← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية. وفي السنة ما روى ابن عباس- ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن قال: "إنك تقدُمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوًا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أنا رديف النبي ﷺ فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك قال: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألَّا يعذبهم" (٣). إلى غيرها من الأحاديث الشريفة الدالة على هذا المعنى. وهذا هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال ﷺ : "الأنبياءُ إخْوةٌ من علَّات، أمَّهاتُهُم شتَّى، ودينهم واحدٌ" (٤). قال القرطبي: "قوله: "دينهم واحد" أي: في توحيدهم وأصول

стр. 247

أديانهم" (١). وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن شايعهم في عدم التفريق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فجعلوا توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل ﵈" (٢). وقد بيَّن القرطبي أن شهادة أن لا إله إلَّا الله تعني عبادة الله وحده دون سواه، ولم يذكر قول الأشاعرة الذين جعلوا معناها أي لا خالق ولا موجود إلَّا الله، حيث قال عند شرحه لحديث ابن عمر ﵁ الذي قال فيه ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله ... " (٣): "قد روي من طرق، ففي بعضها "شهادة أن لا إله إلَّا الله" وفي بعضها: "على أن تعبد الله وتكفر بما دونه" فالأولى نقل للفظ، والأخرى نقل بالمعنى" (٤). وقال في موضع آخر: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة" (٥). وقد تبين لنا فيما سبق رد القرطبي على المتكلمين في مسألة أول واجب على العبد، وتشنيعه عليهم فيما ذهبوا إليه، وبيَّن أن أول الواجبات النطق بكلمة التوحيد، حيث قال عند شرحه لحديث معاذ ﵁ (٦):

стр. 248

"قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية: "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به: معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمر النبي ﷺ به معاذًا- هو الدعوة قبل القتال التي كان النبي ﷺ يوصي بها أمراءه، وقد اختلف في حكمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون حديث معاذ حجة لمن تمسك به من المتكلمين على أن أول واجب على كل مكلف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقًا بها" (١).

стр. 249

المبحث الثاني العبادة وبعض أنواعها وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها المطلب الثاني: بعض أنواعها: ١ - الدعاء ٢ - الخوف والرجاء ٣ - التوكل

стр. 250

المطلب الأول: تعريفها وشروط صحتها: إن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وقد وضَّح القرطبي معنى العبادة فقال: "أصل العبادة الخضوع والتذلل، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى" (١). والعبد الذي خضع لله تعالى، واستسلم، يسعى لأن تكون عبادته وفق ما أمر الله تعالى به لتوافق مرضاة الله، فتكون سببًا لنجاته. والعبادة الصحيحة المقبولة عند الله تعالى لابد لها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وقال قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣). وقد بيَّن القرطبى أن الإخلاص شرطٌ في صحة جميع العبادات فقال: "الإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص مصدر من أخلصت العسل وغيره، إذا صفيته وأفردته من شوائب كدره، أي: خلَّصته منها. فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتي له إلَّا بأن يكون الباعث على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو:

стр. 251

الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر" (١). وأما المتابعة للرسول ﷺ فهو المبلغ عن ربه-سبحانه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقال ﷺ : "من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدٌّ" (٣). قال القرطبي: "سنة الله تعالى في العبادة أنها لا تتلقى إلَّا من جهة الأنبياء" (٤). ولا شك أن هذا إقفالٌ لباب الابتداع في الدين، فلا عبادة صحيحة إلَّا ما جاءت عن طريق الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٥). قال الفضيل بن عياض (٦): "أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة" (٧).

стр. 252

المطلب الثاني: بعض أنواع العبادة: ١ - الدعاء: إن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، وأوضح مظاهر الخضوع والتذلل لرب العالمين، لما فيه من. الالتجاء والافتقار إلى أرحم الراحمين. وقد كان ﷺ وهو من حقق العبودية على أكمل صورها مظهرًا الحاجة والافتقار إلى الله تعالى، ملتجئًا إليه، كثير الإلحاح في الدعاء. وقد بيَّن القرطبي أن دعاء الرسول ﷺ في غزوة بدر وغيرها إنما هو من القيام بحق العبودية، وإظهار الفاقة والحاجة إليه تعالى، حيث قال: "قوله: "فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه" (١) هذا منه ﷺ قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة حيث قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢) يعني عن المضطر عند الدعاء. فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء ذلك الوقت أن يكون ارتاب في أن الله سينجز له ما وعده به ... لكنه قام بحق العبودية وإظهار الفاقة، وامتثال العبادة، فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه ﷺ مستغرق بمعرفة الواعد وإنجاز الموعود ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام بكل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها" (٣).

стр. 253

وقال في موضع آخر- عن دعاء الرسول ﷺ ببعض الدعوات- حاثًّا على الاقتداء به ﵇: "إنما دعا النبي ﷺ بهذه الدعوات، وتعوَّذ بهذه التعوذات، إظهارًا للعبودية، وبيانًا للمشروعية ليُقتدي بدعواته ويتعوذ بتعويذاته" (١). والدعاء كما أنه عباد وقربة إلى الله تعالى، وامتثالٌ لأمره تعالى، إذ قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). فالمسلم بدعائه يرجو الإجابة، ولذا فلابد من القيام بهذه العبادة على وجهها الصحيح من الإتيان بشروط الدعاء، والحذر من موانع الإجابة، وقد ذكر العلماء ذلك في كتبهم، وتوسَّعوا ليحقِّقَ العبد العبادة. وقد ذكر القرطبي بعض هذه الشروط والتي منها: العزم في الدعاء وإظهار الحاجة والافتقار حيث قال عن هذا الشرط عند شرحه لقوله ﷺ : "لا يقُولَنَّ أحدُكُم اللهُمَّ اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! ليعزم في الدعاء فالله صانع ما شاء لا مكره له" (٣): "إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب، وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل وإلَّا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلًا على قلة اكتراثه بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضًا فإنه لا يكون موقنًا بالإجابة، وقد قال ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافلٍ

стр. 254

لاهٍ" (١) ثم أن النبي ﷺ لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه، فقال: "ليعزم في الدعاء" أي ليجزم في طلبته وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة" (٢). وذكر في موضع آخر جملة من شروط الدعاء وآدابه التي بالقيام بها وتحقيقها ترجى الإجابة فقال: "إن إجابة الدعاء لابد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا بأنه لا قادر على حاجته إلَّا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألَّا يمل من الدعاء فيتركه، ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث، ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا ... واستدامة الإلحاح في الدعاء، فإن الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة، وخلاصة العبودية، والقائل قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك. قانطًا من رحمة الله وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلب فقد يعلم الله تعالى: أن عين ما طلب مفسدة فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره؛ لأنه سبحانه يحب استماع دعائه ودوام تضرعه، فتكثر أجوره، حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضى له. وقد قال ﷺ : "ما من داع يدعو إلَّا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر

стр. 255

عنه" (١). ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء -وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة- فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٢) " (٣). ٢ - الخوف والرجاء: وهما من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٥). فالخوف من الله تعالى دليلٌ على كمال المعرفة به سبحانه، إذ كلما كان المسلم بالله أعرف كان له أخوف، والخوف هو أساس التقوى. قال القرطبي في هذا: "المتقي شرعًا هو الذي يخاف الله تعالى ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزًا عن مخالفته، فإن أصل التقوى الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه" (٦). والرجاء لابد أن يكون مع إحسان العمل، أما الرجاء مع ترك العمل فهو عجز، قال القرطبي موضحًا هذا المعنى: "استصحبوا الأعمال الصالحة والآداب الحسنة التي يرتجي العامل لها قبولها، ويحقق ظنه برحمة ربه عند فعلها، فإن الله قريب من المحسنين، وعقابه مخوف على

стр. 256

العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إن حسن الظن بغير عمل غرة، كما قال ﷺ : "الكيِّسَ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله" (١) وهذا إنما يكون في حالة الصحة والقوة على العمل، وأما في حال حضور الموت، فليس ذلك الوقت وقتًا يقدر فيه على استئناف غير الفكر في سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنب يغفره، وأنه الكريم الحليم الغفور الشكور" (٢). وهذا الذي ذكره القرطبي هو الذي عليه عامة سلف الأمة، إذ العبد لابد له من الخوف والرجاء، فيستقيم سلوكه على أمر الله على هذين المسلكين، ويعالج نفسه بالخوف أحيانًا وبالرجاء أحيانًا، حسب ما يصلح به حاله. قال الإمام أحمد: "ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا" (٣) ونقل ابن رجب عن بعض السلف قوله: "من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن" (٤). ولذا قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٥): "هكذا حال العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، لابد

стр. 257

منها للمؤمن، ولذا قال بعض السلف: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا، إلَّا أن الخوف أولى بالمسمى، لكن بحيث لا يقنط من رحمة الله، والرجاء أولى بالمحسن لكن بحيث لا يفتر فيكسل عن الاجتهاد في عبادة الله" (١). ٣ - التوكل: التوكل على الله من أصول العبادة التي لا يتم توحيد العبد لله إلَّا بها، وقد جاءت النصوص في الدعوة إليه والحث عليه. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ (٣)، وقال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (٤). وقد عرَّف القرطبي ﵀ التوكل، وبيَّن من يستحق أن يطلق عليه هذا الوصف فقال: "التوكل لغة: هو إظهار العجز عن أمر ما، والاعتماد فيه على الغير، والاسم: التكلان يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله: إوتكلت: قلبت الواو تاءً لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال ويقال: وكَّلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوكالة بكسر الواو وفتحها. واختلف العلماء في التوكل، وفيمن يستحق "اسم المتوكل على الله"، فقالت طائفة من المتصوفة: لا يستحقه إلَّا من لم يخالط قلبه خوف

стр. 258

غير الله من سبع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى، وقال عامة الفقهاء: إن التوكل على الله هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لابد، منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة ... ثم المتوكلون على حالين: الحال الأول: حال التمكن في التوكل، فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلَّا بحكم الأمر. الحال الثاني: حال غير المتمكن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا، غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية" (١). وهو وإن ذكر قول غلاة المتصوفة في التوكل الذين يدعون إلى ترك الأخذ بالأسباب، فقد رد عليهم فيما ذهبوا إليه وبين ضلال ما هم عليه فقال: "العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرة أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكلة" (٢). وبيَّن أن الأخذ بالأسباب ملازم للتوكل على الله، لا ينفك عنه حيث قال: استعمل الحرص والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك وصيانة عيالك ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلابد من الاستعانة بالله والتوكل عليه،

стр. 259

والالتجاء إليه في كل الأمور، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين" (١). ومما يبين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ما كان عليه الرسول ﷺ -من الأخذ بالأسباب والحزم في جميع الأمور، فقد حمل السلاح، ولبس في الحرب درعين، ومن تتبع سيرته ﵇ علم منه ذلك علم اليقين، وهو ﵊ إمام المتوكلين. وقد بيَّن القرطبي حاله ﷺ من أخذه بالأسباب وتوكله على الله تعالى، فقال في استنباطه لفوائد من غزوة الخندق: "منه جواز التحصن والاحتراز من المكروهات والأخذ بالحزم والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل ولا منقص، فقد كان النبي ﷺ على كمال المعرفة بالله، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب ولا مقتضى العادات على مايراه جهال المتزهدين أهل الدعاوي الممخرقين" (٢). وحث على الاقتداء به ﵊ فلنا فيه أسوة، حيث قال: "من أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإن التوكل لا يناقض التحرز، بل: حقيقته لا تتم إلَّا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 260

المبحث الثالث نواقض التوحيدي وقوادحه وفيه أربعة عشر مطلبًا: المطلب الأول: الشرك المطلب الثاني: الكفر المطلب الثالث: النفاق المطلب الرابع: الفسق المطلب الخامس: الحلف بغير الله المطلب السادس: الطيرة المطلب السابع: التبرك المطلب الثامن: السحر المطلب الناسع: النشرة المطلب المعاشر: الرقى والتمائم المطلب الحادي عشر: التنجيم المطلب الثاني عشر: الكهانة المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ المطلب الرابع عشر: نسبه الحوادث إلى الدهر

стр. 261

المطلب الأول: الشرك: الشرك بالله تعالى هو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، لأنه صرفٌ للعبادة والتألُّه لغير مستحقها. قال القرطبي: "اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر وأعظم العظائم" (١). وقال أيضًا: "الشرك هو أعظم الظلم، إذ المشرك اعتقد الإلهية لغير مستحقها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (٢) " (٣). وبيَّن معنى الشرك فقال: "معناه بحكم أصل الوضع ألا يتخذ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخلق، لكن هذا القول قد صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أن من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن بالنبي ﷺ لم ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعي؟ " (٤). لكن لا مانع أن يبقى الشرك على أصله، وهو اتخاذ شريك مع الله تعالى، وتكون هذه الصورة التي ذكرها القرطبي وأمثالها من باب الكفر، لأن الكفر أعم من الشرك. فالكفر يدخل تحته الشرك، وجميع الأعمال المناقضة للإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٥)

стр. 262

حيث فرَّق بين المشركين وبين الكفار من أهل الكتاب، لأن كفر هؤلاء لم يكن من باب الشرك. لكن قد يرد الشرك ويراد به الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). قال الحافظ ابن حجر: "المراد بالشرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمد ﷺ مثلًا كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف" (٢). أنواع الشرك: ينقسم الشرك بإطلاقه إلى قسميق: الأول: الشرك الأكبر، وهو جعل مع الله سبحانه شريكًا في الألوهية كفعل الجاهلية، أو صرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله تعالى، أو إشراك معه غيره فيها، وهذا شركٌ أكبر مخرج من الملة. الثاني: الشرك الأصغر، وهو من كبائر الذنوب، لكنه لا يخرج من الملة، وهو شرك ظاهر يتمثل في بعض الأفعال والألفاظ الشركية، كالحلف بغير الله وغيرها، ومنه الرياء ويسمى: بالشرك الخفي. قال القرطبي: "أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات

стр. 263

التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله ... وهو مبطل للأعمال، لهذا أشار بقوله: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشرِيكَهُ" (١). وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال" (٢). وقال في موضع آخر: "المخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلَّا بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ماعنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا، فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإماكفر، وهو الشرك الأكبر، وإما رياء وهو: الشرك الأصغر" (٣). من وسائل الشرك: لقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص والنهي عن الشرك والتحذير منه، وسد جميع الطرق والوسائل المؤدية إليه وحرَّمها. ومن ذلك نهيه عن الصور وتعظيمها، والبناء على القبور وتشييدها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الشرك بالله تعالى، حيث يكون سببًا لعبادتها، كما حدث ذلك في الأمم السابقة، لذا حذَّر ﷺ من ذلك، وشدَّد في النهي، فعن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة -فيها تصاوير- لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّور أولئك شرارُ

стр. 264

الخلق عند الله يوم القيامة" (١). قال القرطبي: "إنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها. فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدَّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد" (٢) أي أنهاكم عن ذلك، وقال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (٣) وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد" (٤) ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر رسول الله ﷺ ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة -إذ كان مستقبل المصلين- فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية

стр. 265

مثلث من ناحية الشمال حتى لايتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: "لولا ذلك لأبرز قبره" (١) (٢). المطلب الثاني: الكفر: تعريفه لغة وشرعًا: قال القرطبي في تعريف الكفر: "أصل الكفر التغطية والستر، ومنه سمي الزارع: كافرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (٣) أي الزُّراع. ومنه قول الشاعر: .................. ... في ليلةٍ كَفَرَ النجوم غمامها (٤) أي: ستر وغطى، والغمام: السحاب. وأما الكفر الواقع في الشرع: فهو جحد المعلوم منه ضرورة شرعية، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعي" (٥). لكن هذا التعريف الذي قاله القرطبي لا يتناول جميع معاني الكفر التي جاءت في الشرع، لأن الكفر في الشرع أعم من الجحود، ولذا فإبليس من الكافرين، وهو لم يجحد أمر الله ولم ينكره، بل قابله بالرفض والاستكبار (٦).

стр. 266

أنواع الكفر: الكفر كفران. كفر مخرج من الملة موجب للخلود في النار، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفر النعمة، وصاحبه مستحق للوعيد، دون الخلود في النار، لما ورد في بعض النصوص من إطلاق الكفر على بعض المعاصي وهو مقصود العلماء بقوله: كفر دون كفر. قال القرطبي بعد ذكره للشرك المخرج من الملة: "وقد جاء الكفر بمعنى جحد المنعم وترك الشكر على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله ﷺ للنساء: "يكفرن الإحسان ويكفرن العشير" (١) أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن هنا صح أن يُقال: كفر دون كفر" (٢). وفي مثال لذلك قال عمن انتسب لغير أبيه، وما جاء في الحديث من تكفيره: "لا شك أن هذا محرم معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًا فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مستحل فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم: الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغة وشرعًا" (٣). المطلب الثالث: النفاق: النفاق لغة: هو مخالفة الباطن للظاهر، وهو من النافقاء، وهو جحر اليربوع (٤). وأُطلق على من يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر.

стр. 267

وقد بيَّن المازري سبب تسمية المنافق بهذا الاسم نقلًا عن ابن الأنباري (١) فقال: قال ابن الأنباري في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسمى بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب يستتر فيه. والثاني: أنه شبه باليربوع الذي له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طُلِبَ من القاصعاء خرج من النافقاء، وكذلك المنافق؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه. الثالث: أنه شبه باليربوع أيضًا، ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهره جحره تراب على وجه الأرض وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر (٢). وقد تابعه القرطبي على ذلك فنقل هذا القول في سبب التسمية (٣). أنواع النفاق: النفاق على نوعين: ١ - نفاق الاعتقاد وهو: إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وهذا لا شك في كفر صاحبه. ٢ - نفاق العمل، وهو الاتصاف ببعض صفات المنافقين، كما قال ﷺ : "آية المنافق ثلاث -وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم-: إذا حدَّث

стр. 268

كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان" (١). وقال القرطبي: "ظاهر هذا الحديث أن من كانت هذه الخصال الثلاث (٢) فيه خرج عن الإيمان، وصار في النفاق الذي هو الكفر الذي قال فيه مالك: النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم، وليس الأمر على مقتضى هذا الظاهر ... ولما استحال حمل هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل السنة اختلف العلماء فيه على أقوال: أحدها: أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ أي: من صفات المنافقين الفعلية، ووجه هذا: أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساترًا لها، ومظهرًا لنقائضها، فصدق عليه اسم منافق. وثانيها: أنه محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، واتخذها عادة، ولم يبال بها تهاونًا واستخفافًا بأمرها، فأيُّ من كان هكذا كان فاسد الاعتقاد غالبًا فيكون منافقًا خالصًا.

стр. 269

وثالثها: أن تلك الخصال كانت علامة المنافقين في زمانه، فإن أصحاب النبي ﷺ كانوا مجتنبين لتلك الخصال، بحيث لا تقع منهم، ولا تعرف فيما بينهم، وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وروي عنهما في ذلك حديث وهما أنهما أتيا النبي ﷺ فسألاه عن هذا الحديث فضحك النبي ﷺ وقال: "ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين أنتم من ذلك براء" (١) وذكر الحديث بطوله القاضي عياض قال: وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة" (٢). وقال المازري في شرح هذا الحديث: "قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق، فيحتمل أن يكون الحديث محمولًا على زمنه ﷺ ، وكان ذلك علامة للمنافقين في أهل زمانه، ولا شك أن أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها، وإنما كانت تظهر في زمانه من أهل النفاق، أو يكون ﷺ أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادة تهاونًا بالديانة أو يكون أراد النفاق اللغوي الذي هو إظهار خلاف المضمر، وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يظهر إليك أنه صدق ويبطن خلافه، والخصم يظهر أنه أنصف ويبطن الفجور والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشف الباطن بخلافه" (٢).

стр. 270

الحكم في المنافق: لا شك أن حكم المنافق الخالص في الآخرة الخلود في النار، بل هو في الدرك الأسفل منها، كما جاءت بذلك الآيات والأحاديث. قال القرطبي: "المنافقون يحكم لهم في الدنيا بأحكام المسلمين، وهم عند الله من أسوأ الكافرين" (١). أما من ظهر نفاقه وبان هل يقتل أم لا؟ قال القرطبي في ذلك: "المنافقون الذين علم نفاقهم في عهد رسول الله ﷺ كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي ﷺ من ذلك لئلا يكون قتلهم منفرًا لغيرهم عن الدخول في الإسلام؛ لأن العرب كانوا أهل أنفة وكبر، بحيث لو قتل النبي ﷺ هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب، وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي ﷺ عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين، وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين، ثم أقام النبي ﷺ مستصحبًا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه؛ لأنه ارتفع مسماه واسمه، ولذلك قال مالك: "النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم" ويظهر من مذهبه أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٢)

стр. 271

وبقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١) فقد سوَّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك ... وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي ﷺ ، فإن منهم من أظهر نفاقه واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا ... وقد وضح من هذا الحديث (٢) إبطال قول من قال: إن النبي ﷺ لم يقتل المنافقين لأنه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم، إذ قد نص فيه على المانع من ذلك وهو غير ما قالوه" (٣). المطلب الرابع: الفسق: قال القرطبي في تعريف الفسق لغة: "الفاسق في أصل اللغة هو الخارج مطلقًا، والفسق والفسوق: الخروج، ومنه قولهم: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها الأعلى، ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لأنها تخرج من جحرها للفساد" (٤). وينقسم الفسق في الشرع إلى قسمين: الأول: فسق مخرج من الملة موجب لصاحبه الخلود في النار، كما قال تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٥) وسمى سبحانه

стр. 272

أصحاب النار فسَّاقًا، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (١). الثاني: فسق لا يخرج من الملة، وهو الوقوع في المعاصي، والتجرؤ عليها، حيث سمى الله تعالى الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بالشهداء بأنهم فاسقون، وهم لم يخرجوا من الإسلام بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٢). قال القرطبي مبينًا الفسق بنوعيه: هو في الشرع خروج مذموم بحسب المخروج منه، فإن كان إيمانًا فذلك الفسق كفرًا، وإن كان غير إيمان فذلك الفسق معصية" (٣). المطلب الخامس: الحلف بغير الله: إن من الأعمال الشركية الحلف بغير الله تعالى لما فيه من تعظيم للمحلوف به. والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلَّا بالله وذاته وصفاته (٤). قال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٥). وقد جعل القرطبي الحلف بغير الله كفرًا أو كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك حسب قصد الحالف وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال -وفي رواية: متعمدًا-" (٦).

стр. 273

حيث قال: "قوله: "كاذبًا متعمدًا" يحتمل أن يريد به النبي ﷺ من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقة ... وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم مرتكب كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظم تلك الملة ويعتقدها فغلظ عليه الوعيد بأن صيَّره كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر" (١). وقد نهى الرسول ﷺ عن الحلف بالآباء إذ المقصود تعظيمهم بذلك، وهو نهيٌّ عن الحلف بالآباء وغيرهم إذ الحلف لا يكون إلَّا بالله فهو المستحق للتعظيم، قال ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٢) قال القرطبي: "إنما نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلف بأعظم ما يعتقده كما بيناه وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عطم ذلك الغير بمثل ما عظَّم به الله تعالى، وذلك ممنوع منه، وهذا الذي ذكرناه في الآباء جارٍ في كل محلوف به غير الله تعالى وإنما جرى ذكر الآباء هنا؛ لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي ﷺ عمر يحلف بأبيه، وقد شهد لهذا المعنى قوله: "من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله" وهذا حصر، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم، ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما

стр. 274

إذا حلف بملة غير الإسلام، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدمى والدماء والأنصاب، فهذا لا يشك في تحريمه، وأما الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم ونعمهم وما شاكل ذلك، فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل: النبي ﷺ والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين، فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهية وظاهر الحديث وما قدمناه من النظر في المعنى يقتضي التحريم" (١). وما ذهب إليه القرطبي ﵀ من تحريم ذلك كله والاقتصار على الحلف بالله تعالى هو الصحيح من كلام أهل العلم. قال ابن تيمية ﵀: والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا مَلَكٍ من الملائكة، ولا مَلِكٍ من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم، كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (٢). وأمَّا الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله تعالى كقوله: "والذي نفسي بيده" وما شابهها من الألفاظ فهو جائز. قال القرطبي عنه: "هو قسم بالله تعالى، أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادر عليها، ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة والمراد بها: اسم الله تعالى يمين جائزة حكمها حكم الأسماء الصريحة" (٣).

стр. 275

لكن من حلف بغير الله تعالى بالآباء، أو الأصنام، أو غيرها، فهل عليه كفارة في ذلك، قال بذلك بعض أهل العلم، وقد بين القرطبي رأيه في هذه المسألة، ورجَّح عدم الكفارة فقال: قد تقرر أن اليمين بذلك -أي الطواغيت والآباء- محرم ومع ذلك فلا كفارة فيه، عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول فلأن النبي ﷺ قد قال: "من قال: واللات والعزى فليقل: لا إله إلَّا الله" (١) ولم يذكر كفارة ولو كانت لوجب تبيينها لتعين الحاجة لذلك وأما الثاني فليست بيمين منعقدة ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة" (٢). فالكفارة إذا هي قول لا إله إلَّا الله، وقد كان الحلف بها يجري على ألسنتهم من غير قصد، وذلك لما نشأوا عليه من تعظيم الأصنام والحلف بها. قال القرطبي: "ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي ﷺ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلَّا الله تكفيرًا لتلك اللفظة وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة" (٣). وإذا تبين حرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقًا فقد يستشكل ما ورد من قوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" (٤).

стр. 276

وما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى. وقد أورد القرطبي هذا الاستتشكال وأجاب عليه فقال: فإن قيل كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي ﷺ قد حلف بذلك لما قال: "أفلح وأبيه إن صدق" وكيف يحكم بتحريم الحلف بغير الله، وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك؟ (١). وقد أجاب عن ذلك فقال: قوله: "وأبيه" الرواية الصحيحة التي لا يعرف غيرها، هكذا بصيغة القسم بالأب، وقال بعضهم: إنما هي "والله" وصحفت بأن قصرت اللامان فالتبست بأبيه، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأنه تقدير يخرم الثقة برواية الثقات الأثبات، وإنما صار هذا القائل إلى هذا الاحتمال لما عارضه عنده من نهيه ﷺ عن الحلف بالآباء حيث قال: "لا تحلفوا بأبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٢). وينفصل عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن هذا كان قبل النهي عن ذلك. والثاني: أن يكون ذلك جرى على اللسان بحكم السبق من غير قصد للحلف به كما جرى منه: تربت يمينك، وعَقْرى حلقى (٣) وهذه عادة عربية بشرية لا مؤاخذة عليها ولا ذم يتعلق بها (٤).

стр. 277

وأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور من وجهين: أحدهما: أن المقسم به محذوف تقديره: ورب الضحى ورب الشمس ونحو ذلك، قاله أكثر أئمة المعاني. وثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما يريد، كما يفعل ما يريد. إذ لا حكم عليه ولا حاكم فوقه، ونحن المحكوم عليهم، وقد أبلغنا حكمه على لسان نبيه ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" و"من كان حالفًا فلا يحلف إلَّا بالله" فيجب الانقياد والامتثال لحكم ذي العزة والجلال (١). والمازري قد قرَّر تحريم الحلف بغير الله تعالى، وأجاب عن الاستشكال الذي سبق ذكره وذلك عند تعليقه على قوله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، حيث قال: "هذا لئلا يشرك في التعظيم بالقسم غير الله سبحانه، وقد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إليَّ من أن أضاهي، فقيل معناه: الحلف بغير الله، وقيل معناه: الخديعة، يرى أنه حلف وما حلف، وقد قال ابن عباس أيضًا: أن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر. ولهذا ينهى عن اليمين بسائر المخلوقات، ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" لأنه لا يراد بها القسم، وإنما هذا قولٌ جارٍ على ألسنتهم ... وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (قيل معناه: ورب التين والزيتون) أو يكون المراد به التنبيه على ما فيها من العجائب والمنة بهما عليهم، ولا يراد بهما القسم، ولو سلَّمنا أن المراد بهما القسم من غير حذف وإضمار لم يبعد أن يكون الباري سبحانه يقسم بهما ويمنعنا من القسم بهما، وتعظيم الباري جلت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها؛ لأن كل حق بالإضافة إلى حقه

стр. 278

سبحانه حقير، وكل عظيم عند الإضافة إليه هين ... وإنما تعظيمه لبعض الأمور تنبيه لنا على قدرها عنده أو تعبد لنا بأن نعظمها فلا يقاس هذا على هذا" (١). المطلب السادس: الطيرة: الطيرة: مصدر طار يطير طيرة وطيرانًا. وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع عن المضي في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمن به، ومضى في حاجته. وأصل هذا: أن الرامي للطير إنما يصيب ما كان عن يساره ويخيبه ما كان عن يمينه، فسمي التشاؤم: تطيرًا بذلك (٢). وحاصل الطيرة: أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا، يخاف منه ألَّا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله (٣). وقال المازري في تعريف الطيرة: "الطيرة مأخوذ مما كانوا يعتادونه في الطير ويعتقدونه في البوارح والسوانح، وكان لهم في التشاؤم والتيامن طريقة معروفة، وقيل منها أخذ اسم الطيرة ... وقال بعضهم: الطيرة أخذ المعاني من أمور غير محسوسة ولا معقولة، ولا معنى يشعر العقل بما يتوقع من ذلك، فلهذا فارقت الفأل وإنها لا تقع إلَّا على توقع أمر مكروه" (٤). وقد جاء النهي عن الطيرة لما فيها من نسبة أفعال الله سبحانه إلى

стр. 279

شيء من خلقه، ولما يؤدي إلى الاعتقاد بأن لتلك المخلوقات تأثيرًا في قضاء الله وقدره. فقد قال ﷺ : "الطيرةُ شرك، وما منا إلَّا، ولكن يذهبه الله بالتوكل" (١). قال القرطبي: "وإنما كان ﷺ يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال الشرك؛ ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبه بأهل الشرك" (٢). هذا إذا صدت الإنسان عن حاجته كما قال ﷺ : "من ردَّتُه الطيرةُ عن حاجته فقد أشرك" (٣). لكن إذا وقع في نفسه شيء من ذلك، ولكنه توكل على الله ومضى في حاجته، فلا يلحقه إثمٌ ولا ذم، إذ لا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، لما جاء من حديث معاوية بن الحكم ﵁ عندما قال للرسول ﷺ : يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منَّا رجالًا يأتون الكهان قال: "فلا تأتهم" قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصُدَّنهم" (٤).

стр. 280

قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصد الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى فينبغي أن يعول عليه، وتفوض جميع الحوائج إليه، ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلًا تحت استطاعته" (١). وقال المازري حول هذا الحديث: "أي يجدون ذلك ضرورة فلا ملام عليهم فيه، ولكن إنما يكون اللوم على توقفهم عن إمضاء حوائجهم لأجل ذلك، وهو المكتسب فنهاهم أن يصدهم ذلك عما أرادوا فعله" (٢). وبيَّن القرطبي في موضع آخر أن المعرض عما يجد الماضي في حاجته على سنة الرسول ﷺ ، وقد يُذهبُ الله عنه ما يجد إذا علم منه صدق التوكل، وصحة التفويض، حيث قال: "المتطيَّر ليس على سنة النبي ﷺ ، إلَّا أن يمضي لوجهه، ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك عنها، بحيث لا تخطر له مرة واحدة، فإن إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا ... لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكل عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال ﷺ : "ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٣) " (٤).

стр. 281

وبيَّن أن الرسول ﷺ ما كان يتطير بشيء، إنما كان يحب الفأل، وعرف الفأل، فقال: هو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا، أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرَضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسر به النبي ﷺ الفأل، وكان رسول الله ﷺ يكره الطيرة، ويعجبه الفأل ... وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله (١). قالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال" (٢). وقد جعل القرطبي ﵀ قول عائشة هذا ردًا على الجُهَّال الذين يتشاءمون من شهر شوال، وبيَّن أنه ينبغي إزالة ما في أذهان هؤلاء الجُهَّال من هذه الخرافات بالعمل على مخالفتها، فقال: هذا إنما قالته عائشة ﵂ لترد به قول من كان يكره عقد النكاح في شهر شوال ويتشاءم به ... ولذلك قالت عائشة ذلك رادَّة لذلك الوهم: "فأي نسائه كان أحظى عنده مني" أي: لم يضرني ذلك ولا نقص من حظوتي، ثم إنها تبركت بشهر شوال، فكانت تحب أن تدخل نساءها على أزواجهن في شوال للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله، ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك. ومن هذا النوع كراهة الجهال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرم، بل ينبغي أن يتيمن بالعقد والدخول فيه تمسكًا بما عظم الله

стр. 282

ورسوله من حرمته وردعًا للجهال عن جهالاتهم" (١). على أنه ربما عورض ما سبق تقريره بقوله ﷺ : "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (٢) وقوله ﷺ : "لا يورد مُمرضٌ على مُصح" (٣) وقوله ﷺ : "إنما الشؤْمُ في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" (٤). أما الحديث الأول فقد قال القرطبي عند شرحه: "هذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها فأمره بالفرار لئلا يتشوش عليه ويغلبه وهمه وليس ذلك خوفًا لعدوى" (٥). وأما الحديث الثاني: فقال القرطبي في شرحه: "إنما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره ﷺ بالفرار من المجذوم فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك حتى إذا أكْرَهَ الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألمت نفسه وربما تأذت بذلك ومرضت ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، ولا يتعرض فيه لهذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على

стр. 283

نفسه مرضًا أراد علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام ... وبمجموع الأمرين وردت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع" (١). هذا هو الرأي الذي رجَّحه القرطبي في هذه المسألة وللعلماء أقوال كثيرة فيها: فمن العلماء من رجَّح الأخبار الدالة على نفي العدوى على الأخبار المثبتة لها وبعضهم عكس ذلك. وآخرون حاولوا الجمع بين النصوص بطرق كثيرة أحدها ما ذكره القرطبي (٢). وكذلك المازري ذكر بعض هذه الأقوال عند الجمع بين نفيه ﷺ للعدوى ونهيه أن يورد ممرض على مصح، لكنه لم يرجح حيث قال: "قال بعض أصحابنا لا يورد ممرض على مصح منسوخ بقوله: "لا عدوى" وقال آخرون: ليس بينهما تناف فيفتقر إلى النسخ، ولكن نفي العدوى، وهي اعتقاد كون بعض الأمراض تفعل في غيرها بطبيعتها، وأما أن تكون سببًا لخلق الباري سبحانه عندها مرض (٣)، ما وردت عليه، فلم ينفه، فإنما نهى أن يورد الممرض على المصح لئلا تمرض الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود المرضى فتكون المرضى كالسبب فيها، وقال آخرون: إنما المراد بهذا الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءم

стр. 284

بالإبل المريضة، ويعتقد أنها أمرضت إبله، فيأثم في هذا الاعتقاد، وقال آخرون: إنما ذلك للتأذي بمشاهدة المرضى، وما قد يكون فيها من رائحة تؤذي، وهو المراد بما وقع في بعض الأحاديث فإنه أذى، وقال بعض أصحابنا في هذا إن كانت مندوحة عن مخالطة من يتأذى كره للوارد وإلَّا فلا، وكذا في أهل الجذام، إذا تأذى الناس بمخالطتهم" (١). وأما الحديث الذي يثبت الشؤم في ثلاثة فقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "قد تخيل بعض أهل العلم أن التطير بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: "لا طيرة" (٢) وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلَّا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "الطيرة على من تطير" (٣) وقال أبو عبد الله (٤): إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والفرس وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من "العتبية" أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر،

стр. 285

فذهب العدد وقل المال، فقال رسول الله ﷺ : "دعوها ذميمة" (١). قلت -أي القرطبي-: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظنٌّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم، فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبهنا عليه من أن هذه ضرورية في الوجود، ولابد للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصها بالذكر لذلك فإن قيل: فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء فإن الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه؟ ! . فالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطردت عادة به خاصة ولا عامة ولا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه،
следующие страницы →