← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وبيَّن أن الرسول ﷺ ما كان يتطير بشيء، إنما كان يحب الفأل، وعرف الفأل، فقال: هو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا، أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرَضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسر به النبي ﷺ الفأل، وكان رسول الله ﷺ يكره الطيرة، ويعجبه الفأل ... وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله (١). قالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال" (٢). وقد جعل القرطبي ﵀ قول عائشة هذا ردًا على الجُهَّال الذين يتشاءمون من شهر شوال، وبيَّن أنه ينبغي إزالة ما في أذهان هؤلاء الجُهَّال من هذه الخرافات بالعمل على مخالفتها، فقال: هذا إنما قالته عائشة ﵂ لترد به قول من كان يكره عقد النكاح في شهر شوال ويتشاءم به ... ولذلك قالت عائشة ذلك رادَّة لذلك الوهم: "فأي نسائه كان أحظى عنده مني" أي: لم يضرني ذلك ولا نقص من حظوتي، ثم إنها تبركت بشهر شوال، فكانت تحب أن تدخل نساءها على أزواجهن في شوال للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله، ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك. ومن هذا النوع كراهة الجهال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرم، بل ينبغي أن يتيمن بالعقد والدخول فيه تمسكًا بما عظم الله

стр. 282

ورسوله من حرمته وردعًا للجهال عن جهالاتهم" (١). على أنه ربما عورض ما سبق تقريره بقوله ﷺ : "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (٢) وقوله ﷺ : "لا يورد مُمرضٌ على مُصح" (٣) وقوله ﷺ : "إنما الشؤْمُ في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" (٤). أما الحديث الأول فقد قال القرطبي عند شرحه: "هذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها فأمره بالفرار لئلا يتشوش عليه ويغلبه وهمه وليس ذلك خوفًا لعدوى" (٥). وأما الحديث الثاني: فقال القرطبي في شرحه: "إنما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره ﷺ بالفرار من المجذوم فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك حتى إذا أكْرَهَ الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألمت نفسه وربما تأذت بذلك ومرضت ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، ولا يتعرض فيه لهذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على

стр. 283

نفسه مرضًا أراد علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام ... وبمجموع الأمرين وردت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع" (١). هذا هو الرأي الذي رجَّحه القرطبي في هذه المسألة وللعلماء أقوال كثيرة فيها: فمن العلماء من رجَّح الأخبار الدالة على نفي العدوى على الأخبار المثبتة لها وبعضهم عكس ذلك. وآخرون حاولوا الجمع بين النصوص بطرق كثيرة أحدها ما ذكره القرطبي (٢). وكذلك المازري ذكر بعض هذه الأقوال عند الجمع بين نفيه ﷺ للعدوى ونهيه أن يورد ممرض على مصح، لكنه لم يرجح حيث قال: "قال بعض أصحابنا لا يورد ممرض على مصح منسوخ بقوله: "لا عدوى" وقال آخرون: ليس بينهما تناف فيفتقر إلى النسخ، ولكن نفي العدوى، وهي اعتقاد كون بعض الأمراض تفعل في غيرها بطبيعتها، وأما أن تكون سببًا لخلق الباري سبحانه عندها مرض (٣)، ما وردت عليه، فلم ينفه، فإنما نهى أن يورد الممرض على المصح لئلا تمرض الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود المرضى فتكون المرضى كالسبب فيها، وقال آخرون: إنما المراد بهذا الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءم

стр. 284

بالإبل المريضة، ويعتقد أنها أمرضت إبله، فيأثم في هذا الاعتقاد، وقال آخرون: إنما ذلك للتأذي بمشاهدة المرضى، وما قد يكون فيها من رائحة تؤذي، وهو المراد بما وقع في بعض الأحاديث فإنه أذى، وقال بعض أصحابنا في هذا إن كانت مندوحة عن مخالطة من يتأذى كره للوارد وإلَّا فلا، وكذا في أهل الجذام، إذا تأذى الناس بمخالطتهم" (١). وأما الحديث الذي يثبت الشؤم في ثلاثة فقال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "قد تخيل بعض أهل العلم أن التطير بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: "لا طيرة" (٢) وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلَّا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "الطيرة على من تطير" (٣) وقال أبو عبد الله (٤): إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والفرس وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من "العتبية" أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر،

стр. 285

فذهب العدد وقل المال، فقال رسول الله ﷺ : "دعوها ذميمة" (١). قلت -أي القرطبي-: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظنٌّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم، فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبهنا عليه من أن هذه ضرورية في الوجود، ولابد للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصها بالذكر لذلك فإن قيل: فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء فإن الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه؟ ! . فالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطردت عادة به خاصة ولا عامة ولا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه،

стр. 286

كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال ﷺ : "لا طيرة" و"لا تطيروا" وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه لا على وجه الندور ولا التكرار. وثانيها: ما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفر منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفار فيكون سفره سببًا في محنته وتعجيلًا لهلكته. ثالثها: سبب يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب والله الموفق للصواب" (١). ثم بيَّن ﵀ بعض تأويل العلماء لهذا الحديث، وبين انتقاداته لها، وقرر أن ما ذكره في تخريج الحديث هو الأولى، فقال: "وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أُخر. منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه ﷺ خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به، لا أنه خبر عن الشرع (٢)، وهذا ليس بشيء؛ لأنه تعطيل لكلام الشرع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ، ومنهم

стр. 287

من تأول الشؤم المذكور في هذه الثلاثة، فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها، وألا تلد، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه. وهذا المعنى لا يليق بالحديث ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث. وما ذكرناه أولى والله تعالى أعلم" (١). وأما المازري فقد قال عن هذا الحديث: "مالك ﵁ أخذ هذا الحديث على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في كتاب الجامع من المستخرجة أنه قال: رب دار سكنها قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، وقال غيره: فإن هذا محمله على أن المراد به أن قدر الله سبحانه ربما اتفق بما يكره عند سكنى الدار، فيصير ذلك كالسبب فيتسامح في إضافة الشؤم إليه مجازًا واتساعًا، قالوا: وقد قال في بعض طرق مسلم: إن يكن الشؤم، وهذا لفظ ينافي القطع، ويكون محمله إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وقد وقع في بعض الأحاديث أنه ﷺ لمَّا شكِيَ إليه في بعض الديار ذهاب الأهل والمال قال: دعوها ذميمة. وقد اعترض بعض أهل العلم في هذا الموضع؟ بأن قال: فإنه نهى ﷺ عن الفرار من بلد الطاعون، وأباح الفرار من هذه الدار فما الفرق؟ قال بعض أهل العلم: إن الجامع لهذه الفصول كلها ثلاثة أقسام (٢).

стр. 288

ثم ذكر الأقسام الثلاثة التي ذكرها أهل العلم وسبق نقلها عن القرطبي. المطلب السابع: التبرك: من معتقد أهل السنة والجماعة أن البركة من الله تعالى، فلا تطلب إلَّا منه، وطلبها من غيره شرك (١). ولكنه جعل بركة في بعض الأعيان والأقوال والأفعال، فهي سبب للبركة. والبركة في الأشياء لا تعرف إلَّا عن طريق الشرع، ثم التبرك بهذا الشيء لا يكون إلَّا على الصفة المشروعة التي جاء بها الشارع، وذلك لإقفال باب البدع والخرافات، فمثلًا طلب بركة السحور التي جاءت في الحديث (٢) يكون بالتسحر، وطلب بركة ماء زمزم (٣) بشربه، وهكذا. وأما ما يتعلق بالتبرك بالأشخاص وآثارهم، فتفصيل ذلك كما يأتي: التبرك بالنبي ﷺ -: دلَّت النصوص على التبرك بالرسول ﷺ وبآثاره، فهو ﷺ مبارك في ذاته وأفعاله وآثاره، وقد كان الصحابة ﵃ يتبركون به وبآثاره، وقد أقرهم على ذلك، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث خروج النبي ﷺ في الحديبية وفيه: "ما تنخم النبيُّ ﷺ نُخَامَةً إلَّا وقعتْ في

стр. 289

كفِّ رجُلٍ منهم فدلَكَ بها وجهَهُ وجلدَه" (١). فهذا الحديث وأمثاله يدل على مشروعية التبرك بالرسول ﷺ ، وبآثاره، كفضل وضوئه وشعره (٢). وأما التبرك بالمواضع التي نزل فيها الرسول ﷺ أو صلى فيها اتفاقًا من غير قصد، فقد ذهب بعض المتأخرين من العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا على مشروعية ذلك بفعل ابن عمر ﵄ فقد كان يتحرى الصلاة في المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ والنزول في أماكن نزوله في سفره (٣). وما جاء في صحيح البخاري أيضًا أن عتبان بن مالك طلب من الرسول ﷺ أن يصلي له في مكان في بيته ليتخذه مصلى فأجابه الرسول ﷺ لذلك (٤). ورأى الآخرون المنع من ذلك؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ ذلك سوى ابن عمر ﵄. فتحري ذلك ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا

стр. 290

خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ ! . إضافة إلى أن ذلك تشبُّهٌ بأهل الكتاب، وقد يكون ذريعة إلى الشرك بالله تعالى (١). قال ابن تيمية ﵀: "ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ ، والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات" (٢). "على أن من العلماء من رخَّص في ذلك إذا لم يتخذ عيدًا فيكثر انتياب الناس له لأجل ذلك" (٣). والقرطبي ﵀ أقرَّ التبرك بالرسول ﷺ بذاته وبآثاره -وهو مشروع بلا شك- وقرر مشروعية بل فضل التبرك بمواضعه، فقال: "كان أصحابه يتبركون بوضوئه وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بجبته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلون عندها، وهذا كله عمل بمقتضى الأمر بالتعزير والتعظيم ونتيجة الحب الصحيح" (٤).

стр. 291

وما ذكره القرطبي هنا من أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بمواطنه، ويدعون ويصلون عندها ليس بصحيح، بل نقل ذلك عن ابن عمر فقط، خالف فيه جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار كما قال ابن تيمية. وقال القرطبي في موضع آخر في كتاب الحج؛ "المبيت بذي طوى ودخول مكة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ ، وتتبعًا لمواضعه، كان له في ذلك ثوابٌ كثير، وخير جزيل" (١). وقال أيضًا: "والتعريس بذي الحليفة ليس من سنن الحج ولا العمرة، ولكنه مستحب تبركًا بالنبي ﷺ " (٢). على أنه -عفا الله عنه- قد غلا في ذلك، وتجاوز الحد، فقد جعل وجود خاتم الرسول ﷺ بين الصحابة سببًا لاستقامة أمرهم، وفقده سببًا لما حصل بينهم من حروب وفتن، فقال: "وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي ﷺ إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي ﷺ ، واقتداءً به، واستصحابًا لحاله، حتى كأنه حي معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فُقِد اختلف الناس على عثمان ﵁ وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولايزال الهرج إلى يوم القيامة" (٣). بل جعل رؤية قبر الرسول ﷺ من العبادات التي يؤثرها العبد على أهله وماله ونفسه والناس أجمعين، حيث قال؛ "من المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى -أي عن محبة

стр. 292

الرسول ﷺ في أكثر أوقاته، فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذُكِّرَ بالنبي ﷺ وبشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ونفسه والناس أجمعين" (١). وقال في موضع آخر، وهو يذكر فضائل المدينة: "ففي حياته ﷺ : صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته: مجاورة جسده الشريف، ومشاهدة آثاره المعظمة، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك، وأحسن الله عزاء من لم ينل شيئًا مما هنالك" (٢). ونقل عن القاضي عياض مقرًّا له جعل قبر الرسول ﷺ أفضل بقاع الأرض، حيث قال: "قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع الأرض كلها" (٣). ولا شك أن هذا من الغلو الذي نهى عنه ﷺ فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم" (٤)، وقال: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (٥)، وغيرها من الأحاديث الناهية عن الغلو في شخصه ﷺ فضلًا عن آثاره. ومع ما وقع فيه القرطبي ﵀ هنا من الغلو المذموم، إلَّا أنه قرر ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من النهي عن الصلاة إلى القبور،

стр. 293

والبناء عليها، سدًّا لذريعة الشرك، وحماية لجانب التوحيد، فقال: "حذَّر النبي ﷺ عن مثل هذا -أي تعظيم القبور والصور- وشدَّد النكير والوعيد على مثل هذا، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد" (١) أي: أنهاكم عن ذلك ... ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ ، فأعلو حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن تتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره" (٢). وقال عند شرحه لحديث النهي عن تجصيص القبور: "بظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور: أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعظم القبور ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام كما قد قال به بعض أهل العلم" (٣). وقال في موضع آخر: "قوله: "لا تصلوا إلى القبور" (٤) أي: "لا تتخذوها قبلة لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها

стр. 294

الصلاة لها فيؤدي إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام" (١). فيكون تقريره هنا كالرد على كلامه السابق الذي فيه غلو في قبر الرسول ﷺ ، ولا شك أن تعظيم القبور من أعظم الذرائع إلى الشرك بالله تعالى. التبرك بالصالحين: لقد ذهب القرطبي ﵀ إلى جواز التبرك بالصالحين وبآثارهم، وذلك عند شرحه لحديث عبد الله بن عمر ﵄ الذي قال فيه: "إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر -أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا من العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة" (٢) قال القرطبي: "أمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليلٌ على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم، وخفيت آثارهم" (٣). وذكر في مواضع أخرى ما يدل على مذهبه في التبرك بآثارهم (٤)، والصواب أن قياس التبرك بالصالحين على التبرك بالنبي ﷺ ليس بصحيح، وذلك لأسباب كثيرة، منها: ١ - عدم مقاربة غير الرسول للرسول ﷺ ، فضلًا عن المساواة في الفضل

стр. 295

والبركة. ٢ - ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق الصلاح إلَّا بصلاح القلب، وهذا لا يمكن الاطلاع عليه إلَّا بنص. ٣ - ومنها أننا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره. ٤ - ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون مع غير النبي ﷺ لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. ٥ - ومنها أن فعل هذا مع غير الرسول ﷺ قد يورث العُجْبَ والكِبْرَ والفتنة، فيكون كالمدح في الوجه بل أعظم (١). قال ابن رجب ﵀: "التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلَّا مع النبي ﷺ ، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته، وشعره وشرب فضل شرابه، وطعامه، وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم وللمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك، كل هذا إنما جاء من التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه هذه الأمة" (٢). المطلب الثامن: السحر: إن السحر من الأعمال الشركية التي تناقض التوحيد، ومعنى السحر كما قال القرطبي: "حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم والاكتساب غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلَّا آحاد الناس، فيندر وقوعها،

стр. 296

وتستغرب آثارها لندورها، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأزمان ذلك" (١). وَهَذا الذي ذكره القرطبي أحد أنواع السحر، إذ السحر أنواع، منها ما يكفر به الساحر عند الجميع، ومنه ما اختلف في تكفيره. قال النووي ﵀ عند كلامه عن السحر: "إنه قد يكون كفرًا وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلَّا فلا" (٢). وقال الشنقيطي (٣) بعد ذكره لأنواع السحر: "وعلوم الشر كثيرة وقصدنا بذكر ما ذكرنا منها التنبيه على خستها شرعًا، وأن منها ما هو كفر بواح، ومنها ما يؤدي إلى الكفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد" (٤). حكم إنكار السحر: بيَّن القرطبي ﵀ وجود السحر وأثره، وأن الكتاب والسنة قد دلا على ذلك، وأن من أنكر السحر فقد كفر، لتكذيبه بالكتاب والسنة، وذلك عند شرحه لحديث عائشة التي قالت فيه: "سحر رسول الله ﷺ يهودي" (٥).

стр. 297

حيث قال: "هذا الحديث يدل على أن السحر موجود وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حقٌّ وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقولِه تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (١) ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (٢) إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السحر والسحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ... ﴾ إلى آخرها (٣). وبالجملة: فهو أمرٌ مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ عن وجوده ووقوعه، فمن كذب بذلك فهو كافر مكذب لله ولرسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا، ومنكر ذلك إن كان مستسرًا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد" (٤). حقيقة السحر وتأثيره: أما هل للسحر حقيقة أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم: الأول: من قال: إن السحر تخييل فقط ولا حقيقة له، قال به جماعة من العلماء منهم ابن حزم الظاهري (٥)، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (٦). قال الحافظ ابن حجر في الرد عليهم: "هذه الآية عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن

стр. 298

جميع أنواع السحر تخييل" (١). وقد بيَّن القرطبي أن أكثر السحر تخييل حيث قال: "وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها، وتشتبه على من لا يقف عليها، ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا، وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (٣)؛ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة" (٤). الثاني: أن السحر له حقيقة، وعليه عامة العلماء، وهو الذي تؤيده الأدلة. قال المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لاحقيقة له، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له؟ " (٥). وهو الذي عليه القرطبي إذ بيَّن أن أكثره تخيلات لا حقيقة لها، فيفهم أن منه ما له حقيقة، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم، وأن منه خيالات ومنه حقائق. وأما هل السحر له تأثير أم لا؟ هذا يبنى على القول

стр. 299

الأول، فمن أنكر حقيقة السحر، وجعله من باب التخييل فقط فهو ينكر تأثيره. والذين أثبتوا أن للسحر حقيقة أثبتوا أن له تأثيرًا، ولكنهم اختلفوا في هذا التأثير. فالجمهور أن للسحر تأثيرًا فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، ولا يزيد على ذلك بحيث يكون الجماد حيوانًا مثلًا. وذهبت طائفة قليلة إلى أن للسحر تأثيرًا يصل إلى قلب الأعيان (١). قال الحافظ ابن حجر عن ما قالته هذه الطائفة: "إن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرًا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه (٢). وهذا هو الذي ذهب إليه القرطبي، وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام القرطبي بعد كلامه السابق. قال القرطبي: "السحر ليس بخرق عادة، بل هو أمر عادي، يتوصل إليه من يطلبه غالبًا، غير أنه يقل ويندر، فلا نقول: إن الساحر تنخرق له العادة خلافًا لمن قال ذلك من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له، فإن أرادوا بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلم، ما لم يدَّع النبوة، فإن حاصل ذلك أنه أمر ممكن، والله تعالى قادر على كل ممكن، وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو باطل" (٣).

стр. 300

وأمَّا المازري فقد أجاز أكثر من ذلك، وبيَّن أن هذا هو مذهب الأشعرية، فقال: "وإذا ثبت السحر فاختلف الناس في القدر الذي يقع عن السحر، ولهم في ذلك اضطراب كثير، وقد رأيت بعض الناس ذهب إلى أنه لا يبلغ الأمر فيه إلى غريبة تربي على التفرقة بين المرء وزوجه، وذكر أن الله سبحانه إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنه، وتهويلًا له في حقنا فلو كان يقع عنه ما هو أعظم لذكره إذ لا يضرب المثل عند المبالغة إلَّا بأعلى أحوال المذكور. ومذهب الأشعرية: أنه يجوز أن يقع عنه ما هو أكثر من ذلك، والذي قالته الأشعرية هو الصحيح عقلًا، وإذا قلنا أن لا فاعل إلَّا الله سبحانه، وإنما يقع من ذلك عادة أجراها تعالى، فلا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها أولى من بعض، وهذا واضحٌ، لكن إن ورد السمع بقصوره عن مرتبة ما، وجب اتباع السمع في ذلك، وسمع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله من حكينا قوله لا يوجد وذكر التفرقة بين الزوجين ليس بنص جلي، فيما قاله، ولكنه إنما يبقى النظر في كونه ظاهرًا، والمراد في المسألة القطع، فلهذا لم نشتغل هاهنا بتحرير ما تعلق به من الآية" (١).

стр. 301

ونرى أن القرطبي قصر تأثير الساحر على النوع الأول وهو المرض، والتفريق بين الزوجين وما شابههما. وأما المازري فجوز أكثر من ذلك. والصحيح أن السحر له تأثير حقيقي على الإنسان، وأما ما يفعله الساحر من الطيران في الهواء أو المشي فوق الماء، أو قلب الإنسان حيوانًا، أو غيرها من الأعمال فعند كثير من العلماء أن هذا من باب التخييل ليس من نوع تغيير طبيعة الشيء إلى غيرها. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن وقوع مثل هذه الأفعال من الساحر: "بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى، وهذا هو الأظهر عندي والله تعالى أعلم" (١). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن حد قدرة الساحر هو ما يكون باستطاعة أحد من الإنس أو الجن، وما لا يدخل تحت قدرتهم فلا يستطيعه الساحر، كقلب الإنسان حيوانًا مثلًا حيث قال ﵀: "وجميع ما يختص بالسحرة والكُهَّان وغيرهم مما ليس بنبي: لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق ... فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور

стр. 302

الإنس" (١). وقال ابن القيم ﵀: "الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها" (٢). موقف القرطبي والمازري مما ورد أن النبي ﷺ قد سحر: جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسول الله ﷺ يهوديٌّ من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ... " (٣). وهذا الحديث قد أنكرته بعض المبتدعة بزعم أنه يحط من منصب النبوة، وينافي العصمة، ويؤثر على الثقة بالشريعة. وقد كان للقرطبي والمازري موقف من هذه الشبهة، إذ بيَّنا أن السحر ثابت لكنه لا يحط من منزلته ﷺ ، ولا يؤدي إلى نزع الثقة بشريعته، بل هو دليل بشريته ﵊، إذ هو كالأمراض والآلام والجراحات التي تصيبه ﷺ ، ولم يتعد الأمر أكثر من ذلك. قال القرطبي: "قد جعل هذا بعض أهل الزيغ مطعنًا في النبوة وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك، والجواب: إن هذا صدر عن سوء فهم، وعدم علم. أما سوء فهم فلأنها إنما أرادت أنه ﷺ أُخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه، وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير

стр. 303

كتاب مسلم فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء فلا يأتيهن، ولو لم ينقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صح فيه، فيخيل إليه أنه يقدم على الأكل أو المشي مثلًا، لأنه لا يحس بمانع يمنعه منه، فإذا رام ذلك، وأخذ فيه، لم يتأث له ذلك لغلبة المرض الناشئ عن السحر، لا أنه ﷺ أوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله إذ قام برهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات، فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك مما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (١) من حيث البشرية يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى" (٢). وقال المازري: "قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يُخيَّل إليه جبريل ﵇ وليس ثم ما يراه أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة

стр. 304

شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضلًا من أجلها، وهو في كثير منها عرضة لما يعترض البشر فغير بعيد أن يخيل إليه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قال بعض الناس إنما المراد بالحديث: أنه يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل في المنام للإنسان مثل هذا المعنى، ولا حقيقة له، فلا يبعد أن يكون ﷺ يتخيله في اليقظة، وإن لم يكن حقيقة، وقال بعض أصحابنا: يمكن أن يكون يخيل إليه الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه لا يعتقد ما تخيله أنه صحيح فتكون اعتقاداته كلها على السداد فلا يبقى لاعتراض الملحدة طريق" (١). وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام المازري السابق في كتابه "فتح الباري" وارتضاه (٢). حكم الساحر: اختلف العلماء في حد الساحر: هل يقتل بمجرد السحر؟ أم لابد أن يتضمن سحره الكفر، أو يقتل بسحره؟ . ذهب الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد (في رواية عنه) أنه يقتل على كل حال (٣). وأما الشافعي فقال: الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر يقتل، فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلًا (٤). وهو رواية عن أحمد (٥).

стр. 305

فالخلاف إذًا في الساحر الذي لم يشتمل سحره على الكفر، ولم يقتل بسحره. وأما إذا قتل بسحره، أو اشتمل سحره على الكفر فحده القتل عند الجميع. على أن كثيرًا من العلماء يرى أن الساحر لا يتم له السحر إلَّا بخدمة الشياطين له، وهم لا يخدمونه إلَّا بالتقرب إليهم، وهذا كفر. ثم هل تقبل توبة الساحر أم لا؟ في المسألة خلاف أيضًا: والقرطبي والمازري أخذا بمذهب المالكية في ذلك، وهو قتل الساحر على كل حال. قال القرطبي: "الساحر عند مالك كالزنديق؛ لأن العمل عنده بالسحر كفر مستسر به، فلا تقبل توبة الساحر، كما لا تقبل توبة الزنديق، إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته ... وإنما صار مالك إلى أن السحر كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١) أي بالسحر، ويتأيد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثر بذاته وحقيقته، وذلك كفر. وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين والشافعي في قول له آخر (٢). فالساحر عندنا يقتل على كل حال قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق (٣). وقال المازري: "الساحر عندنا إذا سحر بنفسه قتل، فإن تاب لم تقبل توبته خلافًا للشافعي، وهذه المسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأنه مسرٌّ لما يوجب قتله كالساحر. وإنما قلنا "أنه يقتل

стр. 306

على الجملة؛ لأن من عمل السحر وعلمه فقد كفر، والكافر يقتل، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١) فإذا ثبت كونه كفرًا وجب القتل به. قال بعض أصحابنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ يعني باعوها وبيعه لنفسه يتضمن قتله. قال الشافعي: "إن عمل السحر (وقال به) (٢) سئل فإن قال تعمدت القتل به قُتِلَ، وإن قال لم أتعمد القتل به كانت فيه الدية. وإذا ثبت أنه كافر استغني عن هذا التفصيل الذي قاله الشافعي" (٣). لكن إن اعترض على ذلك بأن الرسول ﷺ لم يقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره، فقد أجاب القرطبي عن هذا الاعتراض فقال: "إنما امتنع النبي ﷺ من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شر بين المسلمين واليهود، لما كان بينهم من العهد والذمة، فلو قتله لثارت فتنة، ولتحدث الناس أن محمدًا يقتل من عاهده وأمَّنه، وهذا نحو مما راعاه في الامتناع عن قتل المنافقين حيث قال: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (٤) فيكون ذلك منفرًا عن الدخول في دينه وفي عهده والله تعالى أعلم" (٥).

стр. 307

المطلب التاسع: النشرة: وهي مسألة لها علاقة بالسحر؛ لأن السحر بمنزلة الداء، والنشرة بمنزلة الدواء. هي ضربٌ من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن. قال ابن الجوزي: "هي حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقتدر عليه إلَّا من يعرف السحر" (١). وقد اختلف العلماء في حكم النشرة: فكان الحسن البصري يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلَّا ساحر. واستدلوا بقوله ﷺ "النشرة من عمل الشيطان" (٢) وأجازها آخرون، وقد جاء في البخاري عن قتادة (٣) قال: قلت لسعيد بن المسيب (٤): رجل به طب -أو يؤخذ عن امرأته- أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه" (٥). وسُئِلَ الإمام أحمد عمَّن يطلق السحر عن المسحور، فقال: "لا بأس به" وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام الإمام أحمد السابق: "وهو المعتمد" (٦).

стр. 308

وقد ذكر القرطبي الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، ونقل قول المازري فيها فقال: "اختلف العلماء في النشرة وهي: أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه إياه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه. وقال المازري (١): "النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك، لأنها تنشر عن صاحبها أي: تحل، ومنعها الحسن وقال: هي من السحر، وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال؛ سئل رسول الله ﷺ عن النشرة فقال: "هي من عمل الشيطان" (٢) قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعن المداواة المعروفة والنشرة من جنس الطب. قلت -أي القرطبي-: ويتأيد هذا بقوله ﷺ : "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (٣) " (٤). والصحيح أن النشرة على نوعين: الأول: حل السحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيُبطِلُ عملَهُ عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن: لا يحل

стр. 309

السحر إلَّا ساحر (١). المطلب العاشر: الرقى والتمائم: كانت الرقى تستخدم في الجاهلية لمعالجة اللديغ والمصاب بالعين وغيرها من الأمراض. ولما كان في عمل الجاهلية هذا من ادعاء علم الغيب، ومن الشرك والتوكل على غير الله، والاستعانة بالجن، فقد وردت النصوص الشرعية تجريم ذلك كله، فقال ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (٢). لكن الصحابة ﵃ أتوا النبي ﷺ وأخبروه بأنهم عندهم رقى يرقون بها من العقرب وغيرها، وأنهم بحاجة إلى تلك الرقى، فطلب منهم ﷺ أن يعرضوا عليه تلك الرقى فعرضوها عليه، فقال لهم بعد ذلك: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك" (٣). وقال ﷺ عندما سألوه عن الرقى "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" (٤). قال القرطبي: "قول عائشة ﵂: "رخص رسول الله ﷺ في الرقية من الحمة" (٥) وقول أنس: "رخَّص رسول الله ﷺ في الرقية

стр. 310

من العين والحمة والنملة" (١) دليل على أن الأصل في الرقى كان ممنوعًا كما قد صرَّح به حيث قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى (٢). وإنما نهى عنه مطلقًا لأنهم كانوا يرقون في الجاهلية برقى هو شرك وبما لا يفهم وكانوا يعتقدون أن ذلك الرقى يؤثر، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي ﷺ عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسد للذريعة، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه: أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال: "أعرضوا عليَّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (٣). فجازت الرقية من كل الآفات، ومن الأمراض، والجراح، والقروح، والحمة، والعين، وغير ذلك، إذا كان الرقى بما يفهم، ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع (٤). وقال المازري: "يحتمل أن يكون النهي كان ثابتًا ثم نُسخ، أو يكون كان النهي لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام، كما كانت تعتقد الجاهلية، فلما استقر في أنفسهم وارتاضوا بالشرع أباحها لهم مع اعتقادهم أن الله هو النافع والضار، أو يكون النهي عن الرقى الكفرية ألا تراه يقول للذي قال له: "نهيت عن الرقى قال: فعرضوها عليه ﷺ فقال ما أرى بأسًا" (٥). وبهذا يتضح موقف الإسلام من الرقى، وأنها جائزة بشروط، قال

стр. 311

ابن حجر ﵀: "أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط، وهي: ١ - أن تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته، أو بما أُثِرَ عن النبي ﷺ . ٢ - أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. ٣ - أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها، بل بإذن الله " (١). وقد نصَّ المازري على الشرطين الأول والثاني من هذه الشروط التي ذكرها الحافظ فقال: "جميع الرقى عندنا جائزة إذا كانت بكتاب الله وذكر الله وينهى عنها بالكلام الأعجمي ما لا يعرف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك" (٢). وأما القرطبي ﵀ فقد جعل الشرط الأول للأفضلية والكمال، فقال: "وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام رسوله ﷺ " (٣). وقال عند شرحه لقوله ﵇ عندما عرضوا عليه الرقى "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك" (٤): "دليل على جواز الرقى والتطبب بما لا ضرر فيه، ولا منع شرعيًا مطلقًا، وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا" (٥). وجعل ﵀ الرقية ثلاثة أقسام: -قسم من رقى الجاهلية، وبما لا يعرف، فهذا يجب اجتنابه على سائر

стр. 312

المسلمين. - وقسم بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله ﷺ ، وهذا التجاء إلى الله تعالى. - وقسم ثالث وهو الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، وما عطم الله وأجازه، لكنه جعل تركه أولى، فقال: الرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار، وما شاكل ذلك مما يعظم كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى فهذا القسم ليس من قبيل الرقى المحظور الذي يعم اجتنابه، وليس من قبيل الرقى الذي هو التجاء إلى الله تعالى، وتبرك بأسمائه، وكأن هذا القسم المتوسط يلحق بما يجوز فعله غير أن تركه أولى (١). فالقرطبي ﵀ خالف في هذا الشرط، وهو كون الرقية بأسماء الله تعالى وصفاته وما أثر عن النبي ﷺ فأجاز الرقية بأسماء الملائكة أو النبيين إلى غير ذلك مما ذكر، ولا شك أنه قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن الرقى من الاستعاذة، والاستعاذة من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلَّا لله تعالى وحده، فلا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات مهما بلغت عظمتها. قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢): "الرقى الموصوفة بكونها شركًا هي الرقى التي منها شرك من دعاء غير الله والاستعانة

стр. 313

والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك" (١). وإذا ثبت جواز الاسترقاء كما دلت النصوص على ذلك فهل يكون الاسترقاء قادحًا في التوكل أم لا؟ أي هل الاسترقاء أفضل أم تركه؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم من العلماء، إلى أن الاسترقاء قادح في التوكل، وأن تركه أفضل كما جاء عن رسول الله ﷺ في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال ﷺ : "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٢). قال النووي: "الظاهر من معنى الحديث أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله ، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها" (٣). وذهب آخرون إلى أن الاسترقاء غير قادح في التوكل منهم ابن قتيبة وابن عبد البر والمازري والقرطبي. وقد استدلوا على ذلك بما ورد من منافع الأدوية، والحث على التداوي إضافة إلى فعل الرسول ﷺ وهو إمام المتوكلين وأن الرقى بأسماء الله هو غاية التوكل على الله فهو التجاء إليه، وتعويل عليه في كشف الضر والبلاء.

стр. 314

وأما الحديث السابق، فقد قال المازري فيه بعد أن بين أنه قد جاءت أحاديث كثيرة في منافع الأدوية، وكثرة تداوي الرسول ﷺ : فإذا ثبت هذا صح أن يحمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وحده" (١). لكن القرطبي رد قول المازري هذا فقال بعد سياقه لكلام المازري السابق: وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه إذ مقصوده: إثبات مزية وخصوصية لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزية والخصوصية، فإن مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافة، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا، ثم إن ظاهر لفظ الحديث إنما هو "لا يرقون ولا يكتوون" أي لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل (٢). ثم ذكر قول الداوودي (٣) وهو أن المراد أن هؤلاء يجتنبون فعل ذلك في الصحة، وأما في المرض فجائز، ورد عليه القرطبي بأن هذا وإن صح في بعض الرقى لم يصح في البعض الآخر، فالتعويذات من الرقى ويجوز أن يتعوذ من الشرور كلها قبل وقوعها وكذلك التطبب يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها. ثم ذكر قول الخطابي الذي سبق ذكره، وإقرار القاضي عياض له

стр. 315

ولم يعلق عليه. وذكر قولًا آخر لم ينسبه لأحد، وهو أن استعمال الرقى والكي قادح في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب؛ لأن باب الرقى والكي والطيرة موهوم، وما عداها غير موهوم، بل محقق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للري. وردَّ أيضًا هذا القول وبيَّن أنه فاسد من وجهين: أحدهما أن أكثر أبواب الطب موهومة فلا معنى للتخصيص. والثاني: أن الرقى باسماء الله هو غاية التوكل على الله تعالى، فإذا كان هذا قادحًا في التوكل فليكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، ثم بيَّن أن الرسول رقى واسترقى، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإذا كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكل لم يتم للنبي ﷺ ، ولا لأصحابه، ولا يكون بهذا أحد منهم من السبعين ألفًا، ولا يقول بهذا عاقل" (١). ثم بيَّن رأيه في هذه المسألة فقال: "وأمَّا الرقى والاسترقاء: فما كان منه من رقى الجاهلية أو بما لا يعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقى بأسماء الله تعالى وبالمروي عن رسول الله ﷺ لما قدمناه من أنه التجاء إلى الله وتبرك بأسمائه. ويظهر لي والله أعلم أن المقصود: اجتناب رقى لا تدخل في هذين القسمين كالرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، أو بالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار وما شاكل ذلك مما يعظم ... هذا ما

стр. 316

ظهر لي فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلَّا فليتركه عاذرًا" (١). ونحن نقول نتركه ونعذره، فقد اجتهد ﵀ فأخطأ، فالله يغفر له خطأه ويجازيه على اجتهاده. والذي يظهر والله أعلم رجحان القول الأول، ومقصودهم بطلب الإنسان الرقية من غيره، لا أنه يرقي نفسه هو، فهذا لا يدخل في الحديث قال ابن تيمية ﵀: "المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم" (٢). التمائم: جمع تميمة وهي ما يعلق على الإنسان أو الحيوان لدفع العين والآفات. وقد كان هذا من أفعال الجاهلية الذين يظنون أن تعليق التمائم تقيهم وتصرف عنهم البلاء فنهاهم ﷺ عن هذا الفعل فقال: "من علَّق تميمة فقد أشرك" (٣). وجاء عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره قال: فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلَّا قطعت" (٤).

стр. 317

قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (١). وقال المازري: "الظاهر من مذهب مالك قصر النهي على الوتر خاصة وأجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا فيمن قلد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز قال: إن كان للجمال فلا بأس به، وقد اختلف الناس في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان أيضًا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه وأجازه عند الحاجة إليه لنفي ما أصابه من ضرر العين وشبهه ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (٢). فأقول: إن أرادوا بغير التعاويذ القرآنية ما جاء من الأذكار النبوية فالخلاف فيه صحيح كما سنذكره. وأما إن أرادوا ما ليس بتعاويذ قرآنية ممَّا تفعله الجاهلية من تعليق لأسماء الملائكة أو الجن أو ما فيه طلاسم غير معروفة أو ما ليس فيه كتابة كقطعة جلد أو نحاس فهذا لا شك في حرمته والمنع منه وهو شرك أكبر إن اعتقد المعلق أنه ينفعه ويدفع عنه الضر، وأما إن اعتقد أنه سبب، وأن النافع الضار هو الله وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس بسبب سببًا (٣).

стр. 318

وأما ما كان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ففيه خلاف بين العلماء من السلف والخلف، فأجازه جماعة ومنعه آخرون. والميل إلى المنع أولى، خصوصًا في هذه الأزمان التي تعلق فيها كثير من الناس بالبدع والخرافات والأوهام. قال الشيخ السعدي ﵀: "وأمَّا التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية، أو أدعية طيبة محترمة، فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة" (١). المطلب الحادي عشر: التنجيم (٢): وهو من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله سبحانه، وهو نوعان: الأول: من اعتقد أن هذه الكواكب هي التي تدبر هذا الكون، ومنها يصدر الخير والشر والسعادة والنحوسة. والإجماع على كفر من اعتقد هذا

стр. 319

الاعتقاد (١). الثاني: من اعتقد أن الله هو الخالق المدبر، ولكنه جعل هذه الكواكب علامات ودلالات على الحوادث الأرضية. وهذا مجمع على تحريمه، ولكن هل يكفر أم لا؟ اختلف العلماء في تكفيره على قولين: الأول: من حكم بكفره؛ لأنه ادعى أن لهذه الكواكب دلالات على علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. وقد ذهب إلى هذا القرطبي المفسر (٢) والشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ حيث قال: "وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه" (٣). الثاني: من لم يحكم بكفره، وذهب إلى هذا، الإمام مالك وابن حجر وآخرون. قال ابن حجر: "ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا" (٤). وقد بيَّن القرطبي كفر النوع الأول، وهو اعتقاد أن هذه الكواكب تدبر الكون، وذلك عند شرحه لقوله ﷺ لأصحابه إثر سماء كانت من الليل: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك

стр. 320

كافر بي مؤمن بالكوكب" (١). قال القرطبي: "ظاهره أنه الكفر الحقيقي؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل الله تعالى، كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين العرب" (٢). وأما النوع الثاني: الذين يعتقدون أن الكواكب دالة على علم الغيب ومعرفة حوادث الأرض، فقد بيَّن القرطبي فساد مذهبهم لكنه لم يحكم بكفرهم، حيث قال: "النجوم لا يعلم بها علم الغيب، ولا القضاء ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات، وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وترهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرم مذموم" (٣). وأما المازري فقد حكم أيضًا بتكفير أصحاب القول الأول، فقال:
следующие страницы →