← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والسلف- ﵏ أرادوا إمرارها دون تكييف لا كما يفهم هؤلاء. قال ابن تيمية: "هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيثما ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (١) وأن طريقة المتأخرين منهم هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات ... فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، والكذب عليهم" (٢). قال الأصبهاني: "السنة هي: اتباع الأثر والحديث، والسلامة التسليم والإيمان بصفات الله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، بجميع ما ورد من الأحاديث في الصفات - ثم ذكر أمثلة من الآيات والأحاديث - ثم قال: كل ذلك بلا كيف ولا تأويل، نؤمن بها إيمان أهل السلامة والتسليم، ولا نتفكر في كيفيتها، وساحة التسليم لأهل السنة والسلامة واسعة بحمد الله ومنِّه، وطلب السلامة في معرفة صفات الله أوجب وأولى وأقمن وأحرى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) فليس كمثله شيء: ينفي كل تشبيه وتمثيل. وهو السميع البصير: ينفي كل تعطيل وتأويل، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، فمن فارق مذهبهم فارق السنة ومن اقتدى بهم وافق

стр. 422

السنة" (١). فمذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (٢). والأقوال عن السلف كثيرة تبين إثباتهم للصفات، وإيمانهم بها، وعدم التفويض إلَّا للكيفية، وسيتضح هذا أكثر في التفصيل في الصفات إن شاء الله تعالى. المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات: القرطبي والمازري على منهج المتكلمين في ردهم لصفات الله تعالى بالشبه العقلية الباطلة التي يدل على بطلانها الكتاب والسنة والعقل السليم. وهم في صرفهم لظواهر النصوص يظنون أن هذا من باب تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه؛ لأنهم زعموا أن ظواهر النصوص الواردة في صفات الله تعالى الذاتية كالقدم واليد ونحوها، أو الفعلية يوهم التشبيه، فلابد من صرفها عن ظاهرها بالتأويل، أو التفويض، والتفويض - عندهم - أن يعلم أن ظاهرها غير مراد، ويفوض معرفة المراد بها بعد ذلك (٣).

стр. 423

وقولهم هذا لأنهم لم يفهموا من نصوص الصفات إلَّا ما هو من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين فجعلوا للظاهر المتبادر إلى الذهن معنى باطلًا فوقعوا في التشبيه والتعطيل. ولذا قال ناظمهم: وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أوفوض ورم تنزيها (١) قال الشيخ الشنقيطي: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا يُنكرُ ذلك إلَّا مكابرة، والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا" (٢). لأن مجرد الاتفاق في المسميات لا يقتضي التشبيه إنما التشبيه عند السلف أن يقال: يد كيد أو وجه كوجه ونحو ذلك. قال إسحاق بن راهوية (٣): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد

стр. 424

أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال ﵎ في كتابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) " (٢). قال نعيم بن حماد (٣): "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا" (٤). وبسبب هذا التنزيه المزعوم عن مشابهة الله تعالى لخلقه، وقع القرطبي والمازري في نفي جميع صفات الله تعالى عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة. وخالفوا المنهج السلفي الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام في القرون المفضلة ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا. فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين. لكن هؤلاء جعلوا مجرد إثبات الصفات لله تعالى الواردة في الكتاب والسنة يعتبر تشبيهًا له سبحانه بخلقه. ولذا رموا السلف المثبتين لهذه الصفات بصفات منفرة كقولهم: المجسمة أو المشبهة أو الحشوية كما سبق بيانه.

стр. 425

وقد سلك المتكلمون هذا المنهج الباطل نظرًا لتحكيمهم العقول القاصرة في النصوص الشرعية، وتقديم العقل على النقل، وزعمهم أن إثبات هذه الصفات يناقض العقل فاعتقدوا أن إثبات الصفات الذاتية كاليد والقدم ونحوها يقتضي التجسيم والتركيب بحيث يكون الله تعالى جسمًا مجسمًا ذا أعضاء وجوارح. وأن إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه أو نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي إثبات الجهة لله تعالى والتحيز وأنه محصور محدود. وأن إثبات هذه الصفات وغيرها من الصفات الفعلية لله تعالى يلزم منه حلول الحوادث بالله تعالى، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من الترهات التي هي من آثار تحكيم العقول وتقديمها على النصوص الشرعية فلبسوا على من لا يعرف مصطلحاتهم، وهي في الحقيقة أوهام وشبهات منعتهم من قبول الحق، ووقعوا بسببها في تحريف نصوص الكتاب والسنة. وسأورد بعض النقولات من كتابي "المفهم" و"المعلم" تبين سلوك القرطبي والمازري لهذا المسلك والتزامهما بهذا المنهج، والأمر يتضح أكثر عند التفصيل في الصفات حيث يكون الرد المفصل من خلالها. وسأتبع هذه النقولات بالتفصيل في هذه الشبه التي انقدحت في عقولهم مع الرد عليها من كلام السلف. ومن الشبه التي وقع فيها القرطبي ﵀ ما ذهب إليه من أن العقل والنقل يؤيدان ما ذهب إليه في التأويل حيث قال: "العقل والنقل يردان مذهب المجسمة، أما العقل: فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه

стр. 426

ما يجوز عليهما، ويلزم تغيره وحدثه. وأما النقل: فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) ولو كان جسمًا أوعرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له" (٢). "فإن الأجسام من حيث هي متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء (٣). وقال: "والله منزه عن الجسمية ولوازمها" (٤). ثم قال: "وقد شهد العقل والنقل أن الله منزه عن مماثلة الأجسام وعن الجوارح المركبة" (٥). وقال في نفي علو الله تعالى واستوائه على عرشه: "الباري منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات" (٦). وقال أيضًا: "الله منزه عن الفوقية كما هو منزه عن التحتية إذ كل ذلك من لوازم الأجرام وخصائص الأجسام" (٧). وقال أيضًا: "الباري يستحيل أن يحيط به حجاب، إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا فيحتاج إلى مقدر ومخصص، ويلزم منه

стр. 427

حدوثه" (١). وقال: "كل موجود ممكن محدث، وهو لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث" (٢). وقال في نفي استواء الله على عرشه بالشبه العقلية: "ومما يعلم استحالته كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله مستقر عليه كاستقرار الأجسام، إذ لو كان مجمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله (٣)، وذلك ينافي وصف الإلهية إذ أخص أوصاف الإله الاستغناء المطلق" (٤). وقال المازري: "الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور" (٥) إلى غير ذلك من الشبه العقلية التي جعلوها حجة لصرف النصوص عن المراد بها، وللقدح في مذهب السلف الصالح في الإثبات وأهل السنة لا يوافقونهم على هذه الألفاظ، ولا يجعلون الطعن عليهم فيها سببًا لعدم قولهم الحق، أو التردد فيه. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). ١ - التركيب: ادَّعى الأشاعرة ومن على منهجهم أن إثبات الصفات الخبرية

стр. 428

الذاتية لله تعالى كصفة الوجه واليد ونحوها يؤدي إلى أن يكون الله مركبًا، وما كان كذلك، فهو مستلزم للحاجة والافتقار، وهذا بناءً على قياسهم الخالق على المخلوق، وبهذا وقعوا في التشبيه والتعطيل (١). ويقال في الرد عليهم: هذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي لبسوا بها على الناس فلابد من الاستفصال عن معناه، فيقال لهم: ماذا تريدون بلفظ المركب؟ إن أردتم به ما ركبه غيره كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (٢) أو ما كان متفرقًا فاجتمع، كأجزاء الطعام والثوب وغيره، أو ما يقبل التفريق والانقسام. فمن ادعى أن اتصاف الله بالصفات يؤدي إلى هذا المعنى الباطل فقد كذب وافترى، أما إن قصدتم ما تميز به شيء عن شيء كالعلم عن القدرة، أو ما ركب من الذات وصفاتها، فهذا حق، لكن تسمية هذا تركيبًا اصطلاحٌ باطل، فما من موجود إلَّا ويعلم منه شيء دون شيء، والجسم الذي له صفات لا يعرف في اللغة إطلاق كونه مركبًا، فإن التفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها (٣)، فحجتهم صارت مبنية على مثل هذه الألفاظ المجملة، والتزام الألفاظ الشرعية مع الاستفصال عن الإجمال الواقع في المصطلحات الحادثة هو منهج السلف، وهو المنهج الحق. ثم هم يثبتون أن الله عالمٌ قادرٌ مريدٌ، فإن كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية لزم الافتقار الذي ادعوه.

стр. 429

ثم لا يسلم لهم أن هناك تركيبًا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجوده إلَّا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضًا يتميز بعضها عن بعض، أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة. أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبًا فليس مستلزمًا للإمكان، ولا للحدوث، ولا للافتقار، وذلك أنه علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرًا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين فهو سبحانه غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، إنما هو بنفسه، لم يزل ولا يزال حقًّا صمدًا قيومًا، فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (١). ثم لا يتصورُ عاقل في حق الله تعالى خالق المفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء أن يكون اتصافه بالصفات التي وصف بها نفسه يؤدي إلى التركيب! كالإنسان المركب من الأجزاء التي يحتاج بعضها إلى بعض، إن هذا قياس باطل عقلًا وشرعًا، وهو بهتان ومكابرة للعقل الذي يدل على إثبات إله واحد لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يتصور عقلًا أن يكون هذا الرب الواحد لا صفة له ولا وجه ولا يدين، ولا هو فوق خلقه فدعوى أن هذا يؤدي إلى التركيب دعوى باطلة، وكذب صريح على العقل والوحي (٢). ٢ - الجسم: لفظ الجسم من الألفاظ المبتدعة التي لم تأت في الكتاب ولا السنة، ولا تكلم بها أحدٌ من الصحابة أو التابعين.

стр. 430

"فلما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في الجسم، وفي إدخال لفظ الجسم في أصول الدين، وفي التوحيد، وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة، فصار الناس في لفظ الجسم على ثلاثة أقوال: طائفة تقول إنه جسم، وطائفة تقول ليس بجسم، وطائفة تمسك عن إطلاقه نفيًّا أو إثباتًا، وهذا لكونه بدعة في الشرع، أو لكونه في العقل يتناول حقًّا وباطلًا، فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك، ومنهم من يستفصل المتكلم، فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحًا قبله، وعبَّر عنه بعبارة شرعية، ولا يعبر عنها بعبارة مبتدعة في الشرع، وإن ذكر معنى باطلًا ردَّه، وذلك أن لفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعانيه المصطلح عليها، وفي المعنى مصطلحات عقلية فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحاتهم وحسب اعتقاداتهم" (١). "فيقال لمن أطلقه: ما أردت بالجسم؟ فإن قال: أردت الجسم الذي معناه في لغة العرب البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فهذا المعنى منفي عن الله تعالى عقلًا وسمعًا" (٢). "وإن قال: أردت بالجسم ما كان مركبًا من الجواهر الفردة أو المادة والصورة، وأن هذا يقتضي أن يكون تجسيمًا والأجسام متماثلة. قيل له: أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة، وفي أنها مركبة، فلا يقولون: إن الهواء مثل الماء، ولا أبدان الحيوان مثل الحديد والجبال، فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون جسمًا مماثلًا لخلقه إذا أثبتوا له ما ورد في صحيح المنقول من صفاته تعالى" (٣).

стр. 431

وإن قال: أردت بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه تعالى بتسميتك للموصوف بها جسمًا، كما أننا لا نسُبُّ الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا نرد خبر الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية! ! ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك جسمًا مشبهًا! ! فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذًا لمجسم وإن كان تشبيهًا ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم وإن كان تنزيهًا جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم (١) وإن أردت بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية، فقد أشار أعرف الخلق بأصبعه رافعًا إلى السماء بمشهد الجمع العظيم مستشهدًا له لا للقبلة. وإن أردت بالجسم ما يقال: أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به بأين منبهًا على علوه على عرشه، وسمع السؤال بأين وأجاب عنه، ولم يقل هذا السؤال إنما يكون للجسم. وإن أردت بالجسم ما يلحقه من وإلى، فقد نزل جبريل ﵇ من عنده، وعرج برسوله ﷺ إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب وعبده المسيح رفع إليه.

стр. 432

وإن أردت بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر، فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى، وبيديه وسمعه وبصره، وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه (١). ٣ - حلول الحوادث والأعراض: لقد نفى القرطبي والمازري - تبعًا للأشاعرة - صفات الله تعالى الفعلية بحجة أن إثباتها يؤدي إلى حلول الحوادث بالله تعالى، وقالوا: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (٢). قال شارح الطحاوية: "حلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في الكتاب ولا في السنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه لا يحلُّ في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أُريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل. وأهل الكلام يطلقون نفي حلول الحوادث فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهذا غير لازم له" (٣). وقال شيخ الإسلام في رد هذه الشبهة: "لفظ الأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من أن هذه الأعراض

стр. 433

والحوادث هي الأمراض والآفات كما يقال: فلان عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثًا عظيمًا ... ويقال: فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض فهذه من النقائص التي ينزه الله عنها" (١). ثم بيَّن أنه إن أريد بنفي الأعراض والحوادث نفي صفات الله تعالى التي أثبتها سبحانه لنفسه، فإن هذا غير صحيح فجعل هذه الصفات أعراضًا وأحداثًا اصطلاح أحدثه علماء الكلام، والعلماء باللغة وبكتاب الله لا يفقهون من هذه الألفاظ هذا المعنى الذي اصطلحوا عليه ونفوا به صفات كماله وجلاله (٢). ولا يلزم من إثبات الصفات الاختيارية لله تعالى كالخلق والإحياء والغضب والرضا ونحو ذلك، مما وصف الله به نفسه حلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن الله سبحانه عندما يخلق أو يتكلم أو يغضب أو يرضى لا يكون الكلام قد حدث له بعد أن كان ممتنعًا عليه؛ لأنه سبحانه لم يزل متصفًا بصفات الكمال. فحدوث الكلام والخلق والتصوير في وقت دون وقت "غير ممتنع ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام ولو كان غير متكلم لآفةٍ كالصغر والخرس ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفةٍ يسمى متكلمًا بالقوة بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلمًا بالفعل وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل ولا يخرج عن كونه كاتبًا في حال عدم مباشرته للكتابة" (٣).

стр. 434

٤ - الجهة والتحيز: وقد توصلوا بهذين اللفظين إلى نفي علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا (١). فيقال لهم: لفظ الجهة من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًّا وباطلًا، فيقال لمن أطلقه: ماذا تقصد بلفظ "الجهة" الذي تنفيه عن الله تعالى؟ فإن أردت بذلك نفي السفل أو نفي أن يكون الله تعالى في داخل المخلوقات تحيط به فهذا المعنى صحيح، ولكن إطلاق لفظ جهة لا يوافق عليه؛ لأنه لم يرد في كتاب ولا سنة فلا يجوز إطلاقه، وإلَّا فمن المعلوم أن الله تعالى عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، ليس في داخل المخلوقات ولا تحيط به عن ذلك فهو مباين لخلقه غير مختلط بهم. وأما إن أردت بنفي الجهة نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، فهذا باطل مخالف للعقل والنقل؛ لأن هذه الصفات لله تعالى ثابتة بالأدلة القاطعة، فلا يكون هذا اللفظ الحادث سببًا في نفي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال" (٢). وأمَّا التحيز فيقال: إن أردتم به أن الله تعالى يحوزه شيء فالله تعالى منزه عن هذا، إذ ما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، وقد علم بصريح العقل أن الله لا يحل في خلقه، ولا يحله شيء من خلقه، فإذا كان كذلك واستحال أن يوصف بجهة السفل - كما يوافق الأشعرية على ذلك - لم يبق إلَّا أن

стр. 435

يوصف بالعلو. وأما التحيز العدمي -فهذا قد يطلقونه- كما هو الشأن في العالم، فقد يقولون إن العالم متحيز -أي ليس داخلًا في عالم آخر- وعليه فإن الحيز هنا أمر عدمي، والعدم ليس بشيء، فإذا كان كذلك، فإن الله تعالى بهذا الاعتبار منحاز عن خلقه" (١). ولكن يجب إطلاق كلمة العلو والاستواء لا هذا اللفظ الذي لم يرد في الكتاب أو السنة، إنما أرادوا بإطلاقه نفي ما ثبت لله من علوه على خلقه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سمائه الدنيا تعالى الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وقولهم هذا بدعوى تنزيه الله تعالى أوقعهم بضد هذا التنزيه الذي ادعوه إذ هذا التنزيه المزعوم جعلهم يقولون: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فجمعوا بهذا بين النقيضين إذ يستحيل أن يكون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، وما ثم إلَّا الخالق والمخلوق، والمخلوق هو العالم، فإذا قيل ليس داخل العالم لزم أن يكون خارجه (٢). ويلزم من قولهم هذا تشبيه الله تعالى بالممتنعات والمعدومات؛ لأنها يصدق عليها: لا داخل العالم ولا خارجه، فيكونون قد فروا من شيء توهموه شرًّا، إلى ما هو أشرُّ منه (٣). ٥ - الحد: الحد من الألفاظ المحدثة المحتملة للحق والباطل، ولذا نقل عن السلف إثباته ونفيه.

стр. 436

قيل لعبد الله بن المبارك: كيف تعرف الله ؟ قال: على العرش بحد (١). وورد إثبات هذا اللفظ عن الدارمي وغيره (٢)، وقد أنكره بعض السلف ولم يروا إطلاقه، وجاء عن الإمام أحمد إثبات الحد ونفيه (٣). والصحيح أنه لا تعارض بين القولين، إذ النافي نفى المعاني الباطلة، والمثبت قصد إثبات ما تنفيه المعطلة، والرد على الجهمية القائلين بالحلول. قال شيخ الإسلام: "ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه إن الخالق لا يتميز عن الخلق فيجحدون صفاته التي تميز بها، ويجحدون قدره .. فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون. ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد" (٤). وقال عن الروايتين الواردتين عن الإمام أحمد: "حيث نفاه نفى تحديد الحادِّ له، وعلمه بحده، وحيث أثبته أثبته في نفسه، ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود، صنفة أو قدرًا، أو مجموعهما، ويقال على العلم والقول الدال على المحدود" (٥).

стр. 437

فيكون الحد في كلام السلف على ثلاثة معان: ١ - ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، وعلى هذا نقول إن الله تعالى غير حالٍّ في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلًا، فإنه ليس وراء نفيه إلَّا نفي وجود الرب، ونفي حقيقته (١). ٢ - ويطلق على معنى الكيفية، ويدل عليه قول الإمام أحمد: "ولا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة" (٢). فالله تعالى بهذا المعنى له حد، لكن لا يجوز لأحد أن يحده؛ لأنه غير معلوم، فلصفات الله كيفية، لكنها غير معلومة لنا، كما قال الإمام الدارمي: "والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره .. ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله" (٣). ٣ - ويطلق على معنى حكاية غاية ونهاية تنتهي إليها صفات الله تعالى، فهذا ممنوع لأن صفات الله تعالى كقدرته وإرادته لا تحد بغاية، ويدل على ذلك قول الإمام أحمد "سميع بصير بلا حد ولا تقدير" (٤). ٦ - لفظ الأعضاء والأركان والجوارح: احتج نفاة صفات الله تعالى الذاتية، كاليد والوجه والقدم، وغيرها، بأن إثباتها لله تعالى يلزم منه إثبات الأعضاء والجوارح لله تعالى (٥).

стр. 438

ولا شك أن هذا زعمٌ باطلٌ، وقولٌ مردودٌ، إذ جاء إثبات هذه الصفات في الكتاب والسنة، فلا ندعها لقول هؤلاء، ولذا فأهل السنة يقولون عن هذا الزعم: لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء أو جوارح، أو أدوات أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى" (١). المطلب الرابع: رمي السلف بالتشبيه والتجسيم: إن متابعة القرطبي والمازري للمتكلمين في قواعدهم التي أحدثوها لنفي صفات الله جعلتهم يرمون أهل السنة بألقاب ذميمة هم منها براء، وذلك كتسميتهم بالحشوية، والمجسمة، إذ كل من أثبت الصفات لله سبحانه كما جاءت بها النصوص رموه بهذه الألقاب والأوصاف للتنفير منه. وتسميتهم بالحشوية أرادوا أنهم من حشو الناس وسقطهم، فلا يعتد بكلامهم، أو لإثباتهم العلو والاستواء، وهذا بزعمهم يؤدي إلى أن يكون الله تعالى في السماء مظروفًا محشوًا تعالى الله عن ذلك. قال ابن القيم: ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن حشوية يعنون حشوًا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان

стр. 439

لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبًّ لذي البهتان كم ذا مشبهة وكم حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن (١) فأولى أن يتصف هؤلاء المتكلمون بالحشو؛ لأنهم حشوا الأوراق وسودوها بزبالات عقولهم، وأفسدوها بالبدع، والضلالات المخالفة للقرآن والسنة (٢). وسموهم بالمجسمة؛ لأنهم أثبتوا الصفات التي نفاها المتكلمون بعقولهم التي قدموها على نصوص الوحي، وأهل السنة أثبتوها لله تعالى من غير تشبيه له بخلقه. قال ابن القيم: كم ذا مشبهة مجسمة نوا ... بتة مسبة جاهل فتان أسماء سميتم بها أهل الحـ ... ـديث وناصري القرآن والإيمان ما ذنبهم والله إلَّا أنهم ... أخذوا بوحي الله والفرقان وأبوا يدينوا بالذي دنتم به ... من هذه الآراء والهذيان (٣) وعند شرح القرطبي لقوله ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم" (٤) قال: يعني يتبعونه ويجمعونه طلبًا للتشكيك في القرآن، وإضلالًا للعوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن. أو طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى

стр. 440

اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين ويد وجنب (١) ورجل وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي ﷺ عن

стр. 441

سلوك طريقهم، فأما القسم الأول: فلا شك في تكفيرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قتلوا، كما يفعل بمن ارتد" (١). وعند شرحه للحديث الذي فيه إثبات القدم لله تعالى قال: "قد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا أن لله تعالى رِجْلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه: جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة ومن العقل أقل مسكة" (٢). وعند شرحه لقوله ﷺ : "إذا قاتل أحدكلم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" (٣). قال: "قد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل العميم، وقد بيَّنا جهلهم وحقَّقنا كفرهم، فيما تقدم" (٤). وقال عند حديثه عن فتنة الدجال: "وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به

стр. 442

ليميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بامتثال تلك الطوام أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم حتى يوردهم ذلك نار الجحيم" (١). وقال أيضًا: "الغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة" (٢). وقال المازري بعد ذكره لعدة تأويلات لصرف ما ثبت في الحديث الصحيح من إثبات القدم لله تعالى: "وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى الله عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع على استحالة ذلك عليه جل وعلا وهذا واضح فتأمله" (٣). ولا شك أن رميهم أهل السنة بهذه الألقاب من التعدي والظلم الذي لا يرضاه الله تعالى إضافة إلى إلزامهم لمن يثبت هذه الصفات لله تعالى كما وردت بالتشبيه وأهل السنة من هذا براء (٤). قال الإمام الدارمي في رده على المريسي: "وكيف استجزت أن تسمى أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة مشبهة إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كتابه بالأسماء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف" (٥).

стр. 443

المطلب الخامس: منهجهما في سائر صفات الله تعالى: صفة العلم: العلم صفة ذاتية لازمة لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢). وقال ﷺ : "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب" (٣). والأدميون وإن كانوا يوصفون بالعلم، فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان (٤). وعلم الله ليس كعلم المخلوقين، تعالى الله سبحانه عن مشابهة خلقه، وقد أثبت الأشاعرة هذه الصفة مع باقي الصفات السبع التي أثبتوها مع مخالفة لأهل السنة في إثباتها (٥)، وتابعهم القرطبي على ذلك، حيث قال عند تعريفه للإيمان بالله تعالى: "الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات" (٦).

стр. 444

وقال عن علم الله تعالى: "الله عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون" (١). وقال أيضًا: "الله تعالى علم مقادير الأشياء وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته" (٢). صفة القدرة: صفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ (٤). وقال ﷺ : "أعوذ بعزة الله وقدرته من شرما أجد وأحاذر" (٥)، وقال ﷺ في حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر" (٦). والقرطبي أثبت هذه الصفة متابعة للأشاعرة؛ لأنها من الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة، وقد سبق نقل إثبات القرطبي لهذه الصفات، وذلك في صفة العلم. وقد بين حكم من أنكر هذه الصفة فقال: اختلف في تكفير من

стр. 445

اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا؟ ولا يختلف المسلمون أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالمًا به، وقادرًا على إعادته كافر حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول ﷺ قطعًا" (١). صفة الإرادة: صفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٢)، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ (٣). وقال ﷺ : "إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم" (٤). والقرطبي قد أثبت هذه الصفة تبعًا للأشاعرة، بل إن الأشاعرة صرفوا كثيرًا من صفات الله تعالى إلى هذه الصفة، فقالوا عن محبة الله: إنها إرادة إكرام من يحب، وعن غضبه تعالى: إرادة الانتقام، وهكذا. وقد سبق في صفة العلم والقدرة نقل النصوص عن القرطبي في إثبات هذه الصفة، وفي تكفير من قال: إن الله مريد بلا إرادة. وقد أنكر القرطبي والمازري تسمية إرادة الله تعالى عزمًا، حيث قال القرطبي: "عزم الله لي. أي: خلق فيَّ قصدًا مؤكدًا، وهو العزم، لا

стр. 446

أن إرادة الله تسمى عزمًا لعدم الإذن في ذلك" (١). وقال المازري عند قول مسلم "عزم الله لي": "لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله لي عليه لأن إرادة الله سبحانه لا تسمى عزمًا ولعله أراد سهل لي سبيل العزم، أو خلق في قدرة عليه" (٢). وقد جاء هذا اللفظ في قول أم سلمة ﵂ في صحيح مسلم قالت: " .. فلما توفي أبوسلمة قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ ، ثم عزم الله لي فقلتها (٣). قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ " (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. والثاني: الجواز وهو أصح فقد قرأ جماعة من السلف ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٥) بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: "ثم عزم الله لي"، وكذلك في خطبة مسلم: "فعزم لي" (٦). والعزم في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 447

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) (٢). ولكن مع إثبات الأشاعرة للصفات السبع، فهم لا يتفقون في إثباتهم مع أهل السنة، وذلك أنهم قالوا بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي: نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث، ووجدوا أن إثبات هذه الصفات - عدا الحياة - يلزم منه حلول الحوادث بالله؛ لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى إليهم، وصلة هذه بالله تعالى يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن علم الله بالشيء بعد وجودهِ ليس هو نفس علمه بعد وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلّا صار جهلًا، وهكذا بقية الصفات، فحاولوا حل هذه المعضلة - بزعمهم - بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلًا وأبدًا، وقالوا: إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط، ولا شك أن هذا من مخالفة العقل والنقل؛ لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعًا مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه" (٣). وقد رد عليهم شيخ الإسلام بتخبطهم هذا بكلام يطول ذكره (٤).

стр. 448

صفة الكلام: صفة الكلام من أكثر الصفات التي وقع فيها النزاع والجدل، وابتلي بسببها عدد من أئمة الإسلام إذ ثبتوا على الحق فيها، وما حادوا عن الصواب، فواجهوا بسبب ذلك ما كان سببًا في رفع درجاتهم، وإعلاء مكانتهم، واختلف الناس في هذه الصفة على أقوال، منها: - ما ذهب إليه المعتزلة والجهمية من أن معنى كون الله تعالى متكلمًا أنه خلق الكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به (١). - وأما الكلابية والأشاعرة، فأثبتوا صفة الكلام لله ، وأن كلامه قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، فإن عبَّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبَّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا (٢). فجعلوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وليست فعلية؛ لأن الله تعالى - بزعمهم - ليس له فعل قائم به، وإنما فعله مفعوله، والمفعول منفصل عنه، وكلام الله ليس منفصلًا عنه (٣). - وأمَّا أهل السنة، فأثبتوا صفة الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وفعلية، بمعنى أنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته وقدرته (٤).

стр. 449

الكلام النفسي: القرطبي وافق الأشاعرة في قولهم في صفة الكلام، وأنه كلام نفسي ليس بحرف ولا صوت. فعند حديث أسامة بن زيد ﵄ الذي قال فيه: "بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلَّا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : [قال: لا إله إلَّا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" (١). قال القرطبي: "قوله: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ، أي: أقالها بقلبه، وتكلم بها مع نفسه، ففيه دليل لأهل السنة على أن حديث النفس كلام وقول، فهو رد على من أنكر ذلك من المعتزلة وأهل البدع" (٢). قلت: هذا ليس قولًا لأهل السنة، بل للأشاعرة المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة، وليس في هذا دليل لهم بل عليهم؛ لأن هذا الرجل تكلم بهذه الكلمة، ونطق بها بلسانه، فالمنكر والمسؤول عنه هل اعتقد بقلبه معناها أم أن هذا القول على سبيل الكذب والتمويه، خوفًا من السلاح؟ . قال شيخ الإسلام: "مما لا نزاع فيه أن القول والحديث ونحوهما مع التقييد يضاف إلى النفس والقلب، كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به

стр. 450

أو تعمل" (١) لكن النزاع في شيئين: أحدهما: أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس أو قلب أو نحو ذلك هل هو اسم لمجرد المعنى أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف؟ والذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، وقيل: بل مسماه هو اللفظ، والمعنى ليس جزءًا من مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين للسنة وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام عليه مجازٌ؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن تبعه" (٢). وقال أيضًا: "إذا قيد القول بالنفس كانت دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل" (٣). وهذا ردٌّ عليهم مطلقًا لأنه قال: "ما لم تتكلم" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق (٤). أما قول العربي: "كان في نفسي كلام" ونحو ذلك، فلا يُخالفُ في صحته لكن ليس على مراد الأشعرية، إنما على مراد أهل السنة من كون لفظ "الكلام" إذا جاء مقيَّدًا كان التقييد قرينة دالة على إخراجه من إطلاقه حيث قد تُراد به المعاني أو الألفاظ بالقرائن، فلما قيَّده العربي ههُنَا

стр. 451

بالنفس أخرجه من مطلق الكلام فكيف تحتج الأشاعرة بما هو مجاز على قواعدهم لتقرير ما هو الحقيقة؟ وذلك أنهم يقولون: ما تصرفه القرائن عن حقيقته إنما هو مجاز (١). فأهل السنة يرون أن إثبات الكلام النفسي هو إضافة نقص إلى الله تعالى إذ أن الأخرس له خواطر يريد أن يتكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله منزَّه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصًا في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقض، بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بصفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته متى شاء وكيف شاء" (٢). ثم نعلم جميعًا أن المتكلم بالألفاظ والمعاني أكمل ممن يقوم المعنى في نفسه، وهو لا يقدر على التعبير عنه وهذا إن وجد في المخلوق الضعيف كان نقصًا بيِّنًا فكيف تصفون الله بأن كلامه هو المعنى الذي يكون في نفسه، وأن الله يفهمه من شاء من خلقه، كما أفهمه جبريل، وجبريل يكون - على قولكم هذا - أكمل من الله؛ لأنه فهم المعنى، وأمكنه التعبير عنه، تعالى الله عن قولكم علوًّا كبيرًا، بل أي فرق بين الله وبين الآلهة التي لا ترجع إلى عابديها قولًا؟ " (٣). "فالذين قالوا بهذا القول لم يتصوروا ماهيته وعجزوا عن بيانه بتعريف منضبط" (٤) قال شيخ الإسلام: "الكلام النفساني الذي أثبتُّموه لم تثبتوا ما هو؟

стр. 452

بل ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلَّاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام، فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه" (١). قولهم كلام الله ليس بحرف ولا صوت: ذهب الأشاعرة إلى القول بأن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، وقالوا: إذا كان المتكلما ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج وكلامه ليس بحرف ولا صوت (٢). قال القرطبي: "لا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) " (٤). وعند شرحه لقوله ﵇ في بيان كيف يأتيه الوحي:

стр. 453

"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ ... " (١). قال: "والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإن كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت كما هو مبرهن عليه في موضعه فإن أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يسمع بحاسة الأذن فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن الله بصوت فصحيح" (٢). سئل شيخ الإسلام عن كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت، أم لا؟ فقال: الصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام، ليس هو الحرف فقط، ولا المعنى فقط ... وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح" (٣). وقد نصَّ أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف

стр. 454

وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبريل ولا غيره" (١). فقول الأشاعرة هذا ليس عليه دليل سوى زعمهم أن إثبات الصفة يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه؛ لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين. وأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله تعالى من غير تشبيه له بخلقه، ويبطلون زعم الأشاعرة أن إثبات الصوت يلزم منه إثبات المخارج وغير ذلك من اللوازم الباطلة التي نطقوا بها. وقد ردَّ عليهم الإمام أحمد في هذه المسألة فقال: "أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلَّا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (٢) وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (٣) أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان" (٥). فهذه النصوص تدل على أن المتكلم ليس من شرطه أن يكون ذا مخارج فبطل ما زعموا. أما قول القرطبي لو كان سمع موسى كلام الله تعالى بحرف وصوت لم تكن له خصوصية إذ قد سمعه بحرف وصوت جميع الناس ثم استدل

стр. 455

بالآية على ما سبق ذكره. فيقال: "موسى ﵇ وحده هو الذي سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، والخطأ في عدم التفريق بين كلام الله تعالى وبين الأصوات المسموعة من القراء كما هو فهم الأشاعرة حيث حسبوا أهل السنة بإثباتهم لكلام الله تعالى بصوت يقولون: إن أصوات التالين هي صفة كلام الله وأهل السنة يقولون: أن أصوات القراء بالقرآن من أفعالهم وهي مضافة إليهم، وأفعالهم مخلوقة فأصوات القراء ليست صفة لكلام الله. ولكن الصوت الذي هو صفة لكلام الله تعالى هو الذي سمعه موسى ﵇ حين ناداه ربه وكلَّمه وسمعه جبريل ﵇ حين يوحي إليه بالوحي ويسمعه العباد يوم القيامة" (١). قال شيخ الإسلام: "كثير من الخائضين في هذه المسألة لا يفرق بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا أو يثبتهما جميعًا، والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة، وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، فالعباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. وقد قال ﷺ : "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" (٢) فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) وهو سبحانه نادى

стр. 456

موسى بصوت سمعه موسى، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٢)، ففرق بين إيحائه للنبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (٤) فقد فرَّق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب، كما كلم الله موسى، فمن سوَّى بين هذا وهذا كان ضالًّا" (٥). وخاتمة المطاف أن نعلم أن السلف يثبتون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وأن صوته سبحانه لا يشبه أصوات خلقه كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم ومن قال بغير هذا فقد ضل سواء السبيل. صفتا السمع والبصر: السمع والبصر صفتان ذاتيتان ثابتتان لله بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك إلَّا شواذ من المنحرفة كالجهمية وبعض المعتزلة (٦). قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا

стр. 457

بَصِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). وأخرج أبو داود في سننه عن أبي يونس مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، (٣) قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهَامَهُ على أذُنِهِ والتي تليها على عينه قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤُها ويضعُ إصبعيه قال ابن يونس: قال المقري: يعني أن الله سميع بصير: يعني أن لله سمعًا وبصرًا" (٤). قال أبو داود - بعد ذكره للحديث -: "وهذا ردٌّ على الجهمية". وقال البيهقي: "أراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب، لأنه محل العلم، ولم يرد بذلك الجارحة (٥) فإن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين" (٦). قال الحافظ ابن كثير- ﵀: "فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول،

стр. 458

والكلام، والرضى، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك، وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله ورسوله ﷺ من غير إضافة ولا زيادة عليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب، وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك" (١). قال القرطبي في إثبات صفتي السمع والبصر: "نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات" (٢). والأشاعرة وإن وافقوا أهل السنة في إثبات السمع والبصر، إلَّا أنهم يخالفونهم في قولهم إنه يسمع المسموعات ويبصر المبصرات بسمع واحد قديم، وأنه لا يتجدد له سمع ولا بصر عند حدوث المسموعات والمبصرات، وإنما يتجدد التعلق، وهذا قولهم في جميع الصفات التي يثبتونها (٣)، وذلك بناءً على أصلهم في امتناع قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث كما زعموا، وهذا أصل فاسد التزموا لأجله بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى، كالاستواء والنزول والفرح والضحك وغيرها. قال ابن تيمية ﵀: "قد دلَّ الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده

стр. 459

سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (١) أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام - بينها وبين الرسول ﵇ فالله تعالى إذا خلق العباد وعملوا وقالوا: فإما أن نقول إنه يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم، وإما لا يرى ولا يسمع فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن، وهما صفتا كمال لا نقص فيه" (٢). "فأهل السنة والجماعة يثبتون لله سمعًا وبصرًا أزليين يسمع ويبصر بهما كل مسموع وكل مبصر عند حدوثه وهذا هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ويقبله العقل السليم" (٣). صفة العلو: علو الله تعالى من أعظم صفاته التي تضافرت على إثباتها الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. إلَّا أن آثار علم الكلام الذي شوَّه صفاء العقيدة وغير سلامة الفطرة جعل بعض من ركب علم الكلام وخاض في هذه الأوهام ينكر علو الله تعالى، ويصرف ما جاء في ذلك من النصوص إلى علو القهر أو الشأن. وهذا ما ذهب إليه القرطبي والمازري تبعًا لمتأخري الأشاعرة في نفيهم لعلو الله تعالى. ولا شك أن الكتاب والسنة والعقل والفطرة يشهد بضد ما ذهبوا إليه وما قالوا به. ويتبين هذا من تكلفهم في تأويل النصوص وحيرتهم من كثرة الأدلة.

стр. 460

ومن أصرح الأدلة وأوضحها في إثبات علو الله تعالى حديث الجارية، إلَّا أن القرطبي ﵀ تكلَّف في تأويله وأجهد نفسه في ذلك، ويتضح هذا من خلال كلامه عليه حيث قال: "قوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " (١) هذا السؤال من النبي ﷺ تنزل مع الجارية على قدر فهمها إذ أراد أن يُظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض و"أين" ظرف يسأل به عن المكان ... وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلًا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتصف بالحوادث حادث، ولما صدق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي ﷺ إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم فأراد النبي ﷺ أن يتعرف منها هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك، وإذ نزهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك أنها رأت المسلمين يرمقون
следующие страницы →