← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

على أن الجميل من أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعة من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في معناه فقيل: معناه معنى الجليل، قاله القشيري، وقيل: معناه ذو النور والبهجة، أي: مالكهما، قاله الخطَّابي، وقيل: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم، فهو يحب التجمل منكم في قلة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله الصيرفي، وقال: الجميل: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الآمر بالتجمل له بنظافة الثياب والأبدان والنزاهة عن الرذائل والطغيان" (١). وقال المازري عن هذا الاسم عند شرحه للحديث السابق: "أُطلق في هذا الحديث تسمية الباري تعالى جميلًا ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل منا من حسنت صورته، ومضمون حسن الصورة انتفاء النقائص والشين عنها، ويحتمل أن "جميل" ها هُنَا بمعنى مجمل أي محسن" (٢). الحق: عند شرح القرطبي لقوله ﷺ في دعائه لربه: "أنت الحق ووعدك الحق ... " (٣)، قال: "أي واجب الوجود وأصله: من حق الشيء إذا ثبت ووجب ومنه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (٤) ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٥) أي ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال

стр. 387

عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد (١): ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٢) ... .................. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ (٣) " (٤). الحكيم: قال القرطبي: "الحكيم: المحكم للأمور أو الكثير الحكمة" (٥). الخبير: قال القرطبي: "الخبير: العليم بخبرة الأمور، أي: بواطنها وما يختبر منها" (٦). الرب: قال القرطبي عن هذا الاسم عند قوله ﷺ : "أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ... " (٧): "أي مصلحهما ومصلح من فيهما، مأخوذ

стр. 388

من الربّة، وهي: نبتٌ تصلحُ عليه المواشي، يقال: ربَّ يربُّ ربًّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربَّى يربِّي تربية: فهو: مُربّ، قال النَّابغة: * وربَّ عليه اللهُ أحسَنَ صُنْعَهُ (١) * وقال آخر: يَرُبُّ الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمَّما (٢) والربُّ أيضًا: السَّيد. فيكون معناه: أنه سيدُ من في السموات والأرض، والرب: المالك أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما" (٣). وقال في موضع آخر: "أصل "ربٌّ": اسم فاعل من ربَّ الشيء: إذا أصلحه وقام عليه ثم إنه يقال على السيد والمالك" (٤). الرفيق: قال القرطبي عن هذا الاسم وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق" (٥): "الرفيق: هو كثير الرفق، وهو اللينُ، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد، والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به قال أبو زيد: يقال: رفقت به وأرفقته بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلَّا بتيسيره، ولا منفعة إلَّا بإعطائه وتقديره، وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التِّمهل في الأمر والتَّأني

стр. 389

فيه يُقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقًا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة وهذا المعنى أليق بالحديث، فإنه السبب الذي أخرجه وذلك أن اليهود سلموا على النبي ﷺ فقالوا: السَّام عليك ففهمتهم عائشة ﵂ فقالت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، قال لها النبي ﷺ هذا الحديث" (١). وقال المازري: إن لم يرد في الشريعة بإطلاقه سوى هذا ففي قبوله خلاف (٢) ويحتمل أن يكون قوله "رفيق" يفيد صفة فعل وهو ما يخلقه سبحانه من الرفق لعباده" (٣). السلام: قال القرطبي: "السَّلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص، وسمات الحدث (٤)، وقيل: المسلم عباده، وقيل: المسلم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٥) " (٦). وقال في موضع آخر: "السلام اسم من أسماء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (٧) ومعناه في حق الله تعالى: أنه

стр. 390

المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه ... المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات" (١). السِّيد: لم يجزم القرطبي بأن هذا من أسماء الله وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "لا يقل العبد: "ربي" وليقل: "سيدي"" (٢). حيث قال: "إنما فرَّق بينهما لأن الرب من أسماء الله المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ، وإذا قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ "الرب" فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة ... فالسيد من السؤدد، وهو التقدم يقال: ساد قومه: إذا تقدمهم" (٣). الصمد: ذكر القرطبي هذا الاسم مع اسم الله تعالى "الأحد" وذلك عند قوله ﷺ : "قل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن" (٤) قال القرطبي: "اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى لم يوجدا في غيرها من جميع السور وهما: "الأحد" و"الصمد" ... أما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلها أي: يقصد ولا يصح ذلك تحقيقًا إلَّا

стр. 391

ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة وذلك لا يكمل إلَّا الله تعالى فهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها تعدل ثلث القرآن (١). الطيب: قال ﷺ : "إن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا" (٢). قال القرطبي: "إن الله طيِّب أي: منزه عن النقائص والخبائث فيكون بمعنى القدوس، وقيل: طيب الثناء ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فطيب: من أسمائه الحسنى، ومعدودٌ في جملتها المأخوذة من السنة كالجميل والنظيف (٣) على قول من رواه ورآه (٤). الظاهر: قال القرطبي: "اختلفت عبارات العلماء فيه فقيل: الظاهر بلا اقتراب وقيل: الظاهر بالآيات، وقيل: الظاهر: الغالب" (٥). العزيز: قال القرطبي متحدثًا عن مصدر هذا الاسم وهو "العزة": "العزة:

стр. 392

القوة والغلبة ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (١) أي غلبني ويقال أيضًا: عزَّ الشيء إذا قل، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة، وعزَّ يعزّ عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلةٍ. فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة" (٢). العلي: قال القرطبي: "العلي: ذو العلو وهو الرفعة المعنوية في حقه تعالى لا المكانية (٣) " (٤). وقال في موضع آخر: "العلي: أي العلي شأنه" (٥). القدوس: قال القرطبي: "القدوس من القدس، وهي الطهارة، والقدس: السطل الذي يستقى به، ومنه: البيت المقدَّس أي: المطهر" (٦). القيُّوم أو القيَّام: قال القرطبي: "قيَّام على المبالغة من "قام بالشيء" إذا هيأ له ما يحتاج إليه ويقال: "قيُّوم" و"قيَّام" و"قيِّم" وقرأ عمر "الله لا إله إلَّا هو الحي القيَّام" (٧) وعلقمة (٨): القيم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه.

стр. 393

وقال الحسن: القائم على كل نفس بما كسبت. وقال ابن جبير: الدائم الوجود. وقال ابن عباس: الذي لا يحول ولا يزول" (١). الكبير: قال القرطبي عن هذا الاسم: الكبير: الكبير سلطانه" (٢). اللطيف: قال القرطبي: "اللطيف: الكثير اللطف وهو في حق الله تعالى: رفقه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ (٣) وأصله: من اللطف في العمل وهو الرفق فيه وضده العنف والاسم منه: اللطف بتحريك الطاء يقال: جاءتنا لطفة من فلان أي هدية" (٤). الله: قال القرطبي وهو يتحدث عن أقسام أسماء الله تعالى من جهة دلالتها: "فمنها ما يدل على الذات مجردة كاسم الله تعالى على قول من يقول: إنه علم غير مشتق (٥) وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدل على الوجود

стр. 394

الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد؛ ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به فيقال: الرحمن: اسم الله ولا يقال الله اسم الرحمن؛ ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقًّا لكانت لامه زائدة، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العرب: يا لحارث، ولا يا لعباس، ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق" (١). المقدِّم والمؤخِّر: قال القرطبي عن هذين الاسمين عند شرحه لقوله ﷺ : "أنت المقدم وأنت المؤخر" (٢): "أي: المقدم لمن شئت بالتوبة والولاية والطاعة، والمؤخر لمن شئت بضد ذلك، والأولى: أنه تعالى مقدِّم كل مقدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كل مؤخَّر في الدنيا والآخرة" (٣). وقال في موضع آخر عن هذين الاسمين: "أي: تقدِّم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء وتؤخِّر من شئت فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تملِّك الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه" (٤). المحيي والمميت: قال ﷺ : "اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت" (٥). قال القرطبي:

стр. 395

"المحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى؛ لأن معانيها ثابتة في حقه، وواجبة له، فكل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة: إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والملك وغير ذلك من المعاني التي تدل عليها أسماؤه، فكأنه قال: باسمك المحيي أحيا وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني" (١). الملك: قال القرطبي: ""الملك": من له المُلْكُ و"المالك": من له المِلْك والمِلكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ وكلاهما واجبٌ لله تعالى (٢). نور السموات والأرض: قال ﷺ : "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض" (٣) قال القرطبي: "أي: مُنوِّرُها في قول الحسن دليله قراءة علي ﵁: "الله نَوَّر السَّموات" (٤) بفتح النون والواو مشددة، قال ابن عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مُدبِّرهما. وقيل: هو المنزه في السموات والأرض من كل عيب من قول العرب: امرأة نوارة، أي: مبرأة من كل ريبة، وقيل: هو اسم مدح يقال: فلان نورُ البلد وشمس الزمان، كما قال النابغة:

стр. 396

فإنك شمسُ والملوك كواكبُ ... إذا طَلَعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ (١) وقال آخر: إذا سار عبد الله في مرو ليلةً ... فقد سار فيها نورها وجمالها (٢) وقال أبو العالية (٣): "مزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء" (٤). وقال في موضع آخر: "فأما اسم الله تعالى "النور" فمعناه: أنه هاد من ظلمات الجهالات كما أن النور المحسوس هاد في محسوس الظلمات، وقيل معناه: أنه منوِّر السموات والأرض وخالق الأنوار فيهما" (٥). الوتر: قال ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر" (٦).

стр. 397

قال القرطبي: "الوتر: الفرد، والشفع: الزوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنه واحد في ذاته، فلا انقسام له، وواحد في إلهيته فلا نظير له، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له ... إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد، ويحب التوحيد أن يوحَّد ويعتقد انفراده دون خلقه (١). المطلب الثامن: الأسماء المزدوجة: عامة أسماء الله تعالى يطلق مفردًا ومقترنًا بغيره، كالقدير والسميع والبصير وغيرها. ومنها ما لا يطلق على الله مفردًا بل مقرونًا بمقابله، كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي، والنافع، والعفو، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق والتصرف فيهم، عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا، وعفوًا، وانتقامًا، وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت تجري مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تطلق عليه إلَّا مقترنة (٢). وقد أشار القرطبي إلى هذا فقال عند ذكر اسميه تعالى المقدم والمؤخر: "وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد والقابض، والباسط، والخافض، والرافع، والضار، والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلَّا مزدوجة كما جاءت في

стр. 398

الكتاب والسنة هكذا، قال بعض العلماء، ولم يجز أن يقال: يا خافض حتى يضم إليه: يا رافع (١) " (٢). المطلب التاسع: ما ليس من أسماء الله: جاء في بعض الأحاديث بعض الألفاظ الموهمة أنها من أسماء الله، حتى ذهب البعض إلى جعلها من أسمائه تعالى، كالدهر ورمضان، والصاحب، والخليفة. فقد جاء عن رسول الله ﷺ في الدهر قوله: "قال الله ﵎ يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أُقلِّبُ ليله ونهاره" (٣). قال القرطبي: "قيدها بعض الناس "الدَّهَر" بالنصب على أن تكون ظرفًا يعمل فيه "أقُلِّبُ" فكأنه قال: أنا طول الدهر، أقلب الليل والنهار، ويكون "أُقَلِّبُ" هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم ولم يرو الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى ... فلا يكون الدهر اسمًا من أسمائه تعالى" (٤). وأما رمضان، فقد ورد فيه حديث لا يصح وهو قوله: "لا تقولوا

стр. 399

رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" (١). وقد رده القرطبي فقال: وليس بصحيح فإنه من حديث: أبي معشر نجيح وهو ضعيف، و"رمضان": مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر (٢). وقال في موضع آخر: "لم يوجد في شيء من أسماء الله تعالى رمضان، والمعنى الذي أشتق منه رمضان محال على الله تعالى" (٣). قال ﷺ : "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" (٤). قال القرطبي: "لا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة" (٥). وكذلك الشافي قال القرطبي بعد ذكره لقوله ﷺ : "اشف أنت الشافي" (٦): "الشافي اسم فاعل، والألف واللام فيه بمعنى "الذي" وليس باسم علم لله إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدمناه" (٧). وما ذهب إليه القرطبي هنا في نفي هذه الألفاظ أن تلحق بأسماء الله تعالى الحسنى هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء ما عدا اسم الشافي

стр. 400

إذ ذهب إلى إلحاقه بأسماء الله تعالى عدد من العلماء لوروده في الحديث الصحيح (١).

стр. 401

آرَاءُ القُرطبي وَالمازري الاعتِقَادية مِنْ خِلال شَرْحَيْهِمَا لِصَحِيحِ مُسْلِم درَاسَة وَتَرجيح تأليف الدكتور عَبد الله بن محمَّد بن رميَان الرميَان وَكيلُ كُليةِ الدّعوَةِ وَأصُول الدين لِلدِرَاسَاتِ العُليَا بِجَامِعَة أم القُرى الجزء الثاني

стр. 402

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حقُوق الطّبْع مَحفُوظة للمؤَلّف الطّبْعَة الأولى ١٤٢٧ هـ أصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة العالمية العالية (الدكتوراه) من قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة في ٢/ ٢/ ١٤٢١ هـ بتقدير (ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات عنوان المؤلف: مكة المكرمة - ص. ب: ١٣٦٦٣

стр. 403

المبحث الثاني منهجهما في صفات الله تعالى وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: منهج السلف في الصفات المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى

стр. 404

المطلب الأول: منهج السلف في الصفات: إن منهج السلف في صفات الله تعالى وسطٌ بين المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن سلك مسلكهم، وبين الأشاعرة وغيرهم من الذين يلحدون في ذلك ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه وبين الممثلة من غلاة الكرامية وغلاة الرافضة الذين يضربون لله الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. وكلا المذهبين مجانب للحق والصواب، والمذهب الصحيح ما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، ومن اقتدى بهم، إذ هو الصراط المستقيم، فهم يؤمنون بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق به تعالى، وينفون عنه ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص التي لا تليق به سبحانه، وعمدتهم في هذا: الأدلة الواردة في الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١). قال محمد بن الحسن (٢): "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب

стр. 405

والسنة ثم سكتوا" (١). وقال ابن خزيمة (٢): "نحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين، وعزَّ أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم، تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ " (٣). وقال الصابوني: "أصحاب الحديث يعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون دته ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤) " (٥). وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات

стр. 406

الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يُحدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (١). وقال أبو القاسم قوَّام السُّنَّة (٢): "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي ﷺ متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول ﷺ بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت، كان بذلك جاحدًا ... والله تعالى امتدح نفسه بصفاته ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى ﷺ وبيَّن مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويله" (٣). وقال ابن قدامة: "ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على

стр. 407

لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها (١) ومعناها إلى المتكلم بها" (٢). وقال ابن تيمية: "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ (٤) الآية، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٥) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ردٌّ للإلحاد

стр. 408

والتعطيل" (١). وقال ابن رجب: "أما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص، وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها، والتمثيل ... ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران، ظاهر يليق بالمخلوقين، ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل ... وأهل العلم والإيمان يعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول ﷺ ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلَّا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ فإنه حق وصدق، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته" (٢). والنصوص عن السلف في هذا كثيرة متواترة لا مجال لجمعها، وإنما ذكرت إشارات وإلماحات لما عليه السلف من الاعتقاد في الصفات. المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص: القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- على منهج الأشاعرة في صفات الله تعالى، وهو إثبات الصفات السبع، وهي: الحياة والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع والبصر، والإرادة على مخالفة لأهل السنة في إثباتها. وتأويل باقي الصفات أو تفويض العلم بها.

стр. 409

وللقرطبي كلامٌ جميل عند ردّه على المتكلمين ليته التزم به حيث قال: "بحث المتكلمون عن كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ ، ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) ونقطع بوجود الخالق المنزه عن صفات المخلوقات المقدس عن أحوالها الموصوف بصفات الكمال اللائق به، ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه هذه طريقة السلف وما سواه مهاوٍ وتلف" (٢). وهذا منهج سلفي صرف، لكنه ﵀ عند التطبيق سلك مسلك المؤولين، وسار على طريقة المتكلمين مخالفًا ما جاء عن السلف وما عليه الأثبات من الخلف. والقرطبي والمازري رحمهما الله منهجهما في الصفات بين التأويل والتفويض، مع رمي السلف بالتشبيه والتجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. التأويل: التأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر (٣).

стр. 410

وما سلكه الأشاعرة تبعًا لمن قبلهم من الجهمية والمعتزلة هو من التأويل الفاسد المذموم الذي ليس عليه دليل من كتاب أو سنة؛ لأن هؤلاء اتخذوا من التأويل الفاسد متكأً لتبرير الأصول التي أصَّلوها واعتقدوها واخترعوا لأجل ذلك قوانين عقلية، وأصولًا كلامية، جعلوها الحكم في فهم الدين، والفيصل في معرفة الحق من الباطل، فمتى ظهرت مسألة رجعوا إلى معقولاتهم، وخواطرهم، وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيارهم، فإن استقام قبلوه، وإلَّا حرَّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه" (١). قال ابن القيم: "والتأويل الذي يخالف ما دلَّت عليه النصوص وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد" (٢). والتأويل يطلق مشتركًا بين ثلاثة معان: الأول: أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وهذا هو معناه في القرآن. الثاني: يُراد به التفسير والبيان. الثالث: معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك" (٣). وذكر ابن القيم أن هذا الأخير هو قول المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين حيثما قال: "وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فمن صنف في إبطال التأويل على رأي المتكلمين:

стр. 411

القاضي أبو يعلى، والشيخ موفق الدين ابن قدامة، وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به" (١). وقال ابن تيمية: "وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف ... وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده" (٢). لكن القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- سلكا مسلك التأويل، فصرفا نصوص التنزيل إلى معانٍ باطلة، مخالفة لما عليه السلف من الإيمان بها، وعدم تأويلها كما سبق بيانه. ومن ذلك: القرطبي -في الحديث الذي فيه إثبات الأصبع لله تعالى- الرواية التي فيها: "تصديقًا له" (٣) لأنها تخالف مذهبه في الصفات، ثم بيَّن منهجه في مثل هذه النصوص فقال: "إذا جاءنا مثل هذا الكلام في كلام الصادق تأوَّلناه، أو توقَّفْنَا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلَّت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل: من أخبرنا الصادق

стр. 412

عن نوعه بالكذب والتحريف كذَّبناه" (١). فالقرطبي بيَّن موقفه هنا من نصوص الصفات -الموهمة للتشبيه بزعمه- وهو: إما التكذيب -إن لم يكن نصًّا شرعيًّا- أو التأويل أو التوقف عند وضوح النص الشرعي. وقد قال في موضع آخر: كل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كالأعين والأيدي والجنب، والأصبع وغير ذلك، مما يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدل العقول على استحالته فهي كلها متأولة في حقه تعالى لاستحالة حملها على ظواهرها" (٢). وبين أن منهجه هذا تبعًا للمتكلمين حيث قال: "التحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم، والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم (٣)، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أُخر كما قرره أئمتنا في كتبهم ولما دل العقل الصريح عليه" (٤). ومع تأويل القرطبي لعامة نصوص الصفات، إلَّا أنه تردد في بعضها بين التفويض والتأويل منها قوله: "اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات

стр. 413

هذه الأحاديث فمن مبعد ومن محوّم وما ذكرناه أحسنها وأقومها لمنهاج كلام العرب؛ ولأن يكون هو المراد ومغ ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد والتحقيق أن يقال: "الله ورسوله أعلم" والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم" (١). وكذلك المازري سلك هذا المسلك في نصوص الصفات بل تكلف في تأويل كل ما جاء في إثبات الصفات الفعلية لله تعالى أو الذاتية كاليد والقدم، والأصبع، وغيرها، حيث قال في شرحه للحديث المثبت لصفة القدم لله تعالى: "هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه ولمَّا نقله الأثبات واشتهر عند الرواة تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه والنظر في تأويله" (٢). وبيَّن المازري غرضه من التأويل فقال بعد تأويله لصفة الأصبع الورادة في الحديث: "والغرض المنع أن يكون لله سبحانه أصبع جارحة لإحالة العقل، له ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز وقد أرينا طرفًا من التأويل" (٣). ونرى هنا أنهما حرصا على التأويل لمخالفة هذه النصوص للعقل لأنها موهمة لتشبيه الخالق بالمخلوق بزعمهم. ولا شك أن هذا باطل، لأن نصوص الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لا توهم التشبيه، إذ لا يمكن أن يكون ظاهر ما جاء في الكتاب والسنة باطلًا.

стр. 414

قال مرعي الكرمي ﵀ (١): "ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصًا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرَّح بها مخبرًا بها عن ربه واصفًا له بها، ومن المعلوم أنه ﵇ كان يحضر في مجلسه الشريف: العالم والجاهل، والذكي والبليد، والأعرابي الجافي، ثم لا يجد شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها، لا نصًّا ولا ظاهرًا، كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين، ولم ينقل عنه ﵇ بأنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين، ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخرى باطنة غير ما يظهر من مدلولها .. ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يومًا من الدهر: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أن يتكلموا دائمًا بما هو نصٌّ أو ظاهرٌ في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به، ولا يدلون عليه" (٢). وهم بتأويلهم هذا نفوا ما ذكره الله وأثبتوا ما لم يذكره فوقعوا في خطأين، قال ابن الوزير (٣): "فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك، وهذان الأمران الباطلان هما: الزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله ﵈ من مهمات الدين الواجبة، والنقص منه بنفي بعض ما

стр. 415

ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل" (١). القول بالمجاز: المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولًا (٢). وقد جعل المؤولة المجاز بابًا واسعًا لتحريف نصوص الصفات إذا عجزوا عن الطعن في أصل ثبوتها، قال الشيخ الشنقيطي: "وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه بدعوى أنها من المجاز" (٣). والمجاز أحد طرق التأويل، بل بعض العلماء يرى أن التأويل كله راجع إلى المجاز، كما قال الغزالي في كلامه على التأويل: "ويشبه أن يكون كل تأويل صرفًا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز" (٤). قال ابن القيم: "تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، ليس تقسيمًا شرعيًّا، ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقهم من المتكلمين" (٥). وقد صرف القرطبي والمازري كثيرًا من نصوص الصفات من الحقيقة إلى المجاز، هربًا من إثباتها. قال القرطبي في نفيه لعلو الله تعالى عند شرحه لحديث الجارية:

стр. 416

"وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي ﷺ إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم" (١). وقال في موضع آخر: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عبَّر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه" (٢). وقال المازري: "استعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي ﷺ بما يفهمونه" (٣). وقال في تأويله لإتيان الله تعالى ومجيئه: "عُبِّر بالإتيان ها هنا عن الرؤية على سبيل المجاز" (٤). والنصوص الواردة عنهما في هذا كثيرة تتبين من خلال التفصيل في الصفات، والحق الواجب حمل جميع أخبار الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ظاهرها واعتقاد حقائقها على الوجه اللائق بالله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة -كلها- في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز ... وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه" (٥). والذي حملهم على القول بالمجاز ظنهم أن حقائق صفات الله

стр. 417

تعالى التي نفوها مما يختص بالمخلوقين، فظنوا أن صفات الله تعالى إذا كانت حقيقة لزم أن يكون الرب مماثلًا للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم (١). قال ابن تيمية: "لكن نعلم أن كثيرًا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلَّا محض حقائق المخلوقين، وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع، وإلَّا فقد يكون المعنى الذي يقصد به نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له: أحسنت في نفي هذا المعنى الفاسد، ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به نفسه" (٢). وقد ردَّ شيخ الإسلام على الأشاعرة -المثبتة لبعض الصفات دون بعض- بقولهم هذا بأصلين: أحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين؛ فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به كما أن

стр. 418

للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به. وإن قال الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: وهذا غضب المخلوق. وكذلك يلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته" (١). التفويض: التفويض: هو صرف اللفظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المراد منه، بل يترك ويفوض علمه إلى الله تعالى، بأن يقال: الله أعلم بمراده. هذا هو التفويض عند القائلين به في نصوص الصفات الخبرية التي توهم التشبيه بصفات المخلوقين بزعمهم. وجزمهم وقطعهم أن معاني النصوص ليست على ظواهرها يناقض قولهم بالتفويض. إذ قالوا: إن ظواهر نصوص هذه الصفات يقتضي التشبيه حيث لا يعقل لها معنى معلوم إلَّا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين، وبالتالي فإنه يتعين نفيه ومنعه، وهذه مقدمة مشتركة بين مذهب التأويل والتفويض. وقولهم: إن المعاني المرادة من هذه النصوص مجهولة للخلق، لا سبيل للعلم بها، بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن تعيين المراد

стр. 419

بها لعدم ورود النص التوقيفي بذلك، وهنا يفترق مذهب التفويض عن مذهب التأويل الذي يجوز الاجتهاد في تعيين معان مجازية للصفات السمعية (١). والقرطبي مع اعتقاده أن التفويض هو مذهب السلف إلَّا أنه قال به حيث اضطر إليه في بعض النصوص التي لم يجد له تأويلًا سائغًا، أو يرى بُعد التأويلات التي يوردها وأنها غير مقنعة فيلجأ إلى التفويض وهذا في مواضع كثيرة جدًّا في "المفهم"، منها قوله بعد ذكره لعدة تأويلات: "ويحتمل تأويلًا آخر، والله بمراده أعلم والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السلف وأهل الاقتداء من الخلف" (٢). وقال بعد تأويله لاستواء الله تعالى على عرشه: "له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل فيتوقف في التعيين، ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم" (٣). وقال في موضع آخر: "مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ومذهب غيرهم إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها، من غير قطع متعين محمل منها" (٤). وقال أيضًا: "قد قلنا التسليم هو الطريق المستقيم (٥). والتسليم

стр. 420

الذي عليه السلف أسلم" (١). والسلامة التي يمكن إثباتها في مذهب أهل التفويض هي السلامة من التحريف الذي يقوله المتكلمون على الله بغير علم بصرف معاني النصوص إلى استعمالات مجازية، ولا ريب أن هذا لون من السلامة، لكن قابله الوقوع في هلكة التجهيل بتفريغ تلك النصوص من أي معنى يفهمه السامع (٢). وكذلك التعطيل لما ثبت لله تعالى من حقائق تلك الصفات. ثم مع اعتقاد القرطبي بأن التفويض هو مذهب السلف، وبيانه أن سلوكه أسلم، فلم يلتزم به طلبًا للسلامة - كما زعم - إنما جعله مخرجًا عند عدم وجود وجه للتأويل. ونسبة التفويض للسلف واشتهار هذا القول عند الأشاعرة (٣)، حتى أصبح عندهم من المسلمات التي لا تقبل الجدل، هو من الكذب على السلف، إذ مذهب السلف واضح في الإيمان بنصوص الصفات، وإجرائها على ظاهرها من غير تكييف وجعل هؤلاء عبارات السلف التي تدعو إلى إمرار النصوص هي الدليل على نسبة هذا القول إليهم، كما قال القرطبي: "قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا ... والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف "اقرؤوها كما جاءت" يعنون المشكلات" (٤).

стр. 421

والسلف- ﵏ أرادوا إمرارها دون تكييف لا كما يفهم هؤلاء. قال ابن تيمية: "هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيثما ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (١) وأن طريقة المتأخرين منهم هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات ... فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، والكذب عليهم" (٢). قال الأصبهاني: "السنة هي: اتباع الأثر والحديث، والسلامة التسليم والإيمان بصفات الله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، بجميع ما ورد من الأحاديث في الصفات - ثم ذكر أمثلة من الآيات والأحاديث - ثم قال: كل ذلك بلا كيف ولا تأويل، نؤمن بها إيمان أهل السلامة والتسليم، ولا نتفكر في كيفيتها، وساحة التسليم لأهل السنة والسلامة واسعة بحمد الله ومنِّه، وطلب السلامة في معرفة صفات الله أوجب وأولى وأقمن وأحرى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) فليس كمثله شيء: ينفي كل تشبيه وتمثيل. وهو السميع البصير: ينفي كل تعطيل وتأويل، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، فمن فارق مذهبهم فارق السنة ومن اقتدى بهم وافق

стр. 422

السنة" (١). فمذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (٢). والأقوال عن السلف كثيرة تبين إثباتهم للصفات، وإيمانهم بها، وعدم التفويض إلَّا للكيفية، وسيتضح هذا أكثر في التفصيل في الصفات إن شاء الله تعالى. المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات: القرطبي والمازري على منهج المتكلمين في ردهم لصفات الله تعالى بالشبه العقلية الباطلة التي يدل على بطلانها الكتاب والسنة والعقل السليم. وهم في صرفهم لظواهر النصوص يظنون أن هذا من باب تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه؛ لأنهم زعموا أن ظواهر النصوص الواردة في صفات الله تعالى الذاتية كالقدم واليد ونحوها، أو الفعلية يوهم التشبيه، فلابد من صرفها عن ظاهرها بالتأويل، أو التفويض، والتفويض - عندهم - أن يعلم أن ظاهرها غير مراد، ويفوض معرفة المراد بها بعد ذلك (٣).

стр. 423

وقولهم هذا لأنهم لم يفهموا من نصوص الصفات إلَّا ما هو من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين فجعلوا للظاهر المتبادر إلى الذهن معنى باطلًا فوقعوا في التشبيه والتعطيل. ولذا قال ناظمهم: وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أوفوض ورم تنزيها (١) قال الشيخ الشنقيطي: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا يُنكرُ ذلك إلَّا مكابرة، والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا" (٢). لأن مجرد الاتفاق في المسميات لا يقتضي التشبيه إنما التشبيه عند السلف أن يقال: يد كيد أو وجه كوجه ونحو ذلك. قال إسحاق بن راهوية (٣): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد

стр. 424

أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال ﵎ في كتابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) " (٢). قال نعيم بن حماد (٣): "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا" (٤). وبسبب هذا التنزيه المزعوم عن مشابهة الله تعالى لخلقه، وقع القرطبي والمازري في نفي جميع صفات الله تعالى عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة. وخالفوا المنهج السلفي الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام في القرون المفضلة ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا. فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين. لكن هؤلاء جعلوا مجرد إثبات الصفات لله تعالى الواردة في الكتاب والسنة يعتبر تشبيهًا له سبحانه بخلقه. ولذا رموا السلف المثبتين لهذه الصفات بصفات منفرة كقولهم: المجسمة أو المشبهة أو الحشوية كما سبق بيانه.

стр. 425

وقد سلك المتكلمون هذا المنهج الباطل نظرًا لتحكيمهم العقول القاصرة في النصوص الشرعية، وتقديم العقل على النقل، وزعمهم أن إثبات هذه الصفات يناقض العقل فاعتقدوا أن إثبات الصفات الذاتية كاليد والقدم ونحوها يقتضي التجسيم والتركيب بحيث يكون الله تعالى جسمًا مجسمًا ذا أعضاء وجوارح. وأن إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه أو نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي إثبات الجهة لله تعالى والتحيز وأنه محصور محدود. وأن إثبات هذه الصفات وغيرها من الصفات الفعلية لله تعالى يلزم منه حلول الحوادث بالله تعالى، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من الترهات التي هي من آثار تحكيم العقول وتقديمها على النصوص الشرعية فلبسوا على من لا يعرف مصطلحاتهم، وهي في الحقيقة أوهام وشبهات منعتهم من قبول الحق، ووقعوا بسببها في تحريف نصوص الكتاب والسنة. وسأورد بعض النقولات من كتابي "المفهم" و"المعلم" تبين سلوك القرطبي والمازري لهذا المسلك والتزامهما بهذا المنهج، والأمر يتضح أكثر عند التفصيل في الصفات حيث يكون الرد المفصل من خلالها. وسأتبع هذه النقولات بالتفصيل في هذه الشبه التي انقدحت في عقولهم مع الرد عليها من كلام السلف. ومن الشبه التي وقع فيها القرطبي ﵀ ما ذهب إليه من أن العقل والنقل يؤيدان ما ذهب إليه في التأويل حيث قال: "العقل والنقل يردان مذهب المجسمة، أما العقل: فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه
следующие страницы →