← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أخذت الصوفية إباحة السماع غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك وتعدوا فيه الوجه الجائز، وتذرعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي: كالشبابات والطارات والرقص وغير ذلك، وهذه أفعال المجان، أهل البطالة والفسوق، المدخلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه" (١). وأما حال هؤلاء عند الذكر والمواعظ فهو الزعيق والصياح، بزعم أن هذا من صفات أهل الخشوع والصلاح. وقد بيَّن القرطبي ﵀ أن هذا لم يكن من هدي الصحابة ﵃ وهم أشد الناس خشية لله تعالى بعد الأنبياء ﵈، وذلك عند قول أنس ﵁ وهو يبين حال الصحابة ﵃ عند غضب الرسول ﷺ حيث قال: "فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي" (٢). قال القرطبي: "هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جهَّالُ العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي: تساوي حال رسول الله ﷺ ، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ، الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من

стр. 352

الله، والوقار حياءً من الله [ثم أطال في ذكر أحوال العارفين، وذكر ماورد عن السلف من الصعق وغيره عند سماع القرآن] ثم قال: فالجواب: أين الدر من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدادين، والمحققين بالممخرقين، فإن كنت يا من لبس عليه، تدعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبه لبهرجتك، فإن الناقد بصير، والمحاسب خبير" (١). وقد بيَّن أن من كان يصرخ في حال خطبة الجمعة، فإما أن يكون مع ذلك ذهاب عقله، فقد انتقض وضوؤه فصلى بغير وضوء، ويكون قد تكلم في الخطبة وشوش على الحاضرين وأظهر بدعة في مجتمع الناس إلى ما في ذلك من الرياء والفسق (٢). هـ - في جهلهم بمفهوم التوكل: من اعتقادات الصوفية ترك العمل، واعتقاد ذلك من كمال التوكل إذ العمل عندهم قادح في التوكل. وقد بيَّن القرطبي فساد هذا الفهم، ومخالفته لهدي الرسول ﷺ ، وسنته، وذلك في مواضع كثيرة من المفهم، حيث قال مبينًا أن السعي في طلب الرزق لا ينقص التوكل: "المتفرغ للعبادة وطلب العلم لا يخل بحاله، ولا ينقص توكله اشتغاله بالنظر في مطعمه ومشربه وحاجته، كما يذهب إليه جهال المتزهدة" (٣). وعند شرحه لحديث أنس بن مالك ﵁ الذي فيه أولئك النفر الذين سألوا عن عبادة الرسول ﷺ فكأنهم تقالوها ثم ذكروا

стр. 353

من أعمالهم وعباداتهم فرد عليهم ﷺ بقوله: " ... لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١). فبعد شرح القرطبي لهذا الحديث واستخراجه لما يستفاد منه قال: "وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه" (٢). ٣ - المعتزلة: فرقة ظهرت في أوائل القرن الثاني الهجري، وسلكت مسلكًا عقليًّا متطرفًا في مسائل العقيدة، وسموا بهذا الاسم لاعتزال زعيمهم واصل بن عطاء (٣) مجلس الحسن البصري ﵀. وقد أكثر القرطبي والمازري من الرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وبيان خطأهم فيما ذهبوا إليه خصوصًا المازري إذ أكئر من الرد عليهم على غير عادته مع الفرق الأخرى، وربما سبب ذلك أن مذهب الاعتزال قابل مذهب الأشاعرة، وقد تصدى كثير من الأشاعرة للرد على المعتزلة تبعًا لمن ينتسبون إليه، وهو أبو الحسن الأشعري الذي كان على مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه، وبين فساده فتابعه على ذلك غالب علماء الأشاعرة. وقد رد القرطبي والمازري عليهم في كثير من المسائل: فرد

стр. 354

عليهم في مسائل القدر (١). وفي إنكارهم لرؤية الله تعالى في الآخرة (٢). وفي حكمهم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار (٣). وفي إنكارهم لشفاعة الرسول ﷺ في القيامة وإنكارهم للدجال (٤). وكذلك في قولهم بعدم خلق الجنة والنار (٥). وغيرها من المسائل (٦). وتتبين هذه الردود في المباحث الخاصة بكل مسألة. ٤ - الشيعة: وهم فرقة قالت بإمامة علي بن أبي طالب ﵁ وأنه قد نص عليه واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده وقالوا: إن خروج الولاية عن علي ﵁ بظلم من الشيخين وبعضهم كفر الصحابة ﵃ واعتقدوا العصمة في أئمتهم إلى غير ذلك من الضلالات التي في معتقداتهم، وهم فرق كثيرة منها الغالية، ومنها دون ذلك، وقد يسمَّون بالرافضة. وقد تكلم القرطبي على الشيعة، وبين أنهم من أكثر الفرق الضالة تعمدًا للكذب، وتضليلًا للناس، فقال في كذبهم على عائشة ﵂: "وهذا التأويل (٧) عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها" (٨).

стр. 355

وقال في موضع آخر في رده على طعنهم في أبي بكر ﵁: "ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين" (١). وبين في موضع آخر كذبهم وتبرؤ علي ﵁ مما نسبوه إليه، وذلك عند تعليقه على قول علي ﵁: "ما كان النبي ﷺ يُسرُّ إلى شيئًا يكتمه الناس ... " (٢). حيث قال: "هذا رد وتكذيب للفرق الغالية فيه وهم الشيعة والإمامية والرافضة الزاعمين أن النبي ﷺ وصَّى لعلي، وولَّاه بالنص، وأسرَّ إليه دون الناس كلهم بعلوم عظيمة، وأمور كثيرة، وهذه كلها منهم أكاذيب وترهات وتمويهات يشهد بفسادها نصوص متبوعهم وما تقتضيه العادات من انتشار ما تدعو إليه الحاجة العامة وغضب علي على ذلك دليل على أنه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك" (٣). وبيَّن في موضع آخر أن الرافضة لا يعتد بخلافهم؛ لأنه قد حكم كثير من العلماء بتكفيرهم (٤). وقال أيضًا: الرافضة لا يلتفت لخلافهم إذ ليسوا على طريقة المسلمين (٥). حكم الشيعة: الشيعة فرق مختلفة لا شك في كفر الغالي منها، وقد بيَّن القرطبي خلاف العلماء فيهم، وذلك لاختلاف معتقداتهم، حيث قال: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين

стр. 356

مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته" (١). وقال في موضع آخر: "فأما الروافض فقد كفَّروا الصحابة كلهم؛ لأنهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على استخلاف علي ﵁ واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كفَّر عليًّا ﵁؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشك في كفرهم؛ لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير" (٢). الرد عليهم: أكثر القرطبي من الرد على الشيعة في كثير مما ذهبوا إليه من الأباطيل، وذلك في مواضع متفرقة من المفهم، فرد عليهم في تجويز الكبائر على الأنبياء (٣)، وفي موقفهم من الصحابة ﵃ أجمعين - (٤)، وفي موقفهم من الخلافة، وقولهم بالنص على علي ﵁ (٥). إلى غير ذلك من المسائل الأخرى (٦). ٥ - القدرية: وهم القائلون بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن أفعال العباد مقدورة لهم على جهة الاستقلال، وكان متقدموهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل

стр. 357

وجودها، وهم الذين كفرهم السلف أخذ معبد الجهني (١) هذا عن نصراني أسلم ثم تنصر، وأخذ غيلان الدمشقي (٢) عن معبد، وقد يطلق القدرية على المعتزلة لنفيهم القدر في معاصي العباد (٣). وقد رد عليهم القرطبي فيما ذهبوا إليه في القدر حين قال: "حملت القدرية هدى الله على البيان بناءً على مذهبهم الفاسد في القدر" (٤)، وقال في موضع آخر: "والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية لكنهم كابروا في ذلك كله، وردوه وتأولوا ذلك تأويلًا فاسدًا" (٥). وأما المازري فقد جاء ذكر القدرية في المعلم في موضعين، رد في واحد منها على القدرية في قولهم بخلق العباد لأفعالهم (٦)، وفي الموضع الآخر بيَّن الخلاف في تكفير القدرية (٧). ٦ - المرجئة: وهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فيقولون لا يضر مع

стр. 358

الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والجهمية والكرامية من فرق المرجئة (١). وقد ردَّ القرطبي والمازري هذا المذهب الباطل كما تبين ذلك في مبحث حكم مرتكب الكبيرة (٢). ٧ - الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري في مذهبه الثاني، ولا يخفى أنه قد رجع عن مذهبه الثاني إلى مذهب أهل السنة والجماعة في آخر حياته، ولكن الأشاعرة تابعوه على ما كان عليه قبل رجوعه إلى مذهب السلف، وعامة الأشاعرة يثبتون سبع صفات فقط، ويخالفون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة (٣). والقرطبي والمازري على مذهب الأشاعرة في كثير من مسائل العقيدة، وإن كان القرطبي لم يلتزم بذلك، بل يخالف الأشاعرة في بعض المسائل (٤). وقد جاء ذكر الأشاعرة باسمهم الصريح في موضع واحد من المفهم (٥)، وفي خمسة مواضع من المعلم (٦). وهم يطلقون أهل السنة أو أهل السنة والجماعة ويقصدون بذلك الأشاعرة، وهذا يتبين من خلال الأقوال التي ينسبونها لأهل السنة إذ كثير منها لا يقول به أهل السنة بل هو قول الأشاعرة، فقد ذكر القرطبي رأي الأشاعرة في بعض المسائل وقال:

стр. 359

"هذا قول أهل السنة" (١). وقد يذكر بعض أقوال أهل السنة وينسبها إليهم وهو يقصد الأشاعرة إذ يوافقون أهل السنة في هذه المسائل (٢). وأما المازري فقد ذكر أهل السنة وقصد بهم الأشاعرة وذلك في سبعة مواضع من المعلم (٣). وقد جاء ذكر بعض الفرق كالجهمية (٤)، والباطنية (٥)، والكرامية (٦)، والراوندية (٧)، والقلندرية (٨).

стр. 360

الفصل الرابع توحيد الأسماء والصفات وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: منهجهما في أسماء الله تعالى المبحث الثاني: منهجهما في صفات الله المبحث الثالث: منهجهما في رؤية الله تعالى

стр. 361

تمهيد توحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، التي وردت في الكتاب والسنة، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريفٍ (١)، ولا تعطيلٍ (٢)، ومن غير تكييف (٣)، ولا تمثيل (٤)، ولا تشبيه (٥). فنؤمن بأن الله تعالى متصفٌ بجميع صفات الكمال، ومنزه سبحانه عن جميع صفات النقص. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "توحيد الأسماء والصفات: هو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس، السلام، المؤمن،

стр. 362

المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى" (١). والأدلة على هذا التوحيد كثيرة من الكتاب والسنة، بل لا تخلو سورة من سور القرآن من ذكر أسماء الله وصفاته. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ (٤). وكان ﷺ إذا أوى إلى فراشه يقول: "اللهم ربّ السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى،

стр. 363

ومنزل الإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (١). وغيره من الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات أسمائه سبحانه وصفاته، ولذا فأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الأسماء والصفات كما جاءت، وكما يليق بالله . ويُعدّ هذا المبحث من أهم مباحث العقيدة وأخطرها، إذ كثر الخلط والانحراف عن المنهج السوي فيه من قبل بعض الفرق الإسلامية، حيث نشأ عن الضلال فيه معتقداتٌ باطلةٌ، وتصوراتٌ خاطئةٌ في الذات الإلهية، ولهذا اعتنى علماء السنة والجماعة بهذا التوحيد وصنَّفوا فيه المصنفات، وأفردوه بكثير من المؤلفات. ومنهجهم في هذا هو المنهج الأقوم الذي جاء في الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة. قال شيخ الإسلام - مبينًا اعتقاد السلف في هذا الباب -: "الأصل في هذا الباب أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: نفيًّا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد (٢) لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال

стр. 364

تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الآية (٢). فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقين: إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣) فمعنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل" (٤).

стр. 365

المبحث الأول منهجهما في أسماء الله تعالى وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: الاسم والمسمى المطلب الثاني: عدد أسماء الله المطلب الثالث: معنى إحصائها المطلب الرابع: طريق إثباتها المطلب الخامس: أقسامها المطلب السادس: اسم الله الأعظم المطلب السابع: شرح بعض الأسماء المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله

стр. 366

إن شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولا أجلّ ولا أعظم من الله تعالى، ولذا فمعرفة أسمائه سبحانه، والإيمان بها، وفهم معانيها من أجلِّ العلوم، وأفضل الطاعات، ولا طريق لذلك إلَّا بالكتاب والسنة، والاقتداء بسلف الأمة. فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن لله أسماء سمى بها نفسه، وأن هذه الأسماء كلها حسنى، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١). قال - ابن القيم ﵀: "إن أسماء الله ﵎ دالةٌ على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها، لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال" (٢). وقد تكلَّم القرطبي والمازري في أسماء الله تعالى، وما يتعلق بها، ويتضح هذا من خلال التفصيل في المباحث التالية: المطلب الأول: الاسم والمسمى: الكلام في هذه المسألة من الأمور المُحْدَثة، التي لم يتحدث فيها الصحابة ﵃ ولا التابعون، إنما حدثت بعدهم، ولذا أنكر بعض العلماء الحديث فيها، ومنعوا منه، قال الشافعي ﵀: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الاسم المسمى، فاشهد عليه أنه من أهل الكلام ولا دين له" (٣). وقال محمد بن جعفر البغدادي (٤): "سمعت إبراهيم

стр. 367

الحربي (١) - ولم يكن في وقته مثله - يقول - وقد سُئِلَ عن الاسم والمسمى -: لي مذ أجالس أهل العلم سبعون سنة، ما سمعت أحدًا منهم يتكلم في الاسم والمسمى" (٢). وقال الطبري: "وأمَّا القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ثناؤه الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤) " (٥). لكن لما تحدث أهل البدع في هذه المسألة، وخاضوا فيها، وجانبوا فيها الصَّواب، كان لابد لأهل الحق من الحديث فيها بالصواب كغيرها من المسائل التي تحدث فيها أهل السنة، وقد سكت عنها من قبلهم؛ لأنهم ابتلوا بالحديث فيها ردًّا على أهل البدع، قال الإمام الدارمي: "قد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رزقوا العافية منهم، وابتلينا بهم عند دروس الإسلام،

стр. 368

وذهاب العلماء، فلم نجد بدًّا من أن نرد عليهم ما أتوا به من الباطل بالحق" (١). وأول الأقوال في هذه المسألة قولة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى؛ لأن الاسم مخلوق والمسمى غير مخلوق، وهذا بناءً على قولهم في أن أسماء الله وصفاته مخلوقة، وقد تابعهم على قولهم هذا ابن حزم والغزالي (٢). وقد أجمع أهل السنة، ومن وافقهم في رد هذا القول، ولكنهم اختلفوا في هذه المسألة على أقوال: الأول: من، قال: الاسم هو المسمى وقد استدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٣)، قالوا: المسبِّح هو المسمى، وهو الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (٤) والمراد المسميات (٥). وقد روى شيخ الإسلام عن الشافعي قوله: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة" (٦). وقد قال بهذا بعض علماء السنة، ومنهم: البغوي واللالكائي وغيرهما (٧).

стр. 369

الثاني: من قال: إن الأسماء ثلاثة أقسام: أ - تارة يكون هو المسمى كاسم الموجود. ب - وتارة يكون الاسم غير المسمى كاسم الخالق. * - وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير. وهذا هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (١). وقد ردَّ شيخ الإسلام هذا القول، وبيَّن مجانبته للصَّواب (٢). الثالث: من قال: الاسم للمسمى إذ هو دليل وعلم عليه، قال شارح الطحاوية: "فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم ههنَا هو المراد للمسمى، ولا يقال "غيره"، لما في لفظ "الغير" من الإجمال، فإن أُريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى، فحق، وإن أريد أن الله تعالى كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله" (٣). وقد ذكر شيخ الإسلام أن الاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، ولذا أمر الله تعالى بذكره تارة، وبذكر اسمه تارة كما أمر بتسبيحه تارة، وبتسبيح اسمه تارة، حيث قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ (٤)،

стр. 370

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " (٣) " (٤). وهذا القول هو اختيار أكثر أهل السنة والذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حيث قال ابن القيم: "هذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول اسمه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب" (٥). وهذا القول هو الموافق لظاهر كلام القرطبي، حيث ردَّ على الذين قالوا: الاسم هو المسمى حقيقة، حيث قال: "الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالة على معنى فرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد، فلا فعل ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا، وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقة، كما قالت طائفة من جُهَّال الحشوية، فإنهم صرحوا بذلك، واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أن من قال: سمُّ: مات، ومن قال: نار: احترق، وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم (٦)، وأمَّا من قال من

стр. 371

النحويين ومن المتكلمين: الاسم هو المسمى، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة، وإنما أرادوا: أنه هو من حيث أنه لا يدل إلَّا عليه، ولا يفيد إلَّا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليه من غير مزيد أمر أخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد: دلَّ على تلك الذات منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره، وبيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد -مثلًا- فهو يدل على ذاتٍ مُشخَّصه في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فلو قلت -مثلًا-: العالم دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ... ومن هنا صحَّ عقلًا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة، ولا توجب تعددًا فيها ولا تكثيرًا (١)، وقد غمض فهم هذا مع وضوحه على بعض أئمة المتكلمين، وفر منه هربًا من لزوم تعدد في ذات الإله ... قد يقال: الاسم هو المسمى ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم قد يطلق ويراد به المسمى كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٢) أي سبح ربك، فأريد بالاسم المسمى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه، وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى" (٣). وبيَّن في موضع آخر أن الاسم غير المسمى، وذلك عند قول عائشة

стр. 372

-﵂ للرسول ﷺ : "والله يا رسول الله ما أهجر إلَّا اسمك" (١)، حيث قال: "هذا يدل على أن الاسم غير المسمى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون" (٢). وأما أن الاسم هو المسمى فعند قوله ﷺ : "اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت" (٣) قال: "فالاسم هنا: هو المسمى كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤) أي سبح ربك، هذا قول الشارحين" (٥). وقال أيضًا عند رقية جبريل للرسول ﷺ بقوله: "باسم الله أرقيك" (٦): "الاسم هنا يراد به المسمى، فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٧) أي سبح ربك، ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها غير أنه قد يتوسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة فتدبر هذا فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال وسقط" (٨). والتفصيل هو الصواب؛ لأن إنكار قول من قال: الاسم هو المسمى: لما في قوله من الاحتمال الباطل، وذلك بجعل الأسماء هي

стр. 373

نفسها المسميات، فإذا قال الإنسان: نار أحرقت لسانه، إذ لو اقتصروا على أن الاسم مراد به المسمى لكان ذلك هو الحق. وكذلك من قال: الاسم غير المسمى فيكون اسم الشيء مباينًا له، وهذا باطل، فالخالق سبحانه أسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنًا عنه" (١). المطلب الثاني: عدد أسماء الله تعالى: قال ﷺ : "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من حَفِظَهَا دخل الجنة، واللهُ وتر يحب الوتر" (٢). وقد اختلف العلماء في هذا العدد المذكور، هل المراد به الحصر، بحيث إن أسماء الله لا تزيد على هذا العدد أم إنها أكثر من ذلك، لكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا العدد لا يُفيد الحصر، إذ أسماؤه تعالى لا تحد بعدد قلة سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها أحد كما قال ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (٣). قال ابن كثير: "الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين" (٤)، وقال ابن القيم: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم

стр. 374

الغيب عنده، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل" (١)، وقال النووي: "اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ... فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء" (٢). والقرطبي وافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه من عدم حصر أسماء الله تعالى بهذا العدد ولا بغيره، حيث قال عند شرحه للحديث السابق: "ليس المقصود حصر الأسماء فيما ذكر وهذا كقول القائل: لزيد مائة دينار أعدَّها للصدقة، لا يفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المائة دينار، وإنما يُفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها، وقد دلَّ على أن لله أسماء أُخر ما قدمناه من قوله ﷺ : "اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (٣)، وقوله: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلَّا أن يلهمنيها الله" (٤) " (٥). قال ابن القيم: "وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته" (٦). وقال ابن تيمية: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي ﷺ -في الحديث السابق- معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، وليس مراده أنه ليس له إلَّا تسعة وتسعون اسمًا" (٧).

стр. 375

المطلب الثالث: معنى الإحصاء المذكور: لا شك أن العلم بأسماء الله وإحصاءها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماء الله كما ينبغي للمخلوق، فقد أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه سبحانه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي مقتضاها ومرتبطة بها (١). ولذا اختلفت عبارات العلماء في تحديد معنى الإحصاء الوارد في الحديث، والذي جعل الرسول ﷺ جزاءه الجنة، وقد قال القرطبي في بيانه لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث: "الإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب، أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ (٢) والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل حصاة، قال كعب بن سعد الغنوي (٣): وأن لسان المرءِ ما لم تكُن له ... حصاةُ على عوراتِهِ لدليلُ (٤) والثَّالثة: بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٥) أي: لن تطيقوا العمل بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب

стр. 376

اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي (١) في المقصد الأسنى" (٢). والحق أن الإحصاء شامل لثلاثة أمور، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ وهي: ١ - إحصاء ألفاظها وعدها. ٢ - فهم معانيها ومدلولها. ٣ - دعاؤه بها (٣). قال ابن بطَّال (٤): "الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والقدير فيجب الإقرار بها، والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالكريم والعفو فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها" (٥).

стр. 377

المطلب الرابع: طريق إثباتها: تبين أن أسماء الله تعالى غير محصورة، وهذا هو رأي جمهور العلماء، وهو الرأي الذي نصره القرطبي. وقد تتبع العلماء أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، محاولة لجمعها ومعرفتها، قال القرطبي: وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة فجمعوها في كتبهم كالخطابي والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها (١). وقد اختلف العلماء في هذه الأسماء، هل هي توقيفية بحيث لا يسمى الله تعالى إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة، أو من الممكن أن يشتق لله تعالى من أفعاله أسماء، أو يسمى بأسماء مستحسنة، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة؟ الحق هو ما عليه جمهور العلماء من أن أسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلَّا بما جاء في الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك المعتزلة، ورأوا أن العقل إذا دلَّ على جواز تسمية الله باسم فيجب أن نسميه به، حتى لو لم يرد بذلك نصٌّ صحيح، وقد بالغ في إثبات هذا أبو علي الجبائي (٢)، حتى سمى الله بأسماء ينزه الحق عنها" (٣) (٤).

стр. 378

ولا شك أن ما ذهب إليه المعتزلة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، ولا عمل سلف الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٢). قال الخطابي ﵀: "ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف" (٣). وذلك لأنها من أمور الغيب التي يجب الوقوف فيها على ما جاء في

стр. 379

الكتاب والسنة، فلا مجال للعقل فيها؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء لقوله ﷺ : "لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١). والتسمية من الثناء، فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلَّا التصديق والوقوف عند النصوص. واحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله ﷺ باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، وكذا كل كبير من الخلق قال: "فإذا امتنع ذلك في حق المخلوق فامتناعه في حق الله أولى" (٢). والقرطبي تكلم في هذه المسألة في موضعين من المفهم بيَّن فيهما موضع الخلاف في ذلك، ولم يرجح حيث قال: "العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه؟ أو الأصل جواز تسميته بكل اسم حسن إلَّا أن يمنع منه مانع شرعي؟ . الأول: لأبي الحسن، والثاني: للقاضي أبي بكر (٣)، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤) للجنس أو للعهد؟ ... ثم هل يكتفي في كون الكلمة اسمًا من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان" (٥).

стр. 380

وبيَّن في الموضع الآخر أنه لا بد من التوقيف عليها أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، حيث قال: "أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها (١). وما ذكره ﵀ في هذا الكلام فيه إيهام، إذ الأسماء التي جاء بها للتمثيل كلها، وردت في كتاب الله، وليته ضرب لنا مثلًا لما استعمل استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، ولم يرد في كتاب ولا سنة ليتبين لنا مراده جزمًا بلا تخمين. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه خلط بين الأسماء وبين مسألة الإخبار عنه. فالأسماء يجب التوقيف فيها، فلا يسمى إلَّا بنص من كتاب أو سنة، وأما مسألة الإخبار عنه فقد توسع العلماء في ذلك فأجازوا الإخبار عنه تعالى بغير أسمائه التي ورد فيها النَّص، فأجازوا إطلاق اسم: "الموجود" و"الشيء" و"الذات" وغيرها على الله تعالى، من باب الإخبار، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة، لكنه لا يخبر عنه باسم سيء. قال ابن تيمية: "وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ، لكن. قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود" (٢).

стр. 381

وقال ابن القيم: "ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى" (١). وربما جعل القرطبي من أسمائه ما هو من صفاته، التي يخبر عنه بها، ويدعى بها، مثل: أرحم الراحمين، ورافع السماء، ومنزل الغيث، ومنجي المؤمنين، ومهلك الظالمين، ونحوها، وهذا كثير في السنة. وإذا قيل كل ما لا يقبل الدعاء به فليس من أسمائه لا يعني أنه لا يجوز أن ندعوه بصفاته وأفعاله، ولكن وإن دعوناه بها فلا تكون من أسمائه (٢). والمازري أثبت القول الصحيح وهو التوقيف على ما جاء في الكتاب والسنة، حيث قال: "الباري سبحانه لا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه، أو سمَّاه به رسوله ﷺ ، أو اجتمعت الأمة عليه، قال أبو الحسن الأشعري أو على معناه: "وما لم يرد فيه إذن في إطلاقه ولا ورد فيه منع ولم يستحل وصف الباري تعالى به ففيه اختلاف هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا تحريم أو يمنع منه لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) فأثبت كون أسمائه حسنى ولا حسن إلَّا ما ورد الشرع به" (٤).

стр. 382

المطلب الخامس: أقسامها: قال القرطبي: "أسماء الله تعالى من جهة دلالتها أربعة أضرب: فمنها: ما يدل على الذات مجردة، كاسم "الله تعالى" على قول من يقول: إنه علم غير مشتق وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ولأنه أشهر أسمائه، ومنها: ما يدل على صفات الباري تعالى الثابتة له كالعالم (١)، والقادر، والسميع، والبصير. ومنها: ما يدل على إضافة أمر ما إليه (٢) كالخالق والرازق. ومنها: ما يدل على سلب شيء عنه (٣)، كالقدوس، والسلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة دائرة بين النفي والإثبات، فاختبرها تجدها كذلك" (٤). وقد ذكر ابن القيم هذا التقسيم في بدائع الفوائد (٥). المطلب السادس: اسم الله الأعظم: اختلف العلماء في اسم الله الأعظم، فذهب البعض إلى نفي ذلك بمعنى أنه ليس لله اسمٌ أعظم، له مزايا وخصائص تميزه عن سائر الأسماء، وإلى هذا ذهب الطبري والأشعري، والباقلاني، وغيرهم.

стр. 383

وذهب الجمهور إلى إثبات الاسم الأعظم لله تعالى لورود النص الصريح بذلك عن الرسول ﷺ (١). وهذا الذي ذهب إليه القرطبي تبعًا لجمهور العلماء، ثم اختلف الجمهور في تحديد اسم الله الأعظم. ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أربعة عشر قولًا (٢). فذهب كثير من العلماء إلى أنه: لفظ الجلالة "الله" وذهب آخرون إلى أنه: "الحي القيوم"، وقيل: "ذو الجلال والإكرام"، ورجَّح الدُّكتور عبد الله الدميجي في كتابه "اسم الله الأعظم" أن تحديده على وجه القطع أمر متعذر (٣). والقرطبي ﵀ لم يصرِّح برأيه في هذه المسألة، إنما اكتفى بقوله وهو يتحدث عن سورتي البقرة وآل عمران وتسميتهما بالزهراوين: "ويقع لي أنهما سميتا بذلك لأنهما اشتركتا في تضمن اسم الله الأعظم، كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٥) " (٦) والله أعلم" (٧).

стр. 384

المطلب السابع: شرح بعض أسماء الله تعالى: تعرض القرطبي لبعض أسماء الله تعالى بالشرح والتَّوضيح في مواضع متعددة من "المفهم"، وأمَّا المازري فتعرض للقليل منها كعادته في الاختصار، وقد رتبتها هنا على حروف المعجم دون النظر لترتيب ورودها في المفهم، وهي كما يلي: الأحد: قال القرطبي حول هذا الاسم: "يدل على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالًا وعرفًا، وذلك: أن الهمزة من أحد منقلبة عن الواو من: وحد كما قال النابغة (١): كأنَّ رَحْلي وقد زَالَ النَّهارُ بنا ... يوم الجليلِ على مُسْتأْنسٍ وَحِد (٢) فهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا، وعلى هذا فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بواجب الوجود، وربما عبَّر عنه بعض المتكلمين بأنه أخص وصفه" (٣).

стр. 385

الأول والآخر: قال القرطبي حول هذين الاسمين: "اختلفت عبارات العلماء في هذا وأرشق عباراتهم قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، وقيل: الأول بالابتداء، والآخر بالإفناء، وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي" (١). الباطن: قال القرطبي: "اختلفت عبارات العلماء حوله فقيل: الباطن: بلا احتجاب، وقيل: الباطن عن الإدراكات، وقيل: الباطن الخفي اللطيف الرفيق بالخلق" (٢). الجبَّار: ذكر القرطبي هذا الاسم فقال: "الجبار: العظيم الشأن، الممتنع على من يرومه، ومنه نخلة جبارة، إذا فاقت الأيدي طولًا، يقال منه: جبَّار بين الجبرية والجبروت، ولم يأت فعَّال من أفعلت إلَّا جبَّار من أجبرت ودراك وسآر والجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء ... وقيل: معنى الجبار: أي: المصلح من قولهم: جبرت العظم، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله ويرحم عباده ويسد خلاتهم" (٣). الجميل: ذكر القرطبي هذا الاسم عند شرحه لقوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" (٤). حيث قال: "الجمال لغة هو الحسن ... وهذا الحديث يدل

стр. 386

على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في معناه فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيري، وقيل: معناه ذو النور والبهجة، أي: مالكهما، قاله الخطَّابي، وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم، فهو يحب التجمل منكم في قلة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفي، وقال: الجميل: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الآمر بالتجمل له بنظافة الثياب والأبدان والنزاهة عن الرذائل والطغيان" (١). وقال المازري عن هذا الاسم عند شرحه للحديث السابق: "أُطلق في هذا الحديث تسمية الباري تعالى جميلًا ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل منا من حسنت صورته، ومضمون حسن الصورة انتفاء النقائص والشين عنها، ويحتمل أن "جميل" ها هُنَا بمعنى مجمل أي محسن" (٢). الحق: عند شرح القرطبي لقوله ﷺ في دعائه لربه: "أنت الحق ووعدك الحق ... " (٣)، قال: "أي واجب الوجود وأصله: من حق الشيء إذا ثبت ووجب ومنه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (٤) ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٥) أي ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال

стр. 387

عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد (١): ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٢) ... .................. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ (٣) " (٤). الحكيم: قال القرطبي: "الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة" (٥). الخبير: قال القرطبي: "الخبير: العليم بخبرة الأمور، أي: بواطنها وما يختبر منها" (٦). الرب: قال القرطبي عن هذا الاسم عند قوله ﷺ : "أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ... " (٧): "أي مصلحهما ومصلح من فيهما، مأخوذ

стр. 388

من الربّة، وهي: نبتٌ تصلحُ عليه المواشي، يقال: ربَّ يربُّ ربًّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربَّى يربِّي تربية: فهو: مُربّ، قال النَّابغة: * وربَّ عليه اللهُ أحسَنَ صُنْعَهُ (١) * وقال آخر: يَرُبُّ الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمَّما (٢) والربُّ أيضًا: السَّيد. فيكون معناه: أنه سيدُ من في السموات والأرض، والرب: المالك أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما" (٣). وقال في موضع آخر: "أصل "ربٌّ": اسم فاعل من ربَّ الشيء: إذا أصلحه وقام عليه ثم إنه يقال على السيد والمالك" (٤). الرفيق: قال القرطبي عن هذا الاسم وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق" (٥): "الرفيق: هو كثير الرفق، وهو اللينُ، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد، والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به قال أبو زيد: يقال: رفقت به وأرفقته بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلَّا بتيسيره، ولا منفعة إلَّا بإعطائه وتقديره، وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التِّمهل في الأمر والتَّأني

стр. 389

فيه يُقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقًا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة وهذا المعنى أليق بالحديث، فإنه السبب الذي أخرجه وذلك أن اليهود سلموا على النبي ﷺ فقالوا: السَّام عليك ففهمتهم عائشة ﵂ فقالت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، قال لها النبي ﷺ هذا الحديث" (١). وقال المازري: إن لم يرد في الشريعة بإطلاقه سوى هذا ففي قبوله خلاف (٢) ويحتمل أن يكون قوله "رفيق" يفيد صفة فعل وهو ما يخلقه سبحانه من الرفق لعباده" (٣). السلام: قال القرطبي: "السَّلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص، وسمات الحدث (٤)، وقيل: المسلم عباده، وقيل: المسلم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٥) " (٦). وقال في موضع آخر: "السلام اسم من أسماء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (٧) ومعناه في حق الله تعالى: أنه

стр. 390

المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه ... المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات" (١). السِّيد: لم يجزم القرطبي بأن هذا من أسماء الله وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "لا يقل العبد: "ربي" وليقل: "سيدي"" (٢). حيث قال: "إنما فرَّق بينهما لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ "الرب" فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة ... فالسيد من السؤدد، وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم" (٣). الصمد: ذكر القرطبي هذا الاسم مع اسم الله تعالى "الأحد" وذلك عند قوله ﷺ : "قل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن" (٤) قال القرطبي: "اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى لم يوجدا في غيرها من جميع السور وهما: "الأحد" و"الصمد" ... أما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلها أي: يقصد ولا يصح ذلك تحقيقًا إلَّا
следующие страницы →