في خلق الإيمان وعدمه -كما تقدم- لا القول بعدم خلقه. يقول الإمام الذهبي ﵀: "الذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق،

стр. 664

وقولنا: لا إله إلا الله فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضًا من أعمالنا، وأما ماهية الكلمة الملفوظة فهي غير مخلوقة لأنها من القرآن" (١). ٣ - أن الثابت عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ القول بالتفصيل المتقدم أيضًا، لا القول بعدم خلقه. فقد سئل ﵀ عن الإيمان مخلوق أم لا؟ فقال: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق" (٢). ثانيهما: تقريره في توجيه ما ذهب إليه الإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث فيما حكاه الأشعري أن كلام الله قديم، وأن الله منزه عن قيام الحوادث به، وأن صفات الله الفعلية حادثة، وقد تقدم بيان ما في ذلك من الإجمال والرد عليه بما يغني عن تكراره (٣). خامسًا: الفرق بين الإيمان والإسلام: يرى ابن حجر ﵀ التفريق بين الإيمان والإسلام، حيث قال: "الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان فلا يوجد شرعًا إيمان من غير إسلام ولا عكسه ... إذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدل على تغايرهما ... كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية [لحجرات: ١٤] فهو باعتبار أصل مفهومهما. وحيث ورد ما يدل على اتحادهما كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ الاية [الذاريات: ٣٥] فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما. من هنا قال كثيرون: إنهما على وزان الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرًا ...

стр. 665

وحيث فسرنا الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لِمَا مرّ أنه تصديق بأمور مخصوصة ... " (١). التقويم: اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد، أم معان متغايرة؟ والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة على قولين: أحدهما: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، وممن قال بهذا القول: البخاري (٢)، ومحمد بن نصر (٣)، وابن مندة (٤)، وابن عبد البر (٥) -رحم الله الجميع-. وثانيهما: أن الإيمان والإسلام مفترقان، وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٦)، واختاره الخلال (٧) (٨)، وابن بطة (٩)، والخطابي (١٠)، واللالكائي (١١) (١٢)، وأبو يعلى (١٣)، وأبو القاسم

стр. 666

الأصبهاني (١) (٢)، والبغوي (٣)، وابن الصلاح (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن كثير (٦)، وابن رجب (٧) -رحم الله الجميع-. والقول بذلك هو القول الذي تعضده الأدلة، وتدل عليه، ومنها: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وحديث سعد بن أبي وقاص حين أعطى النبي ﷺ رهطًا وترك رجلًا هو أعجبهم إلى سعد فقال سعد: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ إني لأراه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا" (٨). وحديث جبريل ﵇ حين سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان ففرق بينهما (٩). واختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما. وأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد

стр. 667

عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان. ففي حديث وفد عبد القيس قال ﷺ : "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ... " الحديث (١). وفي حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: أي الإسلام أفضل؟ قال ﷺ : "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" (٢). يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة" (٣). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفريق بين الإيمان والإسلام، ونقله عن الكثيرين في تحديد وجهه موافق لقول جمهور أهل العلم. إلا أنه يؤخذ عليه أنه جعل تفسير الإيمان بالأعمال من إطلاقه على بعض متعلقاته لا من إطلاق بعضه على كله، وذلك مبني على قوله بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الأعمال غير داخلة في مسماه، وقد تقدم الرد عليه (٤).

стр. 668

سادسًا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها: ١ - تعريف الكبيرة: ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه (١). ورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: "الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا. فقيل: هي ما فيه حد. وقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها" (٢). وقال: "الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة" (٣). ورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال: "اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه" (٤). وقال: "للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد" (٥). التقويم: الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة. يقول ابن فارس: "الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر" (٦). وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:

стр. 669

أحدهما: العظمة. وثانيهما: الإثم الكبير (١). وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين (٢). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة" (٣). وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين: أحدهما: تعريفها بالعد. وثانيهما: تعريفها بالحد. فمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها. ومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها (٤). وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى. وهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين

стр. 670

من أهل العلم (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: "أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة ... وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر ... وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه: أحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي. الثاني: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر. وكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه. الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله
следующие страницы →