← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده" (١). وقال ابن رجب: "هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي" (٢). وقال أيضًا: "إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين" (٣). وقال ابن تيمية: "التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي ﷺ ، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا

стр. 142

هو الواجب" (١). وهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول: "الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله" (٢) وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣). وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا "الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (٤) " (٥). والمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه: "يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال ﵊: أو مسلمًا" (٦) حيث قال: "قوله ﷺ : "أو مسلمًا" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو

стр. 143

منافق، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) " (٢). وهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال: "وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي ﷺ في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا" (٤).

стр. 144

المبحث الثالث الكبيرة وحكم مرتكبها وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها المطلب الثالث: حكم مرتكبها

стр. 145

المطلب الأول: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر: ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما وردت بذلك النصوص من الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١). - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢). ومن السنة: - قوله ﷺ : "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجْتنبت الكبائِرُ" (٣). - وقوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجُلُ والديه. قالوا: يارسول الله وكيف يلعنُ الرجُلُ والديه؛ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ فيسب أباهُ ويسُب أمَّهُ فيسُب أمَّهُ" (٤). والأحاديث في هذا كثيرة. وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر، وليس فيها صغائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني (٥)، والجويني والقشيري (٦)، والباقلاني،

стр. 146

وابن فورك (١) وغيرهم. ونسبه بعضهم إلى الأشعرية، وحكاه القاضي عياض عن المحققين. قال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن من الذنوب صغائر وكبائر وشذت طائفة: منهم أبو إسحاق الإسفرايني، فقال: ليس من الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس وحكاه القاضي عياض عن المحققين (٢). وقال ابن حجر الهيتمي (٣): "اعلم أن جماعة من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغيرة، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر منهم أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره فقال: "معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيره وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها" (٤). وقد رد القرطبي هذا القول، ونصر القول الأول الذي عليه جماهير أهل العلم فقال: "قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي، وما الفرق بينها وبين الصغائر. فروي عن ابن مسعود: أن الكبائر ما نهى الله

стр. 147

عنه في أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). وعن الحسن: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، وقيل: هي كل ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها كل ما نهى الله عنه" (٢). ثم أنكر نسبة ذلك لابن عباس وردَّه، وبين صحة تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر فقال: "وما أظنه صحيحًا -أي النقل عن ابن عباس-؛ لأنه مخالف لما في كتاب الله من التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرَّق بينها في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٤) فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرَّق بينها في الحكم لمَّا جعل تكفير السيئات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى هذا الفرق على مثل ابن عباس؛ وهو حبر القرآن! فتلك الرواية عن ابن عباس ضعيفة أو لا تصح" (٥). ولكن الحافظ ابن حجر صحَّح هذا النقل عن ابن عباس، ولكنه وجه قوله بعد نقله لقول القرطبي السابق حيث قال: "لكن النقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي (٦) والطبري (٧) بسندِ صحيح على شرط

стр. 148

الشيخين إلى ابن عباس، فالأولى أن يكون المراد بقوله: "ما نهى الله عنه" محمولًا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد كما قيد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه" (١). والقول بتقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، والذي قال به القرطبي هو القول الصحيح الذي عليه جماهير العلماء. قال أبو حامد الغزالي: "إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" (٢). وقال النووي: "وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها" (٣). وقال ابن القيم: "وقد دلَّ القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم والأئمة على أن الذنوب كبائر وصغائر" (٤). وقال ابن حجر الهيتمي: "وقال جمهور العلماء أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر" (٥).

стр. 149

المطلب الثاني: تعريف الكبيرة وتحديدها: الكبيرةُ لغة: من الكبر. قال ابن منظور: "الكِبْرُ: الإثم الكبير وما وعد الله عليه النار. والكِبْرَةُ كالكِبْرِ: التأنيث للمبالغة" (١). "والكبيرةُ: الإثم الكبير المنهيّ عنه شرعًا" (٢). والعلماء الذين قالوا بانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، اختلفوا في تحديد الكبيرة على قولين: القول الأول: منهم من حصرها في عدد معين، فقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة (٣). ولا دليل على ذلك سوى ما يرد في بعض الأحاديث من ذكر بعض هذه الأعداد. القول الثاني: من يرى أن الكبائر لا تحصر بعدد معين، وهذا ما ذهب إليه القرطبي إذ قال عند شرحه لحديث: "اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبقات" (٤): "ولا

стр. 150

شك أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره، ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وفي رواية عنه هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وعلى هذا فاقتصاره ﵇ على هذه السبع في هذا الحديث يحتمل أن يكون هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، ويحتمل أن يكون ذلك، لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خصَّ عددًا من الكبائر والله تعالى أعلم" (١). ثم هؤلاء الذين لا يرون حصرها بموجب هذه الأحاديث بعدد معين اختلفوا في تعريفها بضابط يضبطها على أقوال: قيل: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة، روي هذا عن ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير (٢) ومجاهد (٣)، والحسن (٤). وقيل: "الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، وقال به سفيان الثوري" (٥).

стр. 151

وقيل: كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف ولا ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليها اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. وممن قال بهذا أبو حامد الغزالي (١). وقيل: كل ذنب كبر وعظم عظمًا، يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، وَوصفَ بكونه عظيمًا على الإطلاق. وقاله ابن الصلاح (٢). وقد ذكر القرطبي تعريفًا جيدًا لها إذ قال: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد عليه النكير، فهو كبيرة. وهذا الكلام في غير ما قد ورد بالنص الصريح فيه أنه كبيرة من الكبائر أو أكبر الكبائر" (٣). وقد اختار هذا التعريف الحافظ ابن حجر، وارتضاه، فقال: "ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم" (٤) ثم ساق التعريف السابق. المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة: أجمع أهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة الغير مستحل لها لا يكفر بذلك، بل ينقص إيمانه ولا يذهب بالكلية، بل يقولون مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. والنصوص من الكتاب والسنة قد تضافرت على ذلك. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (٥).

стр. 152

قال ابن جرير: "وقد أبانت الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله" (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣). قال السعدي (٤): "الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب الكبائر التي دون الشرك وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة" (٥). ومن السنة: قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تُشْركوِا بالله شيئًا، ولا تسْرِقوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتلُوا أولادَكُم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونهُ بين أيديكم وأرجُلِكُم ولا تعصُوا في معرُوف، فمنْ وفَّى منكُم فأجْرُهُ على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقِب في الدنيا فهو كفَّارةٌ له، وإن أصابَ من ذلك شيئًا ثم سَتَرَهُ الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنهُ وإن شاء

стр. 153

عاقبهُ" فبايعناه على ذلك (١). وحديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثُمَّ مات على ذلك إلا دخل الجنة قلتُ: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرَق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنْفِ أبي ذرٍّ" (٢). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا هو الذي عليه جماهير العلماء خلافًا للمبتدعة من الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة والمعتزلة الذين جعلوه في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين، فليس بمؤمن ولا كافر، وفي الآخرة خالد مخلد في جهنم، والمرجئة الخالصة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. قال الطحاوي (٣): "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" (٤). وقال الإمام أحمد: "والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحد منهم

стр. 154

بذنب ولا تخرجه من الإسلام" (١). وقد بوَّب البخاري في صحيحه بقوله: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلَّا بالشرك" (٢). وقال أبو عثمان الصابوني (٣) مقررًا عقيدة السلف: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ... وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلد فيها" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه لمذهب أهل السنة: "وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر ... ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار ... ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته" (٥). وقد نهج القرطبي منهج أهل السنة في هذه المسألة فقرر ما ذهبوا إليه من عدم تكفير مرتكب الكبيرة فعند شرحه لحديث: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (٦). قال: "من المعلوم من الشرع المجمع عليه من أهل السنة أن من مات على ذلك فلابد له من دخول الجنة، وإن

стр. 155

جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة ... وهذا معلوم ضروري من الدين مجمع عليه من المسلمين" (١). وقال أيضًا: "من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح (٣) أو بما شاء الله" (٤). وقال: "مذهب أهل الحق أن لا يكفر أحد من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك" (٥). وقد ردَّ على المكفرة بالذنوب من المعتزلة والخوارج وبين تخريج الأحاديث التي تدل بظاهرها على ما ذهبوا إليه فقال في شرحه لحديث أبي هريرة: "ولا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن" (٦): "ظاهر هذا الحديث حجة للخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن يخرج من الإيمان بارتكاب الكبائر غير أن أهل السنة يعارضونهم بظواهر أولى منها كقوله عليه الصلاة

стр. 156

والسلام في حديث أبي ذر: "من مات لا يشركُ بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرَقَ" (١) وكقوله في حديث عبادة بن الصامت: "ومن أصاب شيئًا من -ذلك يعني من القتل والسرق والزنى- فعوقب فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عذبه" (٢) ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). ونحو هذا في الأحاديث كثيرة، ولما صحت هذه المعارضة تعين تأويل تلك الأحاديث الأول وما في معناها وقد اختلف العلماء في ذلك فقال حبر القرآن عبد الله بن عباس: إن ذلك محمول على المستحل لتلك الكبائر وقيل معنى ذلك: إن مرتكب تلك الكبائر يسلب عنه اسم الإيمان الكامل أو النافع الذي يفيد صاحبه الانزجار عن هذه الكبائر وقال الحسن: يسلب عنه اسم المدح الذي سمي به أولياء الله المؤمنون ويستحق اسم الذم الذي سمي به المنافقون والفاسقون ... وكل هذه التأويلات حسنة والحديث قابل لها وتأويل ابن عباس هذا أحسنها" (٤). ولا شك أن حديث عبادة بن الصامت صريح في رد مذهب المكفرة بالذنوب، وقد قال عند شرحه: "وهذا تصريح بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأن الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنص والإجماع، وهو حجة لأهل السُّنَّة على المكفرة للذُّنوب وهم الخوارج وأهل البدعة" (٥).

стр. 157

وكذلك حديث الشفاعة أيضًا، حيث قال فيه: "وهذا الحديث ردٌّ على الخوارج والمعتزلة حيث حكمُوا بخلود أهل الكبائر في النار وأنهم لا يخرجون منها أبدًا" (١). وحمل جميع ما يرد من هذه الأحاديث الدالة بظاهرها على تكفير أهل الكبائر على هذه المحامل مع تخريج كل حديث بما يناسب سياقه، وقد قال عند شرحه لحديث: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (٢) بعد أن بين مفهوم الحديث على ضوء معتقد أهل السنة والجماعة قال: "وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمل ما في هذا الباب مما قال فيه النبي ﷺ إن فاعله لا يدخل الجنة مما ليس بشرك للأدلة المتقدمة ولما يأتي في أحاديث الشفاعة" (٣). والمازري أيضًا وافق أهل السنة بقولهم هذا ورد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة فيما ذهبوا إليه، وإن كان نسب هذا القول إلى الأشعرية، فقال عند شرحه لحديث: "من مات وهو يعلمُ أنَّهُ لا إله إلَّا الله دخل الجنة" (٤): "اختلف الناس فيمن عصى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة: "لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره المعصية ويكفر بها، وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق. وقالت

стр. 158

الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب، فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة. وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به قلنا: محمله على أنه غُفِرَ له وأُخرِجَ من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون المعنى في قوله: "دخل الجنة" أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابد من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع" (١). وبين في شرحه لمثل هذه الأحاديث أنها لا تحمل على ظاهرها بمعزل عن الأحاديث الأخرى المبينة لها دفعًا لمذهب الخوارج فقال عند شرحه لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٢): "قيل معنى مؤمن أي آمن من عذاب الله ويحتمل أن يحمل على أن معناه: أن يكون مستحلًا لذلك، وقد قيل: معناه أي كامل الإيمان، وهذا على قول من يرى أن الطاعات تسمى إيمانًا. وهذه التأويلات تدفع قول الخوارج أنه كافر بزناه، وقول المعتزلة أن الفاسق الملّيّ لا يسمى مؤمنًا تعلقًا من الطائفتين بهذا الحديث، وإذا احتمل ما قلناه لم تكن لهم فيه حجة" (٣).

стр. 159

الفصل الثاني توحيد الربوبية وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: التمهيد: علم الكلام وموقف السلف منه المبحث الأول: أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين. المبحث الثاني: معنى توحيد الربوبية وأدلته المبحث الثالث: الإيمان بالقدر

стр. 160

التمهيد علم الكلام وموقف السلف منه مما لا شك فيه أن علم الكلام الذي خاض فيه من خاض، فقعَّدوا له القواعد، وبنوا عليه المسائل، وألزموا الناس من خلاله بمنهج لم يأت في كتابٍ ولا سنة، ولا عرفه سلف هذه الأمة، وقد ترتب عليه من المحاذير ما الله به عليم، خصوصًا ما يتعلق بتوحيد الربوبية، ومعرفة الله تعالى، لذا وضعت هذا التمهيد لهذا الفصل في ذم الكلام وأهله وموقف السلف منه. لقد أمر الله تعالى بلزوم الكتاب والسنة، ونهى عن الخصومات في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١)، وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة" (٢). وقد حرص الصحابة ﵃ على الالتزام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والكلام المذموم، والمجادلة بالباطل. وما قصة عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل (٣) وتأديبه، والنهي عن

стр. 161

مجالسته - بسبب كثرة أسئلته ومجادلاته بالباطل (١) - إلَّا نموذجًا على حرص الصحابة ﵃ على إقفال هذا الباب، والتحذير من هذا المسلك. قال ابن مسعود ﵁ "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر" (٢). وقد سار التابعون، ومن بعدهم من السلف، على هذا المنهج، وازَداد تحذيرهم من هذا المسلك بعدما أحدث المتكلمون المسائل الكلامية البدعية، وما صاحبها من الألفاظ المحدثة الموهمة. قيل لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة" (٣). وقال الإمام مالك: "لو كان الكلام علمًا، لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطلٌ، يدل على باطلٍ" (٤). وقال الإمام الشافعي: "لأن يُبْتَلى المرءُ بكل ما نهى اللهُ عَنه -ما عدا الشرك به- خيرٌ من النظر في الكلام" (٥).

стр. 162

وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (١). وقال أبو يوسف (٢): "من طلب الدين بالكلام تزندق" (٣). وقال البربهاري (٤): "اعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام، والجدال والمراء، والخصومة والعجب" (٥). وهكذا تضافرت نصوص السلف في التحذير من علم الكلام وذمه. وهذا التحذير ينصب على علم الكلام المخالف للكتاب والسنة، مما أُدْخِلَ في العقيدة من الدلائل والمسائل المبتدعة، التي تكون سببًا في ضعف الإيمان، وقلة تعظيم الكتاب والسنة. والقرطبي ﵀ له كلامٌ قويٌ جميلٌ في الرد على المتكلمين، وذم ما هم فيه، وبيان المحاذير المترتبة على الكلام، نقله الإمام الحافظ ابن حجر بطوله في الفتح -كما تقدم ذكره- خصوصًا أن القرطبي أخذ علم الكلام في بداية طلبه، كما قال ابن مسدي عنه: "أخذ

стр. 163

نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (١). وقال المقري: "وكان يشتغل أولًا بالمعقول" (٢). فنقده لعلم الكلام نقد المجرب الخبير، حيث قال عند شرحه لحديث: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ" (٣): "وهذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك؛ الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها! ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والأكوان والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها، وأن الكلام هل هو متحد أو منقسم؟ وإذا كان منقسمًا فهل ينقسم بالأنواع أو بالأوصاف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؟ ثم

стр. 164

إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حدٌّ تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذا قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، ولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار، فإنك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها وعن كيفية إدراكاتك مع أنك تدرك بها، وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات، منزه عن صفاتها، مقدَّس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به. ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه، قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، هذه طريقة السلف، وما سواها مهاوٍ وتلف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين ... ". ثم ذكر أقوالًا في ذم الكلام لعمر بن عبد العزيز (٢)، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن عقيل (٣) سبق بعضها، ثم بيَّن رجوع كثير من

стр. 165

أئمة المتكلمين عن الكلام، كإمام الحرمين، والوليد بن أبان الكرابيسي (١)، وأبي الوفا بن عقيل، والشهرستاني (٢) وذكر أقوالهم في ذلك، ثم قال: " ... ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذمُّ به إلَّا مسألتان هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك: إحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات: الشك في الله تعالى. والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين من السلف الماضين، وأئمة المسلمين ... عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس، لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغتر كثيرٌ من الجُهَّال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليَّ من النصيحة، والله تعالى يتولى إصلاح القلوب الجريحة" (٣). وسبب ذم السلف لعلم الكلام، وتشديدهم في النكير على أهله، إنما كان لعلمهم أن الكتاب والسنة يفيان بما يحتاجه الناس، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 166

لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١). وقد وسع الصحابة ﵃ والتابعين ذلك، فلم يخوضوا في علم الكلام، والحق في الاتباع وترك الابتداع. إضافة إلى أن علم الكلام يؤدي بأهله إلى الشك والحيرة؛ لاشتماله على مسائل مبتدعة، ومعاني باطلة، بنيت على أصول فاسدة، حيث عظموا العقل، وجعلوه حاكمًا على الكتاب والسنة، فضعف خضوعهم للكتاب والسنة، وقلَّت عنايتهم بهما، فعرضوا مسائل العقيدة وفق منهج كلامي، وقالب فلسفي جدلي، مما يؤدي إلى صرف الناس عن إدراك حقيقة العقيدة الصافية السهلة الواضحة. ثم إنهم أفنوا أعمارهم في توحيد الربوبية، وإثبات أدلة وجود الله تعالى، وهو أمِرٌ فطري، لا يحتاج إلى كل ذلك، وأغفلوا توحيد الألوهية، الذي خلِق الناس لأجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢). فلم يكن ما خاضوا فيه علمًا نافعًا، ولا منهجًا صائبًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: "من أعظم الناس حشوًا وقولا للباطل وتكذيبًا للحق" (٣). على أن من خاض من السلف في بعض المسائل التي لم تكن معروفة عند المتقدمين منهم، إنما فعل ذلك مضطرًا مجبرًا للدفاع عن الإسلام، ودفع شبه الملحدين والزنادقة، الذين يدّعون علم المعقول، ويطعنون في الكتاب والسنة، كما قال الإمام الدارمي (٤) ﵀:

стр. 167

"وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رُزِقُوا العافية منهم، وابتُلِيْنَا بهم عند دروس الإسلام، وذهاب العلماء، فلم نجد بُدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطلِ بالحق" (١). وقال ابن تيمية: "فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه" (٢). وكذلك ينبغي أن يُعلم أن الذين خاضوا في علم الكلام، وأخذوا بأقوال المتكلمين ليسوا على درجة واحدة، ولا يلحق الذم المذكور عن السلف جميع هؤلاء، بل هم درجات وبعضهم أقرب إلى السنة من بعض، إذ منهم من تابع أهل الكلام، وانخدع بأقوالهم، لعدم معرفته بالحق في بعض المسائل، مع تعظيمه لنصوص الشرع، ونصرته للحق، فهذا لا يقارن بمن حرَّف الكلِمَ عن مواضعه، وأصَّل أصولًا من عقله، وجعلها حاكمًا على شرع الله" (٣).

стр. 168

المبحث الأول أول واجب على المكلف والرد على المتكلمين لقد سلك كثير من المتكلمين في معرفة الله تعالى والاستدلال على وجوده طرقًا ملتوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لهم في ذلك دليل من كتاب أو سنة، أو فهم سلف الأمة. وقد ترتب على ما ذهبوا إليه من المفاسد ما لا يحصى كثرةً، وقولهم هذا راجع إلى اعتقادهم بأن معرفة الله تعالى نظرية وليست فطرية، أي لا يوجد في القلوب معرفة للخالق سبحانه قبل النظر، لذا اعتبروه أول الواجبات على العبد. قال الباقلاني: "أول ما فرض الله على العباد النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته، لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مُشاهد بالحواس، إنما يُعْلَم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله، بالأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة" (١). وقال الجويني: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحُلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح" (٢). وقد ذكر الباجوري (٣) الأقوال في أول واجب على المكلف، ثم قال بعد ذلك في محاولة للجمع بينها: "الأصح أن أول واجب قصدًا: المعرفة، وأول واجب وسيلة قريبةً: النظر. ووسيلة بعيدة: القصد إلى

стр. 169

النظر وبهذا يجمع بين الأقوال الثلاثة" (١). وهذا القول هو الذي عليه عامة الأشاعرة، وقد أخذوه عن المعتزلة. قال أبو جعفر السمناني (٢): "إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك" (٣). ويترتب على قولهم هذا إخراج لعامة المسلمين من الإسلام، بل تكفير لسلف الأمة وَخَلَفِها، وقد بيَّنوا أن هذه الطريقة لا يعرفها كل أحد، فجعلوا الإيمان بالله والدخول في دينه لا يستطيعه إلَّا من رسخ في العلم بزعمهم. ولهذا لما عدَّد شارح "الجوهرة" المطالب السبعة التي يتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى قال: "وهذه المطالب لا يعرفها إلَّا الراسخون في العلم" ثم قال: "قال السنوسي (٤): وبها ينجو المكلف من أبواب جهنم السبعة" (٥). فانظر كيف جعل السنوسي عاقبة ترك هذه المطالب على المكلف سواء كان من العوام أو من العلماء الراسخين في العلم، وانظر كيف اعترف الباجوري بأنه لا يعلمها إلَّا الراسخون في العلم، فيكونون على هذا هم الناجين فقط دون من سواهم، ويكون العوام وهم أكثر المسلمين ليسوا بناجين من النار، بل حتى العلماء الذين ليسوا براسخين في العلم،

стр. 170

وهذا تحجير لواسع، وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه" (١). ولا شك أن في الكتاب والسنة تعريفًا للناس بخالقهم بطرق سهلة ميسرة لا تخفى على أحد، ولا تحتاج لرسوخ في العلم، ودقةٍ في النظر، مع ما في فِطَرِ الناس من معرفة لله تعالى. والرسول ﷺ ما أمر الناس بالفظر أو طلب منهم ذلك، أو سأل من دخل في الإسلام عنه، إنما كانت الدعوة إلى الشهادتين فمن فعل ذلك دخل في الإسلام وحكم له به. قال ابن تيمية: "والنبي ﷺ لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه (٢). وقال ابن حزم: "وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا، لا يشك فيه، وقال بلسانه: لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن كل ما جاء به حق وبرئ من كل دين سوى دين محمد ﷺ فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك" (٣). وقال أبو المظفر السمعاني (٤): "إنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري. وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين ولو

стр. 171

أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي ﷺ ، ولا من الصحابة ﵃، وكذلك من التابعين بعدهم" (١). والرد على هؤلاء من وجهين: أولًا: أن معرفة الله تعالى ليست نظرية، بل فطرية، وسيأتي بيان ذلك. ثانيًا: أن أول الواجبات على العبد النطق بالشهادتين، كما جاءت بذلك النصوص من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٣). وقول الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حينما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسُولُ الله ... " (٤). وقوله ﷺ : "أمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدُوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسُولُ الله ... " (٥). وهذا متفق عليه بين السلف، كما تبين من النصوص السابقة. والقرطبي ﵀ نصر قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة،

стр. 172

وخالف الأشاعرة ومن وافقهم في قولهم هذا، حيث قال بعد ذكره لأركان الإيمان: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا لا ريب فيه، ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة. على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصح الإيمان الشرعي، إلَّا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية وحصول العلم بنتائجها ومطالبها ومن لم يحصل إيمانه كذلك، فليس بمؤمن ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك وتبعهم على ذلك جماعة من متكلمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح، إذ المطلوب من المكلفين ما يقال عليه: إيمان كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢). والإيمان: هو التصديق لغة وشرعًا، فمن صدق بذلك كله ولم يجوز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله به، على نحو ما أمره الله تعالى ومن كان كذلك فقد تقصَّى عن عهدة الخطاب، إذ قد عمل بمقتضى السنَّة والكتاب، ولأنَ رسول الله ﷺ وأصحابه بعده حكمُوا بصحَّة إيمان كلّ من آمن وصدق بما ذكرناه، ولم يفرقوا بين من آمن عن برهان، أو عن غيره، ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر ولا سألوهم عن أدلَّة تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانهم حتى ينظروا وتحاشوا

стр. 173

عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سموهم المؤمنين والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حررها المتكلمون ورتبها الجدليون إنما أحدثها المتأخرون ولم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله وأخذًا عن رسول الله ﷺ وتبليغًا لشريعته وبيانًا لسُنَّته وطريقته" (١). وبيَّن في موضعٍ آخر فساد ما ذهبوا إليه، وخطورة ما يترتب عليه، فقال: "ولو لم يكن في الكلام شيءٌ يُذَمُّ به إلَّا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذم، وجديرًا بالترك. إحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى. والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها، والأبحاث التي حرروها فلا يصح إيمانه وهو كافر. فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه وأسلافه، وجيرانه، وقد أُورد على بعضهم هذا فقال: لا يُشَنَّع علي بكثرة أهل النار ... ومن شك في تكفير من قال: إن الشك في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفار، فهو كافر شرعًا، أو مختل العقل، وضعًا إذ كل واحدة منها معلومة الفساد بالضرورة الشرعية، الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروري يصار إليه في الشرعيات ولا العقليات" (٢). ولا شك أن من ذهب إلى هذا القول ليس له حجة في ذلك، وما

стр. 174

تمسكوا به في حديث معاذ لا يسلم لهم، بل هو حجة عليهم، وقد بيَّن القرطبي هذا فقال: "قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم". أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية الأخرى: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي ﷺ به معاذًا هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي ﷺ يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين، على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (١). قال الشوكاني (٢) ﵀ رادًّا على المتكلمين في قولهم في هذه المسألة، مبينًا ما يترتب عليها من النتائج الفاسدة: "فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها، الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته" (٣).

стр. 175

المبحث الثاني معنى توحيد الربوبية وأدلته وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريفه لغة المطلب الثاني: تعريفه شرعا المطلب الثالث: أدلته: أ - دليل الفطرة. ب - دليل الخلق. جـ - دليل المعجزة.

стр. 176

المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية لغة: قال الجوهري: "رب كل شيء مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله " (١). وقال ابن فارس (٢): "رب: الراء والباء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه، فالربُّ: المالكُ والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلح للشَّيء. يُقال: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، إذا قام على إصلاحها ... والله جلَّ ثناؤُه الرَّبُّ؛ لأنه مصلحُ أحوال خلقه" (٣). وقال ابن قتيبة (٤): "الرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ورب الغلام، أي مالكه، قال الله سبحانه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٥) أي: إلى سيدك. ولا يقال لمخلوق: هذا الرب، معرَّفًا بالألف واللام، كما يقال لله، إنما يقال، هذا رب كذا، فيعرف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب، دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا، نسب إلى شيء خاص" (٦). وقال القرطبي: "وأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه إذا

стр. 177

أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك" (١). المطلب الثاني: تعريف توحيد الربوبية شرعًا: هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر (٢). قال ابن القيم: "فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبدٌ له في قبضته، وتحت قهره" (٣). وهذا هو الذي قرره القرطبي ﵀ وأشار إليه في أكثر من موضع حيث قال: "إن الله تعالى يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإن إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم" (٤). وقال أيضًا: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال ... وأنه واحد، صمد، فرد، خالق جميع المخلوقات، متصرف فيها بما يشاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء" (٥).

стр. 178

وهذا التوحيد هو أساس أنواع التوحيد الأخرى؛ لأن الخالق المالك الرازق المدبر هو المستحق للعبادة والخضوع، وهو المستحق لأوصاف الجلال والكمال. وقد زعم أهل الكلام ومن وافقهم أن هذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل، وأُنزلت لأجله الكتب، فأطالوا في إثباته، وتوسعوا في تقريره. قال شارح الطحاوية في تعريفه لتوحيد الربوبية: "الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام، وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات" (١). ولا شك أن التوحيد الذي جاءت بالدعوة إليه الرسل هو توحيد العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢). وهو الذي أنكره كفار قريش، فما نفعهم إيمانهم بتوحيد الربوبية -مع كفرهم بتوحيد الألوهية- كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ

стр. 179

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (١). فهم عبدوا الأصنام، وأشركوها مع الله تعالى في العبادة، مع إقرارهم بتفرد الله بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة. المطلب الثالث: أدلة توحيد الربوبية: تبين مما سبق أن الاعتقاد بوجود الله سبحانه أمرٌ فطريٌّ، لا يحتاج إلى دليل، ولكن انحراف بعض طوائف الملحدين، أوجد الحرص على إبراز الأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة، والعقل السليم، والتي تدل على وجود الله ، لرد أولئك إلى الفطر السليمة التي فطر الله الناس عليها. قال شيخ الإسلام: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها" (٢). فهذه القضية مع وضوحها تخبط فيها بعض الناس، فأكثروا فيها من القيل والقال، واشتد النزاع وطال الجدال. فأهل الكلام من المعتزلة وغالب الأشاعرة أنكروا المعرفة الفطرية التي في قلب العبد، وأوجبوا النظر لمعرفة الله تعالى -كما سبق-. وأما أهل السنة والجماعة فقد استدلوا على وجود الله بعدة أدلة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كدليل الفطرة، ودليل الخلق ودليل المعجزة، وهو ما ذهب إليه القرطبي ﵀ موافقًا فيه السلف

стр. 180

معرضًا عن منهج أهل الكلام. وأما المازري فله كلام في دليل الفطرة يفهم منه ميله إلى إثبات أن الفطرة هي دين الإسلام كما سيأتي مفصلًا. أ- دليل الفطرة: ذكر القرطبي تعريف الفطرة لغة وشرعًا. فقال في تعريفها اللغوي: "أصل الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه فطر ناب البعير إذا ابتدأ خروجه. ومنه قول الأعرابي المتحاكم إلى ابن عباس في البئر "أنا فطرتها" أي ابتدأت حفرها" (١). وقال في تعريفها شرعًا: "أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به" (٢). ودليل الفطرة من كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣). ومن السنة قوله ﷺ : "ما من مولُود إلَّا يُولَدُ على الفطرة، فأبَواهُ يُهَوِّدَانِه، ويُنصِّرَانه ويُمَجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تحشُون فيها من جدعاء" (٤). وقوله ﷺ في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه قال: "إنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كُلَّهُم وإنَّهُم أتتهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهِم
следующие страницы →