← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الذي أشار إليه القرطبي وهو قوله: "اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (١). ومن العلماء من قال: إن الزيادة والنقصان على سبيل المجاز، فيحمل على البركة في العمر والسعة في الرزق، والزيادة في العمل ونحوها (٢). وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا القول فقال: "يُقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدَّرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء -ثم بيَّن شيخ الإسلام المذهب الصحيح في ذلك فقال: - والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وَصَلَ رَحِمَهُ زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يُوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ... والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلَّا ما علَّمهم الله. والله يعلم الأشياء قبل كونها، وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات" (٣). وقال أيضًا: "الأجل أجلان: (أجلٌ مطلق) يعلمه الله (٤)، و (أجل مقيد)، وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ : "من سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن

стр. 212

يُنْسَأ له في أثرِه فليصل رحمه" (١) فإن الله أمر الملك أن يكتب أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (٢). ولكن ما في اللوح المحفوظ هل يتغير ويتبدل؟ أشار شيخ الإسلام إلى ذلك وذكر أن الخلاف فيها على قولين لكنه لم يرجِّح (٣). والقرطبي يرى أن المحو والإثبات يكونان فيما في اللوح المحفوظ كما يتبين من قوله السابق، فالتغير الذي نفاه هو ما في علم الله سبحانه، وهذا أمرٌ متفق عليه. والراجح في هذه المسألة أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغير والتبدل يكون في الصحف التي في أيدي الملائكة. فقد نقل ابن الجوزي عن الزَّجَّاج في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث". ثم قال ابن الجوزي: "وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء" (٤). وقال الشيخ السعدي عند تفسيره للآية السابقة: "يمحو الله ما يشاء

стр. 213

من الأقدار، ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (١). وقد رجَّح هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: "المحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق" (٢). وقال به السفاريني في لوامع الأنوار (٣). وهو مفهوم كثير من العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة. المطلب الثالث: القضاء والقدر وفعل الأسباب: إن الإيمان بالقضاء والقدر، واعتقاد أن الأمور جميعها تسير وفق

стр. 214

ما سبق فيه القضاء، وجرت به المقادير، لا يقتضي من العبد ترك العمل -المفضي إلى الخمول والدعة والبطالة- اتكالًا على ذلك، بل هذا ينافي حقيقة التوكل. فلابد مع التوكل على الله من مباشرة الأسباب المأمور بها شرعًا وعقلًا وفطرة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى تعلق الأشياء بمسبباتها وارتباطها بها، وبناءها عليها. قال ابن القيم ﵀: "وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب ... وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة مصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (١). وقد قال بعض العلماء كلامًا سديدًا في هذه المسألة، وهو قوله: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية، قدحٌ في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره" (٢). وهذا ما قرره القرطبي فقال: "استعمل الحرص والاجتهاد في

стр. 215

تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (١). وردَّ على الذين يتركون العمل احتجاجًا بالقدر، فقال: "وقوله: "أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل"؟ وفي الرواية الأخرى: "أفلا نتَّكل على كتابنا؟ " (٢) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة، بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم ﷺ بما لا يبقى معه إشكال فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (٣) ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل فلابد من امتثال أمره، وغيَّب عنَّا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزه" (٤). والرسول ﷺ وهو إمام المتوكلين، لم يكن ليترك الأسباب، مع توكله على الله، بل كانت أقواله وأفعاله ﷺ تدل على أن فعل الأسباب من التوكل على الله.

стр. 216

وهذا أمرٌ معلوم لا يحتاج إلى بيان، فقد شارك ﷺ أصحابه في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب عملًا بالأسباب، وقد ردَّ القرطبي على جهلة الصوفية -الذين يجعلون الأخذ بالأسباب من قوادح التوكل- عند شرحه لهذا الحديث فقال: "وغير خَافٍ ما في هذا الحديث من الفقه، من جواز التحصن والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص فيه، فقد كان النبي ﷺ على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك لم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات، على ما يراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين" (١). ومن اتخاذ الأسباب التي أمر بها تعالى: الدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤). "فإن قالوا إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا وتوعَّد عليه بدخول النار، مع الذل، وأنكر عليهم أن غيره يجيب المضطر، إن كان ذلك كله لا فائدة فيه للعبد، فقد نسب إلى الرب ما لا يجوز عليه، ولا تحل نسبته إليه بإجماع المسلمين، فإنه لا يأمر إلَّا بما فيه فائدة للعبد، دنيوية وأخروية،

стр. 217

إما جلب نفع أو دفع ضر" (١). لكن المعتزلة قالوا: لا فائدة في الدعاء، مع سابق القدر، وغلاة الصوفية قالوا: إن الدعاء قادح في التوكل. وهذا كلامٌ باطلٌ، مردود على أصحابه بالشرع والعقل إذ الدعاء من الأسباب التي جعلها الله موصلة للمراد. قال ابن تيمية: الدعاء في اقتضائه الإجابة، كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليست بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودًا ولا عدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه، فهما قولان ضعيفان، فإن الله علَّق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر، قال: الله أكثر" (٣) فعلَّق العطايا بالدعاء، تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به" (٤).

стр. 218

وقال ابن القيم: "إن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدَّر حصول الزرع بالبذر ... فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدَّر وقوع المدعو به بالدعاء لا يصح أن يُقال لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول المطلوب" (١). وهذا هو الذي قرَّره القرطبي، فردَّ على المعتزلة والصوفية فيما ذهبوا إليه في مسألة الدعاء إذ قال عند شرحه لحديث الرسول ﷺ الذي دعا فيه ﵇ بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة (٢): "هذا وما في معناه من أدعية النبي ﷺ التي تفوق الحصر حجة على بعض المعتزلة القائلين: لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين: إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلَّا جاهل لظهور فسادها وقبح ما يلزم عليها" (٣). المطلب الرابع: الاحتجاج بالقدر على المعاصي: إن الاحتجاج بقدر الله تعالى على الوقوع في المعاصي، واقتراف المنكرات مذهب باطلٌ شرعًا وعقلًا، وهو حجة المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا

стр. 219

حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١). قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلِّف به، فما أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرَّم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر ظلم محض، وعناد صرف ... فالمحتجُّون على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك، فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا في ذلك بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج" (٢). فبطلان الاحتجاج بالقدر أمرٌ واضح؛ لأنه يلزم منه تعطيل الشرع وجريان الأحكام على العباد، وهذا معلوم بطلانه بالضرورة (٣). وقد بيَّن شيخ الإسلام بطلان هذه الحجة عقلًا، فقال: "إن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، وحينئذ فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعهم كذّابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات، لزمهم أن لا يذموا

стр. 220

أحدًا ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحدٍ: إنه ظالم، ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن لأحدٍ فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل" (١). وهؤلاء قد يستدلون بحديث أبي هريرة ﵁ في احتجاج آدم وموسى ﵉ حيث قال ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى فقال له موسى: يا آدمُ أنت أبُونا خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا من الجنة، قال لهُ آدمُ: أنت موسى اصطفاك الله بكلامِه وخطَّ لك بيده أتلُومني على أمر قد قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ فقال ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى فحجَّ آدمُ موسى" (٢). وقد كان للعلماء أجوبة كثيرة على هذا الحديث تخرجه عن الاستدلال به في هذا المذهب الباطل في القدر. وكذا فعل القرطبي حيث أبطل الاستدلال بهذا الحديث على فعل المعاصي، وذكر بعض صور توجيه الحديث، وبيَّن ضعف بعضها، ورجَّح ما يراه، حيث قال: "ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر، عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته، فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك، فيُقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجة، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (٣) وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث:

стр. 221

فقيل: إما غلبه آدم بالحجة؛ لأن آدم أبوموسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه. قلت: وهذا نأي عن الحديث، وعما سيق له. وقيل: إنما كان ذلك لأن موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها، ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي. قلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة لا انفصال عن إلزام تلك الحجة، والسؤال باقٍ لم ينفصل عنه. وقيل: إنما توجهت حجته عليه، لأنه قد علم من التوراة ما ذكروا: أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب، فلوم موسى وعتبه له -مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية، وقضى بالتوبة وبإسقاط اللوم والمعاتبة حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن- وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حال الصفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكروا، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم" (١). والمازري كذلك رجَّح ما ذهب إليه القرطبي من أن اللوم لا ينبغي وقوعه بعد التوبة، حيث قال: قال بعض أهل العلم: لما كان الله سبحانه قد تاب على آدم ﵇ من معصيته، لم يجب لومه عليها، وإلَّا فالعاصي منا لا ينجيه من اللوم والعقاب، وقوله: "إن الله قدَّر ذلك عليَّ" لأنه أيضا قد قدَّر عليه العقوبة واللوم إذا وقعا به، ولما كان الله تعالى تاب على آدم ﷺ صار ذكر ذلك له إنما يفيد إذًا مباحثته عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر آدم أن السبب قضاء الله وقدره، وهذا جوابٌ صحيح إذا

стр. 222

كانت المباحثة عن الموقع في ذلك ولم يكن عند آدم سبب موقع فيه على الحقيقة إلَّا قضاء الله وقدره، ولهذا قال ﷺ : "فحجَّ آدم موسى" ولهذا قال آدم لموسى صلى الله عليهما: "أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه" وذكر فضائله التي أعطاه يريد بذلك أن الله سبحانه قدَّر ذلك وقضى به، فنفذ ذلك كما قدر علي ما فعلت فنفذ فيَّ" (١). وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي السابق، وقال هو محصل ما أجاب به المازري، واختاره الحافظ وقال هو المعتمد (٢). واختار ابن القيم ﵀ هذا الجواب وأيَّد هذا التوجيه، فقال: "الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة، وزال أمره، حتى كأن لم يكن فأنَّبهُ مؤنِّبٌ عليه، ولَامَه، حَسُنَ منه أن يحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدِّرَ عليَّ قبل أن أُخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على

стр. 223

إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا" (١). على أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له جوابٌ آخر غير هذا، فهو يرى أن الحديث ليس واردًا في الاحتجاج بالقدر على المعصية أصلًا، فلا يكون دليلًا على ذلك، فالقدر حجة لآدم على موسى ﵉ لأنه لامَه لأجل المصيبة التي حصلت بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، فيكون الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فيكون لوم موسى لآدم على الإخراج من الجنة لا على الأكل من الشجرة؛ لأن موسى ﵇ أعرف بالله وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب أخبره الله تعالى أنه قد تاب على صاحبه واجتباه بعده وهداه. وآدم ﵇ أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله من أن يقبل هذه الحجة" (٢). وهذا توجيه قوي سديد، وقد نقله ابن القيم في شفاء العليل ملخصًا، وقال: هذا جواب شيخنا ﵀ (٣). المطلب الخامس: أفعال العباد: أفعال العباد هي لب مسائل القدر، فهي التي من أجلها صار الناس فرقًا وأحزابًا. فهل أفعال العباد هي خلق الله تعالى أم أنها خلق العبد؟ وقع الخلاف في هذه المسألة على أقوال: الأول: أن الله وحده هو خالق أفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب لهم

стр. 224

مجازًا، فالعباد مجبورون على أفعالهم، لا قدرة لهم ولا إرادة، فحركاتهم وإراداتهم كورق الشجر، تحركه الرياح، وكحركة الشمس والقمر والأفلاك، وهذا مذهب الجبرية (١). الثاني: القول بأن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فليست أفعالهم مخلوقة لله تعالى، فهم يقولون: إن الله لا يريد المعاصي والكفر، فكيف يخلقها ويعذب عليها، فلو فعل ذلك كان ظالمًا والله منزه عن الظلم، وهذا قول المعتزلة (٢). الثالث: قول جمهور الأشاعرة، وهم يقولون إن الله خالق أفعال العباد، وهي كسب لهم، والمراد بالكسب الذي أثبتوه للمكلف مقارنة وجود الفعل لقدرة المكلف، واختياره من غير أن يكون ثمة تأثير منه، أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا لظهور الفعل. فأثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة في المقدور، وقال بعضهم: إن للعبد نوع تأثير في المقدور، ولكن الذي عليه جمهورهم ومتأخروهم أن قدرة العبد غير مؤثرة في المقدور (٣). وللكسب عندهم تعريفات أهمها: ١ - ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به. ٢ - ما يقع به المقدور في محل قدرته. ٣ - ما وجد بالقادر وله عليه قدرة محدثة (٤).

стр. 225

وهذا الكسب الذي أثبته هؤلاء لا حقيقة له، وقد قيل ثلاثة لا حقيقة لها: طفرة النطام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري (١). والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في أفعال العباد إذ أثبتوا أن الله خالق أفعال العباد وأن للعبد قدرة غير مؤثرة، وسموا ذلك كسبًا. قال القرطبي: "إن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن -وإن كنا نعلم أنَّا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأتٍّ معتاد، يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف" (٢). وقال أيضًا: قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣) دليلٌ على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسبًا واكتسابًا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك: لا خلق ولا خالق، خلافًا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل، فالمجاز المحض كما يعرف في علم الكلام" (٤). وقال المازري: "الإنسان عندنا مكتسب لفعله، لا مجبور عليه، وتحقيق القول في الكسب يتسع، وموضعه كتب الأصول ولا يبعد في

стр. 226

العقل أن يجعل الله هذه الأعمال أمارة على استحقاق الجنة والنار، ويسهل لكل عبد ما قضي له، أو عليه من ذلك" (١). والأشاعرة هربوا من قول المعتزلة فوقعوا في الجبر، إذ أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة، فأصبح العبد عندهم مجبورًا على فعله، ولذا بيَّن القرطبي أن الهداية هي خلق القدرة على الطاعة حيث قال: "الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلَّا لله تعالى" (٢). فالعاصي على هذا غير قادر على الطاعة ولا مستطيع لها؛ لأن الله لم يخلق له القدرة على ذلك. وهذا خلاف قول أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا للعبد قدرة على فعله، والله سبحانه لم يخلق للمطيع قدرة على الطاعة، لم يخلقها للعاصي، بل القدرة ثابتة للجميع، وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ (٣) وما شابهها من الآيات، فالمراد بعدم الاستطاعة فيها مشقة ذلك وصعبوته عليهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه (٤). ومذهب أهل السنة والجماعة في أفعال العباد أن الله خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون حقيقة، ولهم قدرة حقيقية على أعمالهم، وقدرتهم مؤثرة في المقدور، فهم يقولون إن العبد فاعل حقيقة، وهو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، والله خالقه، وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه

стр. 227

القدرة والإرادة اللتين بهما يفعل، فلا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء، وبين كون العبد فاعلًا لفعله حقيقة (١). فأهل السنة وسط بين القدرية الذين يجعلون العبد خالقًا لأفعاله الاختيارية، وبين الجبرية الذين يجعلون العبد مجبورًا في أفعاله لا قدرة له، ولا إرادة ولا اختيار (٢). وأما قول الأشاعرة فهو في الحقيقة لا يختلف عن قول الجبرية، فالجبرية قالوا: إن فعل العبد ينسب إليه مجازًا (٣)، والأشاعرة يقولون ينسب إليه عادة. والنتيجة بهذا واحدة، وهو نفي الفعل عن العبد، وإن كان بعض الأشاعرة أثبت للعبد نوع تأثير وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة. قال الجويني -وهو من أئمة الأشاعرة الذين خالفوهم في هذه المسألة-: "أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلًا" (٤). وقد بيَّن شيخ الإسلام ﵀ أن سبب قولهم هذا يرجع إلى عدم تفريقهم بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال وما هو منفصل عنه، وجعلهم كل أفعال الله مفعولة له منفصلة عنه.

стр. 228

فلما جاءوا إلى مسألة القدر، وأفعال العباد، واعتقدوا أنها مفعولة لله قالوا: هي فعله، لأن الفعل عندهم هو المفعول فقيل لهم في ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا في الإجابة (١). قال ﵀: "والتحقيق الذي عليه أئمة السنة، وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من الحدثان مخلوقة مفعوله لله كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله، ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه، وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها وله قدرة عليها، وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد، وهي مفعول الرب" (٢). المطلب السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله: الله حكيم لا يفعل جل وعلا عبثًا، ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، فأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ (٤)، فالله أنكر أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ (٥)، وقال

стр. 229

تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ (١). ولذا فأثبت أهل السنة والجماعة الحكمة في أفعال الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره، والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة، والقول بإثبات هذه الحكمة ليس قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط، بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم" (٢). وظاهر كلام القرطبي في هذه المسألة موافقة أهل السنة في إثبات الحكمة لأفعال الله تعالى، حيث قال: "إن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها، كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقليٍّ يتوجَّه إليه (٣) بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذِ حكمه، فما أُطلع عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وما لا، فالعقل عنده يقف، وحذار من الاعتراض والإنكار، فإن مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النار" (٤). وقال أيضًا: "الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة" (٥).

стр. 230

المطلب السابع: تكليف ما لا يطاق: الطاقة: هي الاستطاعة (١). والإجماع على أن الله ما كلَّف العباد إلَّا بما يستطيعون، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). قال شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ما قال أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، لا مالك ولا أبوحنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا الليث (٣)، ولا أمثال هؤلاء أن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه" (٤). وهذا الذي قرَّره القرطبي عند ذكره للآية السابقة حيث قال: "هذا خبرٌ من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلَّا بما نطيقه، ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدل على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك" (٥). ولكن هل يصح التكليف بما لا يُطاق؟ . هذا موطن خلاف بين الطوائف.

стр. 231

والتكليف بما لا يُطاق على قسمين: الأول: ما لا يطاق للعجز عنه عادة: كتكليف الإنسان بالطيران في الهواء، أو المشي فوق الماء. وما لا يطاق للعجزء عنه عقلًا كالجمع بين الضدين. الثاني: ما لا يطاق، لا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده: كتكليف الكافر الإيمان في حال كفره. والأشاعرة اتفقوا على جواز النوع الثاني، واختلفوا في النوع الأول، فمن مجيز ومانع (١). وقد حكى القرطبي هذا الخلاف دون ترجيح نقال: "إنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه: عقلًا كالجمع بين الضدين، أو عادة: كالطيران في الهواء، والمشي فوق الماء، فمن مجوز ومن مانع" (٢). ولكنه في موضع آخر وافق الأشاعرة في قولهم، فرجَّح جواز التكليف بما لا يطاق، فقال: "قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعها شها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي ﷺ : كُلِّفنا ما نطيق بالصلاة والى جام، وهذه الآية لا نطيقها ... فأقرهم النبي ﷺ على ما فهموه، وبيَّن لهم أن لله تعالى أن

стр. 232

يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه" (١). وقال في استخراجه لفوائد من قوله ﷺ : "من صَوَّرَ صورةً في الدُّنيا كلِّف أن ينفُخ فيها الرُّوح يوم القيامة وليس بنافخ" (٢): ويُستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز في الآخرة (٣). والمازري لم يصرح بهذا فعند شرحه لحديث أبي هريرة- ﵁ الذي قال فيه: "لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ (٤) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأَتوْا رسول الله ﷺ ثمَّ بركُوا على الرُّكَب فقالوا: لا نطيقها" (٥): قال: إشفاقهم وقولهم: "لا نطيقها" يحتمل أن يكون أنهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق ... فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلًا على أنهم كلفوا ما لا يطاق، وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلًا" (٦). والقول بتكليف ما لا يطاق بناه الأشاعرة على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء.

стр. 233

وأما أهل السنة فاتفقوا على عدم جواز التكليف، بما لا يطاق، وهو النوع الأول، وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على ذلك (١). وأما النوع الثاني فقالوا بجواز التكليف به للاتفاق على وقوعه في الشريعة، ولكنهم خالفوا في إطلاق ذلك عليه، فمنعوه لأن مضمونه أن فعل ما لا يفعله المكلف لا يطيقه، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في رده على القدرية (٢). المطلب الثامن: معنى الظلم: لا شك أن الله حكمٌ عدلٌ، لا يظلم الناس شيئًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ (٤)، وكقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالموا" (٥). ولكن ما هو الظلم الذي ينزه عنه ؟ وقع الخلاف في معنى الظلم، بناءً على مسألة التحسين والتقبيح، على ثلاثة أقوال: الأول: من عرَّف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، فيقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود.

стр. 234

فالظلم منه ممتنع غير مقدور، كالجمع بين الضدين، ولو قدر وجوده، فإنه عدل. فلو عذَّب الله المطيعين من الأنبياء والمرسلين، ونعَّم العاصين من الكافرين والظالمين لم يكن ظالمًا؛ لأنه يتصرف في ملكه، وليس فوقه آمر حتى يخالفه. وهذا هو قول الجهمية وعامة الأشاعرة، ومن تابعهم من بعض أتباع مالك والشافعي وأحمد (١). الثاني: قول المعتزلة، وهو أن الظلم مقدور لله ، ولكنه منزه عنه لقبحه، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرَّمه الله، وتنزَّه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، فشبَّهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. فالله عندهم عدل لا يظلم؛ لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر، ولا الفسوق، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، فليس بخالق لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها، ثم عاقب عليها، لكان ظالمًا للعباد (٢). وقد ذكر القرطبي القولين السابقين، وارتضى القول الأول الذي عليه عامة الأشاعرة، وأعرض عن القول الثالث الذي عليه أهل السنة، فلم يذكره ولم يشر إليه، حيث قال: "اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى مُحال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتحسين والتقبيح عقلًا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصور في حق

стр. 235

من حدَّت له حدود، ورسمت له مراسم، فمتى تعداها كان ظالمًا، والله تعالى هو الذي حدَّ الحدود، ورسم الرسوم، إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجز عليه، ولا يجب عليه حكم، ولا يترتب عليه حق، ولا يتصور الظلم في حقه" (١). وقال أيضًا: "الظلم لا يتصور من الله تعالى، فإن الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه ولا حكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه" (٢). وبيَّن أنَّ لله تعالى أن يعذب من غير تكليف، كالصبي والمجنون، ولا يكون ظالمًا، موافقًا للأشاعرة فيما ذهبوا إليه، حيث قال: ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداءً من غير تكليف، من صبي أو مجنون، أو غير ذلك، بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالمًا بشيء من ذلك إن فعله" (٣). وكذلك المازري أخذ بهذا القول موافقًا عامة الأشاعرة على ذلك حيث قال: الظلم مستحيل منه جده؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوَّزت المراسم، والباري جلَّت قدرته ليس فوقه أحد يحد له حدًّا، أو يرسم له رسمًا، حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرِّم عليه الحرام، ولكن تحريم الشيء يقتضي المنع منه، والكف عنه، فسمي الباري سبحانه تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ، فقال "حرَّمت على نفسي"" (٤).

стр. 236

والصحيح في هذه المسألة ما عليه عامة أهل السنة وهو أن حقيقة الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهذا الذي حرَّمه الله على نفسه مثل أن يترك حسنات المحسن، فلا يجازيه عليها، أو يعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ونحو ذلك من الأفعال التي يُنزَّه عنها الرب -سبحانه وتعالى- لقسطه وعدله، وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء؛ لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه، وكما أن الله منزِّه عن صفات النقص والعيب فهو أيضًا منزه عن أفعال النقص والعيب (١). المطلب التاسع: الواجب على الله تعالى: خالف المعتزلة جماهير المسلمين في مسألة وجوب شيء على الله تعالى، وذلك بناءً على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين حيث أوجبوا على الله أمورًا وحرموا عليه أخرى بمحض عقولهم قياسًا لله تعالى على عباده. حيث أوجبوا عليه رعاية مصالح العباد وثوابهم على الطاعة، ومعاقبتهم على المعصية وسموا ذلك عدلًا (٢). وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم قالوا: لا يجب على الله شيء، بل له أن يفعل مايشاء ويحكم مايريد. وقال ابن القيم ﵀ في النونية: ماللعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولاعمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعد له أونعموا ... فبفضله والحمد للمنان (٣)

стр. 237

قال الشيخ محمد خليل هراس (١) في شرح هذه الأبيات: "في هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه، وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة، فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولًا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلَّا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا" (٢). والقرطبي نصر هذا القول ورد على المعتزلة فيما ذهبوا إليه، فقال: "إن الله تعالى الفعال لما يريد القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوب ولا حق ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز والتعديل والإيجاب على الله تعالى فلا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لظهور فسادها" (٣). وقال المازري في شرحه لحديث معاذ بن جبل ﵁: "قوله ﷺ في حديث معاذ: "هل تدري ما حق العباد على الله؟ " (٤) يحتمل

стр. 238

وجهين: أحدهما: أن يكون أراد حقًّا شرعيًّا لا واجبًا بالعقل، كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى ووعده الصدق صار حقًّا من هذه الجهة. والوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج القابلة للفظ الأول، لأنه قال في أوله: "ما حق الله على العباد؟ " ولا شك أن لله على عباده حقًّا فاتبع اللفظ الثاني الأول" (١). المطلب العاشر: التحسين والتقبيح: أول من اشتهر عنه القول بالتحسين والتقبيح الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" وبنى على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد وحسن وقبح، قبل نزول الوحي، ثم جاء الوحي مصدقًا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول، واشتهر عنهم فقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول" (٢). وقابل هذا القول قول الأشاعرة، ومن تابعهم الذين قالوا: إن الفعل لا يدل على حسن شيء، ولا قبحه، قبل ورود الشرع، فلا يعرف الحسن والقبح إلَّا بالشرع، فلو عكس الشرع، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعًا (٣).

стр. 239

ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة بناء على مذهبهم في التعليل، فلا فرق عندهم بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر، ولا بين الصدق والكذب، إلَّا أن الشارع حرم هذا وأوجب، هذا فمعنى حسنه كونه مأمورًا به، لا أنه منشأ مصلحة، ومعنى قبحه كونه منهيًّا عنه، لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت حسنه أو قبحه" (١). وهذا ما سلكه القرطبي في هذه المسألة حيث قال: "الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها حسنة في ذاتها كما يقوله المعتزلة" (٢). وقال أيضًا: "إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله بسببها شيئًا (٣)، إذ لا منفعة له فيها، ولا غرض، فإنه الغني بذاته

стр. 240

الذي لا يُستغنى عنه، وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدة التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين" (١). وصرَّح في موضع آخر "أن الحسن والقبح لا يعرفان إلَّا من قبل الشرع، فما حسنه بالثناء عليه، فهو حسن، وما قبحه بالذم عليه فهو القبيح" (٢). وهذا القول نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه (٣). والمازري ورد عنه ما يشير إلى أخذه بهذا القول إذ رد على المعتزلة قولهم في التحسين والتقبيح، فحاصله الأخذ بالرأي المقابل لهم،

стр. 241

خصوصًا إذا علمنا أن المازري أشعري خالص لا يكاد يخرج عن رأي الأشاعرة في جميع مسائل العقيدة. حيث قال في هذه المسألة: "لا يقال أن قولهم: "أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر" (١) إنما بعُدَ عندهم على طريقة المعتزلة في التقبيح والتحسين من جهة العقول، وأنه لا يؤجر إلَّا على فعله، بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة، وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما تدعو إليه الطباع وتستلذه" (٢). والمذهب الصحيح في هذا ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، وهو وسطٌ بين طرفين، فهم يقولون: إن الحسن والقبح يعرفان بالعقل، ولكن لا يترتب على ذلك ثواب ولا عقاب، قبل ورود الشرع بالأمر والنهي. قال ابن القيم ﵀: "الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، إلَّا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلَّا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع" (٣).

стр. 242

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز (١) - رحمه الله تعالى- تعليقًا على كلام القرطبي الذي نقله الحافظ ابن حجر وارتضاه: "هذا قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمر بالحسن وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك، إلَّا بعد بلوغ الشرع كما حقق ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في "مفتاح دار السعادة" (٢) وهذا هو الصواب والله أعلم" (٣).

стр. 243

الفصل الثالث توحيد الألوهية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: حقيقته ومكانته المبحث الثاني: العبادة وبعض أنواعها المبحث الثالث: نواقض التوحيد وقوادحه المبحث الرابع: البدع والموقف من الفرق المبتدعة

стр. 244

المبحث الأول حقيقته ومكانته توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، واستحقاقه لها وحده دون سواه قولًا وفعلًا وقصدًا. ويسمى هذا التوحيد توحيد العبادة، وتوحيد الطلب، وتوحيد القصد والإرادة. وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أصل دين الرسل، ومفتاح دعوتهم الذي فاتحوا به أقوامهم، فكل رسول أرسل إلى قومه يدعوهم بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) كما أخبر الله عنهم في كتابه، وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحدٍ سواه، وهو معنى قول: "لا إله إلَّا الله" وهو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). بل كل آية في القرآن فهي متضمنة لهذا التوحيد وحقوقه وجزائه، كما دلَّت على ذلك سورة "الفاتحة"، و"قل ياأيها الكافرون"، وأول سورة "الزمر" وآخرها، وأول سورة "يونس" ووسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام" وغالب سور القرآن (٣). فمن أجل هذا التوحيد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله، ومن أجله شرع الله الجهاد، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، بل هو المقصود الأعظم من خلق الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ

стр. 245

إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). فهو أول واجب على المكلف، وآخر واجب عليه، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم، وشآقَّت فيه قريش رسول الله ﷺ ، وقالت: أجعل الألهة إلهًا واحدًا، فهم أقروا بربوبية الله وقدرته على الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وأنكروا تفرده بالإلهية والعبادة، فقاتلهم رسول الله ﷺ ، وأمر بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، ويأتوا بلوازمها ومقتضياتها، ولهذا فإن إقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلَّا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلَّا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر (٢). وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة في الدعوة إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ

стр. 246

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية. وفي السنة ما روى ابن عباس- ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن قال: "إنك تقدُمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوًا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أنا رديف النبي ﷺ فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك قال: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألَّا يعذبهم" (٣). إلى غيرها من الأحاديث الشريفة الدالة على هذا المعنى. وهذا هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال ﷺ : "الأنبياءُ إخْوةٌ من علَّات، أمَّهاتُهُم شتَّى، ودينهم واحدٌ" (٤). قال القرطبي: "قوله: "دينهم واحد" أي: في توحيدهم وأصول

стр. 247

أديانهم" (١). وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن شايعهم في عدم التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فجعلوا توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل ﵈" (٢). وقد بيَّن القرطبي أن شهادة أن لا إله إلَّا الله تعني عبادة الله وحده دون سواه، ولم يذكر قول الأشاعرة الذين جعلوا معناها أي لا خالق ولا موجود إلَّا الله، حيث قال عند شرحه لحديث ابن عمر ﵁ الذي قال فيه ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله ... " (٣): "قد روي من طرق، ففي بعضها "شهادة أن لا إله إلَّا الله" وفي بعضها: "على أن تعبد الله وتكفر بما دونه" فالأولى نقل للفظ، والأخرى نقل بالمعنى" (٤). وقال في موضع آخر: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة" (٥). وقد تبين لنا فيما سبق رد القرطبي على المتكلمين في مسألة أول واجب على العبد، وتشنيعه عليهم فيما ذهبوا إليه، وبيَّن أن أول الواجبات النطق بكلمة التوحيد، حيث قال عند شرحه لحديث معاذ ﵁ (٦):

стр. 248

"قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي ﷺ به معاذًا- هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي ﷺ يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (١).

стр. 249

المبحث الثاني العبادة وبعض أنواعها وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها المطلب الثاني: بعض أنواعها: ١ - الدعاء ٢ - الخوف والرجاء ٣ - التوكل

стр. 250

المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها: إن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وقد وضَّح القرطبي معنى العبادة فقال: "أصل العبادة الخضوع والتذلل، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى" (١). والعبد الذي خضع لله تعالى، واستسلم، يسعى لأن تكون عبادته وفق ما أمر الله تعالى به لتوافق مرضاة الله، فتكون سببًا لنجاته. والعبادة الصحيحة المقبولة عند الله تعالى لابد لها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وقال قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣). وقد بيَّن القرطبى أن الإخلاص شرطٌ في صحة جميع العبادات فقال: "الإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص مصدر من أخلصت العسل وغيره، إذا صفيته وأفردته من شوائب كدره، أي: خلَّصته منها. فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتي له إلَّا بأن يكون الباعث على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو:
следующие страницы →