← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولذا أثنى عليه العلماء بما هو أهله، قال المقري: "انتقل إلى المشرق واشتهر وطار صيته وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه ... كان بارعًا في الفقه والعربية عارفًا بالحديث ... له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال ... وكان إمامًا عالمًا جامعًا" (١). وقال محمد محمد مخلوف: "الإمام العمدة العلامة الفقيه المحدث المتقن الفهامة" (٢). وقال ابن كثير: "أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث" (٣). وقال الذهبي: "العلامة المحدث" (٤)، "عالم الإسكندرية" (٥) وقال ابن فرحون: "كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين جامعًا لمعرفة علوم منها: علم الحديث، والفقه، والعربية، وغير ذلك ... وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث والفضل التام وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب" (٦). وقال المقريزي: "فقيه مالكي محدث أصولي ... وكان عالمًا محققًا ثقة" (٧).

стр. 107

المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وهو موضوع هذه الرسالة وأعظم كتبه وأشهرها ونتعرف عليه من خلال النقاط التالية وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تسميته المطلب الثاني: نسبته للقرطبي المطلب الثالث: تأليفه المطلب الرابع: أهميته المطلب الخامس: مميزاته المطلب السادس: منهج القرطبي فيه

стр. 108

المطلب الأول: تسميته: لم يختلف في تسمية كتاب القرطبي هذا نظرًا لأنه نص على تسميته في مقدمته حيث قال: "وسميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (١). وقد ورد عند بعض من ترجموا له بل عند أغلبهم بتسميته "المفهم في شرح صحيح مسلم" وهو سياق على وجه الاختصار وما دام مؤلفه قد نصَّ على تسميته فلا اجتهاد مع النص. المطلب الثاني: نسبته للقرطبي: لقد أجمع كل من ترجم للقرطبي على نسبة هذا الكتاب له. بل لقد اشتهر القرطبي بهذا الكتاب حتى أصبح علامة فارقة بينه وبين غيره ممن يتفق معه في الاسم فإذا أُريد التعريف به قيل: القرطبي صاحب المفهم. وقد ذكر اسمه أيضًا في كتابه كشف القناع حيث قال: وقد بيَّنا ما قيل في شرط البخاري ومسلم في كتابنا الملقب بالمفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢). المطلب الثالث: تأليفه: لقد ذكر القرطبي سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال: فلما حصل من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المأمول وسهل إلى حفظه وتحصيله الوصول رأينا أن نكمل فائدته للطالبين ونسهل السبيل إليه على الباحثين بشرح غريبه والتنبيه على نكت من إعرابه وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه وإيضاح مشكلاته حسب تبويبه وعلى مساق ترتيبه (٣).

стр. 109

ولم يذكر تحديد تاريخ تأليفه لهذا الكتاب لكن ورد ما يدل على أنه ألفه حال استقراره بمصر بعد رحيله من الأندلس منها قوله: وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله (١). فيغلب على الظن أنه ألفه في آخر عمره فيكون من آخر مؤلفاته بدليل إحالته فيه على كثير من كتبه. المطلب الرابع: أهمية الكتاب: يعتبر كتاب المفهم من أهم كتب شروح صحيح مسلم، وإن كان قد بقي حبيسًا قرونًا متطاولة. قال المحققون للكتاب في بيان أهميته ومكانته: يعد كتاب المفهم - تجوزًا - شرحًا واضحًا ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم فهو حلقة وصل بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين من جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي ... ويكفيه أهمية ومكانة أن اعتمده الإمامان النووي وابن حجر كمصدر مهم في شرحيهما على الصحيحين، ولا شك أن العلماء اهتموا فيما بعد بكتاب المفهم اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجد بصماته عميقة فيما ألف بعده عند: الزواوي في كتابه "إكمال الإكمال" الذي جمع فيه بين المعلم والإكمال والمفهم والمنهاج: الأبي في كتابه "إكمال إكمال المُعْلم" الذي ذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي. ثم يطالعنا التاريخ بكتاب "مكمل إكمال الإكمال" للسنوسي وغير ذلك من المصنفات التي اعتمدت على كتاب "المفهم" واستفادت منه (٢).

стр. 110

قال المقري: "هو من أجل الكتب، ويكفي شرفًا اعتماد الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عليه في كثير من المواضع" (١). ومما يبين أهميته ومكانته، كثرة النقل عنه من علماء أجلاء، وفي كتب معتمدة فقد نقل عنه تلميذه القرطبي المفسر كثيرًا سواء في تفسيره أو في كتابه "التذكرة" (٢)، وكذلك ابن حجر في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" فقد نقل عنه في مواضع كثيرة (٣) بل نقل له كلامًا في صفحة كاملة (٤). وكذلك أكثر العراقي (٥) من النقل عنه في كتابه "طرح التثريب" (٦). كذلك نقل عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٧) في كتابه "فتح

стр. 111

المجيد" (١) وغيرهم من العلماء. فهذه النقولات وغيرها تدل دلالة أكيدة على مكانة هذا الكتاب العلمية وأهميته. المطلب الخامس: مميزاته: اتضح لنا من خلال الفقرة السابقة أهمية كتاب المفهم، وعناية العلماء به، وكثرة استفادتهم منه، ولا شك أن ذلك يعود لما تميز به الكتاب من مميزات جعلته في طليعة كتب شرح السنة، ومن هذه المميزات ما يلي: - عنايته الفائقة بشرح الكلمات اللغوية والاستدلال عليها بالآيات القرآنية، والاستشهاد لها بالشعر العربي والأمثال والحكم (٢). - كما تميز بوضوح العبارة وسهولتها وعنايته بتحسين سياقته وتجميلها بالمحسنات اللفظية، والتي جاءت بعيدة عن التكلف، فكانت قريبة المتناول سهلة المأخذ بعيدة عن العسر والمشقة (٣). - تميز بعنايته بالناحية الأصولية فكَثُر ربطه للقضايا الفرعية بالقضايا الأصولية، كما أصَّل قواعد أصولية بنصوص السنة، وبيَّن مأخذها منها إضافة إلى عرضه بعض المسائل الأصولية في أثناء شرحه وإبداء رأيه فيها (٤).

стр. 112

قال الطريري: "واستجلاء الصفة الأصولية في المفهم لا يسعها أن تكون مبحثًا في فصل، وإنما هي جديرة أن تفرد برسالة دكتوراه تامة تامة تامة" (١). - ومن مميزاته احتواؤه لكتب سابقة فقد بعضها، كان القرطبي قد اجتنى فوائدها واستبطنها في المفهم، مما جعل كتابه زاخرًا بمواد علمية كانت مفرقة في مصادر شتى، فجاء شرحه غزير المادة مفنن العلوم (٢). قال المحققون للمفهم: "يعد كتاب المفهم حافظًا لما عدا عليه الزمن وأتلفه الأعداء من تراثنا العربي والإسلامي" (٣). - يعتبر المفهم رائدًا في حل الأحاديث المشكلة في صحيح مسلم، وإزالة ما بينها من تعارض في الظاهر، أو تناقض في الحكم يبدو لأول وهلة (٤). قال المقري عن القرطبي: "كان بارعًا في الفقه والعربية، عارفًا بالحديث ... له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال" (٥). - ظهور شخصية القرطبي عند نقله عن غيره فهو إذا نقل ناقش وحاور وعقَّب وتعقباته تمحيص علمي ومناظرة مصغرة (٦). - استمراره في شرحه على سنن واحد من أوله إلى آخره برغم طول الكتاب، فليس بين أوله وآخره ذاك التفاوت الذي يوجد في بعض الكتب (٧).

стр. 113

المطلب السادس: منهج القرطبي فيه: - قام بشرح وافٍ لمقدمة الصحيح. - كانت طريقته في شرح الحديث كطريقة الحافظ ابن حجر في الفتح، بحيث يختار من الحديث النص الذي يحتاج إلى شرح ويضعه بين قوسين ثم يعقبه بالشرح والتعليق. - بيَّن أن من منهجه في هذا الشرح الاختصار ما لم يدع الكشف إلى التطويل والإكثار (١). وقد وفى بذلك في الغالب، ولذا كثيرًا ما يختم شرحه بقوله: "في هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى" (٢). أو عبارة نحو هذه (٣). - ترجم لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم أثناء الشرح (٤). - إذا عرض لمسألة أثناء الشرح سبق الكلام عنها أو سيأتي الكلام عليها، فإنه يحيل إلى السابق أو اللاحق (٥)، أو يحيل إلى أحد كتبه التي استوفى فيها الكلام على هذه المسألة وبالرجوع إلى المبحث الخاص بمؤلفاته يتضح ذلك. - التزم بكامل شرحه بالأدب في المناقشة فهو عفيف اللسان أديب العبارة، عارفًا لأهل العلم فضلهم، حريصًا على الاعتذار عما وقع منهم (٦).

стр. 114

الباب الثاني الإيمان والتوحيد وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: الإيمان وما يتعلق به من مسائل. الفصل الثاني: توحيد الربوبية الفصل الثالث: توحيد الألوهية الفصل الرابع: توحيد الأسماء والصفات

стр. 115

الفصل الأول الإيمان وما يتعلق به من مسائل وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه المبحث الثاني: الإيمان والإسلام المبحث الثالث: الكبيرة وحكم مرتكبها

стр. 116

المبحث الأول تعريف الإيمان لغة وشرعًا وحكم الاستثناء فيه المطلب الأول: تعريفه لغة المطلب الثاني: تعريفه شرعًا المطلب الثالث: حكم الاستثناء فيه

стр. 117

المطلب الأول: تعريف الإيمان لغة: الإيمان: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وهو مشتقٌ من الأمن. قال الجوهري (١): "الإيمان: هو التصديق. والله تعالى المؤمن؛ لأنه أمن عباده من أن يظلمهم. وأصل آمن: أأمن: بهمزتين ... والأمن ضد الخوف" (٢). وقال الأزهري (٣): "اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن معناه التصديق" (٤). وقال ابن منظور (٥): "الإيمان ضد الكفر. والإيمان بمعنى التصديق: ضده التكذيب" (٦). وقال الأصفهاني (٧): "آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما متعديًا بنفسه. يقال: آمَنْتُه: أي جعلت له الأمن. ومنه قيل لله مؤمن. والثاني: غير متعد. ومعناه: صار ذا أَمْنٍ ... قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ

стр. 118

كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (١). قيل: معناه بمصدق لنا إلَّا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمْنُ" (٢). وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي: أنه بمعنى الإقرار لأنه رأى لفظة أقر أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ، حيث قال: "فالإيمان لغة: هو الإقرار؛ لأن التصديق، إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر. ولأن أقر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في القرار ... ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد" (٣). وأمَّا القرطبي فعرَّفه بالتصديق حيث قال: "الإيمان لغة: هو التصديق مطلقًا" (٤). وأمَّا المازري فعرَّفه باليقين حيث قال: "الإيمان هو اليقين" (٥). المطلب الثاني: تعريفه شرعًا: أما تعريف الإيمان شرعًا: فهو ما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم منذ زمن مبكر. قال ابن رجب (٦): "وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان

стр. 119

والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة" (١). لهذا الخلاف المذكور تعددت الأقوال في تعريف الإيمان، والحق منها ما عليه أهل السنة والجماعة إذ عرفوه بأنه قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعملٌ بالجوارح (٢). وأما الأقوال الأخرى، فهي تختلف قربًا وبعدًا من الحق، وهي على النحو التالي: الأول: الإيمان: هو التصديق بالجنان، والقول باللسان. وهذا مشهور عن بعض الفقهاء، ولذا يقال: "إرجاء الفقهاء" وقال به: حماد بن أبي سليمان (٣)، وأبو حنيفة وأصحابه (٤). الثاني: الإيمان: هو التصديق بالله مع معرفته بالقلب. وهذا قول عامة الأشاعرة (٥). الثالث: الإيمان: فعل جميع الطاعات المفترضة بالقلب واللسان والجوارح وهذا قول الخوارج والمعتزلة (٦).

стр. 120

وهم يخالفون أهل السنة أنهم جعلوا جميع الأعمال شرطًا لصحة الإيمان، فالإيمان كلٌّ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كلُّه، فمن أخل بالأعمال عندهم ذهب إيمانه، وهو عند الخوارج كافر في الدنيا، مخلدٌ في النار في الآخرة، وعند المعتزلة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، ووافقوا الخوارج في خلوده في النار في الآخرة، وفي نفي اسم الإيمان عنه في الدنيا، وخالفوهم في إطلاق لفظ الكفر عليه في الدنيا، وفي استحلال دمه وماله. الرابع: هو المعرفة بالقلب فقط. وهذا قول الجهمية (١)، ويلزم من قولهم هذا إدخال إبليس وفرعون في الإيمان. الخامس: الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. وهذا قول الكرَّامية (٢). ويلزم من هذا القول إدخال المنافقين في الإيمان. قال القرطبي في بيان فساد هذا القول: "الإيمان من أعمال الباطن، والإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غلاة المرجئة والكرامية، حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين، وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا، لأنه تسويغ للنفاق" (٣). وقال المازري ردًّا عليهم عند شرحه لقوله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال: لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تَطْعَمَهُ" (٤): "إن احتجت به الغلاة من المرجئة في أن الشهادتين تنفع وإن لم تعتقد

стр. 121

بالقلب، قيل لهم: معناه أنه لم يصح عند النبي ﷺ ما حكوا عنه من أن ذلك ليس في قلبه، والحجة في قول النبي ﷺ وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه" (١). قال القرطبى في تعريفه للإيمان شرعًا: "هو التصديق بالقواعد الشرعية" (٢). وقال: "الإسلام والإيمان بحكم الوضع يعمان كل انقياد وكل تصديق، لكن قصرها الشرع على تصديق مخصوص، وانقياد مخصوص" (٣). وقال: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه موصوف بصفات الجلال والكمال"، ثم بعد ذكره لأركان الإيمان قال: "مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة" (٤). فالقرطبي خالف مذهب أهل السنة والجماعة في تعريفهم للإيمان إذ جعله التصديق فقط، وأخرج الأعمال من الإيمان، وجعل إطلاق الإيمان على الأعمال ودخولها فيه من باب المجاز. فبعد ذكره لحديث جبريل ﵇ (٥) وحديث وفد عبد القيس،

стр. 122

وحديث علي ﵁ الذي قال فيه: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (١) قال: هذه الإطلاقات الثلاث من باب التجوز والتوسع، على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حقق يريح من كثير من الإشكال الناشيء من ذلك الاستعمال (٢). وقال عند شرحه لحديث "الإيمان بضْعٌ وستُّون شعبة، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (٣): "الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول لا إله إلَّا الله وأدناها: أي: أقربها وهو إماطة الأذى وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا" (٤). حتى أعمال القلوب أدخلها في مسمى الإيمان مجازًا، حيث قال: "إطلاق الإيمان على أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف،

стр. 123

والنصيحة، وشبه ذلك من أعمال القلوب، وتسميتها إيمانًا لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب" (١). وكذلك المازري عرَّف الإيمان بأنه اليقين، حيث قال: "الإيمان هو اليقين" (٢). وفي حديث وفد عبد القيس قال لهم رسول الله ﷺ : "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمْس" (٣). فعند شرح المازري لهذا الحديث أخرج الأعمال من الإيمان، حيث قال: "ظن بعض الفقهاء أن في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافًا للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان، وهذا الذي ظنه غير صحيح لاحتمال أن يكون الضمير في قوله: ثم فسرها لهم، عائدًا على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل في الحديث الثاني من أن يكون قوله "وإقام الصلاة" محطوفًا أيضًا على الأربع" (٤). وأوَّل كل ما جاء في إطلاق الإيمان على الأعمال فقال عند شرحه

стр. 124

لحديث "الحياء من الإيمان" (١). "إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية، كما يمنع الإيمان منه" (٢). وعند شرحه لحديث: "الطُّهُور شطرُ الإيمان" (٣). قال: "يحتمل هذا الحديث وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بقوله "شطر الإيمان" أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله ﷺ : "إن قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُث القُرآن" (٤). والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإيمان: أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الآثار، وقد أخبر ﵇ أن الوضوء أيضًا تذهب عن الإنسان به الخطايا؛ إلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به، إلَّا مع مضامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلَّا مع شيء ثان. ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه" (٥). ولا شك أن المذهب الحق ما قاله جماهير العلماء من أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعملٌ بالجوارح. قال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان ... وقالوا إن الإيمان قولٌ وعملٌ

стр. 125

وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (١). وقال الآجري (٢): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح" (٣). وذكر اللالكائي (٤) روايات كثيرة عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين، والسلف الصالح في هذا الباب (٥). وقال البخاري: "كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلَّا عن من قال الإيمان: قول وعمل" (٦). وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلَّا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان" (٧). ولذا أصبح هذا القول من سمات أهل السنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى غير واحد الإجماع على

стр. 126

ذلك" (١). واستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة، منها: من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (٢). - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣). وثبت في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا قبل أن تحوَّل القبلة (٤)، والمقصود ما كان الله ليضيع صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا. - وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ (٥). قال القاسم بن سلَّام (٦) - بعد ذكره لهذه الآيات -: "أفلست تراه

стр. 127

تبارك وتعالى قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر" (١). وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها: حديث وفد عبد القيس (٢). - وقوله ﷺ : "الإيمان بضعٌ وسبعُون أو بضعُ وستُّون شعبة فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان" (٣). - وقوله ﷺ : "الطُّهور شطرُ الإيمان" (٤). وغيرها من الأدلة. وبهذا يتبين لنا أن ما ذهب إليه السلف هو الحق الذي أيَّدته النُّصوص من الكتاب والسنة. سُئِلَ سهل بن عبد الله التستري (٥) عن الإيمان ما هو؟ فقال: "قول ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة" (٦). وأما ما استدل به المرجئة من الأشاعرة وغيرهم، فهو كما يلي: أولًا: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، وقد أبقاه الشرع على ما كان، وما روي نقله. وذكر الباقلاني (٧) الإجماع على ذلك، حيث قال:

стр. 128

فإن قالوا: فأخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله، وهو العلم. والتصديق يوجد بالقلب! فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي ﷺ هو التصديق. لا يعرفون في اللغة إيمانًا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) أي بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي: لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه" (٢). ثانيًا: ما ورد من آيات وأحاديث تدل على أن الإيمان في القلب كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣). وقوله ﷺ لأسامة بن زيد: "أفلا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ" (٤). ثالثًا: إن الله فرَّق بين الإيمَان والعمل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٥). والعطف يقتضي المغايرة. قال شيخ الإسلام في الرد عليهم بعد نقله لكلام الباقلَّاني السابق: "هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان، وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة.

стр. 129

أحدهما: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره. الثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي ﷺ : "والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبهُ" (١). والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيَّد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ، ولا تغييرًا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبيَّنه. والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: أن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى. الخامس: قول من يقول: إن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا. السادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي. السابع: قول من يقول: إنه منقول. فهذه سبعة أقوال: الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره. قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟

стр. 130

وفي أي كتاب ذُكِرَ هذا الإجماع؟ . الثاني: أن يُقال: أتعني بأهل اللغة، نقلتها، كأبي عمرو (١)، والأصمعي (٢)، والخليل (٣)، ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر، وكلام العرب، وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحدٌ عنهم ذلك. الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد واثنان فليس هذا إجماعًا. الرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة القرآن عن النبي ﷺ ، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أُريد به معنى لم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.

стр. 131

الخامس: أنه لو قُدِّر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق (١)؟ السادس: أنه لم يذكر شاهدًا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بعذاب القبر، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، ومن قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلَّا لو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلًا لم يسموه مؤمنًا به، كما لا يسمون إبليس مؤمنًا بالله، وإن كان مصدقًا بوجوده وربوبيته. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٢) ليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر. ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص، فيكون الإيمان في كلام الشارع أخصَّ من الإيمان في اللغة" (٣). وأما استدلالهم الثاني، فهذه النصوص التي ذكروها لا تنفي وجود الإيمان في غير القلب، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على أن الإيمان باللسان والجوارح أيضًا.

стр. 132

وأما قولهم أن الله فرق بين الإيمان والعمل، فعطف العمل على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة. فيقال: إن العطف بين شيئين يعني نوع مغايرة كالمغايرة بين الكل والجزء والخاص والعام والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان؛ لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزءُ منه فيكون من باب عطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (١). ومن المعلوم قطعًا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة وكقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) وغيرها (٣)، فاستدلالهم بالعطف على إخراج الأعمال لا يسلم لهم. وأمَّا قولهم إن تسمية الأعمال إيمانًا من باب المجاز، فقد رد عليهم في ذلك شيخ الإسلام بكلامٍ يطول ذكره، أذكر منه قوله: "إن القول بالمجاز كلامٌ مبتدع لم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، بل ولا أحد الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري (٤)، والأوزاعي (٥)، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة كالخليل وسيبويه (٦)، وأبي

стр. 133

عمرو بن العلاء ونحوهم. أول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيد معمر بن المثنى (١)، ولكن لم يعن في مجازه ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية .. فهذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لا يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف إلَّا في كلام أحمد بن حنبل، ولم يرد بذلك أن للفظ استعمالًا في غير ما وضع له، وعلى فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال" (٢). المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان: اختلف الناس في الاستثناء في الإيمان، أي قول العبد أنا مؤمن إن شاء الله، أو غير ذلك من العبارات الدالة على الاستثناء على ثلاثة أقوال: الأول: من منع الاستثناء وحرَّمه وقال أنه يقتضي الشك، ومن تردد في تحقيق الإيمان لم يكن مؤمنًا. بل ذهب بعضهم إلى تكفير من قال بالاستثناء (٣). وقال بهذا الماتريدية ومن وافقهم. وهذا عائد على تعريف الإيمان عندهم بأنه التصديق والإقرار. وقد ردَّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن فساد قولهم هذا في كلام

стр. 134

يطول ذكره (١). الثاني: من قال بضد القول السابق، إذ أوجب الاستثناء في الإيمان، وهم الأشاعرة والكلابية. إذ الإيمان عندهم هو ما يموت عليه الإنسان، فالإيمان والكفر عندهم باعتبار الموافاة، وحملوا النصوص التي جاءت عن السلف في الاستثناء على ذلك. الثالث: من قال بجواز الاستثناء وعدمه، فلم يحرمه مطلقًا، ولم يوجبه مطلقًا. فأجازوه باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر. أجازوه خوف تزكية النفس، ولدخول الأعمال في الإيمان والتقصير فيها ظاهر (٢). ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه وهذا هو مذهب السلف. وقد ورد عن السلف نصوص تدل على الاستثناء وعدمه، فمن استثنى قصد به الإيمان التام الكامل المقبول عند الله تعالى، ومن لم يستثق قصد الإيمان الباطن الذي هو أصل الإيمان وأساسه، وهذا لا استثناء فيه. فقد سأل رجلٌ الحسن البصري (٣) عن الإيمان، فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (٤) فوالله ما أدري أنا منهم أم لا (٥).

стр. 135

وقال شيخ الإسلام: ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك -أي أصل الإيمان- لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه (١). وقال أيضًا: والقول الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار، فإن كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله عليَّ وأنه يقبل أعمالي ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده ألَّا يزكي نفسه (٢). والمذهب الحق في ذلك هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الاستثناء الذي ورد عن السلف باعتبار عدم قيام الإنسان بسائر الأعمال التي أمر الله تعالى بها وتقصيره في ذلك، لا باعتبار عدم علمه بالمستقبل وما يموت عليه. وقد ذهب عامة الأشاعرة إلى وجوب الاستثناء باعتبار أن الإيمان عندهم هو ما مات عليه الإنسان، فيكون مؤمنًا أو كافرًا، باعتبار الموافاة فهو يستثني لأنه لا يعلم ما يموت عليه. قال الجويني: "فإن قيل: قد أثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سئل الواحد منهم عن إيمانه قال إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز" (٣).

стр. 136

وعليه فقد قرر القرطبي أن المسألة خلافية، ثم بيَّن أن القول الصحيح جواز الاستثناء وعدمه -وهو الحق- ولكنه لم يعلل الاستثناء بتعليل السلف، وهو عدم قيامه بكامل الأعمال التي أمر بها والخوف من التقصير فيها، إنما علل بتعليل الأشاعرة أي بالموافاة حيث قال: "وفيه حجة لمن يقول: "أنا مؤمن" بغير استثناء، وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع، وسبب الخلاف النظر إلى الحال، أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال، أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال، وهو غيب في الحال إذ لا يدري بما يختم له، والصواب الجواز إذا أمن الشك والتزكية، فإنه تفويض إلى الله تعالى" (١). وقد رد شيخ الإسلام هذا التعليل، وبيَّن أنه ليس من مذهب السلف، حيث قال: "وأمَّا الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، ولكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث" (٢). وقال أيضًا: لما اشتهر عند هؤلاء أن السلف يستثنون في الإيمان ورأوا أن هذا لا يمكن إلَّا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم" (٣).

стр. 137

المبحث الثاني الإيمان والإسلام اختلف العلماء في الإسلام والإيمان، والعلاقة بينهما، فهل هما بمعنى واحد، أي الأسماء من باب الترادف أم لا؟ . على أقوالٍ: القول الأول: من قال إنهما بمعنى واحد، فهما مترادفان، فيطلق كل منها على الآخر، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، منها: ١ - أن الله سمى الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمَّى به الإسلام، وذلك كقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٣). ٢ - قول النبي ﷺ لوفد عبد القيس بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم" (٤). وممن قال بهذ القول الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه في كتاب

стр. 138

الإيمان ما يدل على قوله بهذا (١). ومحمد بن نصر المروزي (٢)، وابن عبد البر وابن منده (٣)، وابن حزم وغيرهم. وقد بوَّب ابن منده في كتابه "الإيمان" فقال: ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد (٤). وقال ابن عبد البر: وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر (٥). وقال المروزي: وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث أن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه (٦). القول الثاني: من فرَّق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، منها: - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا

стр. 139

يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١). وقالوا: إن هؤلاء ليسوا بمنافقين، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). - من السنة: ما ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد "أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ فيهم، قال سعدُ: فتركَ رسُول الله ﷺ منهم من لم يُعطه، وهو أعجبهم إليَّ، فقلتُ: يارسول الله ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إنى لأرَاهُ مؤمنًا، فقال رسول الله ﷺ : أو مُسلمًا" (٣). وحديث جبريل ﵇ حينما سأل الرسول ﷺ عن الإيمان والإسلام، فاختلفت الإجابة (٤). وممن قال بهذا ابن عباس والحسن وابن سيرين (٥)، والزهري (٦)، والإمام أحمد، وغيرهم. قال الزهري: "الإسلام الكلمة والإيمان العمل" (٧).

стр. 140

وقال عبد الملك الميموني (١): "سألت أحمد بن حنبل: أتفرق بين الإيمان والإسلام، فقال لي: نعم، قلت بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢) قال: وأقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأقول أنا مسلم ولا أستثني" (٣). القول الثالث: إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا دلَّ كلٌّ منهما على معنى يختلف عن الآخر، وإذا افترقا دلَّ كل منهما على ما يدل عليه الآخر، فإذا اجتمعا فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال القلبية. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة في القول الثاني، ولكنهم زادوا على القول السابق بهذا التفصيل. وممَّن قال بهذا أبو بكر الإسماعيلي (٤) والخطابي (٥)، وابن رجب، وابن تيمية وغيرهم. قال أبو بكر الإسماعيلي: "قال كثير من أهل السنة والجماعة أن

стр. 141

الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده" (١). وقال ابن رجب: "هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي" (٢). وقال أيضًا: "إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين" (٣). وقال ابن تيمية: "التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي ﷺ ، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا

стр. 142

هو الواجب" (١). وهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول: "الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله" (٢) وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣). وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا "الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (٤) " (٥). والمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه: "يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال ﵊: أو مسلمًا" (٦) حيث قال: "قوله ﷺ : "أو مسلمًا" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو

стр. 143

منافق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) " (٢). وهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال: "وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي ﷺ في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا" (٤).

стр. 144

المبحث الثالث الكبيرة وحكم مرتكبها وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها المطلب الثالث: حكم مرتكبها

стр. 145

المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر: ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما وردت بذلك النصوص من الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١). - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢). ومن السنة: - قوله ﷺ : "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجْتنبت الكبائِرُ" (٣). - وقوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجُلُ والديه. قالوا: يارسول الله وكيف يلعنُ الرجُلُ والديه؛ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ فيسب أباهُ ويسُب أمَّهُ فيسُب أمَّهُ" (٤). والأحاديث في هذا كثيرة. وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر، وليس فيها صغائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني (٥)، والجويني والقشيري (٦)، والباقلاني،
следующие страницы →