← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ظهر لي فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلَّا فليتركه عاذرًا" (١). ونحن نقول نتركه ونعذره، فقد اجتهد ﵀ فأخطأ، فالله يغفر له خطأه ويجازيه على اجتهاده. والذي يظهر والله أعلم رجحان القول الأول، ومقصودهم بطلب الإنسان الرقية من غيره، لا أنه يرقي نفسه هو، فهذا لا يدخل في الحديث قال ابن تيمية ﵀: "المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم" (٢). التمائم: جمع تميمة وهي ما يعلق على الإنسان أو الحيوان لدفع العين والآفات. وقد كان هذا من أفعال الجاهلية الذين يظنون أن تعليق التمائم تقيهم وتصرف عنهم البلاء فنهاهم ﷺ عن هذا الفعل فقال: "من علَّق تميمة فقد أشرك" (٣). وجاء عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره قال: فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلَّا قطعت" (٤).

стр. 317

قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (١). وقال المازري: "الظاهر من مذهب مالك قصر النهي على الوتر خاصة وأجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا فيمن قلد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز قال: إن كان للجمال فلا بأس به، وقد اختلف الناس في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان أيضًا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه وأجازه عند الحاجة إليه لنفي ما أصابه من ضرر العين وشبهه ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض" (٢). فأقول: إن أرادوا بغير التعاويذ القرآنية ما جاء من الأذكار النبوية فالخلاف فيه صحيح كما سنذكره. وأما إن أرادوا ما ليس بتعاويذ قرآنية ممَّا تفعله الجاهلية من تعليق لأسماء الملائكة أو الجن أو ما فيه طلاسم غير معروفة أو ما ليس فيه كتابة كقطعة جلد أو نحاس فهذا لا شك في حرمته والمنع منه وهو شرك أكبر إن اعتقد المعلق أنه ينفعه ويدفع عنه الضر، وأما إن اعتقد أنه سبب، وأن النافع الضار هو الله وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس بسبب سببًا (٣).

стр. 318

وأما ما كان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ففيه خلاف بين العلماء من السلف والخلف، فأجازه جماعة ومنعه آخرون. والميل إلى المنع أولى، خصوصًا في هذه الأزمان التي تعلق فيها كثير من الناس بالبدع والخرافات والأوهام. قال الشيخ السعدي ﵀: "وأمَّا التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية، أو أدعية طيبة محترمة، فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة" (١). المطلب الحادي عشر: التنجيم (٢): وهو من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله سبحانه، وهو نوعان: الأول: من اعتقد أن هذه الكواكب هي التي تدبر هذا الكون، ومنها يصدر الخير والشر والسعادة والنحوسة. والإجماع على كفر من اعتقد هذا

стр. 319

الاعتقاد (١). الثاني: من اعتقد أن الله هو الخالق المدبر، ولكنه جعل هذه الكواكب علامات ودلالات على الحوادث الأرضية. وهذا مجمع على تحريمه، ولكن هل يكفر أم لا؟ اختلف العلماء في تكفيره على قولين: الأول: من حكم بكفره؛ لأنه ادعى أن لهذه الكواكب دلالات على علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. وقد ذهب إلى هذا القرطبي المفسر (٢) والشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ حيث قال: "وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه" (٣). الثاني: من لم يحكم بكفره، وذهب إلى هذا، الإمام مالك وابن حجر وآخرون. قال ابن حجر: "ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا" (٤). وقد بيَّن القرطبي كفر النوع الأول، وهو اعتقاد أن هذه الكواكب تدبر الكون، وذلك عند شرحه لقوله ﷺ لأصحابه إثر سماء كانت من الليل: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك

стр. 320

كافر بي مؤمن بالكوكب" (١). قال القرطبي: "ظاهره أنه الكفر الحقيقي؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل الله تعالى، كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين العرب" (٢). وأما النوع الثاني: الذين يعتقدون أن الكواكب دالة على علم الغيب ومعرفة حوادث الأرض، فقد بيَّن القرطبي فساد مذهبهم لكنه لم يحكم بكفرهم، حيث قال: "النجوم لا يعلم بها علم الغيب، ولا القضاء ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات، وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وترهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرم مذموم" (٣). وأما المازري فقد حكم أيضًا بتكفير أصحاب القول الأول، فقال:

стр. 321

"من اعتقد اعتقاد كثير من الفلاسفة في كون الأفلاك فاعلة لما تحتها، وكل فلك يفعل فيما تحته حتى ينتهي الأمر إلينا وسائر الحيوان والمعادن والنبات، ولا صنع للباري في ذلك فإن ذلك مروق من الإسلام" (١). وقال في شرحه للحديث السابق: "هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكوكب وخلقه، دون أن يكون خلقًا لله سبحانه كما يقول بعض الفلاسفة" (٢). وأما النوع الثاني فقد ناقش المازري أصحابه وأطال في ذلك، وبيَّن أن هذه الكواكب ليس فيها دلالة على حوادث الأرض، وأن مرجع قولهم إلى النوع الأول، لكنه لم يصرح بكفرهم، فقال بعد مناقشتهم: "وهذه الطريقة تضعف طريقة الإسلاميين منهم الذين يقولون: لا خالق إلَّا الله ، وإنما هي دلالة على الغيوب بدلالة أجراها الباري جلت قدرته كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خابت؛ لأن ما يذكرونه من الطرق التي تتحصل المعرفة منها تتسع جدًّا، ولا تنضبط، والحذَّاق منهم يعترفون بهذا، وقد حاول القاضي ابن الطيب (٣) الاعتضاد في الرد عليهم بالسمعيات وما وقع من العموميات في أن لا يعلم الغيب إلَّا الله وما وقع أيضًا من الآثار عن النبي ﷺ

стр. 322

في النجوم بالتخصيص" (١). المطلب الثاني عشر: الكهانة: الكهانة كالتنجيم في دعوى علم الغيب ومنافاتها للتوحيد. تعريف الكاهن: قال القرطبي في تعريفه للكاهن: "الكاهن الذي يتعاطى علم ما غاب عنه" (٢). وقال المازري: "الكاهن: يخبر عن غيب من طريق غير موثوق به" (٣). وقال أيضًا: "الكهان قوم يزعمون أنهم يعلمون الغيب بأمور تلقى في نفوسهم" (٤). وفرَّق بين الكاهن والعرَّاف فقال: "الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعراف: هو الذي يخبر بما أخفى، وقد حصل في الوجود" (٥). استمداد الكهان: إن ما يخبر به الكاهن من معلومات يستمده من مصادر عديدة موهومة، وقد بيَّن القرطبي ﵀ نقلًا عن القاضي عياض أن الكهانة على أربعة أضرب، لكنه ذكر ثلاثة فقط، فقال: "قال القاضي أبو الفضل: الكهانة في العرب على أربعة أضرب: أحدها: أن يكون للإنسان رئيٌّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا القسم قد بطل منذ بعث الله محمَّدًا ﷺ كما نص الله تعالى عليه في

стр. 323

الكتاب (١). الثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه، ولا استحالة، ولا بعد في وجود مثل هذا، لكنهم بعد يكذبون والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم. الثالث: التخمين والحرز، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب قال: ومن هذا الباب العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هي العيافة -بالياء- وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة" (٢). تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان: قد جاءت النصوص في تحريم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم، قال القرطبي: "سؤالهم عن غيب ليخبروا به حرام وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنهي عنه. قال أبو عمر: ويجب على ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر

стр. 324

عليهم أشد النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإذا ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جني، أو موافقة قدر، ليغتر به بعض الجهال. ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرَّافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل (١)، ومن أديانهم على الفساد والضلال" (٢). وقال أيضًا: "نهى الرسول ﷺ عن اتباعهم؛ لأنهم كذبة ممخرقون مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر من الإتيان إليهم والسماع منهم" (٣). وعند شرحه لقوله ﷺ : "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (٤). قال: "العرَّاف: هو الحازي والمنجم الذي يدعي الغيب، وهذا يدل على أن إتيان العرافين كبيرة، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل" (٥). وقل المازري: "نهاهم ﷺ عن إتيان الكهان؛ لأنهم يجرهم ذلك إلى تغيير الشرائع ثم يلبسون عليهم" (٦).

стр. 325

المطلب الثالث عشر: ما جاء في كراهية بعض الألفاظ: أ - التسمي بملك الأملاك: قال ﷺ : "إن أخنع اسمٍ عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلَّا الله" (١). فالذي تسمى بهذا الاسم قد تعدى على مقام الربوبية، إذ الله سبحانه هو ملك الأملاك، ولذا قال ﷺ : "لا مالك إلَّا الله". فالذي تسمى ملك الأملاك أو ملك الملوك، قد بلغ الغاية من الكفر والكذب (٢). قال القرطبي: "المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق إذ لا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلَّا على الله تعالى فعوقب على ذلك من الإذلال والإخساس والاسترذال بما لم يعاقب به أحد من المخلوقين" (٣). قل ابن القيم: "لما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضعه عنده وأغضبه له اسم "شاهان شاه" أي ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسميته بهذا من أبطل الباطل" (٤). ب - كلمة (لو): من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر، والعبد مأمور عند

стр. 326

المصائب بالصبر والاحتساب وقول "لو" لا يرد القدر، بل ربما دل على التضجر والاعتراض على القدر (١). قال ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (٢). قال القرطبي: "نهي الرسول ﷺ في هذا الحديث عن قول "لو" محمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (٣) ثم رَّد الله قولهم، وبيَّن عجزهم فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) .. فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ "لو" عند السلامة من تلك الآفات" (٥). وأمَّا ما جاء في الأحاديث مما يخالف ظاهره هذا الحديث، فالصحيح أنه لا تعارض بينها، إذ كل ما جاء خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، ولا كراهة، وإنما المنهي عنه ما كان في معارضته القدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور (٦).

стр. 327

ج - القول للمملوك: عبدي، وللسيد: ربي: قال ﷺ : "لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضِّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (١). قال الخطَّابي: "وسبب المنع أن الإنسان مربوب معبد بإخلاص التوحيد لله تعالى، وترك الإشرك به، فترك المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق بين الحر والعبد، وأما من لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره أن يطلق عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار والثوب" (٢). وقد اختلف في هذا النهي هل هو للتحريم، أم للأدب والتنزيه؟ خصوصًا مع ما ورد من النصوص المخالفة لهذا النهي. قال القرطبي عن هذا الحديث: "هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ألا ترى قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : "أن تلد الأمة ربَّها وربتها" (٤) فكان محل النهي في هذا الباب ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن ... ولما كان ابتداء التربية وكمالها من الله تعالى بالحقيقة لا من غيره، كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلَّا إلى من إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى فإن مثل ذلك كان متجوزًا في

стр. 328

اللفظ مخالفًا للأولى" (١). وقال عن قوله ﷺ : "لا يقل العبد: ربي، وليقل: سيدي"، قال: "إنما فرق بينها؟ لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرب، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة، والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالرب مأخوذ مما ذكرنا (٢) والسيد من السؤدد وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم ولا شك تقدم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق" (٣). المطلب الرابع عشر: نسبة الحوادث إلى الدهر: قال ﷺ قال الله تعالى: "يؤذيني - ابن آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" (٤). قال القرطبي: "يراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية ومن جرى مجراهم ممن يطلق هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإن الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدهر فيذمونه ويسفهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ويمدحونه إذا حصلت لهم وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء، ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئًا منها للدهر

стр. 329

حقيقة واعتقد ذلك. وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك فليس بكافر، ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله ﷺ عنه فليتب وليستغفر الله تعالى" (١). وقال أيضًا: "لما كان اعتقاد أهل الجاهلية أن الدهر هو الذي يفعل الأفعال ويذمونه إذا لم تحصل أغراضهم أعلمهم النبي ﷺ أن الله يفعل كل شيء، فإذا سبوا الدهر من حيث: أنه الفاعل ولا فاعل إلَّا الله، فكأنهم سبوا الله تعالى فلذلك قال الله تعالى: "يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر". أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدهر لا الدهر، فإنه ليل ونهار (٢). وقال المازري: المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعال لغير الله جهلًا بكونه خالق كل شيء ويجعلون له شريكًا في الأفعال، فأنكر عليهم هذا الاعتقاد وأراد أن الذي يشيرون إليه بأنه يفعل هذه الأفعال هو الله جلت قدرته ليس هو الدهر، كما لوقال قائل: القاضي فلان قتل فلانًا الزاني، فيقول الآخر: الشرع قتله لم يقتله القاضي، أو يقول: الشرع هو القاضي، وإنما يعني أنه يجب إضافة الشيء إلى ما هو الأصل فيه، أو التنبيه على غلط القائل وإرشاده لموضع الصواب، إذا ظن به أنه خفي عنه" (٣).

стр. 330

المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ما يعصم من البدع المطلب الثاني: تعريف البدعة والموقف من المبتدعة المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة: ١ - الخوارج. ٢ - الصوفية. ٣ - المعتزلة. ٤ - الشيعة. ٥ - القدرية. ٦ - المرجئة. ٧ - الأشاعرة.

стр. 331

المبحث الرابع البدع والموقف من الفرق المبتدعة إن من أصول أهل السنة والجماعة إنكار البدع في الدين، والتحذير منها، مع الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والسير على منهج سلف الأمة. وقد كان للقرطبي ﵀ كلامٌ نفيسٌ في هذا الجانب حذر فيه من البدع والمبتدعين، وأوصى بالتمسك بالكتاب والسنة، والاقتداء بالسلف الصالح، وكشف عوار هذه الفرق المنحرفة والنحل الضالة، مع ما وقع فيه ﵀ من الخطأ والزلل، والوقوع في بعض ما حذر منه، خصوصًا في باب الأسماء والصفات، كما سيتبين بعد ذلك - إن شاء الله - وسيكون الحديث هنا من خلال المطالب التالية: المطلب الأول: ما يعصم من البدع: ١ - الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة: إن منهج المسلم المستسلم لله تعالى الاتباع وترك الابتداع، الاتباع لما جاء في الكتاب والسنة، إذ هما المصدران الأساسيان لمعرفة ما يحب الله ويكره، ولذا فالذين ضلوا الطريق من المبتدعة المنحرفة كان ذلك بسبب بعدهم عن هذه المصادر الأصلية إلى غيرها من الطرق المعوجة والوسائل المضلة. قال القرطبي في الرد على هؤلاء: "وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء

стр. 332

منها إلَّا عن طريق الرسل الكرام، فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى بها عن الرسل، فهو كافر يقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب" (١). ٢ - ذم الكلام وتقديم العقل على الشرع (٢): الكتاب والسنة وافيان بكل شيء إذ فيهما الهدى والنور، والصلاح والفلاح، ومن بحث عن ذلك في غيرهما فقد ضلَّ كما كان حال المبتدعة الذين سلكوا علم الكلام، فقدَّموا العقل على الشرع، فكان هذا منهم ابتداعًا في دين الله، وسببًا للانحراف والضلال، وقد قال القرطبي في بيان ضلال المتكلمين وخصومتهم في أصول الدين: "أشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة - ثم تحدث عن دخولهم في مسالك أمسك عنها السلف، حتى قال: - إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده ... ويكفي في الرح عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين ... عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طريق السلف الماضين، وإنما طوَّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاع من هذه البدع في الناس" (٣).

стр. 333

٣ - سلوك منهج السلف: إن المخرج من الفتن والاعتصام من البدع، يكون بالالتزام بسنة الرسول ﷺ ، وسنة الخلفاء من بعده، والاقتداء بالصحابة الكرام ومن بعدهم من أئمة الإسلام، فمن اقتدى بهم صار أقوم الناس سبيلًا، وأحسنهم طريقًا، ومن انحرف عن منهجهم وأراد الهدى في غير مسلكهم فقد ضل ضلالًا بعيدًا. وقد بيَّن القرطبي أن الهدي هدي الصحابة ﵃ وأنهم القدوة لمن بعدهم، فقال: "الصحابة ﵃ لثقابة أذهانهم، وصحة فهومهم وغزارة علومهم أولى بالعلم ممن بعدهم، كيف لا، وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كل العلوم يقتدى، وإليهم المرتجع وقولهم المتبع" (١). وقال في الوصية باتباع منهج السلف، وضلال من خالفه: "لم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا، ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم فهمًا عن الله، وأخذًا عن رسول الله، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنته وطريقته" (٢). المطلب الثاني: تعريف البدعة والموقف من المبتدعة: تعريف البدعة: قال القرطبي في تعريف البدعة: "حقيقة البدعة ما ابتدئ وافتتح من غير أصل شرعي، وهي التي قال فيها ﷺ : "من أحدث في أمرنا

стр. 334

ما ليس منه فهو رد" (١) " (٢). وقد قال ﷺ : " ... شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (٣). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "يعني المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، ولذا حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة" (٤). فالموقف من هذه البدع رفضها، وعدم العمل بها؟ لأنها ليست من شرع الله تعالى، قال القرطبي: "من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو منسوخ لا يعمل به ولا يلتفت إليه" (٥). الموقف من المبتدعة: إن صاحب البدعة قد جاء بأمر لم يأذن به الله، فكأنه قد استدرك على صاحب الشريعة ﷺ ، ولذا كان للسلف الصالح ﵃ الموقف الحازم من المبتدعة بما يتناسب مع بدعتهم، ويتضح هذا من خلال النقاط التالية: * التحذير من التشبه بالمبتدعة: لأنه إذا كان الشرع قد نهى عن البدعة، فإن التشبه بالمبتدعة منهيٌ عنه؛ لقوله ﷺ : "من تشبَّه بقوم فهو منهم" (٦). قال الصنعاني - رحمه

стр. 335

الله - معلِّقًا على هذا الحديث: "والحديث دالٌ على أن من تشبَّه بالفُسَّاق كان منهم، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة" (١). قال القرطبي في معرض تعداده لحلل النهي عن الصلاة على غير الأنبياء: "وينضاف إلى ذلك: أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا لهم في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم، ولا يجوز التشبه بأهل البدع" (٢). * جواز غيبتهم: قرر القرطبي جواز غيبة المبتدع، فقال في شرحه لحديث عائشة ﵂ التي قالت فيه: "إن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة - أو بئس - ابن العشيرة" (٣): "ففي حديثه من الفقه: جواز غيبة: المعلن بفسقه، ونفاقه، والأمير الجائر، وصاحب البدعة" (٤). وقد تكلم السلف على ذلك، وبيَّنوا أن المقصود منه تحذير الناس من صاحب البدعة، حتى لا يتأثروا به. قال الحسن البصري ﵀: "ليس لأهل البدعة غيبة". وقال أيضًا في رواية أخرى: "ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن

стр. 336

بفسقه غيبة" (١). قال الشاطبي (٢) ﵀ مبئنًا هدف غيبة المبتدع عند حديثه عن أحكام أهل البدع: " ... ذكرهم بما هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يحذروا ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف ذلك" (٣). * هجرهم: قال الإمام أحمد ﵀: "أصول أهل السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء" (٤). قال القرطبي: "وأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا" (٥). قلت: ضابط هذا أن يكون للمصلحة الراجحة، أما إذا أدَّى إلى مفسدة أعظم من هذه المصلحة، فلا يشرع إضافة إلى تفريق العلماء بين صاحب البدعة المعلن لبدعته أو الداعي إليها، ومن ليس كذلك، قال شيخ الإسلام - ابن تيمية: "وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر" (٦).

стр. 337

* ترك الصلاة عليهم: قال القرطبي: "يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر" (١). وقال في موضعٍ آخر: "على أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر رادعًا لأمثالهم" (٢). وتخصيص القرطبي ذلك بأهل الفضل هو الصحيح، إذ يكون هذا رادعًا لأمثالهم من أهل البدع مع ما فيه من تحذير لعامة الناس عن مسالكهم، فيكون الإنكار عليهم من أهل الفضل في حياتهم وبعد مماتهم، وإلَّا فالصلاة من عموم المسلمين مشروعة على المبتدع ما لم تصل به بدعته إلى الكفر. قال - ابن تيمية ﵀: "وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فهؤلاء لابد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النبي ﷺ عن الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع كان عمله بهذه السنة حسنًا" (٣). * عدم الاعتداد بخلافهم، وعدم قبول روايتهم: قال القرطبي في بيان اتفاق السلف والخلف على تقديم الصديق ﵁ وأفضليته: "ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين

стр. 338

مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته" (١). وقال أيضًا: "ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضا فإنهم لا يعتد بخلافهم" (٢). وقال عن قبول رواية المبتدع: "الفاسق المتأول الذي لا يعرف فسق نفسه، ولا يُكَفَّر ببدعته، فقد اختلف في قبول قوله، فقبل الشافعي شهادته، وردها القاضي أبو بكر (٣)، وفرَّق مالك بين أن يدعو إلى بدعة فلا تقبل، أو لا يدعو فتقبل، وروي عنه: أنه لا تقبل شهادتهم مطلقًا، وكلهم اتفقوا على أن من كانت بدعته تجرئه على الكذب كالخطابية من الرافضة لم تقبل روايته ولا شهادته" (٤). المطلب الثالث: الكلام على بعض الفرق المبتدعة: ١ - الخوارج: الخوارج أول الفرق المبتدعة ظهورًا، إذ سموا بهذا الاسم لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يوم الحكمين، وهم يكفرون صاحب الكبيرة ويرون أنه مخلد في النار، ولذا كفروا عامة الصحابة الذين عاصروهم. والقرطبي ﵀ أكثر من الرد عليهم، والحديث عنهم،

стр. 339

وبيان أصل نشأتهم، وسبب ضلالتهم، والخلاف في تكفيرهم. يتبين هذا من خلال النقاط التالية: سبب التسمية: قال القرطبي: "سموا: المارقة، والخوارج، لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين" (١). "والحرورية: الخوارج سموا بذلك، لأنهم خرجوامن حروراء وهي حرة معروفة بالعراق" (٢). ضلالتهم وعظم الابتلاء بهم: قال القرطبي: "خرجت الخوارج فكفروه - أي علي بن أبي طالب ﵁ وكل من معه وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) ثم اجتمعوا وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل" (٤). وقال أيضًا: "لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين، وهذا كله من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق ... ويكفي من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة كعلي وغيره من صحابة رسول الله

стр. 340

- ﷺ " (١). وعند شرحه لقوله ﷺ : "إذا قال الرجلُ هلَكَ الناسُ فهو أهلكهم" (٢). قال: "قد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشق عصاهم بالقتال وغير ذلك كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسًا" (٣). سبب خروجهم: بيَّن القرطبي أن خروج الخوارج على المسلمين لم يكن طلبًا لدنيا ولا حثا في رياسة، ولكنهم جهلوا الأحكام، فخالفوا أئمة الإسلام. قال القرطبي: "حملهم على الخروج الغيرة للدين لا شيء من العصبية والملك، لكنهم أخطأوا التأويل، وحرَّفوا التنزيل" (٤). لكنهم لا يعذرون على فعلهم هذا، إذ ليس محلًا للاجتهاد، وهم ليسوا من أهله. قال القرطبي وهو يتحدث عن عدم لوم من اجتهد في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فأخطأ؛ لأن هذه الأمور اجتهادية، وليس فيها نصوص قطعية، حيث قال مستثنيًا هؤلاء: "ويستثنى من ذلك قتلة عثمان، فإنه لم يرتكب ما يوجب خلعه، ولا قتله، والخوارج على عليّ والمسلمين، فإنهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطائفتان مخطئتان قطعًا" (٥).

стр. 341

* الحكم على الخوارج: قال القرطبي: "بظاهر هذا التشبيه (١) تمسك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا، وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله ﷺ : "فيتمارى في الفُوقِ" وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم، فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم: يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يكفرهم: لا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم ولا تقتل أسراهم، ولا تستباح أموالهم، وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب، ولم يخرج عن الجماعة، فهل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل وإنما يجتهد في رد بدعته ورده عنها؟ اختلف في ذلك وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير بابٌ خطير أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا" (٢). وفي موضع آخر بيَّن عدم كفرهم، وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله إلَّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٣) حيث قال: "قوله: "المفارق للجماعة" ظاهره: أنه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه، لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يلحق بهم في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة

стр. 342

المسلمين، وإن لم يكن مرتدًا كالخوارج وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي والمحاربين ومن أشبههم" (١). أما المازري فعند شرحه لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في ذكر الخوارج ووصفهم الذي قال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" (٢). قال المازري: "يتعلق بظاهر هذا الحديث من يرى تكفيرهم، وقد اختلف أهل الأصول في تكفيرهم، وقد ينفصل عن هذا من لا يرى تكفيرهم بأن يحمل قتلهم على أنه كالحد لهم على بدعتهم، ويشير إلى هذا قوله ﵇: "يقتلون أهل الإسلام"" (٣). وفي موضع آخر أشار المازري إلى دقة فهم الصحابة ﵃ وذلك لتفريق أبي سعيد الخدري ﵁ بين قوله ﷺ : "يخرج في هذه الأمة" وليس "من هذه الأمة"، وقد بيَّن المازري أنه وردت روايات فيها عبارة "من هذه الأمة"، ثم أشار إلى اختلاف الناس في تكفيرهم لشدة إشكال المسألة، حتى إن كثيرًا من العلماء يتهرب من الإجابة على ذلك لصعوبة إدخال كافر بالملة، أو إخراج مسلم منها، ولذا

стр. 343

نقل عن بعض العلماء قوله: إن هذه المسألة من المعوصات؛ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إليه، ثم بيَّن المازري أن التكفير بلازم القول موضع إشكال ولم يصرح بتكفير الخوارج من عدمه" (١). الرد عليهم: أكثر القرطبي ﵀ من الرد على الخوارج فيما ذهبوا إليه من البدع والانحرافات والتي أعظمها تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وإخراجهم له من الإسلام وحكمهم عليه بالخلود في النار، وقد خالفوا في هذه المسألة، وفي غيرها جماعة المسلمين، وخرجوا عليهم، وقد قال القرطبي في بيان أن مخالفتهم لا يعتد بها، ولا يلتفت إليها: ولا التفات لإنكار الخوارج والنظَّام، الرجم، إما لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفرهم، وإما لأنهم لا يعتد بخلافهم لظهور بدعتهم وفسقهم" (٢). ولا مجال هنا لتتبع ردوده عليهم، ولا على الفرق الأخرى التي سيأتي الحديث عنها إذ هذا مفرق في ثنايا الرسالة، ولكن سأحيل إلى أرقام الصفحات في الهامش (٣). ٢ - الصوفية: كانت بداية التصوف عبارة عن تمسك بالأخلاق والزهد في الدنيا، ثم انحرف مفهومه إلى الانقطاع عن الدنيا والعلم، ثم انحرف إلى عقائد

стр. 344

باطلة، كالحلول والاتحاد، وترك الواجبات، وفعل المحرمات وغيرها من الانحرافات (١). والقرطبي ﵀ كانت له صولات وجولات مع هذه الطائفة بين انحرافها وبعدها عن الحق فيما ابتدعته من الأباطيل كالغناء والمزامير، التي يتقربون فيها بزعمهم إلى الله تعالى إلى غير ذلك من الانحرافات التي وقعوا فيها، وسبب كثرة رده على هذه الطائفة انتشار التصوف في زمنه وكثرته، وانشغال الناس به عن العلم والتفقه، حيث قال مُشيرًا إلى ذلك: "مجالس العلم والتذكير هي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزُّهَّاد المتقدمين، المبرَّأَةُ عن التصنع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان (٢) وعوض منها الكذب والبدع ومزامير الشيطان نعوذ بالله من حضورها ونسأله العافية من شرورها" (٣). ومجمل ردوده على هذه الطائفة تنحصر في النقاط التالية: أ - الكشف الصوفي: قصة الخضر مع موسى ﵇ صرف الصوفية معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، حيث

стр. 345

جعلوها دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًّا وحقيقة صوفية تخالف الظاهر (١). وقد قال القرطبي عند ذكر قصة موسى مع الخضر في كتاب النبوات: "ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم، قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم، وقد جاء فيما ينقلون استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون. قلت - أي القرطبي -: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، فإن أحكامه لا تعلم إلَّا بواسطة رسله السفراء، بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته ... فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه، غير الرسل، بحيث يستغنى بها عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك: أنه من قال: يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع

стр. 346

فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بفقتضاه وأنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما قاله رسوله: "إن روح القدس نفث في روعي" (١). وقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدين، أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، نسأل الله الهداية والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله" (٢). وقال في موضع آخر: "وقد شاهدت بعض الممخرقين وسمعنا منهم أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون بالخواطر القلبية، يقول: الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني، وهذه مخرقة أبرزتها زندقة يقتل صاحبها، ولا يستتاب، من غير شك ولا ارتياب" (٣). ب - في تقديسهم للأولياء: رفع رموز الصوفية أنفسهم ودعوا الجهال والغوفاء إليهم وزعموا أن لهم ولاية خاصة ومكانة عند الله عالية. قال القرطبي مبينا عظم الابتلاء بهؤلاء في زمنه: "قد اغتر كثير من الجُهَّال بالأعمال، فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وإجابة

стр. 347

الدعوات، وزعموا أنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيتمسح بأثوابهم، وتقبل أيديهم، ويرون أن لهم المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلها نتائج الجهل العميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وذنبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه، ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوام، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات مصدور وإلى الله عاقبة الأمور" (١). وقد ألزم الصوفية كل تابع لهم بأن يتخذ له شيخًا يلازمه، ولا يأخذ إلَّا عنه، ويطيعه طاعة عمياء، وإن أمره بالسوء والفحشاء، وشعارهم في ذلك قولهم: "كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغاسل" (٢) وقد بيَّن القرطبي انحراف الصوفية في هذا الجانب عند شرحه لقوله ﷺ : "لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف" (٣) حيث قال: "هذا الحديث يرد حكاية حكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أن مريدًا له قال يومًا: قد حمي التنور، فماذا أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول فقال له: ادخل فيه، فدخل المريد في التنور، ثم إن الشيخ تذكر فقال: الحقوه كان قد عقد على نفسه ألَّا يخالفني، فلحقوه فوجده في التنور لم تضره النار.

стр. 348

وهذه الحكاية أظنها من الكذب الذي كذب به على هذه الطائفة الفاضلة (١)، فكم قد كذب عليها الزنادقة وأعداء الدين، وبيان ما يحقق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول النار أو لا، فإن كان قاصدًا كان قصده ذلك معصية ولا طاعة فيها، بنص النبي ﷺ ، ويكون امتثال المريد لذلك معصية، وكيف تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟ ... وإن كان الشيخ غير قاصد لذلك ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحل للمريد أن يلقي نفسه في النار بأمر غلط لا حقيقة له، ثم إن هذا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة وشربة الخمر والفسقة أن يدَّعوا الكرامات وهم ملابسون لفسقهم. هذا مما لا يجوز إجماعًا وإنما تنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان" (٢). وقد أطال في الرد عليهم، ورد تخريجهم هذه الحكاية بقولهم إن الشيخ أراد التأديب والمريد أطاعه لثقته بشيخه ووفائه له، واعتقاده أنه لا يأمره إلَّا بمصلحة، فصح توكل المريد، فأنجاه الله، فبين أن هذه القيود لا تجيز فعل المحرم إجماعَا ولا تُهدُّ القواعد الشرعية لأجلها (٣). ج - في الوسوسة والغلو في الزهد: قال ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي

стр. 349

هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال" (١) قال القرطبي: "فائدة هذه القضية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة" (٢). وقال في موضع آخر: "دليل (٣) على جواز الشبع خلافًا لمن كرهه مطلقًا، وهم قوم من المتصوفة" (٤). وفي استخراجه لبعض الفوائد من الأحاديث التي فيها حمل الرسول ﷺ للصبيان، وعدم تورعه مما قد يلاقيه من النجاسة، قال: "فيه من الفقه ما يدل على جواز حمل الصبيان، وترك التعمق في التحفظ، مما يكون منهم من المخاط والبول، وغير ذلك، فلا يجتنب من ذلك إلَّا ما ظهرت عينه، أو تحقق أو تفاحش، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السمحة، فيمشون حفاة في الطين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة ويلعقون أصابعهم والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئًا من ذلك ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم فإنهم يبالغون في نظافة

стр. 350

الظواهر والثياب وبواطنهم وسخة خراب" (١). د - في الوجد والسماع: أباح الصوفية سماع الغناء والمزامير، بل زعموا أنها تقرب لرب العالمين. وقد واجه القرطبي هذا الباطل ورد هذا الضلال، خصوصًا مع انتشاره في عصره، بل أفرد هذا بتأليف مستقل، وذلك بكتابه الموسوم بـ "كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع" (٢). وقد استدل الصوفية على باطلهم بإنشاد النبي ﷺ وأصحابه في حفر الخندق، إذ كانوا يرتجزون أثناء العمل بأبيات من الشعر. وقد قال القرطبي في رد هذا الاستدلال: "وقد يستدل بإنشاد النبي ﷺ وأصحابه هذه الأسجاع أهل المجون والبدع من المتصوفة على إباحة ما أحدثوه من السماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات، فكيف بأهل الديانات، كالطارات والشبابات واجتماع المغاني، وأهل الفساد، والشبان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المجان، ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان، وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه "كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع"" (٣). وقال في موضع آخر عن هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن الصحابة ﵃ يرتجزون والرسول ﷺ معهم (٤): "من هنا

стр. 351

أخذت الصوفية إباحة السماع غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك وتعدوا فيه الوجه الجائز، وتذرعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي: كالشبابات والطارات والرقص وغير ذلك، وهذه أفعال المجان، أهل البطالة والفسوق، المدخلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه" (١). وأما حال هؤلاء عند الذكر والمواعظ فهو الزعيق والصياح، بزعم أن هذا من صفات أهل الخشوع والصلاح. وقد بيَّن القرطبي ﵀ أن هذا لم يكن من هدي الصحابة ﵃ وهم أشد الناس خشية لله تعالى بعد الأنبياء ﵈، وذلك عند قول أنس ﵁ وهو يبين حال الصحابة ﵃ عند غضب الرسول ﷺ حيث قال: "فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي" (٢). قال القرطبي: "هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جهَّالُ العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي: تساوي حال رسول الله ﷺ ، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ، الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من

стр. 352

الله، والوقار حياءً من الله [ثم أطال في ذكر أحوال العارفين، وذكر ماورد عن السلف من الصعق وغيره عند سماع القرآن] ثم قال: فالجواب: أين الدر من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدادين، والمحققين بالممخرقين، فإن كنت يا من لبس عليه، تدعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبه لبهرجتك، فإن الناقد بصير، والمحاسب خبير" (١). وقد بيَّن أن من كان يصرخ في حال خطبة الجمعة، فإما أن يكون مع ذلك ذهاب عقله، فقد انتقض وضوؤه فصلى بغير وضوء، ويكون قد تكلم في الخطبة وشوش على الحاضرين وأظهر بدعة في مجتمع الناس إلى ما في ذلك من الرياء والفسق (٢). هـ - في جهلهم بمفهوم التوكل: من اعتقادات الصوفية ترك العمل، واعتقاد ذلك من كمال التوكل إذ العمل عندهم قادح في التوكل. وقد بيَّن القرطبي فساد هذا الفهم، ومخالفته لهدي الرسول ﷺ ، وسنته، وذلك في مواضع كثيرة من المفهم، حيث قال مبينًا أن السعي في طلب الرزق لا ينقص التوكل: "المتفرغ للعبادة وطلب العلم لا يخل بحاله، ولا ينقص توكله اشتغاله بالنظر في مطعمه ومشربه وحاجته، كما يذهب إليه جهال المتزهدة" (٣). وعند شرحه لحديث أنس بن مالك ﵁ الذي فيه أولئك النفر الذين سألوا عن عبادة الرسول ﷺ فكأنهم تقالوها ثم ذكروا

стр. 353

من أعمالهم وعباداتهم فرد عليهم ﷺ بقوله: " ... لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١). فبعد شرح القرطبي لهذا الحديث واستخراجه لما يستفاد منه قال: "وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه" (٢). ٣ - المعتزلة: فرقة ظهرت في أوائل القرن الثاني الهجري، وسلكت مسلكًا عقليًّا متطرفًا في مسائل العقيدة، وسموا بهذا الاسم لاعتزال زعيمهم واصل بن عطاء (٣) مجلس الحسن البصري ﵀. وقد أكثر القرطبي والمازري من الرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وبيان خطأهم فيما ذهبوا إليه خصوصًا المازري إذ أكئر من الرد عليهم على غير عادته مع الفرق الأخرى، وربما سبب ذلك أن مذهب الاعتزال قابل مذهب الأشاعرة، وقد تصدى كثير من الأشاعرة للرد على المعتزلة تبعًا لمن ينتسبون إليه، وهو أبو الحسن الأشعري الذي كان على مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه، وبين فساده فتابعه على ذلك غالب علماء الأشاعرة. وقد رد القرطبي والمازري عليهم في كثير من المسائل: فرد

стр. 354

عليهم في مسائل القدر (١). وفي إنكارهم لرؤية الله تعالى في الآخرة (٢). وفي حكمهم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار (٣). وفي إنكارهم لشفاعة الرسول ﷺ في القيامة وإنكارهم للدجال (٤). وكذلك في قولهم بعدم خلق الجنة والنار (٥). وغيرها من المسائل (٦). وتتبين هذه الردود في المباحث الخاصة بكل مسألة. ٤ - الشيعة: وهم فرقة قالت بإمامة علي بن أبي طالب ﵁ وأنه قد نص عليه واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده وقالوا: إن خروج الولاية عن علي ﵁ بظلم من الشيخين وبعضهم كفر الصحابة ﵃ واعتقدوا العصمة في أئمتهم إلى غير ذلك من الضلالات التي في معتقداتهم، وهم فرق كثيرة منها الغالية، ومنها دون ذلك، وقد يسمَّون بالرافضة. وقد تكلم القرطبي على الشيعة، وبين أنهم من أكثر الفرق الضالة تعمدًا للكذب، وتضليلًا للناس، فقال في كذبهم على عائشة ﵂: "وهذا التأويل (٧) عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها" (٨).

стр. 355

وقال في موضع آخر في رده على طعنهم في أبي بكر ﵁: "ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين" (١). وبين في موضع آخر كذبهم وتبرؤ علي ﵁ مما نسبوه إليه، وذلك عند تعليقه على قول علي ﵁: "ما كان النبي ﷺ يُسرُّ إلى شيئًا يكتمه الناس ... " (٢). حيث قال: "هذا رد وتكذيب للفرق الغالية فيه وهم الشيعة والإمامية والرافضة الزاعمين أن النبي ﷺ وصَّى لعلي، وولَّاه بالنص، وأسرَّ إليه دون الناس كلهم بعلوم عظيمة، وأمور كثيرة، وهذه كلها منهم أكاذيب وترهات وتمويهات يشهد بفسادها نصوص متبوعهم وما تقتضيه العادات من انتشار ما تدعو إليه الحاجة العامة وغضب علي على ذلك دليل على أنه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك" (٣). وبيَّن في موضع آخر أن الرافضة لا يعتد بخلافهم؛ لأنه قد حكم كثير من العلماء بتكفيرهم (٤). وقال أيضًا: الرافضة لا يلتفت لخلافهم إذ ليسوا على طريقة المسلمين (٥). حكم الشيعة: الشيعة فرق مختلفة لا شك في كفر الغالي منها، وقد بيَّن القرطبي خلاف العلماء فيهم، وذلك لاختلاف معتقداتهم، حيث قال: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين
следующие страницы →