← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية لغة: قال الجوهري: "رب كل شيء مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله " (١). وقال ابن فارس (٢): "رب: الراء والباء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه، فالربُّ: المالكُ والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلح للشَّيء. يُقال: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، إذا قام على إصلاحها ... والله جلَّ ثناؤُه الرَّبُّ؛ لأنه مصلحُ أحوال خلقه" (٣). وقال ابن قتيبة (٤): "الرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ورب الغلام، أي مالكه، قال الله سبحانه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٥) أي: إلى سيدك. ولا يقال لمخلوق: هذا الرب، معرَّفًا بالألف واللام، كما يقال لله، إنما يقال، هذا رب كذا، فيعرف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب، دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا، نسب إلى شيء خاص" (٦). وقال القرطبي: "وأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه إذا

стр. 177

أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك" (١). المطلب الثاني: تعريف توحيد الربوبية شرعًا: هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر (٢). قال ابن القيم: "فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبدٌ له في قبضته، وتحت قهره" (٣). وهذا هو الذي قرره القرطبي ﵀ وأشار إليه في أكثر من موضع حيث قال: "إن الله تعالى يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإن إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم" (٤). وقال أيضًا: "الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال ... وأنه واحد، صمد، فرد، خالق جميع المخلوقات، متصرف فيها بما يشاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء" (٥).

стр. 178

وهذا التوحيد هو أساس أنواع التوحيد الأخرى؛ لأن الخالق المالك الرازق المدبر هو المستحق للعبادة والخضوع، وهو المستحق لأوصاف الجلال والكمال. وقد زعم أهل الكلام ومن وافقهم أن هذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل، وأُنزلت لأجله الكتب، فأطالوا في إثباته، وتوسعوا في تقريره. قال شارح الطحاوية في تعريفه لتوحيد الربوبية: "الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام، وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات" (١). ولا شك أن التوحيد الذي جاءت بالدعوة إليه الرسل هو توحيد العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢). وهو الذي أنكره كفار قريش، فما نفعهم إيمانهم بتوحيد الربوبية -مع كفرهم بتوحيد الألوهية- كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ

стр. 179

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (١). فهم عبدوا الأصنام، وأشركوها مع الله تعالى في العبادة، مع إقرارهم بتفرد الله بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة. المطلب الثالث: أدلة توحيد الربوبية: تبين مما سبق أن الاعتقاد بوجود الله سبحانه أمرٌ فطريٌّ، لا يحتاج إلى دليل، ولكن انحراف بعض طوائف الملحدين، أوجد الحرص على إبراز الأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة، والعقل السليم، والتي تدل على وجود الله ، لرد أولئك إلى الفطر السليمة التي فطر الله الناس عليها. قال شيخ الإسلام: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها" (٢). فهذه القضية مع وضوحها تخبط فيها بعض الناس، فأكثروا فيها من القيل والقال، واشتد النزاع وطال الجدال. فأهل الكلام من المعتزلة وغالب الأشاعرة أنكروا المعرفة الفطرية التي في قلب العبد، وأوجبوا النظر لمعرفة الله تعالى -كما سبق-. وأما أهل السنة والجماعة فقد استدلوا على وجود الله بعدة أدلة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كدليل الفطرة، ودليل الخلق ودليل المعجزة، وهو ما ذهب إليه القرطبي ﵀ موافقًا فيه السلف

стр. 180

معرضًا عن منهج أهل الكلام. وأما المازري فله كلام في دليل الفطرة يفهم منه ميله إلى إثبات أن الفطرة هي دين الإسلام كما سيأتي مفصلًا. أ- دليل الفطرة: ذكر القرطبي تعريف الفطرة لغة وشرعًا. فقال في تعريفها اللغوي: "أصل الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه فطر ناب البعير إذا ابتدأ خروجه. ومنه قول الأعرابي المتحاكم إلى ابن عباس في البئر "أنا فطرتها" أي ابتدأت حفرها" (١). وقال في تعريفها شرعًا: "أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به" (٢). ودليل الفطرة من كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣). ومن السنة قوله ﷺ : "ما من مولُود إلَّا يُولَدُ على الفطرة، فأبَواهُ يُهَوِّدَانِه، ويُنصِّرَانه ويُمَجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تحشُون فيها من جدعاء" (٤). وقوله ﷺ في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه قال: "إنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كُلَّهُم وإنَّهُم أتتهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهِم

стр. 181

وحرَّمت عليهم ما أحْلَلتُ لهُم" (١). وقد اختلف في الفطرة الواردة في الآية والحديثين على أقوال: قيل: الفطرة هي الإسلام، وقيل: قدرة العبد على معرفة الله تعالى بعد بلوغه فهو يولد سالمًا ليس في قلبه شيء، وقيل: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها من الحياة والموت والسعادة والشقاوة. وقيل: ما أخذ عليهم من الميثاق قبل خروجهم إلى الدنيا. وقيل: هي ما كتب عليهم فمنهم من فطر على الإيمان ومنهم من فطر على الكفر (٢). والقول الراجح الذي تؤيده الأدلة هو القول الأول الذي فسر الفطرة بالإسلام وهو الذي عليه عامة السلف وأكثر المفسرين. قال مجاهد: "فطرة الله: أي الإسلام" (٣). وقال البخاري: "باب لا تبديل لخلق الله": لدين الله، والفطرة: الإسلام" (٤). وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإسلام وهو المعروف عند عامة السلف" (٥). وهو الذي رجَّحه القرطبي، ورد الأقوال الأخرى لمخالفتها

стр. 182

للأدلة، فقال عند شرحه لحديث: "ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة" (١): "اختلف الناس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وفي الآية فقيل: هي سابقة السعادة والشقاوة وهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢) وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير، وقيل: هي ما أخذ عليهم من الميثاق، وهم في أصلاب أبائهم، وهذا إنما يليق بالرواية التي جاء فيها: "كل مولود يولد على الفطرة" ويبعد في رواية من رواه "على هذه الملة" وهي إشارة إلى ملة الإسلام. وقال بظاهر هذه الآية طائفة من المتأولين، وهذا القول أحسن ما قيل في ذلك -إن شاء الله تعالى- لصحة هذه الرواية، ولأنها مبينة لرواية من قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحًا في الصحيح: "جبل الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين" (٣) وقد تقدم هذا المعنى وقد دلَّ على صحة هذا المعنى بقية الخبر حيث قال: "كلما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق سليمًا من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يُتصرفُ فيه، فتجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك

стр. 183

الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح" (١). وقول القرطبي السابق موافقٌ للقول الصحيح في هذه المسألة، أما قوله: "إن الله خلق بني آدم مؤهلة لقبول الحق"، وقوله في تعريف الفطرة: "أي جبلة الله التي جبلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار به" والتي نقلتها سابقًا فلا يفهم منه مخالفته للقول الصحيح، فقد نقل الحافظ بن حجر عن الطيبي (٢) قوله: إن المراد بالفطرة: تمكن الناس من الهدى من أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالتقليد. ثم قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي في المفهم (٣). فقول القرطبي موافق للمشهور عن السلف؛ لأن السلف الذين فسَّروا الفطرة بالإسلام لم يقصدوا أن المولود يولد عالمًا بأحكام الدين، وإنما قصدوا أن الفطرة تستلزم معرفة الله تعالى وتوحيده من غير سبب خارجي (٤). ولذا نقل الحافظ ابن حجر عقب نقله لقول القرطبي السابق قول ابن القيم الذي يوضح هذا المعنى حيث قال: "ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ

стр. 184

مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) ولكن المراد أن الفطرة مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته ... كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خُلِّيَ وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره" (٢). وأما المازري فقد ذكر الأقوال التي قيلت في الفطرة، ولم يرجح، لكن رده للأقوال الأخرى المخالفة لتفسير الفطرة بالإسلام يدل على ترجيحه لهذا القول، وسياق كلامه يظهر ذلك، حيث قال عند شرحه لحديث: "ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة" (٣): "ذهب بعض الناس إلى أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث ما أُخذ عليهم وهم في أصلاب آبائهم، وأن الولادة تقع عليها حتى يقع التغير بالأبوين. وذهب بعض الناس إلى أن الفطرة هي ما قضي عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها، وهذا التأويل إنما يليق بما في بعض الطرق، وهو قوله: "على الفطرة مطلقًا"، وأما ما وقع في بعض الطرق وهو قوله: "على هذه الفطرة" وقوله في أخرى: "إلَّا وهو على هذه الملة" فإن هذه الإشارة إلى فطرة معينة وملة معينة تمنع هذا التأويل وقد يتعلق هؤلاء بقوله: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا" (٤) وظاهر هذا يمنع من كون كل مولود يولد على هذه الفطرة، وقد ينفصل الأخرون عنه بأن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التي ولد عليها، وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالفطرة ما هيء له وكان مناسبًا لما وضع في العقول، وفطرة الإسلام صوابها كالموضوع في العقل، وإنما يدفع العقل عن

стр. 185

إدراكه آفة وتغيير من قبل الأبوين وغيرهما" (١). فذكره الأقوال السابقة، والرد عليها، ثم ذكر تفسير الفطرة بالإسلام، ووجه ذلك، وعدم إعقابه بالرد يدل على اختياره لهذا القول. وقد وجَّه أيضًا الحديث القدسي الذي قال فيه الله تعالى فيما يرويه عنه رسوله ﷺ : "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كُلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُهُ" (٢) فقال: "ظاهره أن الناس على الضلال يخلقون إلَّا من هداه سبحانه، وقد ذكر في الحديث الآخر أنهم على الفطرة يولدون وقد يراد بهذا هاهُنا وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي ﷺ ، أو أنهم إن تركوا وما في طباعهم من إيثار الراحة وإهمال النظر ضلوا إلَّا من هداه الله سبحانه" (٣). وقد جمع القرطبي بين الحديثين، وبيَّن أنه لا تعارض بينها، فقال: "لا معارضة بين قوله تعالى: "كلكم ضال إلَّا من هديته" وبين قوله: "كل مولود يولد على الفطرة"؛ لأن هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها الذي بينه النبي ﷺ بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء"" (٤). ب- دليل الخلق: إن المتأمل في هذا الكون العظيم الصنع في أجرامه السماوية ومخلوقاته الأرضية في الليل والنهار في سائر الكائنات والمخلوقات وما تدل عليه من بديع الصنع، وقمة الإعجاز، فهي آيات باهرة ودلالات

стр. 186

واضحة تدل على أن لهذا الكون خالقًا مدبرًا أوجده وأبدعه، وأحكم صنعه، وهذا يعرفه كل من نظر في هذه المخلوقات وتدبر في هذه الكائنات (١). ولذا عندما سئل أحد الأعراب بما عرف الله؟ قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العليم الخبير؟ ! . ولهذا قالت الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم -كما حكى الله تعالى عنهم-: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) فقولهم فاطر السموات والأرض إشارة إلى استنكار الشك فيمن هذا صنعه وأثره. والقرآن مليء بالآيات التي تدعو الإنسان إلى التفكر في خلق الله تعالى، والنظر في ملكوت السموات والأرض؛ لأن ذلك سببٌ لإيمان من طمست فطرته، فجحد الله تعالى، وسببٌ لزيادة إيمان المؤمن وقوة يقينه بالله تعالى. قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى

стр. 187

يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (٢). وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك. قال ابن تيمية ﵀: "فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دلَّ القرآن عليها، وهدى الناس إليها، وبيَّنها وأرشد إليها ... هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به ودل به، وبيِّنه واحتج به، فهو دليلٌ شرعيٌّ؛ لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي؛ لأنه بالعقل تعلم صحته" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له ايات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب" (٤). وقال أيضًا: "وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به وبوحدانيته وصفات كماله، ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه، ، وكمال حكمته وإحسانه، وبره ولطفه، وعدله، ورضاه، وغضبه، وثوابه وعقابه، فبهذا

стр. 188

تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته" (١). ولقد عقد الإمام ابن منده ﵀ في كتابه "التوحيد" عدة فصول تدل على هذا المعنى، وساق تحتها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وفهم السلف لتلك النصوص (٢). وقد بيَّن القرطبي أن هذه المخلوقات تدل على وجود الله ، فما ترى من الشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها من المخلوقات العظيمة دالة على ذلك حيث قال: "الشمس والقمر دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره وكمال إلهيته" (٣). وأشار ﵀ إلى أن النظر في هذه المخلوقات يؤدي بالعبد إلى الإيمان بالله تعالى، واليقين به سبحانه، وأن العاقل هو الذي يقوده هذا التفكر إلى الإيمان بالله تعالى والدخول في دينه، فعند شرحه لحديث أنس الذي قال فيه: "جاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم ... " (٤). قال القرطبي ﵀: هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان

стр. 189

نظر بعقله في المخلوقات فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبي ﷺ عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصح العلم بالرسول إلَّا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل وأن الله تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأله به هل أرسله؟ " (١). وهذا دليلٌ عقليٌّ على إثبات الخالق فهذه المخلوقات لا شك أنها تدل على الخالق بالنظر والتفكر فيها، ووجود هذه المخلوقات من غير خالق أمر يحيله العقل، فهذه الموجودات محدثة، فهي موجودة بعد أن لم تكن، فهي إما أن تكون وجدت من عدم أو من محدث لها. والأول معلوم البطلان عقلًا، فلابد إذًا من محدث لها. فإما أن تكون أحدثت نفسها، وهذا معلوم البطلان أيضا، وإما أن يكون المُحْدِثُ مُحَدثًا لمُحدثٍ آخر، وهذا الأخيرُ مُحْدَث لمُحْدِثِ آخر أيضا إلى ما لا نهاية. وهذا باطلٌ؛ لأنه يؤدي إلى الدور أو التسلسل، فلابد أن تحتاج إلى محدث أول لها قديم أزلي لا يحتاج إلى غيره، وهو واجب الوجود (٢) وهو الله .

стр. 190

وهذا الاستدلال يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (١). قال ابن القيم في تفسيره لهذه الآية: "فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة، يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خُلقوا من غير خالق خلقهم، فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل ... ثم قال: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه ... وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم، وفاطرًا فطرهم، فهو الإله الحق الذي يستحق العبادة" (٢). وقد استدل القرطبي بهذ الدليل العقلي فقال: "العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه متغير في ذاته، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول، فلابد أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره يستحيل عليه التغير (٣)، وهو المعبر عنه بلسان النظار بواجب الوجود، وفي لسان الشرع بالصمد، المذكورفي قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤) " (٥). وهذا الدليل يعرفه كل أحد إذ مخلوقات الله ظاهرة

стр. 191

واضحة وفيها دلالة بينه، ولكن يؤكد على هذا الدليل ويوجَهُ إليه خاصة من انقدحت الشبُه في قلبه، فتمكنت منه فأفسدته حتى أنكر الخالق أوشك فيه. وقد بيَّن القرطبي هذا عند شرحه لقول الرسول ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستتعذ بالله ولينته" (١) حيث قال: "قوله في الحديث الآخر: "قل آمنت بالله" أمرٌ بتذكر الإيمان الشرعي واشتغال القلب به لتمحى تلك الشبهات وتضمحل تلك الترهات وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرضُ الترهات لها ولا تمكث فيها، فإذا استعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحتها وانحفظت سلامتها، فأما القلوب التي تمكنت أمراض الشُّبه فيها ولم تقدر على دفع ما حل بها بتلك الأدوية المذكورة فلابد من مشافهتها بالدليل العقلي والبرهان القطعي كما فعل النبي ﷺ مع الذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي ﷺ : "لا عدوى" (٢) فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال النبي ﷺ : "فمن أعدى الأول" فاستأصل الشبهة من أصلها وتحرير ذلك على طريق البرهان العقلي أن يقال: إن كان الداخل أجربها فمن أجربه، فإن كان أجربه بعير أخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو يدور وكلاهما محال، فلابد أن نقف عند بعير أجربه الله من

стр. 192

غير عدوى" (١). ووجدت للمازري كلامًا في هذا الدليل ذهب فيه إلى قريب مما ذكره القرطبي حيث قال في شرحه للحديث السابق: "أمره ﵇ لهم عند وجود ذلك أن يقول: "آمنت بالله": فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقره ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلَّا باستدلال ونظر في إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: "لا عدوى" مع قول الأعرابي: فما بال الإبل الصحاح تجرب بدخول الجمل الأجرب فيها، وعلم ﷺ أنه اغتر بهذا المحسوس وأن الشبهة قدحت في نفسه فأزالها ﵇ من نفسه بالدليل فقال له: "فمن أعدى الأول" (٢). ثم فصَّل في شرح كيفية ذلك كما فعل القرطبي. جـ دليل المعجزة: إن المعجزات التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله عليهم الصلاة والسلام وتصديقًا لهم، هي من دلائل ربوبيته وإثبات وحدانيته. ذلك أنه إذا ثبتت نبوة الرسول ﷺ بحصول المعجزة، وجب تصديقه في كل ما يخبر به، والاستجابة لكل ما يدعو إليه، وأعظم ذلك إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته والدعوة إلى توحيده.

стр. 193

قال ابن تيمية ﵀: "المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة -التي هي فعلٌ خارقٌ للعادة- تدل بنفسها على ثبوت الصانع كسائر الحوادث بل هي أخص من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الرب عندها ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته ما لا يحصل للمعتاد إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبين أنها تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله فتتقرر بها الربوبية والرسالة" (١). وكذلك ابن القيم ﵀ يرى أن دلالة المعجزة من أقوى الطرق التي يستدل بها على وجود الله تعالى وتوحيده، حيث قال: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت، من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته، وإرادته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا، وكذلك اليد، وفلق البحر ... وكذلك سائر آيات الأنبياء ... من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر، وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها" (٢).

стр. 194

وقد وقف القرطبي وقفات كثيرة عند معجزاته ﵊ ودلائل نبوته مبينًا أن ذلك علامةٌ على صدقه وآية لرسالته والتي لا شك أنها تتضمن الدعوة إلى وحدانيته والإقرار بربوبيته، والدعوة إلى عبادته تعالى. حيث قال: "قوله ﵊: "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله" (١) عند وقوع ما أخبر به من الغيب، دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك، فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل: أن الصحابة ﵃ كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي ﷺ استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته" (٢). والتفصيل في معجزاته ﷺ يأتي في مبحث دلائل النبوة في الفصل الثالث من هذه الرسالة. على أنه صرَّح في موضع آخر على أن هذا الدليل -أي المعجزة- علامة على ربوبية الله سبحانه وإثبات وحدانيته، فعند شرحه لحديث أنس ﵁ الذي سبق ذكره بسؤال الأعرابي للرسول ﷺ عن خلق السماء والأرض والجبال، قال القرطبي بعد ذلك: "ثم إن الرجل استمر على أسئلته إلى أن حصل على طلبته فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوار رسول الله ﷺ ، فقد كان

стр. 195

كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحة رسالته بنفس رؤيته ومشاهدته، قبل النظر في معجزته ... والحاصل: من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول الله ﷺ وبصحة رسالته لمجموع قرائن لا تتعين إحداها ولا تنحصر أعدادها، ويستفاد من هذا الحديث: أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجزم بالحق كيفما حصل وبأي وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معينة، ولا معجزة ولا غيرها، بل كل من حصل له اليقين بصدقه، بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له كان من المؤمنين، ومن جملة عباد الله المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصة بالأنبياء، والطرق العامة للعقلاء" (١). وبهذا يتبين لنا أن هذه الأدلة التي ذكرها القرطبي لإثبات ربوبية الله تعالى تدل على أنه يرى أن معرفة الله تعالى لا تنحصر في طريقة معينة لا يعرف إلَّا بها، فالمعرفة بالله تعالى أعظم المعارف وأوضحها، والطرق المؤدية إليها كثيرة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي سلكه السلف الصالح، ودلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.

стр. 196

المبحث الثالث الإيمان بالقدر وفيه عشرة مطالب: المطلب الأول: تعريفه لغة وشرعًا المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل المطلب الثالث: القدر وفعل الأسباب المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي المطلب الخامس: أفعال العباد المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق المطلب الثامن: معنى الظلم المطلب التاسع: الواجب على الله المطلب العاشر: التحسين والتقبيح

стр. 197

المطلب الأول: تعريف القضاء والقدر لغة وشرعًا: (أ) لغة: قال الجوهري: "القضاء: الحكم، وأصله قضاي؛ لأنه من قضيت، إلَّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية، وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)، وقد يكون بمعنى الفراغ تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه أي قتله كأنه فرغ منه. وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢). وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير ... ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٣) ومنه القضاء والقدر" (٤). وقال الزهري: "القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكل ما أحكم عمله أو أُتمَّ أو خُتِم أو أُدِّي أداء، أو أوجب، أو أعْلِمَ، أو أُنْفِذَ، أو أُمْضيَ فقد قُضِي. وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث ومنه القضاء المقرون بالقدر" (٥). وقال ابن فارس: "القاف والضاد والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته" (٦). هذا في تعريف القضاء لغةً. وأما القدر فقال ابن سيده (٧): القَدْرُ

стр. 198

والقَدَرُ: القضاءُ والحُكم وهو ما يُقَدِّره الله من القضاء ويحكم به من الأمور، قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (١) أي الحكم ... وفي الحديث ذكر ليلة القدر، وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق" (٢). والقَدَر والقَدْر بسكون الدال وفتحها، قال صاحب اللسان: "قال اللحياني: القَدَرُ الاسم والقَدْرُ المصدر" (٣). قال القرطبي: القَدَر: مصدر قَدَرْتُ الشيءَ خفيفة الدال أَقْدِرُه وأَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحطْتَ بمقداره ويقال فيه: قدَّرْتُ أُقدِّرُ تقديرًا مشدّد الدال للتضعيف" (٤). "وهناك تلازم بين القضاء والقدر بحيث إن أحدهما لا ينفك عن الآخر" (٥). قال الخطابي: "وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينها، فقد رام هدم البناء ونقضه" (٦). (ب) تعريفه شرعًا: اختلفت عبارات السلف في تعريف القدر، وهي تدل على تقدير

стр. 199

الله تعالى للأشياء في القدم وعلمه سبحانه بوقوعها في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة. وكتابة ذلك ومشيئته لها، ووقوعها على حسب ما قدرها تعالى. قال الإمام أحمد: "القدر قدرة الله على العباد" (١). وقال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أنه الله ﵎ قدَّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها " (٢). وقال السفاريني (٣): "القدر عند السلف ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأن الله قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (٤). وهكذا عرفه القرطبي ﵀ إذ قال: فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل

стр. 200

إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلَّت عليه البراهين" (١). والإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ عندما سأل جبريل ﵇ الرسولَ ﷺ عن الإيمان فقال ﷺ : "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢). والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة، منها: - قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٣) أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه، وهو الرحم مؤخر إلى مقدار معلوم قد علمه الله، وحكم به، فقدرنا ذلك تقديرًا، فنعم المقدرون له نحن، أو فقدرنا على ذلك، فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق (٤). - وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٥). قال ابن كثير: "أي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية الكريمة وما

стр. 201

شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتة على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عهد الصحابة" (١). ومن السنة قوله ﷺ : "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر، خيره وشره من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (٢). - وقوله ﷺ : "كل شيءٍ بقدرٍ، حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ" (٣). وقول أبي هريرة ﵁: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٤) " (٥). قال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: "خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاء" (٦). وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على علم الله وتقديره لأعمال الخلائق وآجالهم، والسعيد منهم والشقي، قبل خلقهم، فهو سبحانه العالم بما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان

стр. 202

كيف يكون. وعلم الله كما قال السلف "سابق لا سائق" بمعنى: أنه علم تعالى ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، ومنحهم سبحانه القدرة على سلوك طريق الخير أو الشر، وعلم من يسلك طريق الخير، فيهتدي فيسعد، ومن يسلك طريق الشر فيضل فيشقى. وقد بيَّن العلماء مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقال الطحاوي: "خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، لم يَخْف عليه شيءٌ قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وجمل شيء يجري بتقديره، ومشيئته تنفذ، لامشيئة للعباد إلَّا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا ... لا راد لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كله، وأيقنَّا أن كلا من عنده" (١). وقال الآجري: "مذهبنا في القدر أنا نقول إن الله خلق الجنة، وخلق النار، وخلق لكل واحدة منهما أهلًا ... لا معارض لله في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد عدلًا، من ربنا قضاؤه وقدره ... خلق الخلق كما شاء لما شاء فجعلهم شقيًّا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه ... لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم ... أحب الطاعة من عباده، وأمر بها فجرت

стр. 203

ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبة منه لها، ولا أمر بها تعالى أن يأمر بالفحشاء أو يحبها، وجل الله تعالى ربنا من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم قبل أن يعملوا قضاء وقدرًا، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون من بر وفجور ... يضل من يشاء ويهدي من يشاء" (١). وبيَّن ابن تيمية ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، فقال: "مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلَّا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلَّا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون" (٢). وقال أيضًا: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم

стр. 204

بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلَّا أن يشاء الله" (١). وقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإيمان بالقدر: "الإيمان بالقدر هو التصديق بما تقدم ذكره، وحاصله: هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤). وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﵊: "كل شيء بقدر حتى العَجْز والكيس" (٥) " (٦). والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في القدر، وقد صرَّح المازري في ذلك فقال في معرض رده على المعتزلة في قولهم في القدر: " ... هذا أيضًا مطابق لقول الأشعرية أهل السنة في أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصي قضاها الله وقدَّرها، ألَا ترى قول السائل أرأيت ما يعمله الناس اليوم ويكدحون فيه؟ ولم يفرق بين خير وشرٍ، ولا طاعة ومعصية، وكذلك جوابه ﷺ لم يفرق فيه بل قال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتلا كتاب الله مصدقًا لما قال ومسويًا بين الفجور والتقوى

стр. 205

بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (١) فأخبر سبحانه عن النفس وما فعل فيها، وكذلك قوله ﷺ في كتاب مسلم: "كل شيء بقدر حتى العَجْز والكَيْس" مطابقٌ أيضًا لقول الأشعرية في هذا، وكذلك قوله: "جاء قوم مشركون يخاصمون النبي ﷺ في القدر فنزل: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٢) " (٣) وهكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق" (٤). ويتبين متابعة المازري والقرطبي للأشاعرة في القدر، والذي يميل إلى مذهب الجبر من خلال الحديث عن المسائل المتعلقة بالقدر، كأفعال العباد، والتحسين والتقبيح العقليين، وتكليف ما لا يطاق وغيرها من المسائل. وإلَّا فالأشاعرة يوافقون أهل السنة في الإيمان بمراتب القدر الأربع التي هي: - الإيمان بعلم الله الأزلي: إذ علم سبحانه ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ (٥). - والإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق فما من شيء في الكون إلَّا وقد علمه سبحانه، وكتبه قبل حدوثه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ

стр. 206

وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ (١). - والإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرته تعالى التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). - والإيمان بخلقه سبحانه وإيجاده للأشياء، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣). قال الدكتور عبد الرحمن المحمود: القدر له أربع مراتب، هي العلم، والكِتابة، والمشيئة، والخلق. فأما مرتبتا العلم والكتابة، فلم ينكرهما إلّا غلاة القدرية ... وأما مرتبتا المشيئة والإرادة والخلق فقد وقع فيهما الخلاف على قولين: أحدهما: إنكار هاتين المرتبتين، وهذا مذهب المعتزلة ... الثاني: الإقرار بهاتين المرتبتين بإثبات الإرادة والمشيئة الشاملة، والقول بأن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد. وهذا قول الجمهور من أهل السنة والجهمية والأشاعرة والماتريدية ومن وافق هؤلاء. ولكن أفعال العباد لها متعلقان: أحدهما: بالخالق تعالى، فهذا قد اتفق فيه أهل السنة والأشاعرة على أن الله خالق أفعال العباد. والثاني: بالعبد، وهل له قدرة أو لا؟ وهل قدرته مؤثرة أم غير

стр. 207

مؤثرة؟ وقع فيها الخلاف بين الطوائف إلى حدٍ كبيبر (١). والأقوال في القدر ترجع إلى ثلاثة أقوال: الأول: قول أهل الجبر الذين يقولون إن الإنسان مجبور على أفعاله، وليس له إرادة ولا قدرة، وهو مذهب الجهمية ومن وافقهم. الثاني: قول القدرية الذين قالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله من غير إرادة الله تعالى أو علمه، ويمثل هذا المذهب المعتزلة ومن وافقهم. الثالث: من توسط فأثبت القدر وأن الله خالق كل شيء، وأن للإنسان مع ذلك إرادة ومشيئة، ولكنه خاضعة لمشيئة الله تعالى، كما أن للإنسان قدرة يفعل بها الفعل، ولكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف. وبين هذه الطوائف الثلاث ظهرت فرق تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها، فقد يقال: إنها مائلة إلى مذهب الجبر، أو إلى مذهب السلف، أو إلى مذهب القدرية، ومن أشهر هذه الطوائف طائفة الأشعرية، حيث يغلب عليهم مخالفة المعتزلة، والميل إلى مذهب الجبرية، وإن لم يصلوا إلى حد موافقة الجهم (٢) في أقواله (٣). فغلوهم في مخالفة المعتزلة أوصلهم إلى موافقة الجبرية في بعض مسائل القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأشعرية وبعض المثبتين للقدر

стр. 208

وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًّا أتوا بما لا يعقل ... وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر" (١). المطلب الثاني: هل يقع في القدر تغيير وتبديل أو محو وإثبات ؟ دلَّت ظواهر بعض النصوص على أن القدر يمكن أن يقع فيه تغيير وتبديل أو محو وإثبات، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحمه" (٣). فهذان النصَّان وما يماثلهما تُشْكِل مع ما سبق من أن القدر لا يتغير وأن القلم قد جفَّ بما هو كائن. وقد أورد القرطبي والمازري بعض صور الجمع بين هذه النصوص واتفقا على أن ما في علم الله ثابت لا يتغير ولا يتبدل. قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "معنى التأخير هنا في الأجل -وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص-: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ والذي في علم الله ثابت لا تبديل فيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو علم الله

стр. 209

الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، وحكي معناه عن عمر ﵁ في الآية" (١). وأطال المازري -على غير عادته- في هذه المسألة، وذكر عدة صور للجمع بين النصوص، فقال: قد أُثبت في هذا الحديث أن الأجل لا يزاد فيه، ولا ينقص، وقد قال في حديث آخر: إن صلة الرحم تزيد في العمر، فكيف الجمع بين الحديثين؟ قلنا: أول ما يجب أن تعلم أن الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الإنسان فيه، والباري سبحانه يعلمه، فما علمه الباري من الآجال لا يتبدل ولا يتغير، فالزيادة في الأجل الذي علمه الله لا تصح. وإن كان في غير الأجل الذي عند الله تعالى في غيبه، فهذا غير ممتنع، وقال الحذاق من أهل العلم: ما وقع من الظواهر في الزيادة في العمر والنقصان منه، فيحمل على ما عند ملك الموت، أو من وكله الباري بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة، فإنه سبحانه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ لملك الموت فينقص منه أو يزيد فيه، على حسب ما شاء الله حتى يقع الموت على حسب ما علم الله تعالى في الأزل، وقد قال : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (٢) وهذا تنبيهٌ إلى ما قلناه، وإن كان قيل في الآية: محو الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقيل: محو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها. وقيل: معنى ذلك أن الله علم أن يعمره مائة عام؛ لأنه يَصِلُ رَحِمَهُ، وعلم أنه لو لم يصل رحمه لعمَّره ثمانين، والباري سبحانه موصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا أمثل ما ذكرنا من التأويلات،

стр. 210

أو ما قلناه من أن الزيادة والنقصان يرجعان إلى المَلَك" (١). وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة وذكر أن فيها خلافًا بين الأشعرية والحنفية "الماتريدية" حيث قال: "قد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسَّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث (٢)، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٣) وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة الموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (٤). ونرى القرطبي والمازري لم يخرجا عما ذكره العلماء في هذه المسألة من صور الجمع بين هذه الأحاديث حيث ذكر العلماء أن الله قدَّر السبب والمسبب، فقدَّر أن هذا يصل رحمه فيزيد الله في عمره بهذا السبب، ولو لم يصل لما زاد. وقال آخرون: الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يحمل قول عمر ﵁

стр. 211

الذي أشار إليه القرطبي وهو قوله: "اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (١). ومن العلماء من قال: إن الزيادة والنقصان على سبيل المجاز، فيحمل على البركة في العمر والسعة في الرزق، والزيادة في العمل ونحوها (٢). وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا القول فقال: "يُقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدَّرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء -ثم بيَّن شيخ الإسلام المذهب الصحيح في ذلك فقال: - والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وَصَلَ رَحِمَهُ زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يُوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ... والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلَّا ما علَّمهم الله. والله يعلم الأشياء قبل كونها، وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات" (٣). وقال أيضًا: "الأجل أجلان: (أجلٌ مطلق) يعلمه الله (٤)، و (أجل مقيد)، وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ : "من سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن

стр. 212

يُنْسَأ له في أثرِه فليصل رحمه" (١) فإن الله أمر الملك أن يكتب أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (٢). ولكن ما في اللوح المحفوظ هل يتغير ويتبدل؟ أشار شيخ الإسلام إلى ذلك وذكر أن الخلاف فيها على قولين لكنه لم يرجِّح (٣). والقرطبي يرى أن المحو والإثبات يكونان فيما في اللوح المحفوظ كما يتبين من قوله السابق، فالتغير الذي نفاه هو ما في علم الله سبحانه، وهذا أمرٌ متفق عليه. والراجح في هذه المسألة أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغير والتبدل يكون في الصحف التي في أيدي الملائكة. فقد نقل ابن الجوزي عن الزَّجَّاج في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث". ثم قال ابن الجوزي: "وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء" (٤). وقال الشيخ السعدي عند تفسيره للآية السابقة: "يمحو الله ما يشاء

стр. 213

من الأقدار، ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (١). وقد رجَّح هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: "المحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق" (٢). وقال به السفاريني في لوامع الأنوار (٣). وهو مفهوم كثير من العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة. المطلب الثالث: القضاء والقدر وفعل الأسباب: إن الإيمان بالقضاء والقدر، واعتقاد أن الأمور جميعها تسير وفق

стр. 214

ما سبق فيه القضاء، وجرت به المقادير، لا يقتضي من العبد ترك العمل -المفضي إلى الخمول والدعة والبطالة- اتكالًا على ذلك، بل هذا ينافي حقيقة التوكل. فلابد مع التوكل على الله من مباشرة الأسباب المأمور بها شرعًا وعقلًا وفطرة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى تعلق الأشياء بمسبباتها وارتباطها بها، وبناءها عليها. قال ابن القيم ﵀: "وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب ... وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة مصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (١). وقد قال بعض العلماء كلامًا سديدًا في هذه المسألة، وهو قوله: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية، قدحٌ في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره" (٢). وهذا ما قرره القرطبي فقال: "استعمل الحرص والاجتهاد في

стр. 215

تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (١). وردَّ على الذين يتركون العمل احتجاجًا بالقدر، فقال: "وقوله: "أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل"؟ وفي الرواية الأخرى: "أفلا نتَّكل على كتابنا؟ " (٢) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة، بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم ﷺ بما لا يبقى معه إشكال فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (٣) ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل فلابد من امتثال أمره، وغيَّب عنَّا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزه" (٤). والرسول ﷺ وهو إمام المتوكلين، لم يكن ليترك الأسباب، مع توكله على الله، بل كانت أقواله وأفعاله ﷺ تدل على أن فعل الأسباب من التوكل على الله.
следующие страницы →