← Акыда

Акыда · id 151200

آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف)

محمد بن عبد العزيز الشايع

Полный текст (775 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الأصبهاني (١) (٢)، والبغوي (٣)، وابن الصلاح (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن كثير (٦)، وابن رجب (٧) -رحم الله الجميع-. والقول بذلك هو القول الذي تعضده الأدلة، وتدل عليه، ومنها: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وحديث سعد بن أبي وقاص حين أعطى النبي ﷺ رهطًا وترك رجلًا هو أعجبهم إلى سعد فقال سعد: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ إني لأراه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا" (٨). وحديث جبريل ﵇ حين سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان ففرق بينهما (٩). واختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما. وأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد

стр. 667

عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان. ففي حديث وفد عبد القيس قال ﷺ : "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ... " الحديث (١). وفي حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: أي الإسلام أفضل؟ قال ﷺ : "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" (٢). يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة" (٣). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من التفريق بين الإيمان والإسلام، ونقله عن الكثيرين في تحديد وجهه موافق لقول جمهور أهل العلم. إلا أنه يؤخذ عليه أنه جعل تفسير الإيمان بالأعمال من إطلاقه على بعض متعلقاته لا من إطلاق بعضه على كله، وذلك مبني على قوله بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الأعمال غير داخلة في مسماه، وقد تقدم الرد عليه (٤).

стр. 668

سادسًا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها: ١ - تعريف الكبيرة: ساق ابن حجر ﵀ أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه (١). ورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: "الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا. فقيل: هي ما فيه حد. وقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها" (٢). وقال: "الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة" (٣). ورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال: "اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه" (٤). وقال: "للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد" (٥). التقويم: الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة. يقول ابن فارس: "الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر" (٦). وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:

стр. 669

أحدهما: العظمة. وثانيهما: الإثم الكبير (١). وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين (٢). يقول العلامة ابن القيم ﵀: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة" (٣). وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين: أحدهما: تعريفها بالعد. وثانيهما: تعريفها بالحد. فمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها. ومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها (٤). وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى. وهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين

стр. 670

من أهل العلم (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: "أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة ... وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر ... وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه: أحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي. الثاني: أن الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر. وكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه. الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله

стр. 671

ورسوله بل هو قول ورأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر؛ لأن تلك الصفات لا دليل عليها ... الخامس: أن تلك الأقوال فاسدة ... " (١). وبما تقدم يظهر من كلام ابن حجر ﵀ في هذه المسألة أنه يرى أن الكبيرة يمكن تعريفها بالحد، ولكن تعريفها به لا يخلو من اعتراض وتعقب؛ ولهذا فالأولى عنده تعريفها بالعد ويؤيد ذلك اعتباره حدها في سياقه للكبائر، وبيانه لبعض حدودها في كلامه السابق. وعليه فلا تعارض في كلامه بين ترجيح تعريفها بالعد وتعريفه لها ببعض الحدود. وقوله بهذا كافٍ في ردّ ما أورده من حدود الكبيرة، ومغنٍ عن ذكر الاعتراضات الواردة عليها. ٢ - حكم مرتكب الكبيرة: يرى ابن حجر ﵀ أن مرتكب الكبيرة إذا مات على الإيمان فإنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، خلافًا للخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى. يقول في ذلك: "الحق ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن الميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة فإن شاء تعالى عذبه كما يريد ثم مآله إلى أن يعفو عنه فيخرجه من النار ... وإن شاء الله تعالى عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخل الجنة مع الناجين. وأما قول الخوارج إن مرتكب الكبيرة كافر، وقول المعتزلة إنه مخلد

стр. 672

في النار حتمًا وأنه لا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع فهو من تقولهم وافترائهم على الله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا ... وأما قول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهو من افترائهم أيضًا على الله تعالى، وما ورد مما قد يؤيده لم يُرَد به ظاهره بدليل نصوص أخر قاطع برهانها واضح بيانها ... " (١). التقويم: اختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين: الأولى: اسمه. والثانية: حكمه. فذهب الخوارج (٢) والمعتزلة (٣) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها. فقالت الخوارج: هو كافر، واختلفوا في كفره هل هو كفر شرك أو كفر نعمة؟ فمن قال بأن كفره كفر شرك قال: تجرى عليه أحكام الكفار في الدنيا. ومن قال منهم بأن كفره كفر نعمة قال: تجرى عليه أحكام المسلمين في الدنيا (٤). وقالت المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الإيمان

стр. 673

والكفر، وحكمه في الدنيا حكم باقي المسلمين (١). وذهب المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا وإن زنى وسرق وقتل، وقال المرجئة الخالصة منهم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (٢). وتوسط أهل السنة والجماعة وهم الوسط الخيار، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (٣). يقول الإمام الصابوني ﵀: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقبًا على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (٤). وقد نقل إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك غير واحد من أهل العلم (٥). وعليه فما رجحه ابن حجر ﵀ في هذه المسألة وحكاه عن أهل السنة والجماعة من القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن لإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، وتبريهم من قولي الوعيدية والمرجئة موافق لِمَا قرروه.

стр. 674

المبحث الثاني آراؤه في مسائل الكفر والتكفير عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالكفر والتكفير، ومنها: تعريف الكفر، والتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وبيان موانعه، وحكم اعتبار المقاصد واللوازم فيه (١). أولًا: تعريف الكفر: عرف ابن حجر ﵀ الكفر الذي هو بمعنى الردة بأنه قطع الإسلام، وبين أنه يكون بالنية والقول والفعل، حيث قال: "كفر المسلم أي: قطعه للإسلام. إما أن يكون بنية بالقلب حالًا أو مآلًا ... أو تعمّد فعل ... أو تعمّد قول. باعتقاد لذلك الفعل أو القول أي معه، أو مع عناد من الفاعل أو القائل، أو مع استهزاء أي استخفاف منهما ظاهر" (٢). وقال أيضًا: "ويحصل [أي: الكفر] باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يظهره، وظاهرًا إما بفعل كالسجود لمخلوق، أو ذبح على اسمه تقربًا إليه، وطرح نحو قرآن أو حديث أو علم شرعي على مستقذر ولو طاهرًا كبزاق، وطرح المستقذر عليه، وطرح فتوى علم على الأرض مع

стр. 675

قوله أي شيء هذا الشرع، وإما بقول مع اعتقاد أو عناد أو استهزاء ... وإذا حكمنا بردته بواحد من هذه المذكورات ونحوها حكمنا بها باطنًا وإن كان مصدقًا بقلبه؛ لأن ملحظ الإكفار بها دلالتها إما على عدم الانقياد الباطني وإما على تكذيب الشرع وكلاهما كفر وإن وجد في القلب تصديق كما مرّ ذلك مستوفى في بحث الإيمان" (١). التقويم: الكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا (٢). يقول ابن فارس: "الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية ... والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق" (٣). وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين" (٥). ولَمّا كان الناس مختلفين في حقيقة الإيمان، اختلفوا في حقيقة الكفر على نحو اختلافهم فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا: "والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق متعددة: فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك.

стр. 676

ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا. ومنهم من لا يحد بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لِمَا جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى ... " (١). ولهذا فتأسيسًا على ما سبق من كون الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، وكونه عند جمهور الأشاعرة مجرد تصديق القلب. قال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعًا، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلًا عليهما (٢). وقال جمهور الأشاعرة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل؛ إلا أن وقوع الكفر بالقول والعمل لكونهما دليلًا على التكذيب أو عدم الانقياد وعلامة عليهما، لا لأنهما كفر بمجردهما (٣)، وهو ما قرره ابن حجر -عفا الله عنه- في كلامه المتقدم. والقول بذلك ظاهر البطلان، والرد عليه من طريقين: أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال: أولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق وهو باطل -كما سبق- (٤) فما هو فرع له كذلك.

стр. 677

ثانيًا: أن القول بذلك يستلزم لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، منها: ١ - أن لا يكون للقول والعمل المكفر أثر في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر في التكفير على الحقيقة هو الاعتقاد، والاعتقاد بمجرده مكفر سواء صاحبه القول والعمل أو لم يصاحباه؛ وعليه فلا معنى لوقوع الكفر بهما (١). ٢ - أن لا يكون شيء من الأقوال والأعمال كفرًا إلا مع الاعتقاد، والاعتقاد من السرائر المحجوبة؛ وعليه فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص خاص (٢). ٣ - أن لا يكفر من قال قولًا كفريًا أو عمل عملًا كفريًا وزعم أن قوله لذلك أو فعله له ليس اعتقادًا وإنما غيظًا أو سفهًا أو عبثًا أو لعبًا (٣). ثالثًا: أن القول بذلك يؤدي إلى التساهل في الأقوال والأعمال الكفرية بدعوى عدم اعتقاد ما دلت عليه، وتعطيل الحكم بالكفر على من يستحقه بزعمه عدم اعتقاده (٤). ثانيهما: المعارضة: بما دلت عليه النصوص المتكاثرة من إطلاق الكفر على بعض الأقوال والأعمال، ووصف المقارف لها بالكفر. ثانيًا: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به: حذر ابن حجر ﵀ من التكفير بغير حق، وبين أن من قال لأخيه: يا كافر دائر بين الوقوع في الكفر والوقوع في الكبيرة، حيث قال: "قول إنسان لمسلم: يا كافر أو يا عدو الله ... إما كفر بأن يسمى المسلم كافرًا أو عدو الله من جهة وصفه بالإسلام، فيكون قد سمى الإسلام كفرًا ومقتضيًا لعداوة الله وهذا كفر.

стр. 678

وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه وهذا من أمارات الكبيرة" (١). وبين ابن حجر ﵀ ضرورة احتياط المفتي والحاكم في الحكم بالكفر، حيث قال: "ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا" (٢). التقويم: الكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم (٣). ولهذا وردت النصوص بالتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤]. وفي الحديث: "من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه" (٤). وقد اختلف أهل العلم في المراد بالحديث، وحكم من تلفظ بإحدى هاتين اللفظتين على أقوال كثيرة (٥).

стр. 679

يقول الحافظ ص ابن حجر العسقلاني ﵀: "التحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصى بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة. وأرجح الجميع أن يقال: من قال ذلك لمن لا يعرف منه إلا الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك .. فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه؛ لكونه كفّر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام" (١). وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (٢). "ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله" (٣). وبما سبق يتضح صحة ما قرره ابن حجر ﵀ من خطورة التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وحكم من قال لأخيه: يا كافر أو يا عدو الله.

стр. 680

ثالثًا: موانع التكفير: يرى ابن حجر ﵀ أن الحكم بالكفر على من تلبس به يمنع منه موانع عدة هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه. وقد قرر ذلك في مواضع متعددة من كتبه، منها: قوله: "إطلاق الكفر ... مع الجهل وعدم العذر به بعيد، وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر لجهله، فيعرّف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر" (١). وقوله: "ويعذر أيضًا فيما يظهر بدعوى سبق اللسان بالنسبة لدرء القتل عنه ... وذلك حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة" (٢). وقوله: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة ... ببدعة لشبهة تأويلهم إلا إذا انضم إليها مكفر صريحًا لا لزومًا" (٣). وقوله: "ولا تصح ردة ... مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية" (٤). التقويم: لَمّا كان الحكم بالكفر يلزم منه لوازم عدة، ويبنى عليه أحكام كثيرة؛ ذكر أهل العلم ما يمنع منه، ويقدح في الحكم به، وبحثوا في ضوابط كل منها، وجملتها أربعة، هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه. وليس المقصود هنا بحث هذه الموانع ومناقشة الأقوال الواردة فيها وإنما المقصود بيان موافقة ابن حجر ﵀ فيما قرره من الإعذار بها لقول أهل السنة والجماعة أو مخالفته لهم.

стр. 681

فأولها: الجهل: والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر بسبب عدم العلم. وقد اختلف أهل العلم في الإعذار به على ثلاثة أقوال: الأول: الإعذار به مطلقًا. الثاني: عدم الإعذار به مطلقًا. الثالث: التفضيل فمن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا بغير دار الإسلام، أو ببادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم عذر بجهله، ومن كان بخلاف ذلك فلا يعذر، ومحله المسائل الخفية لا الظاهرة (١). والقول الثالث هو بمعنى ما قرره ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، وهو الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأدلته مبسوطة في مواضعها من كتبهم (٢). ثانيها: الخطأ: والمراد به هنا أحد أمرين: الأول: الخطأ الناشئ عن اجتهاد، فهذا بمعنى التأويل وحكمه حكمه -وسيأتي-. الثاني: الخطأ الناشئ عن غير قصد كسبق اللسان ونحوه، فهذا اتفق أهل العلم على الإعذار به مطلقًا (٣)، وهو الذي عناه ابن حجر ﵀ في كلامه المتقدم، ويدل لذلك قوله : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ

стр. 682

وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله ﷺ : "الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (١). ثالثها: التأويل: والمقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك أو تعمد المخالفة بسبب القصور في فهم الأدلة الشرعية. "والمتأولون من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًّا والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة ﵃ والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك" (٢). وضابط التأويل المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من الكفر ما كان تأويلًا سائغًا بخلاف ما هو دون ذلك، وهذا يختلف باختلاف ظهور المسائل، وصراحة أدلتها، وقوة التأويل فيها، وورود الشبهة عليها، وسلامة قصد المتأول، وامتلاكه آلة النظر (٣). يقول العلامة ابن سعدي ﵀: "والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من

стр. 683

اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها" (١). وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة من المسائل التي يعذر بالتأويل فيها فيقاس عليها نحوها (٢). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالتأويل والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالتأويل المقبول أو السائغ. رابعها: الإكراه: والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد له بسبب الإلزام به. ولا خلاف بين أهل العلم في أن أعمال القلوب ليست محلًا للإكراه؛ ولهذا أصبحت سلامتها شرطًا لصحة الإعذار به في قوله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] وأن محل الإكراه أعمال الجوارح من الأقوال والأعمال. واختلفوا في الإعذار بالإكراه فيهما هل هو خاص بالأقوال دون الأعمال أم هو عام فيهما، والصحيح ما عليه الجمهور من القول بالعموم؛ لعموم الأدلة، ويستثنى من ذلك القتل للإجماع على عدم الإعذار بالإكراه فيه، والزنى على خلاف (٣). وضابط الإكراه المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من التكفير ما استجمع شروطًا أربعة:

стр. 684

١ - أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما أوعد به. ٢ - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع عن نفسه. ٣ - أن يغلب على الظن وقوع الوعيد بترك ما أكره عليه. ٤ - أن يكون الإكراه ملجأ يلحق المكرَه بسببه ضررٌ كثيرٌ لا يسيرٌ (١). وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من الإعذار بالإكراه والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه أيضًا إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالإكراه المعتبر الذي يستجمع الشروط السابقة. رابعًا: اعتبار المقاصد في التكفير: يرى ابن حجر ﵀ أن المعتبر في الحكم بالكفر هو الظاهر دون الباطن، حيث يقول: "المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله" (٢). التقويم: الحكم بالكفر يتناول الظاهر والباطن للتلازم بينهما، وهو فرع عن القول بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (٣). ولهذا فإن الاعتقادات والأقوال والأعمال الكفرية من حيث هي قسمان (٤): الأول: ما لا يحتمل إلا الكفر. كسب الله تعالى ورسوله ﷺ ودينه، وإهانة المصحف ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال لا تحتمل إلا الكفر فلا ينظر إلى قصد من عملها ولا إلى نيته ولا إلى قرائن أحواله.

стр. 685

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (١). ويقول: "لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول" (٢). والحكم بالكفر هنا إنما هو للفعل لا للفاعل، إذ لا يلزم من الحكم بكفر الفعل تكفير الفاعل؛ لكون تكفيره يتوقف على وجود الشروط وانتقاء الموانع. والثاني: ما يحتمل الكفر وعدمه: كالسجود لغير الله، وإفشاء سر المسلمين لعدوهم ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال تحتمل الكفر وعدمه، فالمعتبر فيها قصد من عملها ونيته وقرائن أحواله. فالسجود لغير الله يحتمل أن يكون عبادة وقربة، فهو حينئذ كفر، ويحتمل أن يكون تعظيمًا وتحية، فهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي ﷺ بكفر معاذ ﵁ بمجرد سجوده له، وإنما استفصل منه (٣). ففي الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "لَمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال النبي ﷺ : فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت

стр. 686

المرأة أن تسجد لزوجها" (١). وكذا إفشاء سر المسلمين لعدوهم يحتمل الموالاة والإعانة، وهو حينئذ كفر، ويحتمل إرادة مصلحة دنيوية، وهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي ﷺ بكفر حاطب بن أبي بلتعة ﵁ بمجرد مكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول ﷺ والمسلمين إليهم لفتح مكة، وإنما استفصل منه (٢). ففي الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجَل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني فقال رسول الله: إنه صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣). وبما سبق يُعلم خطأ ابن حجر -غفر الله له- في إطلاق القول بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر وأنه لا نظر إلى المقاصد أو النيات أو القرائن من جهة، ومناقضة قوله هذا لِمَا سبق نقله عنه من كون الحكم بالكفر في حق من ظهر منه قول أو عمل مكفر إنما هو بسبب كونه دليلًا على تكذيب القلب أو عدم الانقياد الباطن من جهة أخرى.

стр. 687

خامسًا: اعتبار اللازم في التكفير: يرى ابن حجر ﵀ عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه، حيث يقول: "الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب؛ لأن القائل بالملزوم قد لا يخطر له القول بلازمه ... فلا كفر به" (١). التقويم: اللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وقد يكون غير بيّن، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط (٢). "ولازم قول الإنسان نوعان: أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا يجب عليه أن يلتزمه ... والثاني: لازم الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه ... " (٣). واللوازم من حيث التزام أصحابها بها على أحوال ثلاثة: الأول: أن يلتزم بها، فتعد قولًا له. الثاني: أن يمنع التلازم بينها وبين قوله، فلا تعد قولًا له. الثالث: أن يسكت عنها فلا يلتزمها ولا يمنع التلازم بينها وبين قوله -فهذه محل البحث هنا- فهل تعد قولًا له أم لا؟ قولان، أصحهما أنها لا تعد كذلك (٤).

стр. 688

ولهذا فإن الصحيح عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه ما لم يلتزمه (١). وقد نقل الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمهما الله- أنه قال: "الذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه ... أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا" (٢). * * *

стр. 689

المبحث الثالث آراؤه في مسائل البدعة عرض ابن حجر ﵀ لجملة من المسائل المتعلقة بالبدعة، وهي: تعريف البدعة، وبيان أقسامها، وتوضيح حكمها، وبيّن موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره. وفيما يلي بيان ذلك: أولًا: تعريف البدعة: عرف ابن حجر ﵀ البدعة في اللغة، وبين المراد بها في الشرع، حيث قال: "هي لغة: ما كان مخترعًا على غير مثال سابق، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: موجدهما على غير مثال سابق. وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص والعام" (١). التقويم: البدعة لغة: اسم هيئة من الابتداع (٢). يقول ابن فارس: "الباء والدال والعين أصلان: أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا على مثال سابق.

стр. 690

والثاني: الانقطاع والكلال، كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت" (١). والمعنى الثاني داخل في الأول؛ إذ الانقطاع والكلال ابتداء لشيء خارج عما اعتيد عليه (٢). وأما في الشرع: فقد عرف العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة (٣)، وهي وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد. وأجمعها تعريف الشاطبي ﵀ حيث عرفها بقوله: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" (٤). فقد تضمن هذا التعريف ضوابط البدعة، وهي: الأول: الإحداث والاختراع. الثاني: التعبد بها. الثالث: عدم استنادها إلى أصل شرعي بطريق خاص أو عام (٥). ومما سبق يتضح صواب قول ابن حجر ﵀ في تعريفه البدعة في اللغة والشرع، ومطابقة تعريفه لها لما ذكره أهل العلم في تعريفها وضوابطها، إلا أنه أغفل الإشارة في تعريفه إلى ضابط التعبد بها فلم يذكره وهو مهم.

стр. 691

ثانيًا: أقسام البدعة: لما عرف ابن حجر - عفا الله عنه - البدعة بأنها ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله، بين المراد بالمحدث، وأقسامه، فقال: "المراد بالمحدث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصل في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة فهذا باطل قطعًا، بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومن ثم قال عمر ﵁ به في التراويح: نعمت البدعة هي (١)، فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث في أول سورة الأنبياء وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعائه إلى الضلالة" (٢). وقال في شرحه لحديث عائشة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٣). "قوله: (من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قبل نفسه. (في أمرنا هذا ما ليس منه): مما ينافيه أو لا يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة. (فهو رد): أي مردود على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال ومن ثم أبطل ﷺ نذر ذلك، أو للإخلال بشرطه أو ركنه عبادة كانت أو عقدًا ... أو للزيادة على المشروع فيه في نحو الصلاة دون الوضوء أو لارتكاب منهياته كالصلاة بنحو مغصوب ...

стр. 692

أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده فليس يرد على فاعله بل هو مقبول منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبيل وسائر أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها ... وككتابة القرآن في المصاحف ووضع المذاهب وتدوينها ... ومن ثم استجاز كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ﵃ في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة ﵃ لَمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه ... وكما وقع لعمر ﵁ في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال - أعني: عمر -: نعمت البدعة هي، أي لأنها وإن أحدثت ليس فيها رد لِمَا مضى بل موافقة له؛ لأنه ﷺ علل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ . وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: "ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة" (١). والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وهي ما وافق شيئًا مما مرّ ولم يلزم من فعله محذور شرعي ... وأن البدعة السيئة هي ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا ... " (٢).

стр. 693

التقويم: دلّت النصوص الشرعية على أن البدع كلها سيئة، وليس فيها شيء حسن، ومنها: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال الإمام مالك ﵀: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا" (١). وقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (٢). قال الحافظ ابن رجب ﵀: "فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين" (٣). وقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٤). قال العلامة الشوكاني ﵀: "هذا الحديث من قواعد الدين، لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصْرَحَهُ وأدَلّه على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل" (٥). وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ذم البدع صغيرها وكبيرها، وتقبيحها والتحذير منها، والنهي عن مجالسة أصحابها، بل والتنفير من الذرائع المؤدية إليها، ولم يُعلم عن السلف توقف في شأن شيء من البدع فضلًا عن القول باستحسانها، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن (٦).

стр. 694

وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة باطل، والرد عليه من طريقين: أحدهما، النقض: بأن يقال: أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح، ومنه ما يذم؛ إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع (١). ثانيًا: أن القول بذلك يفتح باب الابتداع على مصراعيه، ولا يمكن معه رد أي بدعة؛ لأن كل صاحب بدعة سيدعي أن بدعته حسنة. ثالثًا: أن قول ابن حجر - غفر الله له - بذلك مناقض لِمَا قرره قبل من كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين (٢). رابعًا: أن ما احتج به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - أن الأمثلة التي ساقها للبدعة الحسنة وقرر عمل الأمة بها، وادعى أنها لم تعهد في الصدر الأول لا تسلم له؛ إذ الأربطة والمدارس وكتابة القرآن وتصنيف الكتب ونحوها من أعمال البر مسبوقة بالصفة ودار الأرقم وكتابة القرآن والحديث في الصدر الأول، وهي أصل مشروعيتها (٣). "وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع ... فعلى هذا لا ينبغي أن تسمى ... بدعة أصلًا" (٤). ٢ - أن فعل عمر ﵁ وقوله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر، وذلك من وجهين:

стр. 695

أ - أنه قال ذلك عندما جمع الناس في صلاة التراويح وصلاة التراويح ليست ببدعة، بل هي عين السنة، بدليل ما روته عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمع من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح، قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان" (١). فبيّن رسول الله ﷺ العلة التي من أجلها ترك الجماعة في صلاة التراويح، فلما رأى عمر ﵁ أن العلة قد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أعاد صلاة التراويح جماعة، فالذي فعله عمر ﵁ ليس بدعة وإنما هو عين السنة (٢). ب - أن المراد بالبدعة في قول عمر ﵁ البدعة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي؛ إذ صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها في عهده ﷺ كما سبق - فإطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه الشرعي لا يصح، ولكن لَمّا كانت قد تركت في عهد النبي ﷺ للعلة المذكورة وفي عهد أبي بكر وصدر عهد عمر ﵄ ثم فعلت بعد صح إطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه اللغوي إذ ليس لها مثال سابق (٣). ٣ - أن قول الإمام الشافعي ﵀ لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - وذلك من وجهين: أ - أن الإمام الشافعي ﵀ لا يمكن أن يقول بتقسيم البدعة بمعناها الشرعي إلى قسمين حسنة وسيئة؛ إذ ذلك معارض لأصوله، ومنها إنكاره

стр. 696

الاستحسان الذي لا يستند إلى دليل شرعي، ومن مشهور قوله: "من استحسن فقد شرع" (١)، ومما سطره في رسالته قوله: "ليس لأحد دون رسول الله ﷺ أن يقول إلا بالاستدلال ... ولا يقول بما استحسن؛ فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق" (٢). ب - أن المراد بالبدعة في قول الإمام الشافعي ﵀ المتقدم البدعة بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي، ويدل لذلك سياقه لقول عمر ﵁ المتقدم. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "مراد الشافعي ﵁ ما ذكرناه قبل، أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة" (٣). ثانيهما: النقض: بما تقدم من الأدلة الدالة على أن البدعة كلها سيئة، وقد جاءت على كثرتها مطلقة ولم يستثن منها شيء (٤). ثالثًا: حكم البدعة: يرى ابن حجر - غفر الله له - أن البدعة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة، حيث قال: "البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام. فمن البدع الواجبة على الكفاية: الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة ... وبالجرح والتعديل وتمييز صحيح الأحاديث

стр. 697

من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة ... لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين كما دلت عليه القواعد الشرعية ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، ولأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب. ومن البدع المحرمة: مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لِمَا عليه أهل السنة والجماعة. ومن المندوبة: إحداث نحو الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ... ومن البدع المكروهة: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف. ومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس" (١). التقويم: القول بأن البدعة مما تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة من الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة قول حادث، وأول من عرف عنه القول به العز بن عبد السلام (٢)، وتبعه عليه القرافي (٣) - غفر الله لهما - وتلقفه عنهما بعض فقهاء المذاهب المتأخرين (٤)، ومن هؤلاء ابن حجر - عفا الله عنه -. وهو قول باطل، والرد عليه من طريقين: أحدهما: النقض: وذلك بأن يقال: أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان هذا التقسيم؛ لأنها من باب مضادة الشارع وإطراح الشرع، وما كان بهذه المثابة، فلا يصح أن ينقسم إلى هذه القسمة وتجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة (٥).

стр. 698

ثانيًا: "أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة، لَمَا كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلًا في عمومٍ الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين. أما المكروه والمحرم منها فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى؛ إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم" (١). ثالثًا: أن جميع الأمثلة التي مثل بها ابن حجر - غفر الله له - لا تصح دليلًا على التقسيم المذكور، سوى مثاله للبدع المحرمة. "أما قسم الواجب: فجميع ما ذكر فيه من أمثلة من قبيل المصالح المرسلة (٢) لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يُعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه ... وأما قسم المندوب: فليس من البدع بحال، ويتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها ... وأما القسم المباح: فليست في الحقيقة من البدع، بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع ...

стр. 699

وأما القسم المكروه: ففيه أشياء هي من قبيل البدع" (١) المحرمة لا المكروهة. والثاني: المعارضة: بما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم البدع كلها، والحكم ببطلانها. رابعًا: موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره: حذر ابن حجر ﵀ من جملة من البدع الحادثة في مواضع متعددة من كتبه، سواء من البدع العقدية (٢) أو البدع العملية (٣). وفيما يلي دراسة لموقفه من أشهر بدع عصره. ١ - الاحتفال بالمولد النبوي: عرف ابن حجر - غفر الله - المولد، بقوله: "المولد: بكسر اللام زمن الولادة، وبفتحها: مكانها" (٤). وذكر اختلاف المؤرخين في تاريخ مولده ﷺ ، وأرجح أقوالهم، فقال: "اختلفوا في مولده ويومه على أقوال كثيرة، ولا خلاف أنه ولد يوم الاثنين، والأشهر أنه ولد في شهر ربيع الأول، والأشهر أيضًا أنه ولد في ثاني عشر، وكثيرون أئمة حفاظ متقدمون وغيرهم على أنه يوم ثامنه" (٥). وبين حكم الاحتفال به، فقال: "اعلم أنه بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة التي شهد النبي ﷺ بخيريتها، لكنها بدعة حسنة لِمَا اشتملت عليه من الإحسان الكثير للفقراء، ومن قراءة القرآن، وإكثار الذكر، وقراءة مولد وما اشتمل عليه من كراماته وكثير من معجزاته، وإظهار السرور والفرح به ...

стр. 700

ومما يدل على أن عمل المولد المشتمل على ما مر من الإحسان الواسع والذكر الكثير بدعة حسنة: إكثار الإمام الكبير أبي شامة (١) شيخ النووي - رحمهما الله - الثناء على الملك المظفر (٢) صاحب إربل (٣) بما كان يفعله من خيرات في هذه الليلة مما لم يحك بعضه عن غيره ... فثناء هذا الإمام على هذا الفعل في هذه الليلة أول دليل على أنها بدعة حسنة، لا سيما أبو شامة - رحمه الله تعالى - إنما ذكر هذا الثناء الفائق في كتابه الذي سماه الباعث على إنكار البدع والحوادث (٤)، فذكر ذلك الثناء والمدح في هذا الكتاب الموضوع لإنكار البدع أول دليل على أن ذلك ليس من البدع التي تنكر بل من التي تستحسن وتشكر ... واستدل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر لكونها بدعة حسنة بخبر الصحيحين أنه ﷺ لَمَّا قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فقال ﷺ : "فنحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه، وقال: "إن عشت إلى قابل ... " الحديث (٥).

стр. 701

قال - أعني: شيخ الإسلام -: "فيستفاد منه فضل الشكر لله تعالى بأنواع العبادات على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم ﷺ ... ثم ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه، فإن كان قد ولد ليلًا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام والقيام، وإن كان قد ولد نهارًا فبما يناسب كالصيام، ولا بد أن يكون ذلك اليوم من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فتعلق إلى أي يوم كان من السنة وفيه منافرة، وبالجملة فلا بأس أن نفعل الخير في سائر الأيام والليالي التي وقع الاختلاف في تعيينها للمولد حسبما يأتي على حسب الاستطاعة، بل يحسن في أيام الشهر كلها ولياليه". انتهى (١). وقد جاء عن الإمام الزاهد والقدوة المعمر أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن جماعة (٢) أنه لَمّا كان بطيبة على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام كان يعمل بها طعامًا في المولد النبوي، ويطعم الناس، ويقول: لو تمكنت لعملت بطول الشهر كل يوم مولدًا" (٣). وأنكر ﵀ بعض ما يحصل في الاحتفال بالمولد من القبائح فقال: "في بيان قبائح صدرت من الناس مقترنة بعمل المولد، منها لا سيما بمكة: اختلاط الرجال بالنساء في المسجد الحرام ... وخروجهم إلى زيارة محل المولد المشهور على أقبح هيئة وأشنع رؤية ويسمون ذلك زفة المولد،

стр. 702

وذلك أن النساء يتزين بأحسن حليهن وحللهن ويتطيبن بأطيب طيبهن، ثم يخرجن مختلطات بالرجال اختلاطًا فاحشًا بحيث يقع في تلك الليلة من المفاسد والقبائح ما تصم عنه الآذان ... ومن القبائح أيضًا لكنها أخف وأسهل أنهم يخرجون والقمر في سلطانه بالسرج الكثيرة من الشموع على اختلاف أنواعها، ثم يأتون فتنصب الشموع وغيرها في المسجد الحرام على صفات أكثر وأظهر ما كانت عليه في حال مشيهم، وهذا قبيح أي قبيح. ومنها أن بعض المتوسمين من المكيين بصورة الفقهاء يصطفون في الذهاب والعودة في تلك الزفة صفوفًا مختلفة صف من الرجال وصف من الشموع، والناس مصطفون بجنبي الطريق مزدحمون على التفرج عليهم، فيتمهلون غاية التمهل والتأني في مشيتهم، ويتبختر بعضهم تبخترًا يغلب تبختر النساء، أعاذ الله بلده وحرمه من أفعال هؤلاء وقبائحهم ... ومنها أن أكثر الناس في عملهم المولد لا يمنعون النساء إشرافهن على الرجال ونظرهن إليهم، وذلك قبيح؛ لأنه إما محرم على المعتمد من مذهبنا أو مكروه على مقابله، ومحل الكراهية حيث لا شهوة ولا خشية فتنة، وإلا حرم اتفاقًا. والواقع من النساء في المولد كثيرًا ما يترتب عليه الشهوة والفتنة هذا في نظر النساء إلى الرجال، وأما نظر الرجال إليهن المرتب غالبًا على نظرهن للرجال وإشرافهن إليهم فحرام على الأصح عندنا، وإن لم يكن هناك شهوة ولا خشية فتنة ... ومنها أنهم في تلك الموالد يأتون بمن يقرأ لهم المولد الشريف على الكيفية التي ألفها الوعاظ في هذه الأزمنة، وذلك منكر أي منكر؛ لأن أكثره كذب وبهتان واختلاق، بل لم يزالوا يزيدون فيه ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل روايته ولا سماعه. بل يجب على العلماء وكل من علم ذلك وقدر على الإنكار عليهم وتركهم للباطل منه أو مفارقة المجلس والقيام عنه إن أمكن، على أنه لا

стр. 703

ضرورة بهم إلى ذلك؛ لأن قاصدي الخير وإظهار الفرح والسرور به ﷺ والمحبة يكفيهم أن يجمعوا أهل الصلاح والقراء والذاكرين فيطعموهم ويتصدقوا عليهم، فإن أرادوا زيادة على ذلك أمروا من ينشد لهم من المدائح النبوية المتعلقة بالحث على الأخلاق الكريمة كالكرم والزهد والتخلي عن الدنيا ولذاتها والتهيؤ للموت والذهاب إلى الله تعالى، وغير ذلك مما في معناه ... " (١). التقويم: الاحتفال بالموالد ظاهرة معروفة منذ العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، وعقيدة راسخة عند أهل الأديان الأولى. وقد اشتهر ذلك عن النصارى حيث يحتفلون بميلاد عيسى ﵇ على رأس كل سنة في الخامس والعشرين من الشهر الثاني عشر الميلادي إلى يومنا هذا. ثم تسربت هذه الظاهرة إلى المسلمين بعد مضي القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية في أواخر المائة الرابعة على أيدي الخلفاء الفاطميين، بعد قيام دولتهم العبيدية في مصر، وكان أول من أحدثه بالقاهرة المعز لدين الله الفاطمي (٢) سنة اثنين وستين وثلاثمائة (٣). فأصبح المسلمون منذ ذلك الوقت يحتفلون بمولد النبي ﷺ إلى يومنا هذا مضاهاة لعمل النصارى، بل أصبح عمل النصارى حجة لمن استحسن الاحتفال بمولده ﷺ من المسلمين بطريق الأولى زعموا.

стр. 704

وفي هذا يقول الحافظ السخاوي - غفر الله له -: "إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر" (١)! ! وما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في كلامه المتقدم من كون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة باطل، والرد عليه من طريقين: أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال: أولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بتقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة، وهو تقسيم باطل - كما سبق - فكذلك ما فُرّع عليه. ثانيًا: أن النبي ﷺ لم يحتفل لنفسه إحياءً لمولده أو مولد غيره من الأنبياء قبله، ولم يأمر أمته به، ولما لم يقع ذلك منه ولم يأمر به مع قيام المقتضي لذلك في وقته كان عمله بعد ذلك بدعة منكرة. ثالثًا: "أن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص" (٢). رابعًا: أن المؤرخين اختلفوا في يوم مولده ﷺ وقد ذكر ذلك ابن حجر نفسه في كلامه المتقدم - فعلى التسليم باستحسان الاحتفال به فإن إقامته في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول غير مقطوع بوقوعه فيه، وقد جر هذا بعضهم إلى الاحتفال سائر أيام ربيع الأول ولياليه كما ذكر ذلك ابن حجر واستحسنه ممن فعله. خامسًا: أن الشهر الذي ولد فيه ﷺ وهو ربيع الأول على الصحيح هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه (٣). سادسًا: أن الاحتفال بالمولد النبوي يتضمن كثيرًا من الأعمال

стр. 705

المنكرة، والقبائح المحرمة، ومنها: إنشاد الأشعار والقصائد المتضمنة للشرك بالله، ودعوى حضور النبي ﷺ ، وإضاعة الصلوات، والغناء، والطرب، والضرب بالدفوف، والرقص، واختلاط الرجال بالنساء، وإضاعة الأموال وتبذيرها في غير وجوهها المشروعة، وقد ذكر ابن حجر - غفر الله له - شيئًا من هذا في زمانه في كلامه المتقدم، ولا زال الأمر على ذلك (١). سابعًا: أن ما استدل به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله باستحسان الاحتفال بمولده ﷺ لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - أن ما ذكره من ثناء بعض أهل العلم عليه، وتقريرهم لاستحسانه، وقيامهم بعمله، معارض بذم غيرهم، وتقريرهم لبدعيته، وإنكارهم على من عمله؛ وهم أولى بقبول قولهم لسابقتهم، وكثرتهم، وقوة أدلتهم. وكلام أهل العلم وأفعالهم ليست دليلًا في نفسها، بل هي محتاجة إلى إثبات صحتها بالدليل. ٢ - أن ما نقله عن الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ من تخريجه عمل المولد على خبر الصحيحين في صوم اليهود لعاشوراء باطل، والجواب عنه من عدة أوجه: أ - أن الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ صرح في أول كلامه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف، وهذا كاف في ذم الاحتفال به - كما تقدم - وقوله بذلك مما أغفل ابن حجر - عفا الله عنه - نقله، ونصه: "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ... " إلى أن قال: "وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين ... " إلى آخر كلامه المنقول (٢). ب - أن تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك
следующие страницы →