← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

موسى بصوت سمعه موسى، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٢)، ففرق بين إيحائه للنبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (٤) فقد فرَّق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب، كما كلم الله موسى، فمن سوَّى بين هذا وهذا كان ضالًّا" (٥). وخاتمة المطاف أن نعلم أن السلف يثبتون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وأن صوته سبحانه لا يشبه أصوات خلقه كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم ومن قال بغير هذا فقد ضل سواء السبيل. صفتا السمع والبصر: السمع والبصر صفتان ذاتيتان ثابتتان لله بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك إلَّا شواذ من المنحرفة كالجهمية وبعض المعتزلة (٦). قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا

стр. 457

بَصِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). وأخرج أبو داود في سننه عن أبي يونس مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، (٣) قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهَامَهُ على أذُنِهِ والتي تليها على عينه قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤُها ويضعُ إصبعيه قال ابن يونس: قال المقري: يعني أن الله سميع بصير: يعني أن لله سمعًا وبصرًا" (٤). قال أبو داود - بعد ذكره للحديث -: "وهذا ردٌّ على الجهمية". وقال البيهقي: "أراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب، لأنه محل العلم، ولم يرد بذلك الجارحة (٥) فإن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين" (٦). قال الحافظ ابن كثير- ﵀: "فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول،

стр. 458

والكلام، والرضى، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك، وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله ورسوله ﷺ من غير إضافة ولا زيادة عليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب، وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك" (١). قال القرطبي في إثبات صفتي السمع والبصر: "نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات" (٢). والأشاعرة وإن وافقوا أهل السنة في إثبات السمع والبصر، إلَّا أنهم يخالفونهم في قولهم إنه يسمع المسموعات ويبصر المبصرات بسمع واحد قديم، وأنه لا يتجدد له سمع ولا بصر عند حدوث المسموعات والمبصرات، وإنما يتجدد التعلق، وهذا قولهم في جميع الصفات التي يثبتونها (٣)، وذلك بناءً على أصلهم في امتناع قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث كما زعموا، وهذا أصل فاسد التزموا لأجله بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى، كالاستواء والنزول والفرح والضحك وغيرها. قال ابن تيمية ﵀: "قد دلَّ الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده

стр. 459

سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (١) أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام - بينها وبين الرسول ﵇ فالله تعالى إذا خلق العباد وعملوا وقالوا: فإما أن نقول إنه يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم، وإما لا يرى ولا يسمع فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن، وهما صفتا كمال لا نقص فيه" (٢). "فأهل السنة والجماعة يثبتون لله سمعًا وبصرًا أزليين يسمع ويبصر بهما كل مسموع وكل مبصر عند حدوثه وهذا هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ويقبله العقل السليم" (٣). صفة العلو: علو الله تعالى من أعظم صفاته التي تضافرت على إثباتها الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. إلَّا أن آثار علم الكلام الذي شوَّه صفاء العقيدة وغير سلامة الفطرة جعل بعض من ركب علم الكلام وخاض في هذه الأوهام ينكر علو الله تعالى، ويصرف ما جاء في ذلك من النصوص إلى علو القهر أو الشأن. وهذا ما ذهب إليه القرطبي والمازري تبعًا لمتأخري الأشاعرة في نفيهم لعلو الله تعالى. ولا شك أن الكتاب والسنة والعقل والفطرة يشهد بضد ما ذهبوا إليه وما قالوا به. ويتبين هذا من تكلفهم في تأويل النصوص وحيرتهم من كثرة الأدلة.

стр. 460

ومن أصرح الأدلة وأوضحها في إثبات علو الله تعالى حديث الجارية، إلَّا أن القرطبي ﵀ تكلَّف في تأويله وأجهد نفسه في ذلك، ويتضح هذا من خلال كلامه عليه حيث قال: "قوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " (١) هذا السؤال من النبي ﷺ تنزل مع الجارية على قدر فهمها إذ أراد أن يُظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض و"أين" ظرف يسأل به عن المكان ... وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلًا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتصف بالحوادث حادث، ولما صدق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي ﷺ إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم فأراد النبي ﷺ أن يتعرف منها هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك، وإذ نزهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك أنها رأت المسلمين يرمقون

стр. 461

أبصارهم وأيديهم إلى السماء عند الدعاء فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها، إذ لو قيل لها في تلك الحال: الله يستحيل عليه المكان والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المحض والتعطيل، إذ ليس كل عقل يقبل هذا ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونور قلوبهم بنور معرفته، وأمدهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام وتكلّ منهم الأفهام، وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي ﷺ سألها بـ "أين" عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى، وعظمته التي بها باين كل من نسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرى؟ ! والبصر من العمى؟ ! أي: بعد ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة، وعلى هذا يكون قولها "في السماء" أي في غاية العلو والرفعة، وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا وهذا كما قال: وإن بني عوفٍ كما قد علمتم ... مناط الثُّريَّا قد تعالت نجُومها (١) أقول هذا والله ورسوله أعلم والتسليم أسلم. تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبةً محدِّثِهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونُظَّارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) ليست على ظاهرها وأنها متأولة عند جميعهم أما من قال منهم بالجهة فتلك الجهة عنده جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السموات كما جاء في الأحاديث فلابد أن يتأول كونه في السماء، وقد تأولوا تأويلات وأشبه ما فيه: أن في:

стр. 462

بمعنى: على كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي: على جذوع النخل ويكون العلو بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر وإجلال الله تعالى عنه وأولى الفرق بالتأويل، وقد حصل من هذا الأصل المحقق: أن قول الجارية "في السماء" ليس على ظاهره باتفاق المسلمين فيتعين أن يعتقد فيه أنه مُعرَّضٌ لتأويل المتأولين وأن من حمله على ظاهره فهو ضالٌّ من الضِّالين" (٢). ومع صراحة هذا الحديث وسؤال الرسول ﷺ للجارية بأين، إلَّا أن القرطبي أنكر جواز ذلك، فقال: "الله يحكم ما يشاء ... فلا يتوجه في فعله لم وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين" (٣). وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وسكت عنه، وتعقبه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقال: "الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه في جهة العلو، وأنه فوق العرش، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بأين كما جاء في صحيح مسلم" (٤). وكذا المازري نفى علو الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث فقال: "إنما أراد النبي ﷺ أن يتطلب دليلًا على أنها موحدة فخاطبها بما تفهم به قصده، إذ من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء، وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام والعجم من النيران، فأراد ﷺ الكشف عن معتقدها: هل هي من جملة من

стр. 463

آمن؟ فأشارت إلى السماء وهي الجهة المقصودة عند الموحدين، كما ذكرنا، وقيل: إنما وجه السؤال بـ "أين" ههنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري وعظمته وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدل استقبال الكعبة على أن الله جلَّت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها" (١). فالقرطبي والمازري نفيا علو الله تعالى، وهو في الحديث نصٌّ صريح لا يقبل التأويل، والعجب من كلام القرطبي هذا؛ إذ مضمونه: أن إجابة الجارية: باطل وضلال، وكيف يرضى الرسول ﷺ بإقرارها على هذا الباطل هي ومن حضر أو نقل له هذا الحديث إلى قيام الساعة، وهو ﵊ الذي بُعث لدفع الباطل وإقرار الحق ونشره وتصحيح تصورات العباد في ربهم تعالى. مع ما كان عليه ﷺ من إنكار المنكر وعدم التواني في ذلك، ولذا عد العلماء إقراره ﷺ وسكوته من التشريع، ولكن الذي دفع القرطبي لهذا القول - المخالف للقواعد والأصول والذي يُعرَفُ ضلاله ببداهة العقول - التزامه بالقواعد الفاسدة التي رتبها المتكلمون لنفي صفات الله تعالى كما صرح بذلك في كثير من المواضع، ثم قوله هنا مخالف لما قرره عند رده على المتكلمين في قولهم بأن أول واجب على العبد النظر، حيث بين فساد قولهم ولازمه تكفير عامة المسلمين؛ لأنهم ليس عندهم أهلية النظر التي قصرها المتكلمون على أصحاب العقل والفهم. وهذا ما وقع فيه هنا إذ بين أن قول الجارية ضلال وأن الحق بضده، ولكن تقصر عامة العقول

стр. 464

والأفهام عن معرفته فلا يقبله أو يفهمه كل عقل بل هو مقصور على العلماء دون أكثر الخلق. وهذا كقول المتكلمين في مسألة أول واجب على المكلف، إذ معنى قوله هذا أن عامة الخلق على ضلال في اعتقادهم بالله تعالى، وأن الرسول ﷺ أقرهم على هذا الضلال - حاشاه ﷺ من ذلك -. وأمَّا قوله: إن إثبات هذا يقتضي مشابهة المخلوقات، وأن الله تعالى لو كان قابلًا للمكان لكان مختصًا به ويحتاج إلى مخصص وأيضًا يقتضي وصف الله تعالى بالحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وغيرها من قواعد المتكلمين، فقد سبق الإجابة عليها بالتفصيل، فلتراجع. وأما قوله: "إن هذا من باب التوسع والمجاز" فهو باطل؛ إذ المجاز عندهم هو قسيم الحقيقة أي: بمعنى الشيء المقابل للحقيقة، والقول بالمجاز قول محدث، قد حدث بعد القرون المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وقد سبق الرد عليهم في قولهم بالمجاز. فجعل هذا من المجاز تأويل منافٍ لسياق الكلام والأدلة كثيرة وصريحة على علو الله تعالى وفوقيته. وأما تأويل هذا على أن المراد به علو الرتبة المعنوية (١)، فلا يسلم له؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى العلو بأقسامه الثلاثة: علو الشأن، وعلو القهر، وعلو الفوقية (علو الذات)، فيعتقدون أن الله تعالى في السماء فوق جميع المخلوقات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه،

стр. 465

عالٍ عليهم غير مختلط بهم. وألفاظ العلو لم تستعمل في القرآن عند الإطلاق، إلَّا في معنى علو الذات، وهذا المعنى مستلزم لمعاني العلو الأخرى" (١). وقد بسط العلماء ﵏ أدلة العلو في كتبهم فقد نقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر الإمام الشافعي أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك" (٢). وقد ذكر ابن القيم في "الصواعق المرسلة" ثلاثين دليلًا من أدلة العقل والفطرة على علو الله تعالى (٣). قال الإمام الدارمي: "فالله ﵎ فوق عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيء .. والآثار في ذلك عن رسول الله ﷺ كثيرة، والحجج متظاهرة والحمد لله على ذلك" (٤). وقال ابن قدامة: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله ﷺ خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من

стр. 466

ربهم ينطقون بذلك بألسنتهم" (١). وقال ابن تيمية: "فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص، وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء" (٢). فمن الأدلة على علو الله تعالى من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٤)، وقوله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٦)، والآيات في هذا كثيرة. ومن السنة حديث الجارية السابق، وقوله ﷺ : "ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء" (٧). ومنها حديث المعراج الطويل، وفيه تجاوز النبي ﷺ سماءً سماءً، حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقرَّبه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم

стр. 467

يزل يتردد بين موسى ﵇ وبين ربه ﵎ ينزل من عند ربه إلى موسى فيسأله كم فرض عليه، فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (١). فهذه النصوص وغيرها قد تضافرت مع دلالة العقل والفطرة (٢) على إثبات علو الله تعالى على خلقه. وأما قوله باتفاق المسلمين على أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء ليست على ظاهرها، فهذه الشبهة هي التي جعلتهم ينفون علو الله تعالى وفوقيته مع اعترافهم بأن جهة العلو أشرف من غيرها، وذلك أنهم تصوروا أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء، فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر (٣). فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي أوقعهم فيه سوء الفهم، فوقعوا في التعطيل. قال القرطبي: "مذهب أهل الحق والتحقيق أنهم يحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصورًا محدودًا ولو كان كذلك لكان محدثًا وعلى هذه القاعدة فقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) وقول الأمة للنبي ﷺ حين قال لها: "أين الله؟ " فقالت: "في السماء" ولم ينكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة

стр. 468

قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم لكن السلف ﵃ أجمعين - كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات ولا يتعرضون لها مع علمهم بأن الله تعالى يستحيل عليه سمات المحدثات ولوازم المخلوقات" (١). فالنصوص لا تدل على ما فهموا، بل تدل على ما يليق بالله تعالى، وقد ردَّ شيخ الإسلام هذه الشبهة، فقال: "من توهم كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب - إن نقله عن غيره - ضال - إن اعتقده في ربه - وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين، هل تفهمون من قول الله ورسوله: "إن الله في السماء" أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند الناس "أن الله في السماء" و"هو على العرش" واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبه له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) بمعنى "على" ونحو ذلك، وهذا كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا

стр. 469

مشتركة (١). ولهذه الشبهة التي انقدحت في أذهانهم ذهب القرطبي إلى نفي العلو وتأويل كل دليل يدل عليه. فعند شرحه لقوله ﷺ : "يُرفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عَمَلِ النهار، وعمل النهار قبلَ عملِ الليل" (٢) وهو من أدلة العلو. قال: "قوله: "يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل" يعني: أن الملائكة الموكلين بنا تحصى علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره لقرب الليل وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى "يُرفع إليه عملُ الليل بالنهار وعمل النهار بالليل" فجعل الباء مكان "قبل" وهذا الحديث كقوله "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (٣) والهاء في "إليه" عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف والمراد به: المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد، ولعله سدرة المنتهى، وهذا كما تقول: رفع المال إلى الملك أي: إلى خزائنه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٤) وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٥) أي: مقاماتهم في حضرته وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل، لئلا يتخيل الجاهل أنه مختص بجهة فوق، فيلزمه التجسيم، ويكفيك مما يدل على

стр. 470

نفي الجهة في حقه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) " (٢). وهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي لهذه النصوص باطلة؛ لأنها خروج بالنصوص عن حقيقتها إلى معانٍ فاسدة لا تحتملها من دون دليل، ولا صحيح تعليل، دفعه ذلك دعوى التنزيه وعدم الوقوع في التشبيه، وهي دعوى ساقطة، الأدلة بضدها وأهل السنة والجماعة أثبتوا علو الله تعالى بهذه الأدلة وبغيرها من النصوص الكثيرة التي يقف أمامها أهل التأويل في حيرة من كثرتها وصراحتها على ما ينفون. بل الفطرة دالة على علو الله تعالى على خلقه لأن الله ﵎ فطر الخلق كلهم، العرب والعجم، حتى البهائم على الإيمان به، وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة، إلَّا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يمينًا، ولا شمالًا، ولا ينصرف عن هذه الفطرة، إلَّا من اجتالته الشياطين والأهواء، ولهذا أخبر النبي ﷺ أن الجارية التي سألها "أين الله؟ " فقالت: في السماء، مؤمنة؛ لأنها لم تقل إلَّا الحق، وكان أبو المعالي يقول في مجلسه: كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه - يعرِّض بإنكار استواء الله على عرشه - فقال أبو جعفر الهمذاني (٣): دعنا من ذكر العرش - أي لأنه ثبت بالسمع - وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط: يا الله إلَّا وجده من قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة من قلوبنا فصرخ أبو المعالي ولطم رأسه وقال: حيَّرني

стр. 471

الهمذاني حيرني الهمذاني" (١). ولهذا كان ﷺ في خطبة حجة الوداع يرفع بإصبعه "السبابة" إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول: "اللهم اشهد اللهم اشهد" (٢) وكان ﷺ كثيرًا ما يرفع يديه عند الدعاء، فجعل العلماء هذا من الأدلة الفطرية الشرعية على علو الله تعالى، ولكن القرطبي أوَّلَ هذا كغيره من الأدلة حيث قال عند شرحه لحديث أبي بردة ﵁ الذي قال فيه: "ثم دعا رسول الله ﷺ بماءٍ فتوضأ منه ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" (٣). قال القرطبي: "قوله: ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" دليل على استحباب الرفع عند الدعاء، وقد فعل النبي ﷺ ذلك يوم بدر، وفي الاستسقاء، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يتخذ ذلك سنة راتبة على أصله في هذا الباب، أو مخافة أن يعتقد الجهال مكانًا لله تعالى، والذي يزيل هذا الوهم: أن يقال: لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها، بل السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة (٤). وقال عن الحديث الأول: هذه الإشارة منه ﷺ إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وإما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهة (٥).

стр. 472

وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بجواب مفصل اشتمل على أربعين وجهًا - وصلت إلينا في الجزء المطبوع من نقض التأسيس -. والحمد لله. وقد ركَّز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء إنما هو حجة أهل الإثبات من السلف والخلف، وإن من هؤلاء الأشعري، وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك فالمعترض إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه، والإشارة إلى الله في العلو باليد، والأصابع، أو العين، أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول ﷺ ، والنهي عن رفع البصر في الصلاة؛ لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس في الفوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل يكون بمنزلة خفضها. والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء؛ لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم. ودعوى أن السماء قبلة الدعاء كالكعبة قبلة للصلاة باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ ولذلك تحولت، القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلًا عن أنه باطل فإن العباد

стр. 473

مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو، ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلًا للسماء مستدبرًا للأرض، بل يكون مستقبلًا لبعض الجهات، إلى غيرها من الأوجه. فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة (١). فالحاصل أن الحق ما دلت عليه النصوص الكثيرة وشهد به العقل والفطرة وأجمع عليه سلف الأمة من أن الله تعالى له العلو المطلق من كل وجه علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات (٢). صفة العزة: صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٥). وقال ﷺ : "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذَّبته" (٦)، وكان من دعائه ﷺ : "اللهم إني أعوذ بعزتك" (٧) قال

стр. 474

الشيخ الغنيمان: "والعزة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعزته وقهر بها كل شيء، وكل عزة حصلت لخلقه فهي منه" (١). قال القرطبي في إثبات صفة العزة لله تعالى: "العزة: القوة والغلبة، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (٢) أي: غلبني ويقال أيضًا: عز الشيء إذا قلَّ، فلا يكاد يوجد مثله يعزُّ عزًّا وعزازة وعزَّ يعز عِزة إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلة، فعزة الله تعالى قهره للجبابرة وقوته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) " (٤). وقال في موضع آخر: "العز والعظمة والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصة به التي لا تنبغي لغيره، فمن تعاطى شيئًا منها أذله الله تعالى وصغَّره وحقَّره وأهلكه كما قد أظهر الله تعالى من سننه في المتكبرين السابقين واللاحقين" (٥). والعزة التي هي صفة من صفات الله تعالى تكون بمعنى الامتناع على من يرومه من أعدائه وتكون بمعنى القهر والغلبة، وتكون بمعنى القوة والصلابة، وهذه المعاني ثابتة لله تعالى، وقد أشار ابن القيم إلى هذه المعاني في نونيته فقال: وهو العزيز فلن يُرام جنابه ... أنّى يُرام جنابُ ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيءٌ هذه صفتان

стр. 475

وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان وهي التي كملت له سبحانه ... من كل وجه عادم النقصان (١) صفتا العظمة والكبرياء: صفتان ذاتيتان لله ، ثابتتان بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ (٣)، وجاء في حديث الشفاعة أنه يقول : "وعزتي وجلالي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلَّا الله" (٤)، وقال ﷺ : "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" (٥) وعند أبي داود بلفظ "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (٦). قال الأزهري: "من صفات الله : العلي العظيم ... وعظمة الله لا تكيف، ولا تحد، ولا تمثل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك بلا كيفية ولا تحديد" (٧). وقال الغنيمان: "من المعلوم أن الكبرياء من صفات الله تعالى، ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها ... ووصف الله تعالى بأن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه كسائر صفاته، تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها

стр. 476

على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل" (١). قال القرطبي في هاتين الصفتين: "الكبرياء والكبر: كلاهما مصدر: كبر في نفسه يكبر وأصله: من كبر السن، أو كبر الجرم، لكن صار ذلك بحكم عرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعًا لها على الغير، ومن ههنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا واجبًا في حق الله تعالى، وبيانه: أن الكمال الحقيقي المطلق لا يصح إلَّا لله تعالى، وكمال غيره إنما هو عرض نسبي، فإذا وصف الحق نفسه بالكبر ونسبه إليه كانت النسبة حقيقة في حقه، إذ لا أكمل منه ولا أرفع، فكل كامل ناقص، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، والعظمة بمعنى الكبرياء غير أنها لا تستدعي غيرًا يتعاظم عليه، كما يستدعيه الكبر كما بيَّنا، وأيضًا فقد يستعمل الكبير فيما لا يستعمل فيه العظيم فيقال: فلان كبير السن، ولا يقال: عظيم السن" (٢). وقال في موضع آخر: "الكبرياء والعظمة من أوصاف كمال الله تعالى، واجبان له، إذ ليست أوصاف كمال الله وجلاله مستفادة من غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيث لا يجوز عليه العدم ولا النقص، ولا يجوز عليه تعالى نقيض شيء من ذلك، فكماله وجلاله حقيقة له، بخلاف كمالنا فإنه مستفاد من الله تعالى، ويجوز عليه العدم وطروء النقيض والنقص، فإذا كان هذا فالتكبر والتعاظم خرق منا، ومستحيل في حقنا، ولذلك حرمهما الشرع وجعلهما من الكبائر" (٣). فالقرطبي هنا أثبت هاتين الصفتين لله تعالى كما يليق به سبحانه كما

стр. 477

جاء عن السلف. وصف الله تعالى بالصورة: ثبت وصف الله تعالى بالصورة في عدة أحاديث، منها ما جاء في الحديث الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه" (١). وفي الحديث الآخر، قال ﷺ : "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" (٢)، وقال ﷺ : "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" (٣)، فأثبت جمهور السلف بهذه الأحاديث وصف الله بالصورة، إلَّا أن بعض علماء السنة خالف في ذلك، منهم ابن خزيمة وابن منده (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث (٥) عائدٌ إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على

стр. 478

ذلك ... لكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة كأبي ثور (١)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني (٢)، وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (٣). وقد أنكر القرطبي والمازري وصف الله تعالى بالصورة، وذكرا تأويلات عديدة لهذه الأحاديث، وأطال المازري جدًّا عند حديثه عن هذه المسألة على غير عادته. قال القرطبي عند شرحه لحديث: "يأتيهم الله في صورته": "أما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، ولا يشبهه شيء من المصورات ... ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة، فمن المتداول أن يقال: صورة هذا الأمر كذا، أي: صفته" (٤). وعند شرحه لقوله ﷺ : "فإن الله خلق آدم على صورته" قال: "أي على صورة وجه المضروب ... وهذا هو ظاهر الحديث، ولا يكون في

стр. 479

الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيهًا، وإنما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في صورته على الله تعالى، وذلك ينبغي ألَّا يصار إليه شرعًا ولا عقلًا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصًّا قاطعًا، ومحال أن يكون ذلك، فإن النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب؛ لأنه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه، وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم والجهل الصميم، وقد بيَّنا جهلهم، وحقَّقنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا: أن الضمير عائدٌ على الله تعالى فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصوَّر لي فلان كذا، فتصورته. أي: وصفه لي ففهمته، وضبطتُ وصفه في نفسي وعلى هذا فيكون معنى قوله: "إن الله خلق آدم على صورته" أي: خلقه موصوفًا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات وخصه منه بما لم يخص به أحدًا من ملائكة الأرضين والسموات، وقد قلنا فيما تقدم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم" (١). وفي حديث: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" قال: "هذا الضمير عائدٌ على أقرب مذكور، وهو آدم، وهو أعمُّ، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا، إذ لم يخلقه صغيرًا فكبر، ولا ضعيفًا فقوي، بل خلقه رجلًا كاملًا سويًّا قويًّا، بخلاف سُنَّة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى

стр. 480

خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة والجن، والله تعالى أعلم، ولو سلَّمنا أن الضمير عائدٌ على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة" (١). وأما المازري فعند شرحه لقوله ﷺ : "إذا قاتل ... فإن الله خلق آدم على صورته" قال: هذا الحديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" (٢) ولا يثبت هذا عند أهل النقل، ولعلَّه نُقِلَ من راويه بالمعنى الذي توهمه، وظن أن الضمير عائدٌ على الله سبحانه، فأظهره، وقال: على صورة الرحمن. واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صورة، لا كالصور، وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والباري سبحانه ليس بمحدث، فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن الباري جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة يقولون: الباري سبحانه شيء لا كالأشياء طردوا هذا، فقالوا: جسم لا كالأجسام، وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور، وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصور، مع كون هذا الحديث يقتضي ظاهره عند خلق آدم على صورته، فقد صارت صورة الباري سبحانه على صورة آدم ﵇ على ظاهر هذا على أصله، فكيف يقول على صورة آدم، ويقول: إنها لا كالصور، هذا تناقض، ويقال له أيضًا: إن أردت بقولك صورة لا كالصور، أنه ليس بمؤلف ولا

стр. 481

مركب، فليس بصورة على الحقيقة، وأنت مثبت تسمية تفيد في اللغة معنى مستحيلًا عليه تعالى مع نفي ذلك المعنى، فلم تعط اللفظ حقه، ولم تجره على ظاهره، فإذا سلمت أنه ليس على ظاهره، فقد وافقت على افتقاره إلى التأويل، وهذا الذي نقول به، فإذا ثبت افتقاره إلى التأويل قلنا: اختلف الناس في تأويله، فمنهم: من أعاد الضمير إلى المضروب، وذكر أن في بعض طرق الحديث أنه سمع ﷺ يقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبهك، أو نحو هذا، فقال ﷺ ما قال، أما على هذه الرواية وهي شتم من أشبهه، فبيَّن وجه هذا التعليل؛ لأنه إذا شتم من أشبهه فكأنه شتم آدم وغيره من الأنبياء ﵈، وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه، وعورض هؤلاء بأن هذا يجعل الكلام غثًا لغوًا لا فائدة تحته، وردوا على هذا الاعتراض بأن فيه فائدة وهو الرد على الطبائعيين الذين يعتقدون أن تصوير آدم كان على بعض تأثيرات النجوم، أو على الدهريين بقولهم: ليس ثم إنسان أول، إنما الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، هكذا أبدًا إلى غير أول، أو على القدرية في قولهم: إن كثيرًا من أعراض آدم وصفاته خلق لآدم، ولكن لا يحسن مع ذكر سبب الحديث، وهو قوله: "إذا قاتل أحدكم أخاه ... " وقال آخرون: الضمير يعود إلى الله ويكون له وجهان: أحدهما أن يراد بالصورة الصفة، كما يقال: صورة فلان عند السلطان كذا، أي صفته، وذلك لصفات الكمال التي تميز بها آدم ﵇. والثاني: أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله، وقيل ناقة الله" (١).

стр. 482

فمن خلال هذه النقولات عن القرطبي والمازري في هذه الصفة تبين تأويلهم لها، وحرصهم على صرفها عن ظاهرها. فالقرطبي جعل إطلاق الصورة في حديث: "فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون" بمعنى الصفة. وأما في الحديثين الآخرَين وهو قوله: "إذا قاتل ... فإن الله خلق آدم على صورته"، وقوله: "خلق الله آدم على صورته ستون ذراعًا" فأعاد الضمير في الحديث الأول على المضروب، والضمير في الحديث الثاني إلى آدم نفسه. وبيَّن أنه لو سلم بعودة الضمير فيهما إلى الله فيكون معنى صورته أي: صفته، وأما المازري فقد رد حديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" ورد على ابن قتيبة في إثباته الصورة، وقوله: صورة لا كالصور. ثم بيَّن التأويلات في هذا الحديث، وهو قوله ﵇: "إذا قاتل .. فإن الله خلق آدم على صورته" فجعل الضمير إما يعود إلى المضروب، أو إلى آدم نفسه، وبيَّن أنه لو فرض عودته إلى الله تعالى لكان المقصود بالصورة، إما الصفة أو قصد بذلك التشريف. فيكون الرد هنا أولا على المازري في رده لحديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" وفي رده على ابن قتيبة ثم نتبع ذلك بالرد على هذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري بما يبطلها من كلام أهل السنة. أما رد المازري لحديث: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" فقد قال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام المازري السابق في الفتح: "وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة" ثم قال: "وعلى صحتها فيحمل على ما يليق بالباري ". قلت - أي: ابن حجر -: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في

стр. 483

"السنة" (١) والطبراني (٢) من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضًا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول (٣) قال: "من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" (٤). وأما رد المازري على ابن قتيبة، فذلك بناء على قواعد المتكلمين الفاسدة في جعل إثبات الصفات لله تعالى يستلزم التجسيم والتشبيه، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وقد سبق تفنيد هذه الشبه وإبطالها. وأنكر على ابن قتيبة قوله: صورة لا كالصور، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون الصفات بالنصوص الصحيحة من الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٥) فمع إيمانهم بالصفات الثابتة لله تعالى، فهم ينفون وينكرون تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو اتفقت المسميات، فكما أن ذاته ليست كذوات المخلوقين، فصورته سبحانه ليست كصور المخلوقين، وكذلك يقال في الوجه واليد والأصابع، وسائر صفات الله . فأهل السنة والجماعة يجمعون بين الإيمان بالنصوص، وتنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين.

стр. 484

وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هؤلاء الذين يزعمون أن إثبات هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" مع قولهم: صورة لا كالصور من باب التناقض، حيث قال: "فإن قيل بأن هذا تصريحٌ أن وجه الله يشبه وجه الإنسان فيقال: لا ريب أن كل موجودين لابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى من الآخر، وإلا إذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلًا ولا يشتركان فيه، لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية، وهذا الذي جاءت به السنة من ثبوت الشبه من بعض الوجوه، وقد أخبر به الرسول ﷺ فوجب قبوله والإيمان به، والله تعالى هو الذي خلق آدم على صورته، وهذا لا يناقض قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأن المماثلة منفية عن الله تعالى على كل حال، وهذا لا يمنع المشابهة من بعض الوجوه البعيدة، كالوجود والعلم والحياة ونحو ذلك، مع أن المحذور الذي فروا منه إلى تأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فإن كان مثل هذا لازمًا على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه مع أنه لا محذور فيه. والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين، فلابد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على الصفة المعنوية، فكون هذا عالمًا قادرًا، وهذا عالمًا قادرًا، وهذا ذاتًا لها صفات، وهذا ذاتًا لها صفات، لابد أن يثبت التشابه. فوجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل. كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم

стр. 485

بالشرع والعقل" (١). "وقد بيَّن أهل السنة أن إعادة الضمير في حديث "خلق الله آدم على صورته" على غير الله هو قول الجهمية، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه" (٢). قال شيخ الإسلام: "أما عود الضمير إلى غير الله فباطل من وجوه: - ما في الصحيحين ابتداءً "أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا" وفي أحاديث أخر: "إن الله خلق آدم على صورته" ولم يقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه، وما ذكر بعضهم: من أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب رجلًا، ويقول: قبَّح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال: "خلق الله آدم على صورته" أي صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث. - أن الحديث الآخر لفظه: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه. - أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير، فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله: "إذا قاتل أحدكم" و "إذا ضرب أحدكم" عامٌّ في كل مضروب، والله خلق آدم على صورهم جميعًا، فلا معنى لإفراد الضمير.

стр. 486

- أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على صورهم. - أنه لو أُريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ "خلق" على كذا، فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره. - أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، لو صح أن هذا علة منع الضرب لوجب هذا الحكم لسائر الأعضاء وهذا لا يقوله أحد. وأمَّا عود الضمير على آدم ففاسد؛ لأنه كون آدم خلق على صورة آدم ليس له معنى، وليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه، ولا عن تقبيحها، كذلك الله خلق سائر أعضاء آدم غلى صورة آدم، فيكون هذا مانعًا من ضرب سائر الأعضاء، وهذا معلوم الفساد. أما تأويلهم الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة، ولم يتكون في مدة طويلة، فلو كانت هذه العلة هي المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه، كونه خلق على هذا الوجه، وهذه العلة منتفية في بنيه، فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة إذ هم لم يخلقوا على صورهم التي هم عليها إضافة إلى أن هذا القول لا دليل عليه، وليس في هذه الأحاديث ما يدل عليه بحال من الأحوال" (١). وقد أطال شيخ الإسلام في رد هذه التأويلات بما يبطلها فاكتفينا بنقل بعضه مختصرًا خشية الإطالة. أما قولهم: إن المراد بالصورة: الصفة فهو فاسد؛ لأن الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ: "صَوَرَ" يدل على ذلك، وما من

стр. 487

موجود من الموجودات إلَّا وله صورة في الخارج. أما الصفة فهي: مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا ثم يسمون المفعول باسم المصدر صفة. فتفسير الصورة بمجرد الصفة التي تقوم بالأعيان كالعلم والقدرة فاسد؛ لأن قول القائل: صورة فلان لا يقصد مجرد الصفات القائمة به من العلم والقدرة وغيرها، بل هذا من الجناية على اللغة وأهلها. وإذا دلَّ لفظ الصورة على صفة قائمة بالموصوف أو بالذهن واللسان فلابد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية، كما يمكن أن يقال لمن يقول بهذا: المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن يصحح قول القائل: إن الله خلق آدم على صورة الله، أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك بطل قولك. وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا الإطلاق جاز أن يقال: إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته، بل خلق كل حي على صورته، إذ ما من شيء من الأشياء إلَّا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة، كالوجود والقيام بالنفس وحمل الصفات، فعلى هذا يصح أن يقال في كل جسم وجوهر: إن الله خلقه على صورته، فبطل هذا التأويل على التقديرين (١). وأما القول بأن هذا من إضافة التشريف كناقة الله، وبيت الله، فقد رد شيخ الإسلام هذا القول فقال: "إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، فالأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله تعالى فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وعلى هذا فالصورة قائمة

стр. 488

بالموصوف بها المضافة إليه، فصورة الله كوجه الله، ويد الله وعلم الله، ويمتنع أن تقوم بغيره، كما أنه لابد أن يكون في العين المضافة إلى الله تعالى معنى يختص بها تستحق به الإضافة، وأما الصور المخلوقة، فهي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه، فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله تعالى؟ وأيضًا فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله تعالى خلق ذلك جميعه فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار" (١). وبهذا يعرف أن الحق هو ما عليه جماهير أهل السنة والجماعة في إئبات وصف الله تعالى بالصورة كما جاء في هذه الأحاديث. ويتبين بطلان قول من وصف من أثبت الصورة بالتجسيم، والحكم عليهم بالكفر لأجل هذا الاعتقاد الذي وافقوا فيه النصوص. وهذا موقف المؤولة والنفاة من أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات، ولو تصوروا أن هذا الوصف الذي ألصقوه والحكم الذي أطلقوه يشمل: الصحابة والتابعين وسلف الأمة من عباد الله الصالحين الذين كانوا على هذا الاعتقاد لخاف على نفسه ورجع عن قوله. قال ابن قتيبة ﵀: "لذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (٢). وهذا هو الحق والصواب الذي عليه الأدلة واضحة من الكتاب والسنة.

стр. 489

صفة الوجه: صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣)، وقال ﷺ : "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٤). وعندما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (٥) قال ﷺ : "أعوذ بوجهك" (٦) فالوجه صفة ثابتة لله أثبتها أهل السنة والجماعة للنصوص الكثيرة المتواترة من الكتاب والسنة في إثباتها وأثبتوها على ما يليق به . والقرطبي مع تأويله لهذه الصفة وصرفها عن ظاهرها في عدة مواضع إلَّا أنه في بعض المواضع تردد بين التأويل والتفويض حيث قال عند شرحه للحديث الأول: سبحات وجه ربنا: جلاله والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه ضمير "وجهه" وكذلك ضمير "خلقه" ... وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، وأبعدوا، لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على

стр. 490

المخلوق، فإنه يحيل مساق الكلام ويخل بالمعنى، والأشبه ما ذكرناه أو التوقف كما قال السلف: "اقرؤوها كما جاءت" يعنون المشكلات (١). وقال في موضع آخر: "لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم وعوده عليهم يقتضي أن يمن عليهم بأن يريهم وجهه إبلاغًا في الإنعام، وإكمالًا للامتنان، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدس أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة؟ في ذلك لأئمتنا قولان" (٢). وقال عند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣) أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم وجهه الكريم أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين" (٤). وعند قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥) قال: "أي جهة الله يعني القبلة وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته كما قال في الحديث "فإن الرحمة تواجهه" (٦) وقال الفراء: العمل كما قال الشاعر:

стр. 491

أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصيه ... رب العباد إليه الوجه العملُ (١) وفي قوله نظر فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد أي: إليه القصد والعمل ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا والله أعلم" (٢). وقال المازري في شرحه للحديث الأول الذي سبق: الضمير الذي في "وجهه" يعود على المخلوق لا على الخالق إذ الحجاب بمعنى الستر إنما يكون على الأجسام المحدودة والباري جلَّت قدرته، ليس بجسم ولا محدود والحجاب في اللغة: المنع ومنه سمى المانع من الأمير: حاجبًا لمنعه الناس عنه ومنه الحاجب في الوجه؛ لأنه يمنع الأذى عن العين ... وأما تفسير السبحات، فقال الهروي: سبحات وجهه: نور وجهه تعالى في كتاب العين: سبحة من نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا ليعلم قول أهل اللغة في هذه اللفظة لا على اتباعهم فيما يرجع الضمير إليه وإطلاق اللفظ الذي قالوه" (٣). ويتضح أن ماورد عن القرطبي والمازري مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون هذه الصفة كما جاءت من غير تشبيه، وأما ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤) فقد ذهب كثير من علماء السنة إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، بل المراد بها قبلة الله، وقد بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: المراد بالوجه هنا القبلة فإن "الوجه" هو الجهة في لغة العرب، يقال:

стр. 492

قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو: الجهة وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١) أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة، وهو الذي ذكر في الآيتين: إنا نوليه: نستقبله، والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: أينما تولوا، وأين من الظروف، وتولوا: أي تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (٢) فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله، ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي: قبلة الله، ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه، كما جاء في الحديث: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه" (٣) ويقول أن لآية دلَّت على المعنيين" (٤). هذا بالنسبة لهذا الدليل، وأما ما سواه من الأدلة فهي نصٌّ في إثبات هذه الصفات، والسلف بإجماعهم على الاستدلال بها، قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق،

стр. 493

والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين" (١). ومما يدل على إبطال مذهب التأويل في هذه الصفة، قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٢) فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: "ذو" ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: "ذو الجلال" علمنا أنه نعت للوجه، وأن الوجه صفة للذات (٣). وقال الدارمي في رده على المريسي: "لو كان وجه الله قبلته، أو الأعمال التي يبتغى بها وجهه أفيجوز أن يقال للقبلة والأعمال ذو الجلال والإكرام؟ فقد علم المؤمنون من خلق الله أنه لا يقدس وجه بذي الجلال والإكرام غير وجه الله. ثم قوله في الحديث: "أحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" أفيستقيم: أن يتأول هذا أنه أحرقت سبحات وجهه الأعمال الصالحة، ووجه القبلة كل شيء أدركه بصره؟ ما يشك مسلم في استحالة هذا، ثم قوله ﷺ : "أعوذ بوجهك" وقوله: "أسألك لذة النظر إلى وجهك" (٤). أفيجوز أن يتأول هذا: أعوذ بثوابك والأعمال التي يبتغى بها

стр. 494

وجهك، وبوجه القبلة؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجه شيء غير وجه الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن تقول: لذة النظر إلى قبلتك، وإلى الأعمال التي ابتغى بها وجهك - وبعد ذكر النصوص في صفة الوجه والرد على جميع التأويلات فيها - قال: وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل، ما اشتغلنا كل هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام" (١). فإثبات الوجه لله تعالى واجب على الحقيقة بما يليق به . هذا هو المذهب السلفي الواضح النقي. صفة اليد: لقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بإثبات اليد لله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وقال تعالي: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤). وجاء في السنة أحاديث كثيرة، منها: قوله ﷺ : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (٥) وفي حديث الشفاعة وفيه: "فيأتونه فيقولون: ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه" (٦).

стр. 495

وأهل السنة والجماعة أثبتوا أن لله يدين تليقان به من غير تشبيه بخلقه، تعالى الله عن ذلك. قال الإمام ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله" ثم سرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: "باب: ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات يد الله موافقًا لما تلونا من تنزيل ربنا لا مخالفًا، قد نزه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلَّا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه" (١). وذكر أبو الحسن الأشعري أن من جملة ما عليه أهل الحق والسنة: أن لله يدين بلا كيف (٢). ورد على أهل البدع في تأويلها (٣). وقال اللالكائي: "سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله : الوجه والعين واليدين" (٤) ثم سرد بعد ذلك الأدلة على ثبوت هذه الصفات (٥). وقد كانت هذه الصفة من أكثر ما تعرض له القرطبي في "المفهم"، والمازري في "المعلم" ولكنهما صرفا النصوص عن ظاهرها، والتزما بتأويل جميع النصوص الواردة في ذلك في تكلف ظاهر.
следующие страницы →