← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصيه ... رب العباد إليه الوجه العملُ (١) وفي قوله نظر فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد أي: إليه القصد والعمل ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا والله أعلم" (٢). وقال المازري في شرحه للحديث الأول الذي سبق: الضمير الذي في "وجهه" يعود على المخلوق لا على الخالق إذ الحجاب بمعنى الستر إنما يكون على الأجسام المحدودة والباري جلَّت قدرته، ليس بجسم ولا محدود والحجاب في اللغة: المنع ومنه سمى المانع من الأمير: حاجبًا لمنعه الناس عنه ومنه الحاجب في الوجه؛ لأنه يمنع الأذى عن العين ... وأما تفسير السبحات، فقال الهروي: سبحات وجهه: نور وجهه تعالى في كتاب العين: سبحة من نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا ليعلم قول أهل اللغة في هذه اللفظة لا على اتباعهم فيما يرجع الضمير إليه وإطلاق اللفظ الذي قالوه" (٣). ويتضح أن ماورد عن القرطبي والمازري مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون هذه الصفة كما جاءت من غير تشبيه، وأما ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤) فقد ذهب كثير من علماء السنة إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، بل المراد بها قبلة الله، وقد بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: المراد بالوجه هنا القبلة فإن "الوجه" هو الجهة في لغة العرب، يقال:

стр. 492

قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة، وهذا كثير مشهور، فالوجه هو: الجهة وهو الوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١) أي: متوليها، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة، وهو الذي ذكر في الآيتين: إنا نوليه: نستقبله، والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: أينما تولوا، وأين من الظروف، وتولوا: أي تستقبلوا، فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وهي الجهات كلها، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (٢) فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف، كأنه قال: جهة الله وقبلة الله، ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي: قبلة الله، ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه، كما جاء في الحديث: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه" (٣) ويقول أن لآية دلَّت على المعنيين" (٤). هذا بالنسبة لهذا الدليل، وأما ما سواه من الأدلة فهي نصٌّ في إثبات هذه الصفات، والسلف بإجماعهم على الاستدلال بها، قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق،

стр. 493

والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزَّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلَّ ربنا عن مقالة المعطلين" (١). ومما يدل على إبطال مذهب التأويل في هذه الصفة، قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٢) فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: "ذو" ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: "ذو الجلال" علمنا أنه نعت للوجه، وأن الوجه صفة للذات (٣). وقال الدارمي في رده على المريسي: "لو كان وجه الله قبلته، أو الأعمال التي يبتغى بها وجهه أفيجوز أن يقال للقبلة والأعمال ذو الجلال والإكرام؟ فقد علم المؤمنون من خلق الله أنه لا يقدس وجه بذي الجلال والإكرام غير وجه الله. ثم قوله في الحديث: "أحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" أفيستقيم: أن يتأول هذا أنه أحرقت سبحات وجهه الأعمال الصالحة، ووجه القبلة كل شيء أدركه بصره؟ ما يشك مسلم في استحالة هذا، ثم قوله ﷺ : "أعوذ بوجهك" وقوله: "أسألك لذة النظر إلى وجهك" (٤). أفيجوز أن يتأول هذا: أعوذ بثوابك والأعمال التي يبتغى بها

стр. 494

وجهك، وبوجه القبلة؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجه شيء غير وجه الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن تقول: لذة النظر إلى قبلتك، وإلى الأعمال التي ابتغى بها وجهك - وبعد ذكر النصوص في صفة الوجه والرد على جميع التأويلات فيها - قال: وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل، ما اشتغلنا كل هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام" (١). فإثبات الوجه لله تعالى واجب على الحقيقة بما يليق به . هذا هو المذهب السلفي الواضح النقي. صفة اليد: لقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بإثبات اليد لله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وقال تعالي: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤). وجاء في السنة أحاديث كثيرة، منها: قوله ﷺ : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (٥) وفي حديث الشفاعة وفيه: "فيأتونه فيقولون: ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه" (٦).

стр. 495

وأهل السنة والجماعة أثبتوا أن لله يدين تليقان به من غير تشبيه بخلقه، تعالى الله عن ذلك. قال الإمام ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله" ثم سرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: "باب: ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات يد الله موافقًا لما تلونا من تنزيل ربنا لا مخالفًا، قد نزه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلَّا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه" (١). وذكر أبو الحسن الأشعري أن من جملة ما عليه أهل الحق والسنة: أن لله يدين بلا كيف (٢). ورد على أهل البدع في تأويلها (٣). وقال اللالكائي: "سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله : الوجه والعين واليدين" (٤) ثم سرد بعد ذلك الأدلة على ثبوت هذه الصفات (٥). وقد كانت هذه الصفة من أكثر ما تعرض له القرطبي في "المفهم"، والمازري في "المعلم" ولكنهما صرفا النصوص عن ظاهرها، والتزما بتأويل جميع النصوص الواردة في ذلك في تكلف ظاهر.

стр. 496

ففي شرح القرطبي لحديث الشفاعة قال: "اعلم أن الله تعالى منزه عن يد الجارحة، واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملها على القدرة، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قَلَبَهُ فيها وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرفه بالإضافة إليه كما قال "بيتي" وقد قدمنا أن التسليم في المشكلات أسلم" (١). وقال عند قوله ﷺ : "وكلتا يديه يمين" (٢): "يفهم من إضافة اليدين إليه تعالى قدرته على المخلوقات" (٣). وعند شرحه لقوله ﷺ : "إن الله يبسط يده بالليل ... " (٤) قال: "هذا الحديث أُجري مجرى المثل الذي يفهم منه دوام قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة" (٥). وقال المازري في قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦): "أي: نعمتاه على تأويل اليد ههنا على النعمة، ونعم الله لا تحصى، فالتثنية للتأكيد لا حقيقية" (٧). وقال في شرحه لقوله ﷺ : "إن الله يبسط يده ... ": "المراد بهذا: القبول على التائب؛ لأنه قد جرت العادة أن الإنسان إذا نُوول ما يقبله

стр. 497

بسط يده إليه، وإذا نوول ما يكره قبض يده فخاطب العرب من حيث تعلم، وذكر أمثالًا محسوسة ليؤكد معنى ما يريده في النفس وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله سبحانه والقبض والبسط من صفات الأجسام، واليد قد تطلق في اللغة على النعمة، وهذا المعنى المشهور في اللسان يقارب ما قلناه؛ لأن ما يفعله سبحانه من قبول توبة عباده من أحد نعمه عليهم وكذلك ما يفعله من النعم بالتائبين، وأما إثبات اليدين لله سبحانه من غير أن تكون يدي جارحة بل صفتين من الصفات قديمة أزلية فأثبتها أبو بكر القاضي ابن الطيب وغيره من أئمتنا لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) فأثبت اليدين ههُنا صفتين قديمتين؛ لأن صرف اليد ههُنَا عنده إلى النعمة لا يليق بهذا الموضع؛ لأن النعمة مخلوقة، ولا يخلق مخلوق بمخلوق، وصرفها إلى القدرة يمنع منه التثنية، والقدرة واحدة بلا خلاف، وأبو المعالي مال إلى نفي ذلك وحمل القرآن على التجوز وأن المراد أن الله خلق آدم بغير واسطة بخلاف غيره من بنيه، فكنَّى عن ذلك بأنه خلقه بيديه، لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عبر عن ذلك بأن يقال: فعلته بنفسي، وتوليته بيدي، والقصد تمييز آدم بالاختصاص، وقد يجمع الشيء تفخيمًا، وإن كان واحدًا، والعرب تفعل ذلك، فهذا المعنى سلك الأئمة في هذه الآية وإن قلنا بإثبات اليد على طريقة القاضي، فلابد من تأويل الأحاديث على نحو ما قلناه، لذكر البسط فيه، وإنما يبقى النظر في معنى اليد، وإضافة هذا الأمر إليهما" (٢). وقال عند قوله ﷺ : "يطوي الله سبحانه السموات يوم القيامة ثم

стр. 498

يأخذهن بيده اليمنى" (١): "تقدَّم القول في ذكر اليد واختلاف الأصوليين في إثباتها بمعنى الصمة، لا بمعنى الجارحة، وتنازعهم في مقتضى قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وذكرنا تأويل ما وقع في ذكر اليد، ولكن لما ذكر ههُنا اليمين والشمال كان آكد في إيهام الجارحة، فإذا ثبت استحالة يد الجارحة عليه ووصفه باليمين والشمال، فلابد من حمل هذا على ما يجوز وأمثل ما تؤول عليه عندي: أن الله سبحانه أراد أنه يطوي السموات والأرضين بقدرته، وكنى عن ذلك بذكر اليد؛ لأن بها فعلنا نحن وبها تصرفنا فخاطب بما يفهم وبما يخرج إلى الحس والوجود ليكون أوكد وأرسخ في نفس السامع" (٣). وهذه التأويلات التي ذكروها بناءً على مذهبهم الفاسد بأن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والتشبيه، وهذا زعمٌ باطلٌ؛ لأن اللازم المذكور إنما يلزم من أثبت يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، وأما من أثبت يدين تليقان بالله لا تشبهان أيدي المخلوقين، فإن هذا لا يلزمه ماذكروه؛ لأن إثبات يدين حقيقيتين تليقان بالله تعالى، هو مثل إثبات علم وقدرة وحياة وسمع وبصر يليق بالله تعالى، أما تأويل اليدين بالقوة أو القدرة، أو النعمة، فهذا مذهب الكلَّابية والأشاعرة، وغيرهم، ممن ينفي صفات الله تعالى الخبرية، ولو فرض مجيء اليد بمعنى القدرة، فلا يجوز إطلاق هذا المعنى إلَّا في حق من اتصف باليد على الحقيقة، ولذلك لا يقال: يد الهوى ولا يد الماء" (٤).

стр. 499

وقد ورد ذكر اليدين في الآية بصيغة التثنية، وتأويلها بالقدرة لا يمكن لأن قدرة الله تعالى صفته وهي مفردة، وقد قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خُلق كل منهما به وهي قدرته ولقال إبليس: وأي فضيلة له عليَّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢) دلَّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه. ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق؛ لأن النعم مخلوقة (٣). وأما جعل قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤) من باب العناية بخلق آدم ﵇، وتشريفه بالإضافة إليه، فهذا كلام باطل؛ لأنه يقتضي أن اليدين ليستا من الصفات الحقيقية بل من الصفات المعنوية، وهذا مخالف لسياق الآية، ولفهم السلف، وذلك أن الفعل إذا أُضيف إلى الفاعل، وعُدِّيَ الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كان نصًّا في أنه فعل الفعل بيديه، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، وكلام الله تعالى منزَّه عن ذلك" (٥). وأهل السنة والجماعة قد أجمعوا على إثبات اليدين لله تعالى فيجب إثباتهما بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تمثيل، وهما

стр. 500

يدان حقيقيتان، تليقان به . إطلاق اليمين والشمال على يد الله تعالى: جاءت النصوص من الكتاب والسنة بوصف يد الله بأنها يمين. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، وقال ﷺ : "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة" (٢)، وقال ﷺ : "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (٣)، وقال ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلَّا الطيب إلَّا أخذها الرحمن بيمينه" (٤)، وقوله ﷺ : "إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٥). فإطلاق اليمين على يد الله تعالى بإجماع السلف لهذه النصوص الكثيرة الصريحة بإثباتها ولا يلتفت لمن خالف هذا ممن حاد عن مذهب السلف فعطل صفات الله تعالى. والقرطبي والمازري، كما أوَّلا صفة اليد، فكذلك صرفا ما جاء في

стр. 501

إثبات اليمين عن ظاهرها إلى تأويلات باطلة. قال القرطبي عند شرحه لقوله ﵇: "عن يمين الرحمن"، "قال ابن عرفة (١): يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ (٢) أي: أصحاب المنزلة الرفيعة وقيل غير هذا في الآية. ... وقد توسعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم: إذا ما رايةُ رُفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عَرَابةُ باليمين (٣) والمجد: الشرف، ورايته عبارة عما يظهر من خصاله، وهما معنويان، فاليمين التي تُتلقى به تلك الراية معنوي لا محسوس، فأشبه ما يحمل عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة" (٤). وعند قوله ﷺ : "يمين الله ملأى" قال: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية عبر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه، وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم" (٥). وقال المازري في شرح هذا الحديث: "هذا مما يتأول لأن اليمين التي هي جارحة إنما كانت يمينًا بنسبتها إلى الشمال فلا يوصف بها

стр. 502

تعالى؛ لأنها تتضمن إثبات شمال، وهذا يؤدي إلى التحديد ويتقدس الباري سبحانه عن أن يكون جسمًا محدودًا، وإنما خاطبهم ﷺ بما يفهمونه إذ أراد الإخبار على أن الباري لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جلت قدرته وعظمت عن ذلك، وعبَّر ﵇ عن قدرة الله سبحانه على توالي النعم بسح اليمين؛ إذ الباذل منَّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه" (١). قال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: "فإن قيل قوله: "عن يمين الرحمن" المراد به المنزلة الرفيعة، والمحل العظيم، قيل: هذا غلط؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: المقسطون في يمين الرحمن، ولأنه قال: "وكلتا يديه يمين" فلو كان المراد به المنزلة لم يكن لذكر اليد معنى. فإن قيل: حمله على ظاهره يستحيل على الله سبحانه؛ لأنه يؤدي إلى وصفه بالحد والجهة، قيل: لا يفضي إلى ذلك كما أن قوله: "ترون ربكم كما ترون القمر" حملناه على ظاهره، وإن كنا نعلم أن رؤية القمر في جهة محدودة والله تعالى لا في جهة (٢) ولا محدود" (٣). ولا شك أن المذهب الحق هو ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليمين لله . قال الشيخ ابن باز ﵀ رده على هذه التأويلات الباطلة المنكرة لوصف يد الله تعالى باليمين والتي ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند قوله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة ... إلَّا أخذها الرحمن

стр. 503

بيمينه" (١): "هذه التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك بحمد الله محذور عند أهل السنة والجماعة؛ لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها" (٢). وأما إثبات الشمال أو اليسار لله تعالى فقد وقع الخلاف فيه بين أهل السنة: فذهب البعض إلى جواز ذلك للحديث الذي أخرجه مسلم وهو قوله ﷺ : "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ... " (٣)، وقالوا: إن وصف إحدى اليدين باليمين كما جاءت في الأحاديث يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها: "بيده الأخرى" وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال، فيكون موافقًا لما جاء في هذا الحديث. وممن قال بهذا الدارمي وأبو يعلى، وصديق خان (٤)،

стр. 504

والهراس، والغنيمان وغيرهم (١). وقالوا: إن قوله ﷺ : "كلتا يديه يمين" لبيان تنزيهه تعالى عن النقص والضعف كما في أيدينا، الشمال من النقص وعدم البطش، فهو من إجلال الله وتعظيمه (٢). وقال آخرون: منهم: ابن خزيمة، والبيهقي، والألباني (٣)، وغيرهم (٤) بأن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.

стр. 505

قال القرطبي في وصف يد الله تعالى بالشمال: "قوله: "ثم يطوي الأرض بشماله" كذا جاء في الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث "وبيده الأخرى" كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري، وقد تحرز النبي ﷺ من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى، فقال: "وكلتا يديه يمين" لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، فنفى النبي ﷺ عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا والله تعالى أعلم" (١). وقال المازري عند شرحه للحديث الذي فيه إثبات الشمال: "لما علم سبحانه أنا نحن نتناول ما نكرم باليمين، وما دونه بالشمال، وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشمائلنا، وكانت السموات أعظم بما لا يتقارب ولا يتدانى من الأرضين، أضاف فعله فيها إلي اليمين وفعله في الأرض إلى الشمال على حسب ما قلناه، من أنا نحاول الأصعب باليمين، والأخف بالشمال، وإن كان الله سبحانه ليس شيء عليه أخف من شيء، ولا شيء أصعب من شيء، ولكنه تعالى خاطبنا بما نفهم، ولما ذكر اليد تمثيلًا أتم المعنى على التمثيل بعينه، ولا يبعد أن يكون في السموات ما هو أفضل من الأرض وكل ما فيها، لاسيَّما إذا قلنا بتفضيل الملائكة، أو يكون الباري سبحانه يفضل السموات لأمور تخفى عنا، فيكون أضافها إلى اليمين لما قلنا من اختصاص اليمين بالأشرف،

стр. 506

والشمال بما هو دونها، وجرى في ذلك على حكم التمثيل الذي به افتتح فختم عليه، وهذا الذي ظهر إليَّ في هذا الحديث" (١). صفة الأصابع: الأصابع ثابتة لله بالسنة الصحيحة، فقد جاء من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على أصبع، والشجر والثرى على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك. قال: فرأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) " (٣). وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء" (٤). قال ابن خزيمة ﵀: "باب إثبات الأصابع لله " (٥) ثم ذكر بالأسانيد ما يثبت ذلك (٦). وقال الآجري: "باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من

стр. 507

أصابع الرب بلا كيف" (١). وقال البغوي: "والإصبع المذكور في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل من صفات الله كالنفس والوجه والعين واليد والرجل ... " (٢). ومع هذه النصوص الصريحة في إثبات الأصابع لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه كما هو مذهب أهل السنة، إلَّا أن القرطبي والمازري سارا على المذهب المخالف لمذهب السلف في تأويل هذه الصفات، وصرف هذه النصوص عن ظواهرها بتأويلات بعيدة لا تحتملها ألفاظ النصوص الواردة. قال القرطبي في شرحه للحديث الأول: "قول اليهودي: إن الله يمسك السموات على إصبع ... الحديث إلى آخره" هذا كله قول اليهودي لا قول النبي ﷺ ، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص، ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشويَّة في هذه الملة، وضحك النبي ﷺ إنما هو تعجب من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣) أي: ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة، فأما رواية من زاد في هذا اللفظ تصديقًا له، فليست بشيء؛ لأنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبي ﷺ لا يصدق الكاذب، ولا المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال بدليل ما قدمناه غير مرة، وحاصله: أنه لو كان ذا يد وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف

стр. 508

عندنا لكان كواحدٍ منا، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلهًا ولصحت الإلهية للدجال، ولصدق في دعواه إياها، وكل ذلك كذب ومحال، والمفضي إليه كذب ومحال، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وإنما تعجب النبي ﷺ من جهله فوهم الراوي، وظن أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك، فإن قيل: فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" (١) فقد أخبر بأن له أصابع، فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف، كذبناه وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ صدقه وقال له: صدقت، لما كان تصديقًا له في المعنى، بل: في النقل أي: في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلِّم، أو نبدي تأويلًا له وجه في اللسان وصحة في العقل، على الرأيين اللذين لأئمتنا، وقد تقدما، وقد قلنا: إن الإصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبًا لمن استثقله: أنا أحمله على إصبعي، أو أرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري، وكما يقول من طاعَ بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأرفعه على رأسي يعني به: الطواعية وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفًا عند العقلاء متداولًا بينهم

стр. 509

خوطبوا بذلك جريًا على منهاجهم، وتوسعًا معلومًا عندهم، وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك: أن السموات والأرض وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبير خلقها في حقنا، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان أن خلقها وإمساكها على الله كبير، وتكلفها عسير، فنفى النبي ﷺ هذا الوهم بهذا الحديث، وبيَّنه على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنه قال: خلق بيده المذكورات العظيمة، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم وتهزُّونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشار بقوله: "ثم يقبض أصابعه ويبسطها" (١)، وبقوله: "ثم يهزهن" أي: هن في قدرته كالحبة مثلًا في حق أحدنا، أي: لا يبالي بإمساكها ولا بهزها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلَّا سلامة التسليم، والله بحقائق الأمور عليم" (٢). وفي شرحه للحديث الثاني بين أن إثبات الإصبع لله محال، ثم ذكر تأويلات لهذا الحديث، وهي: أن هذا الإصبع يراد به بيان التمكن منه، والتصرف فيه، أو إن الإصبع في الحديث يراد به النعمة والتثنية لأجل نعمة النفع، ونعمة الدفع، فيصرفُ اللهُ عن القلوب ضرًّا ويوصل إليها نفعًا، ثم رد هذا بأنه نفع ودفع يختص بقلوب الصالحين، فتشكل قلوب الفساق والكفار، فرجح تأويله بالنعمة وختمه بقوله: التسليم هو الطريق السليم" (٣).

стр. 510

وقال المازري في شرح الحديث الأول: "الإصبع قد يراد به معنى الاقتدار، وقد يراد به معنى النعمة، وهذا الحديث، قد يراد به أن الله خلق السموات على عظمها مقتدرًا عليها، من غير أن يمسه تعب ولغوب، كما أن الإنسان منا لا يشق عليه ولا يتعبه ما يصرفه على إصبعه، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذه المعاني احتقارًا، ويقولون: بإصبع واحدة أقتلك، أو أفعل كذا أوكذا، فقد يراد هَهُنا هذا المعنى أن الله سبحانه لم يتعبه خلق ما ذكر ولا شق عليه على عظم مخلوقاته هذه، وقد قال بعض الناس: قد يكون بعض المخلوقات اسمه إصبع، فأخبر بخلق هذه الأشياء عليه، وقال بعضهم: يحتمل أن يُراد إصبع بعض خلقه، وهذا غير مستنكر في قدرة الله سبحانه، والغرض المنع أن يكون لله سبحانه إصبع الجارحة لإحالة العقل له، ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز، وقد أرينا طرقًا من التأويل" (١). وقال عند شرحه للحديث الثاني: "هذا تجوز وتوسع كما يقول القائل: فلان في قبضتي، وبكفي، ولا يريد أنه حال بكفه، وإنما المراد أنه تحت قدرتي، وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلَّا بإصبعي، أو فلان بين إصبعي أصرفه كيف شئت، ولا يريد أنه حالٌّ بين الإصبعين، وإنما يريد: أنه هين عليه القهر له، والغلبة، وتصريفه كيف شاء، فكذلك المراد بقوله: "إصبعين من أصابع الرحمن" أي: أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته لا يعتاص عليه، ولا يفوته ما أراد منه، كما لا يعتاص على الإنسان ما كان بين إصبعيه، ولا يفوته وخاطب العرب من حيث تفهم، ومثَّل بالمعاني المحسوسة تأكيدًا للمعاني في نفوسها، فإن

стр. 511

قيل: فإن قدرة الله سبحانه واحدة، والإصبعان ههنا اثنان، قيل: قد أخبرنا أن ذلك مجاز واستعارة وتمثيل، فوقع الكلام على حسب ما اعتادوه في هذا الخطاب غير مقصود منه إلى تثنية أو جمع، ويحتمل أن يُراد بالإصبع ههنا النعمة ويقال: عندي لفلان إصبع حسنة، أي يد جميلة، ولكن يقال على هذا: فلم ثنَّى النعمة؟ ونعم الله لا تحصى، قيل: لا تحصى آحادها، والأجناس قد تحصى، فيكون المراد بالنعمتين اللتين عبر عنهما بالإصبعين نعمة النفع ونعمة الدفع، فنعمة النفع هي الظاهرة، ونعمة الدفع هي الباطنة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (١): إن الظاهرة نعمة النفع والباطنة نعمة الدفع، وقلب العبد للباري سبحانه عليه نعمة نفع ونعمة دفع، فلا يبعد أن يراد بالنعمتين هاتان أو غيرهما من الأجناس التي تليق بهذا" (٢). وكلام القرطبي والمازري في هذه الصفة يدل على التكلف الشديد والحرص الأكيد على صرف النص عن ظاهره لزعمهم أن إثباته يستلزم أن يكون من جنس أصابع المخلوقين، وهذا ظنٌّ سيء بالله تعالى، وبكلامه، وكلام رسوله ﷺ ، وقعوا فيه بسبب تأثرهم بالمنهج الكلامي الفاسد المتناقض. وأهل السنة ينفون التشبيه عن الله تعالى مع إيمانهم بالنصوص وتسليمهم بمقتضاها. ونرى القرطبي قد صرف الحديث الأول عن الاستدلال به على هذه الصفة إذ جعل هذا من كلام اليهودي الذي أنكره الرسول ﷺ بضحك

стр. 512

المعجب من جهله، وإن في تلاوته ﵊ للآية ردٌّ عليه، ووهَّم الراوي في قوله ضحك "تصديقًا له". ولا شك أن طعنه في الراوي مما لا يسلَّم له، إذ في هذا طعن بالثقات الأثبات من الرواة، وردٌّ للأخبار الثابتة حرصًا على أصولهم الفاسدة، ولو كان الأمر على خلاف ما ظن الراوي لكان الرسول ﷺ مُقرًّا له على الباطل، وحاشاه ﷺ من ذلك. قال الإمام ابن خزيمة في رد هذا الرأي، وبيان فساده: "قد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله. لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته" (١). ونعلم من وصفه ﷺ أنه كان شديد الغضب لله تعالى ومواقف إنكاره وغضبه ﷺ إذا انتهكت محارم الله لا تخفى على مُطَّلع على سنته وسيرته. ثم صرف القرطبي والمازري لهذا الحديث وللحديث الآخر بتأويلات باطلة بعيدة، كقولهم: إن هذا من المجاز والاستعارة الجارية مجرى المثل، أو إن المقصود بالإصبع: القدرة، أو النعمة، أو المقصود: خلق من خلق الله اسمه "إصبع" أو إصبع بعض خلقه، وغيرها من التأويلات التي يغني عرضها عن نقدها. وهما قد ترددا في ذلك، وبحثا عن كل مخرج إلَّا الإثبات الذي عليه سلف الأمة وأتباعهم من الخلف.

стр. 513

وقد رد عليهم ابن قتيبة ﵀ هذه التأويلات بعد ذكره لقوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" حيث قال: "ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث؛ لأنه ﵇ قال في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: أَوَتَخَاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: "إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله " (١) فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ ولم احتج على المرأة التي قالت له: "أتخاف على نفسك؟ " بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههُنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: "ويحمل الأرض على إصبع"، وكذا "على إصبعين" ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) ولم يجز لك ولا نقول: إصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه لا يشبه شيئًا منا" (٣). وقال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: "فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع: الملك والقدرة، ويكون فائدته أن قلوبهم في قبضته جارية على قدرته، وذكر هذا ﵇ عن طريق المثل.

стр. 514

قيل: هذا غلطٌ؛ لأن حمله على الملك والقدرة والنعم، يسقط فائدة التخصيص بالقلب؛ لأن جميع الأشياء هذا حكمها، وأنها في ملكه وبنعمه. ولأنه لو أراد النعمتين، لكان القلب محفوظًا بها، ولم يحتج إلى الدعاء بالتثبيت، ولما دعا بالتثبيت، لم يصح حمله على النعمتين، وهذا جواب ابن قتيبة. وأما القول بالمجاز، فلا يصح في صفات الله تعالى؛ لأنه لا حقيقة للمجاز. وأما القول بأن المراد بقوله ﵇: "يمسك السموات على إصبع ... " أي: على إصبع بعض خلق يخلقه، فلا يصح هذا؛ لأنه جاء في الحديث: "وسائر الخلق على إصبع" فاقتضى ذلك أنه لم يبق مخلوق إلَّا وهو على الإصبع فلو كان المراد به إصبع بعض خلقه لخرج بعض الخلق عن أن يكون على الإصبع وهذا خلاف الخبر. ثم إن المفسرين قالوا: إن هذا يكون عند فناء الخلق وإماتتهم، فلا يكون له مجيب غير نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (١) فدل هذا على أنه لم يبق هناك خلق يضع السموات على إصبعه. فإن قيل: في الخبر ما يدل على القدرة، وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) قيل: معناه ما عرفوا الله حق معرفته، وإذا كان هذا معناه لم يكن المراد به القدرة" (٣). والصواب في هذا ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات الصفة لله تعالى بهذه النصوص مع نفي المشابهة والتمثيل والابتعاد عن التكييف أو التعطيل والله الهادي إلى سواء السبيل. صفة الرِّجْل والقَدَم: صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها قوله ﷺ :

стр. 515

"فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله ﵎ رجله - وعند مسلم: قدمه - فتقول قط قط" (١)، وقوله ﷺ : "يُقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه عليها، فتقول: قط قط" (٢)، هذا سوى الآثار الموقوفة على الصحابة في إثبات القدمين لله تعالى (٣)، فأهل السنة يثبتون لله تعالى هذه الصفة على ما جاءت بها النصوص كما يليق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤). قال القرطبي: "حتى يضع رب العزة فيها قدمه"، وفي اللفظ الآخر: "حتى يضع الله رجله" ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا: أن لله تعالى رجلًا من لحم وعصب تشبه أرجلنا كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا، ذو وجه وعينين، وجنب، ويد، ورجل، وهكذا، وهذا ارتكاب جهالة، خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقل مسكة، فإن الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام

стр. 516

العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله (١)، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع، ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤) ويلزم على قولهم: أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور (٢) وغير ذلك وكل ذلك جهالات وضلالات ولله سرٌّ في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ (٣) وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات وأشبه ما فيها تأويلان: أحدهما: أن النار تتغيظ وتتهيج حنقًا على الكفار والمتكبرين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٤) وكما قال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ (٥) وكما قال في هذا الحديث: "لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ " وكما قال: "تخرج عنق من النار فتقول وكلت بالجبارين والمتكبرين" (٦) فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد وفي بعض الحديث أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها وحدتها وبردها ويذللها ذل متكبر وطيء بالقدم

стр. 517

والرجل، فعبر عن تذليلها بذلك ويشهد لذلك قوله ﷺ : "فيضع قدمه عليها" وعلى هذا فيكون "فيها" في الرواية الأخرى بمعنى عليها كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي: على جذوع النخل. وثانيهما: أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها وهم جماعات كثيرة؛ لأن أهل النار يلقون فيها فوجًا بعد فوج كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (٢) ويؤيده قوله في الحديث: "لا يزال يلقى فيها" فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين؛ إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم كما قد روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلَّا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد. قالت الخزنة: قط قط، إي: حسبنا حسبنا اكتفينا اكتفينا فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها أي: تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل فتقول: جاء رجلُ من جراد، أي: جماعة منها ويشهد بصحة هذا التأويل قوله في آخر الحديث: "ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة" والله بمراد رسوله أعلم والتسليم في المشكلات أسلم" (٣). قلت: عفا الله عن القرطبي، ما أشدَّ هذا التكلف! وما أبعد هذا التأويل! لقد أقر الباطل بقوله هذا ودفع الحق، ونسب إلى السلف ما لم يقولوه، وألزمهم بما لم يعتقدوه مع رميه لهم با لتجسيم ووصفهم بالتشبيه.

стр. 518

لقد أجهد القرطبي نفسه في جمع ما استطاع لتأييد ما ذهب إليه من التأويل مع وضوح النصوص وجلاء دلالتها، وكان يسعه ما وسع السلف الماضين من الأئمة المرضيين، فقوله هذا من تحميل الصفة ما لا تحتمل، وقد جاءت هذه الألفاظ عن أفصح الخلق ﷺ وأنصحهم للأمة، وبمقتضى هذه النصوص الظاهرة الجلية آمن السلف بإثبات هذه الصفة لله ﵎، واعتقدوا ذلك دون تأويل أو تفويض كحال هؤلاء، لكنها المناهج الفاسدة والآراء المبتدعة، والقواعد الباطلة التي هي سمة مذهبهم في الصفات، حيث عطلوا الله تعالى عن صفاته، ورموا من أثبتها بتشبيه ذاته بمخلوقاته، تعالى الله عن ذلك، وختم - عفا الله عنه - حديثه بقوله: "والتسليم أسلم" وليته سلَّم فسلم، والسلامة لا يعدلها شيء. وكذلك المازري سلك هذا المسلك، فالتزم التأويل وصرف النص عن ظاهره من غير دليل، حيث قال: "هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه. ولمَّا نقله الأثبات، واشتهر عند الرواة، تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه، والنظر في تأويله، فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدم، ويقال: للمتقدم قدم، فيكون تقدير الكلام حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) معناه: التقدم والسبق، لا قدم الرجل، فإذا وقع مثل ذلك في القرآن حملنا ما وقع في السنة عليه، وإلى هذا التأويل مال النضر بن شميل (٢)، وقد أشار ابن الأعرابي (٣) إلى أن

стр. 519

القدم يعبر به عن هذا المعنى، ولكن في الشرف والجلالة، ويحتمل أن يكون المراد ههُنا بالحديث قدم بعض خلقه، وتكون الإضافة ههُنا إلى الله سبحانه إضافة فعل لا إضافة جارحة، وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله سبحانه يخلق في الآخرة خلقًا يسمى بهذه التسمية فلا تمتليء النار إلَّا به. ويحتمل وجه آخر على رواية من رواه "حتى يضع الجبار" أن يريد به الشيطان؛ لأنه أصل الجبارين أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة، فيكون المعنى: لا تمتليء حتى يضع إبليس فيها قدمه، أو هذا المشار إليه، وأما ما خرجه مسلم في بعض طرقه حتى يضع الله رجله، فقد أنكر هذه اللفظة بعض أهل العلم وزعم ابن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن لابد من تأويلها لأجل تخريج مسلم لها، وهو كما وصفناه في كتابنا هذا أولًا ووصفنا أحاديثه، فيصح أن يكون المراد ههنا رجل بعض خليقته وأضاف ذلك إليه إضافة فعل لا إضافة جارحة كما قدمناه في القدم، ويصح فيه تأويل آخر أيضًا، وهو أن يكون المراد بالرجل ههُنا الجماعة من الناس كما يقال: رجل من جراد أي جماعة من جراد، وقد وقع ذلك في أشعار كثيرة، وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجسمة من إفادته إثبات الجارحة لله، تعالى عن قولهم، وقد قام الدليل القاطع العقلي على استحالة ذلك عليه جل وعلا، وهذا واضح فتأمله" (١). وكل هذا التخبط لا يغني من الحق شيئًا فأهل السنة يثبتون القدم صفة لله من غير تشبيه، ويردون هذه التأويلات الباطلة على

стр. 520

أصحابها. قال ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات الرِّجل لله ، وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله على لسان نبيه المصطفى ﷺ (١). وقال أبو يعلى مفندًا تأويلات المبتدعة لصفة القدم: فإن قيل: معنى القدم ههنا المتقدم من المشركين يضعه في النار؛ لأن العرب تقول للشيء المتقدم: قدم وعلى هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) أي: سابقة صدق .. قيل: هذا غلط لوجهين: أحدهما: أن قوله: "يضع قدمه" هاء كناية وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور في الخبر الله سبحانه، وفي لفظ آخر: "الجبار" وفي لفظ آخر: "رب العزة" فوجب أن يرجع إليه، فأما المتقدم من الكفار فلم يتقدم ذكرهم فلا يجب رجوع الهاء إليهم. الثاني: أن هذا يسقط فائدة التخصيص بالنار؛ لأن المتقدم بفعل الخير يضعه في الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حمله على ظاهره ليفيد فائدة. فإن قيل: المراد بالقدم ههنا: خلق من خلق الله تعالى يخلقه الله تعالى يوم القيامة فيسميه: قدمًا ويضعه الله من طريق الفعل، والملك يضعه في النار. قيل هذا غلط لما تقدم من الوجهين. فإن قيل: المقصود جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون بقوله: "يضع الجبار" قيل هذا غلط؛ لأنه جاء في الحديث: "رب العزة" و"يضع

стр. 521

الله قدمه" (١). وقال ابن تيمية: "قد غلط في هذا الحديث المعطلة الذين أوَّلوا "قدمه" بنوع من الخلق كما قالوا: الذين تقدم في علمه أنهم أهل النار حتى قالوا في قوله: "رجله" كما يقال: رِجل من جرادٍ وغلطهم من وجوه: فإن النبي ﷺ قال: "حتى يضع" ولم يقل حتى يلقى كما قال في قوله: "لا يزال يلقي فيها". الثاني: أن قوله "قدمه" لا يفهم منه هذا لا حقيقة ولا مجازًا كما تدل عليه الإضافة. الثالث: أن أولئك المؤخرين إن كانوا من أصاغر المعذبين فلا وجه لانزوائها وانكفائها بهم، فإن ذلك إنما يكون بأمر عظيم وإن كانوا من أكابر المجرمين فهم في الدرك الأسفل، وفي أول المعذبين لا في أواخرهم. الرابع: إن قوله: "فينزوي بعضها إلى بعض" دليل على أنها تنضم على من فيها فتضيق بهم من غير أن يلقى فيها شيء. الخامس: أن قوله: "لا يزال يلقي فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع فيها قدمه" جعل الوضع الغاية التي إليها ينتهي الإلقاء ويكون عندها الانزواء فيقتضي ذلك أن تكون الغاية أعظم مما قبلها. وليس في قول المعطلة معنى للفظ "قدمه" إلَّا وقد اشترك فيه الأول والآخر والأول أحق به من الآخر" (٢). وبهذه النقول السلفية الصحيحة الصافية، المبنية على النصوص

стр. 522

الشرعية، يتبين بطلان ما ذهب إليه المتأولون، وصحة ما ذهب إليه السلف الصالحون، من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه، إيمانًا واعتقادًا وتسليمًا، والسلامة في اتباع منهج السلف السالمين من التعطيل والتمثيل. صفة السَّاق: صفة من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ (١)، وقال ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: " ... فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن" (٢). وإن كان في الآية خلاف من ناحية دلالتها على هذه الصفة فالحديث نص صريح في إثباتها ولذا فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفة لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا فقال عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: الصحابة قد تنازعوا في تفسير هذه الآية، هل المراد به الكشف عن الشدة، أو المراد أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلَّا في هذه الآية، بخلاف قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٤) ... ونحو ذلك فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله

стр. 523

تعالى؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ولم يقل: عن ساق الله ولا قال: يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة، ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في "الصحيحين" الذي قال فيه: "فيكشف الرب عن ساقه"، وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلَّا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة أي: أزالها، كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (١) وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ (٣) وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشدة، أي: أزالها، فلفظ الآية: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ وهذا يراد به الإظهار والإبانة، كما قال: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ﴾ وأيضًا فهناك تحدث الشدة لا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة "ساق" بل با لتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود (٤). والقرطبي عفا الله عنه أوَّل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها بشرحه

стр. 524

للحديث الصحيح الذي أجمع السلف على أن فيه إثباتًا لصفة "الساق" لله تعالى. قال القرطبي: "فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق، ويتجلى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة، وكشف الساق: مثل تستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح، واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها وحقت حقائقها وقال: وكُنتُ إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ (١) ... أُشمِّر حتى ينصُفَ الساقَ مِئزَري (٢) (٣) وأما العلماء الذين عدوا الآية من آيات الصفات فبين ابن القيم وجهتهم بقوله: "والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا" ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله ﷺ : "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا" وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل، أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ (٤) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ (٥) فالعذاب والشدة هو المكشوف، لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلَّا بدخول الجنة، وهناك

стр. 525

لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة" (١). قال الشوكاني: "وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا فليس كمثله شيء" (٢). صفة الاستواء: من صفات الله تعالى الفعلية، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤)، وقال ﷺ : "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (٥)، وقد أجمع الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ومن تبعهم ولم يخالف فيه إلَّا من هو متهم على الإسلام (٦)، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن (٧). على أنَّ الاستواء من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، أما العلو فهو معلوم بالسمع والعقل (٨). وقد بيَّن السلف أن الاستواء صفة ثابتة لله تعالى، وأنه استواء حقيقي يليق بجلاله وعظمته.

стр. 526

وقد روى الدارمي أن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال الر اوي: فما رأينا مالكًا وَجَدَ من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (١) وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم. سري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا ثم أمر به فأُخرج (٢). قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة والجهمية: أنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم" (٣). وقال أبو الحسن الأشعري: نقول إن الله يستوي على عرشه، استواءً يليق به" (٤). وقال ابن تيمية: "فإن القول بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، وقد اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف" (٥). وكما أنكر القرطبي العلو فكذلك أنكر الاستواء حيث قال: "إضافته إلى الله -أي العرش- على جهة الملك أو التشريف، لا لأن الله استقر عليه، أو استظل به، كما قد توهمه بعض الجهال في الاستقرار

стр. 527

وذلك على الله محال، إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها" (١). وقال في موضع آخر: "ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقرٌّ عليه، كاستقرار الأجسام، إذ لو كان محمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية، إذ أخص أوصافه الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسمًا مقدرًا، ويلزم كونه حادثًا على ما سبق، فإن قيل ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) قيل: له محامل واضحة وتأويلات صحيحة غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم" (٣). وقال أيضا: "ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا" (٤). وكلام القرطبي واضح في نفي استواء الله تعالى على العرش بزعم أن هذا من صفات الأجسام والمحدثات، وأنه لو كان مستويًا على العرش، لكان محتاجًا إليه، وهذا لا شك من اللوازم الباطلة إذ أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الاستواء اللائق به تعالى ونزَّهوه سبحانه أن يحتاج لشيء أو يفتقر إلى مخلوق. قال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق، وهو مستغني عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء، وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه".

стр. 528

قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه لهذا الكلام: "إنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش، وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش، واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته العرش، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل" (١). وقال ابن تيمية: "من كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش أو غيره- فهو مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: اسعتواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلَّت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلَّت على أن الله غني عن كل شيء، ودلَّت على أن الله مباين للمخلوقات عالٍ عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق

стр. 529

سمواته على عرشه، بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش، وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش، وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة، وأئمتها، فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش" (١). فضلال هؤلاء في هذا الجانب بسبب قياسهم الخالق بالمخلوق فهم شبهوا أولًا وعطَّلوا ثانيًا، ولو قدروا الله حق قدره لما ظنوا هذه الظنون. فأهل السنة يثبتون استواء الله تعالى على العرش، ولكنهم لا يسألون عن الكيفية كما سبق إنكار الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على من سأل عن كيفية الاستواء. قال الذهبي بعد نقله لإجابة مالك لمن سأل عن كيفية الاستواء: "وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًّا ولا إثباتًا بل نسكت ونقف كما وقف السلف. ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما

стр. 530

وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه. ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا" (١). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وينبغي للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (٢) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٣) فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا يخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله ليس بخبير (٤). فالصواب في هذه المسألة ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات استواء الله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به" (٥). صفة النزول: النزول صفة فعلية جاءت عن الرسول ﷺ في أحاديث صحيحة، حيث قال ﷺ : "ينزل ربُّنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين
следующие страницы →